حساب اليوم الآخر عند أهل السنة
مفهوم الحساب
المعنى اللغوي
قال ابن فارس: «(حسب) الحاء والسين والباء أصول أربعة:
فالأول: العد، تقول: حسبت الشيء أحسبه حسباً وحسباناً، قال الله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾[١].
والأصل الثاني: الكفاية، تقول شيء حساب، أي: كافٍ.
والأصل الثالث: الحسبان، وهي جمع حسبانة، وهي الوسادة الصغيرة، وقد حسبت الرجل أحسبه، إذا أجلسته عليها ووسدته إياها.
والأصل الرابع: الأحسب الذي ابيضت جلدته من داء ففسدت شعرته، كأنه أبرص»[٢].
والحساب في اللغة مأخوذ من قولهم: حسبك كذا، أي: كفاك، فسمي الحساب في المعاملات حساباً؛ لأنه يعلم به ما فيه كفاية، وليس فيه زيادة على المقدار ولا نقصان، والحسبان الظن[٣].[٤]
المعنى الاصطلاحي
المراد بالحساب هنا: المؤاخذة والمجازاة، فالحساب: ما يحاسب عليه فيجازى بحسبه[٥].
والمعنى الاصطلاحي مرتبط بمعنى الحساب في اللغة، فالجزاء على الفعل بما يناسب شدته من شديد العقاب، تشبيهاً لتقدير الجزاء بإجراء الحساب بين المتعاملين، وهو الحساب في الدنيا[٦].[٧]
الحساب في الاستعمال القرآني
وردت مادة (حسب) في القرآن (١٠٩) مرات، يخص موضوع الحساب منها (٤٧) مرة[٨].
وجاء الحساب في الاستعمال القرآني على عدة أوجه[٩]:
- العدد: مثل قوله تعالى: ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾[١٠]، يعني: عدد الأيام والشهور.
- الكثير: مثل قوله تعالى: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً﴾[١١]، يعني: كثيراً، بواحد عشراً.
- المحاسبة، والعرض: مثل قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾[١٢]، وهو: العرض للحساب.
- التقتير: مثل قوله تعالى: ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾[١٣]، يعني: بلا فوت ولا تقتير.
- الجزاء: مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾[١٤]، أي: ما جزاؤهم.
- العذاب: مثل قوله تعالى: ﴿َ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾[١٥]، أي: عذاباً من السماء.[١٦]
الألفاظ ذات الصلة
الجزاء
الجزاء لغة: المكافأة على الشيء[١٧].
الجزاء اصطلاحاً: هو الغناء والكفاية والمكافأة بالشيء وما فيه الكفاية من المقابلة إن خيراً فخير وإن شرًّا فشر، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾[١٨][١٩].
الصلة بين الحساب والجزاء: أن كلًّا منهما يقال في المجازاة على الخير والشر.[٢٠]
الثواب
الثواب لغةً: الثواب اسم للمصدر؛ ومصدر الثلاثي ثوباً وثوباناً، ومصدر الرباعي إثابة، وفعل الثواب ثلاثي أجوف معتل العين، ولفظ الثواب في اللغة جاء على عدة معانٍ أبرزها: العود والرجوع، والاجتماع، والجزاء [٢١].
الثواب اصطلاحاً: هو الجزاء كيف ما كان من الخير والشر، إلا أن استعماله في الخير أكثر[٢٢].
الصلة بين الحساب والثواب: أن كلًّا منهما يقال في المجازاة على الخير والشر، إلا أن استعمال الثواب في الخير أكثر.[٢٣]
الحساب في حق الله سبحانه وتعالى
يظهر الحساب في حق الله تعالى من خلال الفقرات الآتية:
اسم الله الحسيب
يوصف الله عزّ وجلّ بأنه الحسيب.
قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً﴾[٢٤].
وقال جلّ وعلا: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً﴾[٢٥].
بينت الآيات أن الله تعالى هو الحسيب الكافي الذي يخلق ما يكفي العباد في مصالحهم ومهماتهم.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾[٢٦].
أي: كافيك وكافي أتباعك، فكفاية الله لعبده بحسب ما قام به في متابعة الرسول ظاهراً وباطناً، وقيامه بعبودية الله تعالى، والحسيب بمعنى الرقيب المحاسب لعباده المتولي جزاءهم بالعدل، وبالفضل.
