الثواب في علم الكلام
التعريف
الثواب عبارة عن أمر نافع يتم الحصول عليه نتيجة الاستحقاق، ويستلمه المستحق بحالة يحيطها التعظيم والإجلال.
التعريف اللغوي
معنى الثواب (في اللغة): «الثواب» يعني «الرجوع»، ويطلق «الثواب» على أفعال العباد بمعنى ما يرجع إليهم من جزاء أعمالهم. ويستعمل الثواب في الخير والشر، ولكن الأكثر والمتعارف استعماله في الخير[١].
تنبيه: إنّ موضوع الثواب موضوع مفصّل يرتبط بالمعاد، ولكنّنا اقتصرنا في هذا الفصل على ذكر المواضيع المرتبطة بالعدل الإلهي فحسب.[٢]
التعريف الاصطلاحي
معنى الثواب (في الاصطلاح العقائدي): الثواب هو النفع المستحق المقارن للتعظيم والإجلال[٣]. أي: الثواب عبارة عن أمر نافع يتم الحصول عليه نتيجة الاستحقاق، ويستلمه المستحق بحالة يحيطها التعظيم والإجلال.[٤]
توضيح قيود معنى الثواب[٥]
- قيد «المستحق»: يخرج بهذا القيد «التفضّل»، لأنّ التفضّل هو النفع الذي يُعطى من دون استحقاق.
- قيد «المقارن للتعظيم والإجلال»: يخرج بهذا القيد «العوض»[٦]، لأنّ العوض هو النفع المستحق الذي يُعطى من دون تقارنه بالتعظيم والإجلال.[٧]
من خصائص الثواب الإلهي
لا يحسن إعطاؤه من دون استحقاق: إنّ الله تعالى يحسن منه الابتداء بإعطاء النفع لعباده على نحو «التفضّل»، ولكن الثواب هو النفع الذي لا يحسن إعطاؤه ابتداءً، وإنّما يُعطى لمن يستحق ذلك.
- إنّ الثواب عبارة عن منفعة مقرونة بالتعظيم، وبما أنّ تعظيم من لا يستحق التعظيم غير حسن، فلهذا لا يحسن إعطاء الثواب الذي هو مقرون بالتعظيم إلاّ لمن يستحق التعظيم، ولا يحسن اعطاؤه ابتداءً لمن لا يستحق ذلك[٨].
- إنّ الله تعالى جعل «التكليف» هو السبيل للحصول على الثواب، فلو أمكن الحصول على الثواب من دون تكليف، فإنّ التكليف سيكون عبثاً لا فائدة فيه[٩].[١٠]
استحقاق الثواب
موجبات استحقاق الثواب[١١]
- فعل الواجب.
- فعل ما له صفة الندب والاستحباب.
- الامتناع من فعل القبيح.
الفرق بين استحقاق المدح واستحقاق الثواب: إنّ موجبات استحقاق المدح[١٢]، هي نفسها موجبات استحقاق الثواب، لكن يشترط في(3) استحقاق الثواب إطاعة المولى(4).[١٣]
استحقاق الثواب
- إنّ الله تعالى وعد المؤمنين أن يعطيهم الثواب إزاء التزامهم بتكاليفه، وخُلف الوعد قبيح، والله تعالى منّزه عن فعل القبيح[١٤].
- إنّ الله تعالى تفضّل على العباد وجعل أعمالهم ملكاً لهم، ثمّ جعل ما يثيبهم إزاء أعمالهم الصالحة أجراً لهم، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾[١٥]. ومن هذا المنطلق تكون الإثابة الإلهية على طاعة العباد من باب «الاستحقاق» دون «التفضّل»[١٦].
- إنّ العبد يثاب على التزامه بالتكاليف الإلهية من باب «الاستحقاق» دون «التفضّل»، ولكنّه لا ينال المغفرة الإلهية إزاء الذنوب التي ارتكبها، ولا ينال المراتب العليا في الجنة إلاّ بفضل الله تعالى، ولهذا ينبغي للعباد أن يكون أملهم بفضل الله تعالى لا بعدله.
وهذا ما أكّدت عليه أحاديث أهل البيت(ع) منها:
قال الإمام علي(ع): «اللهم احملني على عفوك، ولا تحملني على عدلك»[١٧].
