البهتان
التعريف
«البهتان» مصدر من مادة «ب ه ت»، وتدلّ على النطق بكلام[١] أو القيام بعمل[٢] يؤدّي إلى بهت شخص ما وإيقاعه في الحيرة، ولذلك يسمى الكلام الكاذب الذي تُنسب فيه المخالفة إلى شخص ما، بالبهتان؛ ذلك لأنّ هذا الشخص يقع في الحيرة والدهشة لسماع تلك النسبة.
يقول ابن فارس في هذا المجال: الباءُ وَالهاءُ وَالتّاءُ أصلٌ واحِدٌ وهُوَ كَالدَّهشِ وَالحَيرَةِ؛ يُقالُ: بُهِتَ الرَّجُلُ يُبهَتُ بَهَتا، وَالبَهتَةُ الحَيرَةُ، فَأَمَّا البُهتانُ فَالكَذِبُ، يَقولُ العَرَبُ: يا لَلبَهيتَة، أي يا لَلكَذِب. [٣]
كما ذكر ابن منظور في بيان معنى البهتان قائلاً: بَهَتَ الرَّجُلَ يَبهَتُهُ بَهتا وبَهَتا وبُهتانا، فَهُوَ بَهّاتٌ أي قالَ عَلَيهِ ما لَم يَفعَلهُ فَهُوَ مَبهوتٌ... قالَ أبو إسحاقَ: البُهتانُ الباطِلُ الَّذي يُتَحَيَّرُ مِن بُطلانِهِ، ومِنَ البَهتِ: التَّحَيُّرُ. [٤]
ويقول الراغب: قالَ اللهُ عز وجل: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾[٥] أي دُهِشَ وتَحَيَّرَ. وقَد بَهَتَهُ، قالَ عز وجل: ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾[٦]، أي كَذِبٌ يُبهِتُ سامِعَهُ لِفظاعَتِهِ[٧].[٨]
الفرق بين «البهتان» و«التهمة»
جدير بالقول أنّ البعض يعتبر «البهتان» و«التهمة» مترادفَين، في حين أنّ «التهمة» اسم مصدر من مادة «وهم» بمعنى سوء الظنّ.
يقول ابن منظور في بيان معنى «التهمة»: التُّهَمَةُ أصلُهَا الوُهَمَةُ مِنَ الوَهمِ، ويُقالُ: اِتَّهَمتُهُ اِفتِعالٌ مِنهُ. [قالَ ]الجَوهَرِيُّ: اِتَّهَمتُ فُلانا بِكَذا، وَالاِسمُ التُّهَمَةُ ـ بالتحريك ـ. [قالَ] ابنُ سَيِّدَةَ: التُّهَمَةُ: الظَّنُّ... [قالَ] سيبَوَيهِ: اِتَّهَمَ الرَّجُلَ وأَتهَمَهُ وأَوهَمَهُ: أدخَلَ عَلَيهِ التُّهَمَةَ أي ما يُتَّهَمُ عَلَيهِ.... [٩]
وبناءً على ذلك، فإنّ كون النسبة كذباً واضحة للناسب في «البهتان»، خلافا للتّهمة فإنّه ليس مطمئنّاً بكذبه بل إنّ سوء الظنّ هو الذي يؤدّي إلى تلك النسبة، ولذلك فإنّنا سوف نطرح روايات «التهمة» في مبحث «الظن».[١٠]
«البهتان» في الكتاب والسنة
استُخدمت كلمة «البهتان» في الكتاب والسنة بنفس معناها اللغوي، أي نسبة شيء كذبا إلى شخص يعلم الناسب أنه بريء منه، ويذكر القرآن الكريم مشيراً إلى هذا المعنى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾[١١]
وقد أبان الإمام الصادق (ع) ـ استناداً إلى نقل الكليني رحمه الله ـ الفرقَ بين الغيبة والبهتان حيث قال: «الغيبَةُ أن تَقولَ في أخيكَ ما سَتَرَهُ اللهُ عَلَيهِ، وأَمَّا الأَمرُ الظّاهِرُ فيهِ مِثلُ الحِدَّةِ وَالعَجَلَةِ فَلا، وَالبُهتانُ أن تَقولَ فيهِ ما لَيسَ فيهِ»[١٢]