وقيل: المحاسب بإخباره المكلفين بما فعلوا من خير وشر، والحسيب أيضاً: هو الذي يحفظ أعمال عباده من خير، وشر، ويحاسبهم إن خيراً فخير وإن شرًّا فشر[٢٧].
وفي الآيات وعيد لولي اليتيم وإعلام له أنه تعالى يعلم باطنه كما يعلم ظاهره لئلا ينوي أو يعمل في ماله ما لا يحل، ويقوم بالأمانة التامة في ذلك إلى أن يصل إليه ماله، وهذا المقصود حاصل، سواء فسرنا الحسيب بالمحاسب أو بالكافي[٢٨].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾[٢٩].
المقصود منه الوعيد، فإن الرجل في الجهاد كان يلقاه الرجل في دار الحرب أو ما يقاربها فيسلم عليه، فقد لا يلتفت إلى سلامه عليه ويقتله، وربما ظهر أنه كان مسلماً، فمنع الله المؤمنين عنه وأمرهم أن كل من يسلم عليهم ويكرمهم بنوع من الإكرام يقابلونه بمثل ذلك الإكرام أو أزيد، فإنه إن كان كافراً لا يضر المسلم أن قابل إكرام ذلك الكافر بنوع من الإكرام، أما إن كان مسلماً وقتله ففيه أعظم المضار والمفاسد، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾[٣٠].
أي: هو محاسبكم على أعمالكم وكافٍ في إيصال جزاء أعمالكم إليكم فكونوا على حذر من مخالفة هذا التكليف، وهذا يدل على شدة العناية بحفظ الدماء والمنع من إهدارها[٣١].
قال محمد رشيد رضا: «قال الأستاذ الإمام: المعنى أنه رقيب عليكم في مراعاة هذه الصلة بينكم بالتحية، وفيه تأكيد لأمر هذه الصلة بين الناس، وأقول: إن فيها أيضاً إشعاراً بحظر ترك إجابة من يسلم علينا ويحيينا وأنه تعالى يحاسبنا على ذلك»[٣٢].[٣٣]
شمول الحساب للسر والعلن
ذكر القرآن الكريم شمول الحساب للسر والعلن.
قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[٣٤].
يخبر تعالى في هذه الآية أن له ملك السماوات والأرض وما فيهن وما بينهن، وأنه المطلع على ما فيهن، لا تخفى عليه الظواهر ولا السرائر والضمائر، وإن دقت وخفيت، وأخبر أنه سيحاسب عباده على ما فعلوه وما أخفوه في صدورهم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[٣٥].
وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾[٣٦].
ولما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على الصحابة، وخافوا منها، ومن محاسبة الله لهم على جليل الأعمال وحقيرها، وهذا من شدة إيمانهم وإيقانهم، وإبداء ما في النفس: إظهاره، وهو إعلانه بالقول، فيما سبيله القول، وبالعمل فيما يترتب عليه عمل وإخفاؤه بخلاف ذلك، وعطف أو تخفوه للترقي في الحساب عليه، فقد جاء على مقتضى الظاهر في عطف الأقوى على الأضعف، وفي الغرض المسوق له الكلام في سياق الإثبات، وما في النفي يعم الخير والشر، وقد أجمل الله تعالى هنا الأحوال المغفورة وغير المغفورة: ليكون المؤمنون بين الخوف والرجاء، فلا يقصروا في اتباع الخيرات النفيسة والعملية، إلا أنه أثبت غفراناً وتعذيباً بوجه الإجمال على كل مما نبديه وما نخفيه، وهذه الآية منسوخة بالنص، وذلك ما جاء من حديث ابن عمر: «أنها قد نسخت: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾[٣٧].[٣٨]
وجاء من حديث أبي هريرة قال: (لما نزلت على رسول الله (ص)، ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[٣٩].
قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله (ص)، فأتوا رسول الله (ص) ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، قال رسول الله (ص): «أتُرِيدُونَ أنْ تَقُولوا كما قالَ أهْلُ الكِتابَيْنِ مِن قَبْلِكُمْ سَمِعْنا وعَصَيْنا؟ بَلْ قُولوا: سَمِعْنا وأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ»، قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما اقترأها القوم، ذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾[٤٠].
فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله عز وجلّ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾[٤١] (قال: نعم).
﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾[٤٢] (قال: نعم).
﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾[٤٣] (قال: نعم).
﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾[٤٤] (قال: نعم)[٤٥].
ويرى بعض العلماء أن الآية محكمة والجمع بينها وبين قوله (ص): «مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا فَإِنْ لَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ»[٤٦].
وقوله (ص): «إِنَّ اَللهَ تَعَالَى تَجَاوَزَ لِأُمَّتِى عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهَا»[٤٧].
أن ما يخطر في النفس إن كان مجرد خاطر وتردد من غير عزم فلا خلاف في عدم المؤاخذة به، إذ لا طاقة للمكلف بصرفه عنه، وهو مورد حديث التجاوز للأمة عما حدثت به أنفسها، وإن كان قد جاش في النفس عزم، فإما أن يكون من الخواطر التي تترتب عليها أفعال بدنية أو لا، فإن كان من الخواطر التي لا تترتب عليها أفعال: مثل الإيمان، والكفر، والحسد، فلا خلاف في المؤاخذة به؛ لأن مما يدخل في طوق المكلف أن يصرفه عن نفسه، وإن كان من الخواطر التي تترتب عليها آثار في الخارج، فإن حصلت الآثار فقد خرج من أحوال الخواطر إلى الأفعال كمن يعزم على السرقة فيسرق، وإن عزم عليه ورجع عن فعله اختياراً لغير مانع منعه، فلا خلاف في عدم المؤاخذة به وهو مورد حديث «مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا فَإِنْ لَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ»[٤٨].
وإن رجع لمانع قهره على الرجوع ففي المؤاخذة به قولان، أي إن قوله تعالى: «يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ»، محمول على معنى يجازيكم وأنه مجمل تبينه موارد الثواب والعقاب في أدلة شرعية كثيرة، وإن من سمى ذلك نسخاً من السلف فإنما جرى على تسمية سبقت ضبط المصطلحات الأصولية فأطلق النسخ على معنى البيان وذلك كثير في عبارات المتقدمين وهذه الأحاديث، وما دلت عليه دلائل قواعد الشريعة، هي البيان لمن يشاء في قوله تعالى: «فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ»[٤٩].[٥٠]
الله أسرع الحاسبين
ذكر القرآن الكريم أن الله تعالى أسرع الحاسبين.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾[٥١].
وقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾[٥٢].
بينت الآيات أن الله تعالى يحاسب عباده يوم القيامة ويسألهم عن أعمالهم، وهل يحاسب العباد إلا الذي خلقهم وتعبدهم وأحصى أعمالهم وحفظها عليهم حتى يسألهم عنها، فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وهو العلي القدير، وسرعة حسابه أنه يحاسب العباد كلهم في أسرع زمن وأقصره، لا يشغله حساب أحد عن حساب غيره، ولا يشغله شأن عن شأن.
وقوله عز وجل: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾، يعني: ثم رد العباد بالموت إلى الله في الآخرة، وإنما قال سبحانه: ﴿مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾، لأنهم كانوا في الدنيا تحت أيدي موال بالباطل، والله مولاهم وسيدهم ومالكهم بالحق، ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾، يعني لا حكم إلا له، ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾، يعني أنه تعالى أسرع من حسب؛ لأنه لا يحتاج إلى فكر وروية وعقد يد فيحاسب خلقه بنفسه لا يشغله حساب بعضهم عن بعض، واختلفوا في كيفية هذا الحساب، فقيل: إنه تعالى يحاسب الخلق بنفسه دفعة واحدةً لا يشغله كلامٌ عن كلامٍ.
وقيل: بل يأمر الله الملائكة أن يحاسب كلّ واحدٍ منهم واحداً من العباد؛ لأنه تعالى لو حاسب الكفّار بنفسه لتكلّم معهم، وذلك باطلٌ؛ لقوله تعالى في صفة الكفّارٍ: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾[٥٣].
وقد سمى الله تعالى اليوم الآخر الساعة، فقال سبحانه: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً﴾[٥٤].
