حساب اليوم الآخر
تمهيد
حساب اليوم الآخر هو أحد منازل الآخرة حيث يحاسب الناس على أعمالهم، لذلك أطلق على اليوم الآخر اسم «يوم الحساب»؛ فقد قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾[١] .
وقد أكّد أمير المؤمنين (ع) على أنّ الإنسان في ذلك اليوم منقطع الأعمال ولا يواجه إلّا ما فعل في حياته الدنيا، فقال: «أَلَا وَ إِنَّ اَلْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بَنُونَ فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ اَلْآخِرَةِ وَ لاَ تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ اَلدُّنْيَا فَإِنَّ كُلَّ وَلَدٍ سَيُلْحَقُ بِأَبِيهِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ وَ إِنَّ اَلْيَوْمَ عَمَلٌ وَ لاَ حِسَابَ وَ غَداً حِسَابٌ وَ لاَ عَمَلَ»[٢].
يوم الحساب هو في الحقيقة محكمةٌ تتمّ فيها متابعة أعمال العباد بكلّ تفاصيلها وجزئياتها تحت إشراف مليكٍ عادلٍ مقتدرٍ، ففي ذلك اليوم تقام محكمة العدل الإلهي التي لا يُظلم فيها أحدٌ مثقال ذرّةٍ بحيث لا تبقى للإنسان أيّة ذريعةٍ للاعتراض على الحكم الصادر .
مع أنّ الله سبحانه عالمٌ بجميع أعمال عباده وبمصيرهم، لكنّه يجمعهم في يوم الفصل ويحاسبهم بنفسه كي ينالوا جزاءهم العادل فيثيب المحسنين إكراماً لإحسانهم ويعاقب المسيئين جزاءً لعصيانهم، فقد قال في كتابه الكريم:
- ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾[٣].
- ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾[٤].
كما أكّد سبحانه على أنّ الحقائق في ذلك اليوم ستنكشف للخلق ولا يمكن لأحدٍ أن يشكّك بالحقّ أو أن يدّعي الباطل لدرجة أنّ نفس الإنسان تذعن بما اقترفت وكفى بها حسيباً حينما تنظر إلى صحيفة أعمالها، فقد جاء في الكتاب الحكيم: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾[٥].
إذن، هكذا يتمّ الحساب وكلّ إنسانٍ يشاهد سجلّ أعماله بصغيره وكبيره محضراً أمامه وقبل أن يصدر الحكم الإلهي بشأنه فإنّ نفسه تحاسبه ولا يبقى له أيّ مجال للاعتراض على حكم الله العادل. الآيات التي أشارت إلى كيفية الحساب على صنفين:
الصنف الأول: آيات أشارت إلى أنّ الإنسان سيحاسب على جميع أعماله بجميع جزئياتها، ومنها ما يأتي:
- ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[٦].
- ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾[٧]
الصنف الثاني آياتٌ أشارت إلى أنّ الإنسان سيحاسب على بعض أعماله، منها:
- ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾[٨]
- ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾[٩]
- ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾[١٠]
وهناك كثير من الروايات التي أكّدت على أنّ الإنسان في يوم الحساب سيُسأل عن عمره فيما أفناه وعن رزقه كيف اكتسبه وأين أنفقه، كما يسأل عن القرآن والعترة والصلاة، وما إلى ذلك؛ ومنها الرواية الآتية: عن رقية بنت إسحاق بن موسى بن جعفر، عن أبيها (ع)، عن آبائه (ع)، عن رسول الله (ص) أنّه قال: «لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلاَه وَ عَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ كَسَبَهُ وَ فِيمَا أَنْفَقَهُ وَ عَنْ حُبِّنَا أَهْلَ اَلْبَيْتِ»[١١].
هناك سؤال يطرح على هذا الصعيد، وهو: هل أنّ الله تعالى يحاسب جميع بني آدم من دون استثناء، أو أنّ هناك من يثاب خير الثواب دونما مساءلةٍ وحسابٍ؟
الآيات المباركة على ثلاثة أقسام ودلالاتها على هذا الموضوع كالآتي:
- جميع الناس الذين أرسل إليهم الأنبياء يحاسبون من دون استثناءٍ: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾[١٢].