قال الإمام علي بن الحسين(ع): «واحملني بكرمك على التفضّل، ولا تحملني بعدلك على الاستحقاق»[١٨].
وهذا ما يثبت «الاستحقاق»، ولكنه يرشد العبد إلى أن يكون أمله بالفضل الإلهي، لا على ما يستحقه إزاء طاعته لله تعالى.[١٩]
تأجيل الثواب الإلهي
إنّ في تأجيل الثواب إلى يوم القيامة ـ كما وعد الله ـ فضلا كبيراً منه تعالى على عباده المطيعين، لأنّ الثواب الأُخروي يفوق الثواب الدنيوي الذي يعتريه النقص.
- فعل القبيح.
- الإخلال بالواجب.[٢١]
دوام أو انقطاع الثواب[٢٢]
دوام أو انقطاع الثواب
إنّ الثواب يُستحق دائماً، والدليل على ذلك ما ورد في الشرع والذي أجمعت عليه الأُمة بأنّ الثواب يستحق دائماً[٢٣].
الطريق إلى معرفة دوام الثواب
- إنّ أصل استحقاق الثواب يُعلم بالعقل، ولكن الطريق إلى معرفة دوام الثواب هو الدليل الشرعي دون الدليل العقلي[٢٤]، وذلك لعدم وجود دليل عقلي على دوام الثواب، وإنّما المصدر الوحيد لمعرفة ذلك هو الشرع فقط[٢٥].
- لا يصح القول بأنّ من الأدلة العقلية على دوام الثواب هو أنّ المدح يستحق الدوام، وأنّ ما اقتضى دوام المدح هو الذي يقتضي دوام الثواب. الدليل: لأنّ وجه استحقاق المدح ليس بعينه وجه استحقاق الثواب، وذلك لأنّ الثواب ـ كما ذكرنا ـ يشترط فيه إطاعة المولى دون المدح[٢٦].
- لا يصح القول بأنّ من الأدلة العقلية على دوام الثواب هي أنّ الثواب لو لم يكن دائماً لم يكن الترغيب واقعاً موقعه. الدليل: لأنّ الترغيب يحصل إذا كان في مقابله منافع عظيمة كثيرة، وإن لم تبلغ هذه المنافع حدّ الدوام[٢٧].
- لا يصح القول بأنّ من الأدلة العقلية على دوام الثواب هو أنّ انقطاعه يؤدّي إلى الغم والحسرة، وهذا ما يتنافى مع الثواب. الدليل: لأنّ الله تعالى بإمكانه أن يصرف المثابين عن التفكير حول انقطاع ثوابهم، ويلهيهم بما هم فيه من اللذات العظيمة[٢٨].
بعبارة أُخرى: إنّ خلوص الثواب من الشوائب لا يعلم إلاّ عن طريق الشرع، وليس في العقل أيّة دلالة على ضرورة خلوص الثواب من الشوائب، لأنّ الثواب قد يكون عظيماً بحيث يوجب اللذة من دون الالتفات إلى الشوائب الموجودة فيه[٢٩].[٣٠]
مناقشة رأي الأشاعرة حول الثواب والعقاب
يرى الأشاعرة بأنّ الثواب والعقاب من أفعال الله عزّ وجلّ، والله تعالى يفعل بعباده ما يشاء، فإن شاء أثابهم، وإن شاء عاقبهم.[٣١]
أقوال بعض علماء أهل السنة
قال الفضل بن روزبهان: «مذهب الأشاعرة... أ نّه [ تعالى ] لو عذّب عباده بأنواع العذاب من غير صدور الذنب عنهم يجوز له ذلك... فالعباد كلّهم ملك لله تعالى، وله التصرّف فيهم كيف يشاء»[٣٢].
قال القاضي عضد الدين الإيجي: «الثواب فضل وعد به، فيفي به من غير وجوب»[٣٣].
قال سعد الدين التفتازاني في كتابه شرح المقاصد: «لا يجب على الله تعالى شيء، لا ثواب على الطاعة ولا العقاب على المعصية»[٣٤].
