الإمام السجاد في كتب الرجال والتراجم

من إمامةبيديا

نبذة

الإمام الرابع علي زين العابدين(ع)[١] ابن الحسين بن علي بن أبي طالب، رابع أئمة أهل البيت الطاهر، «أبو محمد القرشي»، الهاشمي، العلوي.

وُلد بالمدينة المنورة في الخامس من شعبان، وقيل غير ذلك، سنة ثمان وثلاثين وقيل سبع وثلاثين، وكان له من العمر حين قام بأعباء الإمامة بعد استشهاد أبيه الحسين(ع)، اثنان وعشرون عاماً أو ثلاثة وعشرون.

ومن ألقابه: زين العابدين، و«السجاد»، و«ذو الثفنات»، وأشهرها زين العابدين، وبه كان يُعرف.

قال أبو الزبير: كنّا عند جابر، فدخل عليه علي بن الحسين، فقال: كنت عند رسول الله (ص)، فدخل عليه الحسين بن علي، فضمه إليه، وقبّله، وأقعده إلى جنبه، ثم قال: يولد لابني هذا ابن يقال له علي، إذا كان يوم القيامة، نادى منادٍ من بُطنان العرش: ليقم سيد العابدين، فيقوم هو.

وجاء في تذكرة الخواص لأبن الجوزي إن رسول الله (ص) سمّاه بهذا الإسم. وجاء في تسميته بذي الثفنات عن الباقر (ع) قال: «كان لأبي في موضع سجوده آثار ثابتة يقطعها في كل سنة من طول سجوده، وكثرته».

لقد نشأ زين العابدين في بيت النبوة، الذي توالت عليه المصائب، والنكبات، وكان (ع) على صلة وثيقة بالأحداث التي أعقبت تربع يزيد بن معاوية على كرسي الحكم، والذي اعتبر تحدّياً للإسلام وإهانة للمسلمين، ممّا دعا الإمام الحسين إلى الثورة لمواجهة الخطر، فقاد (ع) موكب الثائرين ضد الفساد والطغيان، وكان زين العابدين في ذلك الموكب الحسيني الثائر، ورأى بأُم عينيه ـ حيث أقعده المرض في تلك الأيام عن القتال ـ مصارع أبيه وإخوته، وأعمامه، وأنصارهم على صعيد كربلاء، وشهد تلك الجرائم البشعة التي ارتكبت بحقّهم.

إنّ الإمام الحسين (ع) سجّل موقفاً بطولياً، بإراقة دمه، ودماء أهل بيته، وأصحابه، من أجل إحياء مفاهيم الرسالة، وإيقاظ إرادة الأمّة، فجاءت الثورة دامية، باعتبارها الاسلوب الأنجع في تحريك الإرادة المهزومة، وإيقاظ الضمائر الميتة.

ويأتي دور زين العابدين لإكمال عملية التغيير الثورية، فاتخذ المواقف التي تملأ النفوس غضباً مقدّساً على الحكم الظالم، ولم يترك مناسبة دون أن يذكّر بالمصائب التي حلّت بأهل البيت، حملة الإسلام المخلصين، ممّا أدّى إلى تحفيز وإلهاب الشعور بالإثم الذي أحسّه المسلمون عقب مقتل الحسين (ع)، لتقاعسهم عن نصرته، وموقفهم المتخاذل منه.

وبدافع هذا الشعور، انطلقت الثورات، فكانت ثورة المدينة، وثورة التوابين بالكوفة، وتوالت الثورات حتى زعزعت أركان الحكم الأموي، وأسقطته في نهاية المطاف.

ولجأ زين العابدين (ع) إلى اسلوب آخر لإصلاح المجتمع، وهو أسلوب الدعاء، فترك لنا ثروة زاخرة من الأدعية المعروفة بـ «الصحيفة السجادية»، التي عالجت مختلف أدواء النفس البشرية، وتضمنت حلاً لكثير من المشاكل الاجتماعية، وزخرت بالعديد من الأساليب التربوية، كل ذلك في أسلوب رائع يشدّ الإنسان إلى خالقه، ويعمّق ارتباطه الروحي به.