- المجرمون والظالمون يُسألون عمّا اقترفوا في الحياة الدنيا: ﴿وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾[١٣].
- المؤمنون الصابرون ينالون ثواب إيمانهم وصبرهم من دون حساب: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾[١٤].[١٥]
الأسس الأربعة في محكمة العدل الإلهي
هناك أربعة مقوّمات أساسية يرتكز عليها الحساب عند حشر الناس في يوم القيامة وشروع محكمة العدل الإلهي لمجازاة الناس على ما فعلوا من خير وسوء، وهي «الكتاب» (صحيفة الأعمال) و«الميزان» و«الشهود» و«تجسّم الأعمال».
صحيفة الأعمال (الكتاب)
أكّد القرآن الكريم في مواطن عديدة على تخصيص صحيفة أعمالٍ لكلّ إنسانٍ، إذ تكتب فيها أعماله بحذافيرها صغيرةً كانت أو كبيرةً، لذلك سمّيت هذه الصحيفة كتاباً؛ وهناك آياتٌ صرّحت بأنّ المؤمن يحمل كتابه بيمينه والكافر يحمله بشماله أو يؤتاه وراء ظهره .
فيما يأتي نذكر مضامين ودلالات الآيات المباركة ودلالاتها على هذا الصعيد:
- تدوّن في الكتاب كلّ أعمال الإنسان التي بدرت منه طوال حياته الدنيوية وكأنّه ملفٌّ أدرجت فيه معلوماتٌ كاملةٌ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾[١٦].
- الكتاب في يوم القيامة ناطقٌ: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[١٧].
- الكتاب شامل لجميع أعمال الإنسان بصغيرها وكبيرها من دون أن يستثني شيئاً منها: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾[١٨].
- لكلّ كتاب كاتبان مكلّفان بمراقبة الإنسان طوال حياته وتدوين كلّ ما يبدر منه: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾[١٩].
- لكلّ إنسانٍ كتاب مختصٌّ بأعماله وفي يوم القيامة إمّا أن يحمله بيمينه أو بشماله:
- ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾[٢٠]
- ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾[٢١]
- الذين يحملون كتابهم بيمينهم يكون حسابهم هيّناً يسيراً، في حين الذين يؤتونه من وراء ظهورهم فيحاسبون حساباً صعباً عسيراً: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً وَيَصْلَى سَعِيراً﴾[٢٢].[٢٣]
الميزان
الله العادل المقسط لا يظلم مثقال ذرّةٍ، لذلك وضع الميزان في يوم الحساب بالعدل والقسط ليوفّى المحسنين ثواب إحسانهم ويطال المسيئين عقاب إساءتهم، فالقيامة محكمة العدل الإلهي التي ينال بنو آدم فيها جزاءهم العادل، ومن ومن البديهي أنّ كفّة أعمال المؤمنين ترجح على الكفة الأخرى بعد امتلائها بالأعمال الحسنة، في حين أنّ كفّة أعمال المعاندين ليست كذلك وهي خفيفة لا ترجح وكأن لم يوضع فيها شيءٌ.
ومن الآيات المباركة التي تطرّقت إلى هذا الأمر:
- ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾[٢٤].
- ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾[٢٥].
- ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾[٢٦].[٢٧]
شهادة اليوم الآخر
لا ريب في أنّ محكمة العدل الإلهي تمتلك مقوّمات المحاكمة العأدلة جميعها، ومن جملة ذلك حضور شهود يشهدون على أعمال الإنسان، لذلك وصف الكتاب الحكيم يوم القيامة بأنّه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾[٢٨].
نستشفّ من القرآن الكريم أنّ الشهود في يوم القيامة على صنفين، هما:
شهودٌ محيطون بأعمال الناس
يشهد على الإنسان في يوم القيامة كلّ من أحاط بأعماله، لذا سوف يشهد عليه الله تعالى والأنبياء (ع) والنبيّ الخاتم (ص) والأمة التي وصفها القرآن الكريم بأنّها أمّةٌ وسطٌ والملائكة والأرض التي حدث عليها العمل، كما ستشهد عليه صحيفة أعماله أيضاً .