جدير ذكره أنّ نسبة الزنا واللواط إلى الشخص المسلم دون دليل وحجة شرعية ـ وهما شهادة أربعة عدول ـ تعتبر في الإسلام بهتاناً حتى مع العلم بصحة تلك النسبة. يقول القرآن الكريم مشيراً إلى هذا المعنى: ﴿لَوْلا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُولَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾[١٣]
وعلى هذا الأساس، فإنَّ الذي يعلم بأنّ أحد المسلمين قد ارتكب هذا الذنب، إلّا أنه ليس بمقدوره أن يأتي بأربعة شهود عدول لإثبات ادعائه، ليس من حقّه أن ينسب الزنا إليه، وإذا ما فعل ذلك، عوقب بثمانين جلدة حسب النصّ الصريح للقرآن: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾[١٤]
وبناءً على ذلك، يمكن القول إنّ «البهتان» في اصطلاح الكتاب والسنّة، أعمّ من معناه اللغوي فيما يتعلّق بنسبة الزنا أو اللواط إلى المسلم. وبعبارة أكثر وضوحاً، فإنّ الغيبة من وجهة نظر الإسلام في هذين الموضعين تُعتبر بهتاناً نظراً إلى أنها توجّه ضربةً قاصمةً إلى كرامة الإنسان المسلم، وتهدم كيانه الاجتماعي بشكل كامل.
جدير ذكره أنّ كلمة «البهتان» استُخدمت في القرآن الكريم ستّ مرات[١٥]، كما استُخدمت كلمات مثل «الافتراء»[١٦]، «الإفك»[١٧]، «الكذب»[١٨]، «الرمي»[١٩] و«التقوّل»[٢٠] بمعنى البهتان في هذا الكتاب السماوي.
والملاحظة الملفتة للنظر أنّ كلمة «البهتان» في القرآن، لم تُستخدم إلّا فيما يتعلّق بالكذب على الإنسان، كما استخدمت مشتقات كلمة «الرمي» أربع مرات في القرآن بمعنى نسبة الكذب إلى الإنسان، في حين أنّ كلمة «الافتراء» استعملت في الأعم الأغلب من المواضع في الكذب على الله تعالى، كما استُخدمت كلمة «التقوّل» مرتين في الكذب على الله، وأمّا كلمتا «الإفك» و«الكذب»، فقد استخدمتا في القرآن في كل من الكذب على الله والكذب على الإنسان.[٢١]
مصاديق البهتان في القرآن
رغم أن الكتاب والسنة الإسلامية اعتبرتا مطلق البهتان والنسبة الباطلة إلى الأشخاص الأبرياء، أمراً مذموماً، إلّا أنّ القرآن قد أشار إلى بعض الأمثلة من النسب الباطلة، حيث يمكن أن نذكرها باعتبارها أذمّ مصاديقها:
نسبة الإنسان ذنبه إلى شخص آخر
إن النسبة الباطلة إلى الآخرين تكون على نوعين: فقد لا يكون الباهت قد ارتكب ذلك الذنب بنفسه، وقد يكون ارتكبه ثم تبلغ به الوقاحة إلى أن ينسبه إلى شخص آخر، ولا شكّ أنّ النوع الثاني من البهتان أكثر مذمّةً، ومسؤوليته أكثر فداحة، وقد ذكر القرآن هذا النوع من البهتان كالتالي: ﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾[٢٢]
ومن الملفت للنظر أنّه قد جاء في شأن نزول هذه الآية أنّ الشخص البريء كان يهوديّاً فاتُّهم بالسرقة من قبل شخص مسلم في الظاهر، في حين أنّ المتّهم كان هو نفسه الذي ارتكب هذا الذنب.