وقد أرسل أحد الأعلام نسخة من الصحيفة مع رسالة إلى العلامة الشيخ الطنطاوي (المتوفى عام ١٣٥٨هـ) صاحب التفسير المعروف، فكتب في جواب رسالته: «ومن الشقاوة إنّا إلى الآن لم نقف على هذا الأثر القيّم الخالد في مواريث النبوة، وأهل البيت، وإنّي كلّما تأملتها رأيتها فوق كلام المخلوق، ودون كلام الخالق».

وللإمام (ع) أيضاً «رسالة الحقوق»، التي تشتمل على خمسين مادة، بيّن فيها حقّ الله تعالى، وحق الوالد، وحق الولد، وحق المعلم، وحق اللسان، وحق السمع، وغيرها من الحقوق.

كما أنّه أسّس مدرسة للفقه والحديث، وقد أُحصي أكثر من مائة وستين من التابعين والموالي ممن كانوا ينهلون من معينه، ويروون عنه.

حدث عنه: سعيد بن المسيب، و سعيد بن جبير، و القاسم بن محمد بن أبي بكر، و أبو الزناد، و يحيى بن أم الطويل، و عمرو بن دينار، و الزهري، و زيد بن أسلم، و يحيى بن سعيد الأنصاري، وطائفة.

روي عن الزهري، قال: ما رأيت أحداً كان أفقه منه. وذُكر أنّ رجلاً قال لابن المسيّب: ما رأيت أورع من فلان، قال: هل رأيت علي بن الحسين؟ قال: لا، قال: ما رأيت أورع منه.

وكان (ع) إذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة، فقيل له، فقال: «تَدْرُونَ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ أَقُومُ، وَمَنْ أُنَاجِي».

عن أبي حازم الأعرج، قال: ما رأيت هاشمياً أفضل منه. وعن أبي حمزة الثمالي، قال: كان علي بن الحسين يحمل جراب الخبز على ظهره، فيتصدق به، ويقول: «إِنَّ صَدَقَةَ اَلسِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ اَلرَّبِّ». وعن عمرو بن دينار، قال: دخل علي بن الحسين على محمد بن أُسامة بن زيد في مرضه، فجعل محمد يبكي، فقال: «ما شأنك». قال: عليّ دين. قال: «وكم هو»؟ قال: خمسة عشر ألف دينار. قال: «فهو عليّ». وعن يزيد بن عياض، قال: أصاب الزهري دماً خطأ، فخرج، وترك أهله، وضرب فسطاطاً، وقال: لا يظلّني سقف بيت، فمرّ به علي بن الحسين (ع)، فقال: «يا ابن شهاب، قنوطك أشد من ذنبك، فاتق الله، واستغفره، وابعث إلى أهله بالدية، وارجع إلى أهلك» فكان الزهري يقول: علي بن الحسين أعظم الناس علي منّة.

قال الذهبي في وصف زين العابدين(ع): كان له جلالة عجيبة، وحقّ له والله ذلك، فقد كان أهلاً للإمامة العظمى لشرفه، وسؤدده، وعلمه، وتألهّه، وكمال عقله.

وقال الحافظ أبو نعيم: فمن هذه الطبقة (أي طبقة تابعي المدينة) علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(ع)، زين العابدين، ومنار المتقين، وكان عابداً وفياً، وجواداً حفياً.

وقال الشيخ محمد أبو زهرة: فعلي زين العابدين كان إمام المدينة نبلاً وعلماً، وقال: كان ملء الأبصار والقلوب في بلاد الحجاز كلّها، والذي كانت الجموع تنزاح بين يديه، من غير سلطان، ولاحكم إلاّ الشرف والفضيلة وكريم الخصال[٢].