ومن الآيات التي تدلّ على هذه الحقيقة:
- ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾[٢٩].
- ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾[٣٠].
- ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾[٣١].
- ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾[٣٢]. نعم،إنّ الأرض وكلّ ما فيها سينطق في يوم القيامة ويشهد على ما ارتكبه البشر من أعمال، لذلك فمن يشكّ في هذه الحقيقة نقول له: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾[٣٣].
- ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾[٣٤].
أعضاء بدن الإنسان وجوارحه
جميع أعضاء بدن الإنسان سوف تشهد عليه في يوم الحساب وتقرّ بما بدر منه حتى جلده سينطقه العزيز القدير فيعترف بما اقترف صاحبه، ذلك كي لا تبقى له أية ذريعةٍ لإنكار أعماله السيئة؛ والآيات المباركة خير دليل على هذه الحقيقة:
- ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾[٣٥].
- ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾[٣٦].[٣٧]
تجسّم الأعمال
لقد أكّدت التعاليم الدينية على أنّ أعمال الإنسان سوف تتجسّم أمامه في يوم القيامة فتبدو ظاهرةً له بحذافيرها كما فعلها تماماً.
الثواب والعقاب في يوم الحساب منوطان بما فعله الإنسان إبّان حياته الدنيوية، أي إنّهما نتيجة لهذه الأعمال، لذلك حينما يريد الله تعالى مجازاة الإنسان فهو يجسّم له كلّ ما بدر منه ويظهره أمام عينيه كما صدر في الدنيا فيكرمه على كل عمل حسن ويعاقبه على كل فعلٍ مشينٍ .
لا شكّ في أنّ النية أساسٌ لكل عمل يقوم به الإنسان، وقد تؤدّي إلى ترسيخ بعض الأعمال الحسنة أو القبيحة في النفس فتأنس بها لتصبح فيما بعد ملكةً ثابتةً تسوق الإنسان نحو النعيم أو الجحيم؛ وهذه الملكات سوف تظهر على حقيقتها في يوم الحساب.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ بعض الآيات القرآنية عدّت الثواب والعقاب بأنّهما عين أعمال الإنسان التي بدرت منه في الدنيا، في حين أنّ آياتٍ أخرى عدّتهما نتيجةً لأعماله الدنيوية؛ وهذا الاختلاف في الوصف ربّما يكون ناشئاً من أنّ العمل تارةً يصدر إثر ملكةٍ نفسانيةٍ، وفي هذه الحالة سيكون ثوابه أو عقابه مطابقاً له - عينه - وتارةً أخرى لا يصدر من منطلق كونه ملكةً نفسانيةً، لذلك يصبح الثواب أو العقاب نتيجةً له.
قال الله الحكيم في كتابه الكريم:
- ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾[٣٨].
- ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾[٣٩].
- ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[٤٠].
وهذا الحديث يدلّ بوضوح على تجسّم الأعمال في يوم القيامة: روى أبو بصير عن الإمام جعفر الصادق (ع) أنّه قال: «اِسْتَقْبَلَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ حَارِثَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ اَلنُّعْمَانِ فَقَالَ لَهُ كَيْفَ أَنْتَ يَا حَارِثَةُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اَللَّهِ أَصْبَحْتُ مُؤْمِناً حَقّاً فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَا حَارِثَةُ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ فَمَا حَقِيقَةُ قَوْلِكَ قَالَ يَا رَسُولَ اَللَّهِ عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ اَلدُّنْيَا وَ أَسْهَرْتُ لَيْلِي وَ أَظْمَأْتُ هَوَاجِرِي وَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي وَ قَدْ وُضِعَ لِلْحِسَابِ وَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ اَلْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِي اَلْجَنَّةِ وَ كَأَنِّي أَسْمَعُ عُوَاءَ أَهْلِ اَلنَّارِ فِي اَلنَّارِ فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ عَبْدٌ نَوَّرَ اَللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ فَأَثْبَتَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اَللَّهِ اُدْعُ اَللَّهَ لِي أَنْ يَرْزُقَنِي اَلشَّهَادَةَ فَقَالَ اَللَّهُمَّ اِرْزُقْ حَارِثَةَ اَلشَّهَادَةَ فَلَمْ يَلْبَثْ إِلاَّ أَيَّاماً حَتَّى بَعَثَ رَسُولُ اَللَّهِ سُرِّيَّةً فَبَعَثَهُ فِيهَا فَقَاتَلَ فَقَتَلَ سَبْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً ثُمَّ قُتِلَ»[٤١].