الافتراء على زوجة النبي (ص)
من المصاديق الاُخرى للبهتان، الافتراء على إحدى زوجات النبي (ص) حيث ذكره القرآن تحت عنوان «الإفك» [٢٣] وبرَّأ أسرة النبي (ص) من هذه التهمة ونهى المسلمين بشدة عن نشر هذه الشائعة العديمة الأساس ودعا إلى التصدي لها: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾[٢٤]
وفي الحقيقة فإنّ هذه الآية لم تطلب من المسلمين عدم الترويج لهذه الشائعة فحسب، بل تطلب منهم أيضا أن يسعوا من أجل الحيلولة دون انتشارها، ثم تمضي الآيات التي نزلت في هذا الشأن، إلى تهديد الأشخاص الذين يرجفون بهذه الشائعات، حيث تقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾[٢٥]
البهتان على الزوجة من أجل سلبها مهرها
من السنن الخاطئة التي كانت سائدة في العصر الجاهلي أنّ بعض الرجال كانوا يتّهمون زوجاتهم السابقات بالزنا عند تزوجهم من نساء اُخريات كي يسلبوهنّ مهورهنّ، وقد اعتبر القرآنُ هذا العملَ إثماً مبيناً، ونهى عنه قائلاً: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾[٢٦]
نسبة الولد غير الشرعي إلى الزوج
ومن السنن الاُخرى التي كانت سائدة في الجاهلية أنّ بعض النساء كنّ ينسبن أولادهنّ غير الشرعيّين إلى أزواجهن، حيث أمرَ اللهُ تعالى النبيَ (ص) أن يطلب من النساء اجتناب الذنب المذكور حين مبايعتهنّ له، ضمن تعهّدهنّ باجتناب عددٍ من الذنوب التي كانت شائعة في ذلك العهد: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[٢٧].[٢٨]
فداحة ذنب البهتان وعقوبته
ترى الروايات الإسلامية أنّ ذنب البهتان أثقل من جبال الأرض، وأثقل من السماء وكواكبها، بل هو أشدّ من أيّ ذنبٍ آخر. وأنّ الشرك هو الذنب الوحيد الذي يعدل ذنب البهتان: البُهتانُ عُدِلَ بِالشِّركِ بِاللهِ.[٢٩]
ولذلك، فقد اعتبر الشخص الذي يرتكب البهتان أسوء البشر، وسوف لا يحيق به أشدّ أنواع العذاب في جهنّم فحسب، بل إنّ عذاب الضمير سوف يقضّ مضجعه في هذه الدنيا أيضاً.[٣٠]
المحاربة الجذرية للبهتان
طرحنا في الفصل الثالث أموراً مثل: البغض والانزجار الداخلي، النفاق والازدواجيّة، التجاوز على حقوق الآخرين الماليّة، الكذب وجليس السوء؛ اُسسا ودواعي للبهتان. ولكنّ الجذور الأساسيّة لهذه الرذيلة ـ حاله في ذلك كحال الرذائل الأخلاقية والسلوكيّة ـ تتمثّل في الأنانيّة دون شكّ. وبناءً على ذلك فإنّ من الضروري محاربة هذا السلوك القبيح بصورة جذريّة وذلك عن طريق محاربة الأنانية التي هي اُمّ الفتن، مع السعي في مواجهة الاُمور المشار إليها آنفا.[٣١]
مسؤولية سامع البهتان
إن المسؤولية الاُولى التي تقع على عاتق سامع البهتان، هي الالتفات إلى أنّ معظم ما يسمعه عن الآخرين، لا حقيقة له: ما رَأَتهُ عَيناكَ فَهُوَ الحَقُّ، وما سَمِعَتهُ اُذُناكَ فَأَكثَرُهُ باطِلٌ. [٣٢]
وعلى هذا الأساس ينبغي على المؤمن أن لا يصدّق الافتراءات التي تذكر في حقّ إخوانه من المسلمين، وخاصة الموثوقين منهم: مَن عَرَفَ مِن أخيهِ وَثيقَةَ دينٍ وسَدادَ طَريقٍ، فَلا يَسمَعَنَّ فيهِ أقاويلَ الرِّجالِ.[٣٣]
والمسؤولية الثانية التي تقع على عاتق سامع البهتان، نهي الباهت عن هذا السلوك القبيح والدفاع عن كرامة المسلم، كما جاء في القرآن: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾[٣٤]