قال أبو حامد الغزالي: «ندّعي أ نّه تعالى إذا كلّف العباد فأطاعوه، لم يجب عليه الثواب، بل إن شاء أثابهم، وإن شاء عاقبهم، وإن شاء أعدمهم ولم يحشرهم، ولا يبالي لو غفر لجميع الكافرين وعاقب جميع المؤمنين!»[٣٥].
يرد عليه: ناقشنا هذا الرأي في الفصول السابقة، وملخّص ما يمكن الإشارة إليه في هذا المقام:
- إنّ الله تعالى يفعل ما يشاء، ولكن لا يخفى بأنّ الله تعالى حكيم وعادل، وهو لا يشاء جَزافاً وعبثاً، وإنّما تكون مشيئته وفق حكمته وعدله، ولهذا لا يصدر من الله تعالى أي ظلم أو فعل قبيح.
- إنّ ملكية الشيء لا تعني امتلاك المالك حقّ التصرّف بها على خلاف موازين الحكمة والعدل. ولهذا نجد العقلاء يذمّون من يتلف أمواله بلا سبب عقلائي، مع علمهم بمالكيته لتلك الأموال. والله تعالى على رغم كونه مالكاً لكلّ شيء وقادراً على كلّ شيء، ولكنه مع ذلك حكيم، وإنّ حكمته تمنعه من فعل القبيح. ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾[٣٦]. [٣٧]
المراجع
الهوامش
- ↑ انظر: لسان العرب، ابن منظور: مادة (ثوب). مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني: مادة (ثوب).
- ↑ علاء الحسون، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، ص290.
- ↑ انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى: الكلام في الأفعال، ص276. الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثالث، الفصل الأوّل، ص181. المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الثاني، البحث الرابع، المطلب الرابع، ص116. كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد السادس، المسألة الخامسة، ص551. اللوامع الإلهية، مقداد السيوري: اللامع الثاني عشر، القطب الثاني، الفصل الأوّل، البحث الأوّل، ص433.
- ↑ علاء الحسون، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، ص290.
- ↑ انظر: الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثالث، الفصل الأوّل، ص181.
- ↑ العوض عبارة عن: «النفع المستحق الخالي من التعظيم والإجلال». للمزيد راجع: الفصل الخامس، من كتاب العدل عند أهل البيت (ع)، للمؤلف علاء الحسون.
- ↑ علاء الحسون، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، ص291.
- ↑ انظر: كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد السادس، المسألة الخامسة، ص552.
- ↑ انظر: شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: أبواب العدل، باب ما يجب اعتقاده في أبواب العدل، استحقاق الثواب والمدح بالطاعة، ص139. قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة السابعة، الركن الثالث، البحث الثاني، ص159.
- ↑ علاء الحسون، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، ص291.
- ↑ انظر: شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: أبواب العدل، باب ما يجب اعتقاده في أبواب العدل، موجبات الثواب والشكر، ص135. الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثالث، الفصل الأوّل، ص182. المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الثاني، البحث الرابع، المطلب الرابع، ص116. اللوامع الإلهية، مقداد السيوري: اللامع الثاني عشر، القطب الثاني، الفصل الأوّل، البحث الأوّل، ص433.
- ↑ معنى المدح: قول ينبئ عن عظم حال الغير. انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى، الكلام في الأفعال وما يستحق بها وعليها و...، ص276. الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثالث، الفصل الأوّل، ص180. شروط المدح:
- أن يقصد به التعظيم.
- أن يكون اللفظ موضوعاً للتعظيم.
- أن يكون المادح عالماً بعظم حال الممدوح، والظن والاعتقاد لا يقوم مقام العلم في هذا المجال، لأنّ المدح لا يكون إلاّ مستحقاً، ولا يصح ذلك إلاّ مع العلم.
- من هذا المنطلق يستحق الله المدح دون الثواب إزاء فعله للواجب وللندب وتركه للقبيح. للتوسّع راجع: الذخيرة، الشريف المرتضى: الكلام في الأفعال و...، ص276. شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: أبواب العدل، باب ما يجب اعتقاده في أبواب العدل، موجبات الثواب والمدح، ص135. الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثالث، الفصل الأوّل، ص182، 183.