قال علماء السير: حج هشام بن عبد الملك، ولم يل الخلافة بعد، فطاف بالبيت، فجهد أن يصل إلى الحجر فيستلمه، فلم يقدر عليه، فنصب له منبر، وجلس عليه ينظر إلى الناس، فأقبل علي بن الحسين، فطاف بالبيت، فلما بلغ إلى الحجر، تنحّى له الناس حتى استلمه، فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة؟! فقال هشام: لا أعرفه، مخافة أن يرغب فيه أهل الشام، وكان الفرزدق حاضراً، فقال الفرزدق: ولكنني أعرفه، فقال الشامي: من هذا يا أبا فراس؟ فقال:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأتهوالبيتُ يعرفه والحلُّ والحرمُ
هذا ابن خير عباد الله كلهمُهذا التقيُّ النقيّ الطاهر العلمُ
إذا رأته قريشٌ قال قائلهاإلى مكارم هذا ينتهي الكرمُ
يُنمى إلى ذروة العزّ التي قصرتعن نيلها عرَبُ الإسلام والعجمُ
يكاد يمسكه عرفان راحتهركن الحطيم إذا ماجاء يستلمُ
يغضي حياءً ويُغضى من مهابتهفما يكلّمُ إلاّ حين يبتسمُ
هذا ابن فاطمة إنْ كنتَ جاهلَهُبجدِّه أنبياء الله قد ختموا
من معشر حبّهم دين وبغضُهُمُكفر وقربُهُم منجىً ومعتصمُ
إنْ عدَّ أهل التقى كانوا أئمتهمأو قيل من خير أهل الأرض قيل همُ

إلى آخر القصيدة التي تبلغ نحواً من ثلاثين بيتاً كما في رواية ابن الجوزي، و السبكي في طبقات الشافعية.

وممّا جاء في أدعية الصحيفة السجادية، دعاؤه لأهل الثغور، نقتطف منه ما يلي: «اَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ حَصِّنْ ثُغُورَ اَلْمُسْلِمِينَ بِعِزَّتِكَ، وَ أَيِّدْ حُمَاتَهَا بِقُوَّتِكَ، وَ أَسْبِغْ عَطَايَاهُمْ مِنْ جِدَتِكَ. اَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ كَثِّرْ عِدَّتَهُمْ، وَ اِشْحَذْ أَسْلِحَتَهُمْ، وَ اُحْرُسْ حَوْزَتَهُمْ، وَ اِمْنَعْ حَوْمَتَهُمْ، وَ أَلِّفْ جَمْعَهُمْ، وَ دَبِّرْ أَمْرَهُمْ، وَ وَاتِرْ بَيْنَ مِيَرِهِمْ، وَ تَوَحَّدْ بِكِفَايَةِ مُؤَنِهِمْ، وَ اُعْضُدْهُمْ بِالنَّصْرِ، وَ أَعِنْهُمْ بِالصَّبْرِ، وَ اُلْطُفْ لَهُمْ فِي اَلْمَكْرِ. اَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ عَرِّفْهُمْ مَا يَجْهَلُونَ، وَ عَلِّمْهُمْ مَا لاَ يَعْلَمُونَ، وَ بَصِّرْهُمْ مَا لاَ يُبْصِرُونَ. اَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ أَنْسِهِمْ عِنْدَ لِقَائِهِمُ اَلْعَدُوَّ ذِكْرَ دُنْيَاهُمُ اَلْخَدَّاعَةِ اَلْغَرُورِ، وَ اُمْحُ عَنْ قُلُوبِهِمْ خَطَرَاتِ اَلْمَالِ اَلْفَتُونِ، وَ اِجْعَلِ اَلْجَنَّةَ نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ، وَ لَوِّحْ مِنْهَا لِأَبْصَارِهِمْ مَا أَعْدَدْتَ فِيهَا مِنْ مَسَاكِنِ اَلْخُلْدِ وَ مَنَازِلِ اَلْكَرَامَةِ...»