كما روي عن رسول الله (ص) قوله: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ صَوَّرَ لَهُ عَمَلَهُ فِي صُورَةٍ حَسَنَةً، فَيَقُولَ لَهُ مَا أَنْتَ؟! فَوَ اللَّهِ إِنِّي لأراك امْرِئِ الصِّدْقِ فَيَقُولُ لَهُ: أَنَا عَمَلِكَ. فَيَكُونُ لَهُ نُورُ أَوْ قَائِدُ إِلَى الْجَنَّةِ. وَإِنِ الْكَافِرَ إِذَا خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ صَوَّرَ لَهُ عَمَلَهُ فِي صُورَةِ سَيِّئَةٍ وَبِشَارَةِ سَيِّئَةٍ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟! فَوَ اللَّهِ إِنِّي لأراك امْرِئِ السَّوْءِ. فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلِكَ، فَيَنْطَلِقُ بِهِ حَتَّى يَدْخُلَ النَّارَ»[٤٢].[٤٣]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة ص، الآية ٢٦. وقد أشير إلى يوم الحساب في الآيتين ١٦ و٥٣ من نفس هذه السورة، والآية ٤١ من سورة إبراهيم، والآية ٦٧ من سورة غافر .
- ↑ الشريف الرضي،نهج البلاغة،الخطبة رقم: ٤٢.
- ↑ سورة الرعد، الآية ٤٠.
- ↑ سورة الشعراء، الآية ١١٣.
- ↑ سورة الإسراء، الآية ١٣-١٤.
- ↑ سورة النحل، الآية ٩٣.
- ↑ سورة الزمر، الآية ٧.
- ↑ سورة التكاثر، الآية ٨.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ١٩.
- ↑ سورة النحل، الآية ٥٦.
- ↑ محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٧، ص ٢٥٨.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٦-٩.
- ↑ سورة الصافات، الآية ٢٠-٢٤.
- ↑ سورة الزمر، الآية ٩-١٠.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٣، ص ٣٥٢-٣٥٦.
- ↑ سورة يس، الآية ١٢.
- ↑ سورة الجاثية، الآية ٢٧-٢٩.
- ↑ سورة القمر، الآية ٥٢-٥٣.
- ↑ سورة ق، الآية ١٧-١٨.
- ↑ سورة الحاقة، الآية ١٨-٢١.
- ↑ سورة الحاقة، الآية ٢٥-٣١.
- ↑ سورة الإنشقاق، الآية ٧-١٢.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٣، ص ٣٥٧-٣٥٩.
- ↑ سورة الأنبياء، الآية ٤٧.
- ↑ سورة المؤمنون، الآية ١٠٢-١٠٤.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٨-٩.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٣، ص ٣٥٩.
- ↑ سورة غافر، الآية ٥١.
- ↑ سورة الحج، الآية ١٧.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٤٣.
- ↑ سورة الإنفطار، الآية ١٠-١٢.
- ↑ سورة الزلزلة، الآية ٤-٥.
- ↑ سورة الإسراء، الآية ٤٤.
- ↑ سورة الكهف، الآية ٤٩.
- ↑ سورة النور، الآية ٢٤-٢٥.
- ↑ سورة فصلت، الآية ١٩-٢٢.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٣، ص ٣٦٠-٣٦٣.
- ↑ سورة الزلزلة، الآية ٦-٨.
- ↑ سورة الكهف، الآية ٤٩.
- ↑ سورة الطور، الآية ١٣-١٦.
- ↑ محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٢٢، ص ١٢٦.
- ↑ محمدي الريشهري، ميزان الحكمة،الحديث رقم: ٢١٣٩ نقلاً عن كنز العمال.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٣، ص ٢٩.