- ↑ علاء الحسون، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، ص293.
- ↑ انظر: الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثاني، الفصل السادس: ص145 ـ 146.
- ↑ سورة التوبة، الآية 111.
- ↑ انظر: بداية المعارف الإلهية، محسن الخرازي: ج1، عقيدتنا بالعدل، ص98.
- ↑ نهج البلاغة، الشريف الرضى: خطب أمير المؤمنين، رقم 227، ص477.
- ↑ الصحيفة السجادية الجامعة: دعاء 93: في طلب الحوائج إلى الله تعالى، أوّل الدعاء: اللهم يا منتهى مطلب الحاجات، ص86.
- ↑ علاء الحسون، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، ص294-295.
- ↑ انظر: شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: أبواب العدل، موجبات الذم والعقاب: 136 ـ 137. الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثالث، الفصل الأوّل، ص185. اللوامع الإلهية، مقداد السيوري: اللامع الثاني عشر، القطب الثاني، الفصل الأوّل، البحث الأوّل، ص433.
- ↑ علاء الحسون، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، ص295.
- ↑ سنكتفي في هذا المبحث ـ مراعاة للاختصار ـ بذكر بعض المصادر في الهامش بصورة موجزة، ويستطيع القارئ مشاهدة هذه المصادر بصورة مفصّلة في نهاية المبحث.
- ↑ انظر: الذخيرة: 280 ـ 281، شرح جمل العلم والعمل: 141 ـ 142، الاقتصاد: 184، المنقذ من التقليد: 2 / 27.
- ↑ ذهب نصير الدين الطوسي في كتابه تجريد الاعتقاد إلى أنّ الطريق إلى معرفة دوام الثواب هو الدليل العقلي، وأيّده العلاّمة الحلّي في كتابه كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد. انظر: تجريد الاعتقاد، نصير الدين الطوسي: المقصد السادس، صفات الثواب والعقاب، ص302. كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد السادس، المسألة السادسة، ص555 ـ 556.
- ↑ انظر: الذخيرة: 280 ـ 281، شرح جمل العلم والعمل: 142.
- ↑ للتوسّع راجع: الذخيرة: 281 ـ 282، الاقتصاد: 184، المسلك في أصول الدين: 118، المنقذ من التقليد: 2/29. ووافق مقداد السيوري هذا الرأي. انظر: إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل، هل العلم بدوام الثواب...، ص418.
- ↑ انظر: شرح جمل العلم والعمل: 143، المسلك في أصول الدين: 118.
- ↑ انظر: الذخيرة: 285. ووافق مقداد السيوري هذا الرأي. انظر: إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل، هل العلم بدوام الثواب...، ص418.
- ↑ انظر: الذخيرة: 285. ووافق مقداد السيوري هذا الرأي. انظر: إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل، هل العلم بدوام الثواب...، ص418.
- ↑ علاء الحسون، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، ص297-298.
- ↑ علاء الحسون، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، ص307.
- ↑ دلائل الصدق، محمّد حسن المظفر: ج1، المسألة 3، المبحث 11، المطلب 7، مناقشة الفضل، ص422.
- ↑ المواقف، عضد الدين الإيجي: ج3، الموقف 6، المرصد 2، المقصد 6، ص497. ثم علّل المؤلف سب ضرورة وفائه تعالى بالثواب وإن لم تبلغ هذه الضرورة حدّ الوجوب قائلا: «لأنّ الخلف في الوعد نقص، تعالى الله عنه».
- ↑ شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج5، المقصد 6، الفصل 2، المبحث 9، ص127. ولا يخفى أن ما أنكره سعد الدين التفتازاني هو الوجوب، ولكنه ذكر: «إلاّ أنّ الخلف في الوعد نقص لا يجوز أن ينسب إلى الله تعالى، فيثيب المطيع البته إنجازاً لوعده...» شرح المقاصد: 5/126.
- ↑ الاقتصاد في الاعتقاد، أبو حامد الغزالي: القطب الثالث، الدعوى الخامسة، ص116.
- ↑ سورة هود، الآية 117.
- ↑ علاء الحسون، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، ص307-308.