وجاء في رواية عن رسول الله (ص) بشأن الدفاع عن كرامة المسلم: «مَن رَدَّ عَن عِرضِ أخيهِ المُسلِمِ وَجَبَت لَهُ الجَنَّةُ البَتَّةَ»[٣٥].[٣٦]
مسؤوليّة الشخص الذي تعرّض للبهتان
على الإنسان التجنّب عن الأفعال المؤدّية إلى سوء الظن والتهمة له، قبل أن يتعرّض للبهتان، فقد روي عن النبي (ص): «أولَى النّاسِ بِالتُّهَمَةِ مَن جالَسَ أهلَ التُّهَمَةِ» [٣٧]
وجاء في رواية اُخرى عن الإمام عليٍ (ع): «مَن وَقَفَ نَفسَهُ مَوقِفَ التُّهَمَةِ فَلا يَلومَنَّ مَن أساءَ بِهِ الظَّنَّ» [٣٨]
وإذا ما استلزم منع البهتان، إنفاق المال، فقد وردت التوصية بدفع مثل هذه النفقات من أجل الحفاظ على الكرامة. [٣٩]
وأمّا إذا اتّهم شخص ما لأيّ سبب من الأسباب، فإنّه لم ترد التوصية بمواجهة الباهت ومحاربته، فقد جاء عن الإمام الرضا (ع) أنه أنشد قائلاً: «اِصبِر عَلى بُهتِ السَّفيهِولِلزَّمانِ عَلى خُطوبِهِ ودَعِ الجَوابَ تَفَضُّلاًوكِلِ الظَّلومَ إلى حَسيبِهِ»[٤٠]
وثواب الصبر على البهتان عظيم إلى درجة أنّ كفّة حسنات اُولئك الذين ستعوزهم الحسنات عند الحساب يوم القيامة سترجح على كفة سيّئاتهم، وتؤدّي إلى نجاتهم. [٤١].[٤٢]
حكم توجيه البهتان إلى أهل البدعة
إنّ بعض الروايات تدلّ في الظاهر، على أنّ توجيه البهتان إلى أهل البدع بهدف محاربتهم، ليس أمرا جائزاً فحسب، بل هو واجب ومطلوب، وهذا هو نصّ الرواية المنقولة عن النبي (ص): «إذا رَأَيتُم أهلَ الرَّيبِ وَالبِدَعِ مِن بَعدي، فَأَظهِرُوا البَراءَةَ مِنهُم، وأَكثِروا مِن سَبِّهِم وَالقَولِ فيهِم وَالوَقيعَةِ، وباهِتوهُم كَي لا يَطمَعوا فِي الفَسادِ فِي الإِسلامِ ويَحذَرَهُمُ النّاسُ ولا يَتَعَلَّمونَ مِن بِدَعِهِم، يَكتُبِ اللهُ لَكُم بِذلِكَ الحَسَناتِ، ويَرفَع لَكُم بِهِ الدَّرَجاتِ فِي الآخِرَةِ» [٤٣]
وقد أخذ بعض الفقهاء بدلالة هذه الرواية على جواز البهتان[٤٤]. يقول الشيخ الأنصاري في معرض بيانه لهذه الرواية: [قوله باهتوهم] محمول على اتّهامهم وسوء الظنّ بهم بما يحرم اتّهام المؤمن به، بأن يقال: لعلّه زان، أو سارق، وكذا إذا زاد ذكر ما ليس فيه من باب المبالغة. ويحتمل إبقاؤه على ظاهره بتجويز الكذب عليهم لأجل المصلحة، فإنّ مصلحة تنفير الخلق عنهم أقوى من مفسدة الكذب. [٤٥]
إلا أن العلامة المجلسي رحمه الله يقول في توضيح الرواية المذكورة: والظاهر أنّ المراد بالمباهتة إلزامهم بالحجج القاطعة وجعلهم متحيّرين لا يحيرون جوابا كما قال تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾[٤٦]، ويحتمل أن يكون من البهتان للمصلحة فإنّ كثيرا من المساوي يعدّها أكثر الناس محاسن خصوصا العقائد الباطلة، والأوّل أظهر، قال الجوهري: بهته بهتا أخذه بغتةً.[٤٧]
ويبدو أنّ المراد من «باهتوهم» في الرواية المذكورة، ليس تجويز نسبة الذنب إلى من لم يرتكبه من أهل البدع، ذلك لأنّ مثل هذه الأعمال لا أنّها ليست في ضررهم فحسب بل إنّها ومن خلال سعيهم لإثبات براءتهم، وإيضاح الحقيقة للناس، ستكون وسيلة لإظهار أهل البدع أنفسهم في مظهر المظلوم وابراز عدم قيمة كلام المنتقدين، حيث سينتهي كلّ ذلك لصالح أهل البدع.