وقال (ع) في حق الولد: «فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ مِنْكَ وَ مُضَافٌ إِلَيْكَ فِي عَاجِلِ اَلدُّنْيَا بِخَيْرِهِ وَ شَرِّهِ وَ أَنَّكَ مَسْئُولٌ عَمَّا وُلِّيتَهُ مِنْ حُسْنِ اَلْأَدَبِ وَ اَلدَّلاَلَةِ عَلَى رَبِّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ اَلْمَعُونَةِ لَهُ عَلَى طَاعَتِهِ فَاعْمَلْ فِي أَمْرِهِ عَمَلَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُثَابٌ عَلَى اَلْإِحْسَانِ إِلَيْهِ مُعَاقَبٌ عَلَى اَلْإِسَاءَةِ إِلَيْهِ».

وفي حق الناصح قال (ع): «أَنْ تُلِينَ لَهُ جَنَاحَكَ وَ تُصْغِيَ إِلَيْهِ بِسَمْعِكَ فَإِنْ أَتَى اَلصَّوَابَ حَمِدْتَ اَللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ إِنْ لَمْ يُوَافِقْ رَحِمْتَهُ وَ لَمْ تَتَّهِمْهُ».

توفي زين العابدين (ع) في الخامس والعشرين من شهر محرم، وقيل غير ذلك سنة أربع وتسعين، وقيل: خمس وتسعين، ودفن في مقبرة البقيع بالمدينة إلى جوار عمه الإمام الحسن بن علي(ع).[٣]

المراجع والمصادر

  1. جعفر السبحاني، موسوعة طبقات الفقهاء ج ١

الهوامش

  1. الطبقات الكبرى لابن سعد ٥: ٢١١، المحبّـر ٤٥٠، التاريخ الكبير ٦: ٢٦٦، المعارف ١٢٥، المعرفة والتاريخ ١: ٣٦٠، تاريخ أهل البيت (ع) لابن أبي الثلج ٧٧ و١٠٣ و١٣٧، مروج الذهب ٣: ٣٦٩ برقم ٢١٢٠، مشاهير علماء الأمصار ١٠٤ برقم ٤٢٣، الكافي للكليني ٢: ٤٩١ ـ ٤٩٤، الأغاني ١٥: ٣٢٥، الارشـاد للمفيد ٢٥٣ ـ ٢٦١، حلية الأولياء ٣: ١٣٣، الرجال للطوسي ٨١، طبقات الفقهاء للشيرازي ٦٣، اعلام الـورى بأعلام الهدى ٢٥٦ ـ ٢٦٤، تهذيب الكمال ٢٠: ٣٨٣، مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ٤: ١٢٩، المنتظم لابن الجوزي ٦: ٣٢٦، الكامل في التاريخ ٤: ٨٢، تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي ٢٩١، تهذيب الأسماء واللغات ١: ٣٤٣، وفيات الأعيان ٣: ٢٦٦، كشف الغمة في معرفة الأئمّة ٢: ٢٨٥، مختصر تاريخ دمشق لابن منظور ١٧: ٢٣٠، تاريخ الإسلام (سنة ٨١ ـ ١٠٠) ٣٥٢، سير أعلام النبلاء ٤: ٣٨٦، تذكرة الحفاظ ١: ٧٤، فوات الوفيات ٤: ٣٣٢، مرآة الجنان ١: ١٨٩، البداية والنهاية ١: ٥٣٤، فتح الباري ١٤: ٤١٢، تهذيب التهذيب ٧: ٣٠٤، النجوم الزاهرة ١: ٢٢٩، الفصول المهمة ٢٠١، طبقات الحفاظ ٣٧ برقم ٦٩، بحار الأنوار الجزء ٤٦، شذرات الذهب ١: ١٠٤، نور الأبصار للشبلنجي، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ٤٩٩، سيرة الأئمة الاثني عشر ٢: ١١٧، حياة الإمام زين العابدين لباقر شريف القرشي ج ١ و٢، قاموس الرجال ١١: ٢٩.
  2. تاريخ المذاهب الإسلامية: ٦٣٩ و٦٤٢.
  3. جعفر السبحاني، موسوعة طبقات الفقهاء، ج ١، ص ٢٥٥.