وبناءً على ذلك، فإنّ علينا من أجل إيضاح العبارة المذكورة، إما أن نأخذ بالمعنى الأوّل الذي ذكره العلامة المجلسي، أو يمكننا القول إنّ المراد من هذا البهتان هو البهتان الاصطلاحي، لا البهتان اللغوي؛ أي إنّ المواضع التي تكون فيها غيبة أهل الإيمان بهتاناً، فهي لا تحمل حكم البهتان فيما يتعلّق بأصحاب البدع، بل إنّ إظهار مخالفاتهم واجب وضروري بهدف محاربة البدعة.[٤٨]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ شاهده الآية: : «قَالَ إِبْرَ هِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِى بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرَ»(البقرة: ٢٥٨).
- ↑ شاهده الآية: : «وَ يَقُولُونَ مَتَى هَـذَا الْوَعْدُ... بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ» (الأنبياء: ٤٠).
- ↑ معجم مقاييس اللغة: ج ١ ص ٣٠٧ «بهت».
- ↑ لسان العرب: ج ٢ ص ١٢ و١٣ «بهت».
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٥٨.
- ↑ سورة النور، الآية ١٦.
- ↑ مفردات ألفاظ القرآن: ص ١٤٨ «بهت».
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١٠، ص ٢٠٩.
- ↑ لسان العرب: ج ١٢ ص ٦٤٤ «وهم».
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١٠، ص ٢١٠.
- ↑ سورة الأحزاب، الآية ٥٨.
- ↑ الكافي: ج ٢ ص ٣٥٨ ح ٧، معاني الأخبار: ص ١٨٤، مشكاة الأنوار: ص ١٦٣ ح ٤٢١ وكلّها عن عبد الرحمن بن سيابة، روضة الواعظين: ص ٥١٥ وليس فيها «وأمّا الأمر» إلى «والعجلة فلا»، تحف العقول: ص ٢٩٨ عن الإمام الباقر (ع)، بحار الأنوار: ج ٧٥ ص ٢٤٦ ح ٧.
- ↑ سورة النور، الآية ١٣-١٦.
- ↑ سورة النور، الآية ٤.
- ↑ النساء: ٢٠ و١١٢ و١٥٦، النور: ١٦، الأحزاب: ٥٨، الممتحنة: ١٢.
- ↑ آل عمران: ٩٤، النساء: ٤٨، الأنعام: ٢١ و٩٣ و١٣٨ و١٤٠، الأعراف: ٨٩ و....
- ↑ النور: ١٢، الفرقان: ٤، العنكبوت: ١٧، سبأ: ٤٣ و....
- ↑ آل عمران: ٧٥ و٧٨ و٩٤ و....
- ↑ النساء: ١١٢، النور: ٤ و٦ و٢٣.
- ↑ الحاقة: ٤٤، الطور: ٣٣.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١٠، ص ٢١١-٢١٢.
- ↑ سورة النساء، الآية ١١١-١١٢.
- ↑ كان منشأ هذه الشائعة هو أنّ إحدى زوجات النبي (ص) كانت قد تأخّرت في إحدى الغزوات عن جيش المسلمين والتحقت بالقافلة برفقة أحد الرجال المسلمين، فاتّهمها بعض المسلمين بالفاحشة، وقد ذمّهم الله تعالى في آيات من سورة النور بشدّة ونهى عن نشر هذه الشائعة، وقد رأى معظم المفسّرين أنّ هذه الآيات قد نزلت في عائشة، حيث اتّهمت من قبل بعض المنافقين بزعامة عبد الله بن أبي سلول، إلّا أنّ بعض الروايات وبعض التفاسير ترى أنّ هذه الآيات نزلت في مارية القبطية التي تعرّضت للافتراء من جانب عائشة (راجع: تفسير القمي: ج ٢ ص ٩٩، بحار الأنوار: ج ٢٢ ص ١٥٤ ح ١٠ ـ ١٢).
- ↑ سورة النور، الآية ١٦.
- ↑ سورة النور، الآية ١٩.
- ↑ سورة النساء، الآية ٢٠.
- ↑ سورة الممتحنة، الآية ١٢.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١٠، ص ٢١٣-٢١٥.
- ↑ نوادر الاُصول: ج ١ ص ١٢١.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١٠، ص ٢١٦.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١٠، ص ٢١٦.
- ↑ الخصال: ص ٢٣٦ ح ٧٨ عن ميّسر بن عبد العزيز، بحار الأنوار: ج ٧٥ ص ١٩٦ ح ٩ و١٠.
- ↑ نهج البلاغة: الخطبة ١٤١، بحارالأنوار: ج ٧٥ ص ١٩٧ ح ١٦.
- ↑ سورة النور، الآية ١٦.
- ↑ ثواب الأعمال: ص ١٧٥ عن إسماعيل بن أبي زياد السكوني عن الإمام الصادق (ع)، الأمالي للطوسي: ص ٢٣٣ ح ٤١٤، الجعفريات: ص ١٩٨، النوادر للراوندي: ص ١٠١ ح ٦٢، بحار الأنوار: ج ٧٥ ص ٢٥٤ ح ٣٨.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١٠، ص ٢١٦.
- ↑ كتاب من لا يحضره الفقيه: ج ٤ ص ٣٩٥ ح ٥٨٤٠، معاني الأخبار: ص ١٩٦ ح ١، الأمالي للصدوق: ص ٧٣ ح ٤١، بحار الأنوار: ج ٧٥ ص ٩٠ ح ٣.
- ↑ الأمالي للصدوق: ص ٣٨٠ ح ٤٨٣، تحف العقول: ص ٣٦٨، بحار الأنوار: ج ٧٥ ص ٩٠ ح ٤.
- ↑ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج ١٦ ص ١٠؛ بحار الأنوار: ج ٤٣ ص ٣٥٨ ح ٣٥.
- ↑ عيون أخبار الرضا (ع): ج ٢ ص ١٧٦ ح ٤، بشارة المصطفى: ص ٧٨ عن إبراهيم بن هاشم، إعلام الورى: ج ٢ ص ٦٩، كشف الغمّة: ج ٣ ص ٥٩ عن أبي الحسن كاتب الفرايض عن أبيه، بحار الأنوار: ج ٤٩ ص ١١٠ ح ٥.
- ↑ نوادر الاُصول: ج ١ ص ١٢٠ عن ابن عمر، كنز العمّال: ج ١٤ ص ٣٨٣ ح ٣٩٠٢٤؛ بحار الأنوار (الإجازات للمجلسي ): ج ١٠٩ ص ١١٢.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١٠، ص ٢١٧.
- ↑ الكافي: ج ٢ ص ٣٧٥ ح ٤ عن داوود بن سرحان عن الإمام الصادق (ع)، بحارالأنوار: ج ٧٤ ص ٢٠٢ ح ٤١.
- ↑ الدر المنضود للسيد الگلپايگاني: ج ٢ ص ١٤٨.
- ↑ المكاسب: ج ٢ ص ١١٨.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٥٨.
- ↑ مرآة العقول: ج ١١ ص ٨١.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١٠، ص ٢١٩.