أي: القيامة والحشر والنشر، والساعة جزء من أجزاء الزمان ويعبر بها عن القيامة تشبيهاً بذلك لسرعة حسابه، كما قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾[٥٥].[٥٦]
وإنما وصف جل ثناؤه نفسه بسرعة الحساب، لأنه جل ذكره يحصي ما يحصى من أعمال عباده بغير عقد أصابع، ولا فكرٍ ولا روية، فعل العجزة الضّعفة من الخلق، ولكنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يعزب عنه مثقال ذرة فيهما، ثم هو مجازٍ عباده على كل ذلك، فلذلك امتدح نفسه جل ذكره بسرعة الحساب، وأخبر خلقه أنه ليس لهم بمثل، فيحتاج في حسابه إلى عقد كف أو وعي صدر، ولذكر السرعة هنا وقعه في القلب البشري، فهو ليس متروكاً ولو إلى مهلة في الحساب! وتصور المسلم للأمر على هذا النحو الذي توحي به أصول عقيدته في الحياة والموت والبعث والحساب، كفيل بأن ينزع كل تردد في إفراد الله سبحانه بالحكم- في هذه الأرض- في أمر العباد، وفي هذه الآيات إظهار قدرة الله تعالى بسرعة الحساب ليدلّ على كمال قدرته ووجوب الحذر منه[٥٧].
وقوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾[٥٨].
جملة تذييل ولذلك ابتدئ بأداة الاستفتاح المؤذنة بالتنبيه إلى أهمية الخبر، وقدم المجرور في قوله: ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾، للاختصاص، أي له لا لغيره، وهذا يتضمن وعداً ووعيداً؛ لأنه لما أتى بحرف المهلة في الجمل المتقدمة وكان المخاطبون فريقين: فريق صالح وفريق كافر، وذكر أنهم إليه يرجعون كان المقام مقام طماعية ومخالفة، فالصالحون لا يحبون المهلة والكافرون بعكس حالهم، فعجلت المسرة للصالحين والمساءة للمشركين بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾[٥٩].[٦٠]
الله هو المحاسب لعباده
ذكر القرآن الكريم أن الله تعالى هو الذي يحاسب عباده.
قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً﴾[٦١].
وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً﴾[٦٢].
بينت الآيات أن الله تعالى هو وحده الذي يحاسب الخلائق يوم القيامة وأنه سبحانه شهيدٌ على كل ما يفعله الإنسان وكفى به شهيداً، وأنه لا شاهد أفضل من الله، وكفى بالله محاسباً وشهيداً ورقيباً على الأولياء في حال نظرهم للأيتام، وحال تسليمهم للأموال، هل هي كاملة موفرة، أو منقوصة مبخوسة مدخلة مروج حسابها مدلس أمورها؟ الله عالم بذلك كله، ﴿وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً﴾. أي: شهيداً.
وقيل: إن المعنى: أنه لا شاهد أفضل من الله تعالى فيما بينكم وبينهم.
وقيل: إن المعنى: وكفى به تعالى محاسباً لكم، فلا تخالفوا ما أمرتم به ولا تجاوزوا ما حدّ لكم.
ولا يخفى موقع المحاسب هنا؛ لأن الوصي يحاسب على ما في يده، وفي فاعل كفى وجهان:
- أنه الاسم الجليل، والباء زائدة دخلت لتدل على معنى الأمر، فالتقدير اكتفوا بالله تعالى.
- أن الفاعل مضمر والتقدير كفى الاكتفاء بالله تعالى، فبالله على هذا في موضع نصب على أنه مفعول به، وحسيباً حال.
وقيل: تمييز، وكفى متعدية إلى مفعول واحد، والتقدير وكفاكم الله حسيباً، وإلى مفعولين، والتقدير: ومثل اليتيم في النهي غيره، فكل ذي ولاية أو أمانة على مال يجب أن يعلم أن الله تعالى رقيب وشهيد ومطلع عليه.
ومن بليغ إيجاز القرآن في بيانه أنه يذكر الشيء ليدل به على تأثيره، أو الذي هو أحرى بالحكم منه، أو لكون امتثال الحكم الشرعي فيه داعياً إلى امتثاله في غيره بالمساواة، فليعلم هذا عند كل ذي ولاية وليتقي الله تعالى في ولايته وأمانته، ولهذا ثبت أن رسول الله (ص) قال: «يَا بَا ذَرٍّ إِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفاً فَلاَ تَأَمَّرَنَّ عَلَى اِثْنَيْنِ وَ لاَ تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ»[٦٣].
وفي الآية وعيد لولي اليتيم وإعلام له أنه تعالى يعلم باطنه كما يعلم ظاهره لئلا ينوي أو يعمل في ماله ما لا يحل، ويقوم بالأمانة التامة في ذلك إلى أن يصل إليه ماله، وهذا المقصود حاصل سواء فسرنا الحسيب بالمحاسب أو بالكافي[٦٤].
وقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً﴾[٦٥].
بينت الآية أن الأنبياء يبلغون رسالات الله تعالى إلى خلقه ويؤدونها بأمانتها، ﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾، أي: يخافونه ولا يخافون أحداً سواه فلا تمنعهم سطوة أحد عن إبلاغ رسالات الله، وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً﴾، أي: الله حسيب الأنبياء ومعينهم وناصرهم لا غيره، هذا هو الوجه في سياق تفسير هذه الآيات، فلا تسلك في معنى الآية مسلكاً يفضي بك إلى توهم أن النبي (ص) حصلت منه خشية الناس وأن الله عرض به في قوله: ﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللهَ﴾، تصريحاً بعد أن عرض به تلميحاً في قوله تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾[٦٦].
بل النبي عليه الصلاة والسلام لم يكترث بهم وأقدم على تزوج زينب، فكل ذلك قبل نزول هذه الآيات التي ما نزلت إلا بعد تزوج زينب كما هو صريح قوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾[٦٧]، ولم يتأخر إلى نزول هذه الآية[٦٨].
قال الألوسي: عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً﴾[٦٩] «أي: كافياً للمخاوف، أو محاسباً على الكبائر والصغائر من أفعال القلب والجوارح فلا ينبغي أن يخشى غيره، والإظهار في مقام الإضمار لما في هذا الاسم الجليل ما ليس في الضمير، واستدل بالآية على عدم جواز التقية على الأنبياء عليهم السّلام مطلقاً، وخص ذلك بعض الشيعة في تبليغ الرسالة وجعلوا ما وقع منه (ص) في هذه القصة المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾[٧٠].
بناء على أن الخشية فيه بمعنى الخوف لا على أن المراد الاستحياء من قول الناس تزوج زوجة ابنه كما قاله ابن فورك من التقية الجائزة حيث لم تكن في تبليغ الرسالة، ولا فرق عندهم بين خوف المقالة القبيحة وإساءة الظن وبين خوف المضار في أن كلًّا يبيح التقية فيما لا يتعلق بالتبليغ، ولهم في التقية كلام طويل وهي لأغراضهم ظل ظليل، والمتتبع لكتب الفرق يعرف أن قد وقع فيها إفراط وتفريط وصواب وتخليط وإن أهل السنّة والجماعة قد سلكوا فيها الطريق الوسط وهو الطريق الأسلم الأمين سالكه من الخطأ والغلط، أما الإفراط فللشيعة حيث جوزوا بل أوجبوا على ما حكي عنهم إظهار الكفر لأدنى مخافة أو طمع، وأما التفريط فللخوارج والزيدية حيث لا يجوزون في مقابلة الدين مراعاة العرض وحفظ النفس والمال أصلاً، وللخوارج تشديدات عجيبة في هذا الباب، ومذهب أهل السنّة أن التقية وهي محافظة النفس أو العرض أو المال من نحو الأعداء بإظهار محظور ديني مشروعة في الجملة.
وقسموا العدو إلى قسمين:
- من كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين كالمسلم والكافر ويلحق به من كانت عداوته لاختلاف المذهب اختلافاً يجر إلى تكفير أصحاب أحد المذهبين أصحاب المذهب الآخر كأهل السنّة والشيعة.
- من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية كالمال والمرأة.
وعلى هذا تكون التقية أيضاً قسمين:
أما الأول: فالتقية ممن كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين حقيقة أو حكماً، وقد ذكروا في ذلك أن من يدعي الإيمان إذا وقع في محل لا يمكن أن يظهر دينه وما هو عليه لتعرض المخالفين وجب عليه أن يهاجر إلى محل يقدر فيه على الإظهار، ولا يجوز له أن يسكن هنالك ويكتم دينه بعذر الاستضعاف، فأرض الله تعالى واسعة.
نعم إن كان له عذر غير ذلك؛ كالعمى والحبس وتخويف المخالف له بقتله أو قتل ولده أو أبيه أو أمه على أي وجه كان القتل تخويفاً يظن معه وقوع ما خُوِّف به، جاز له السكنى والموافقة بقدر الضرورة، ووجب عليه السعي في الحيلة للخروج، وإن لم يكن التخويف كذلك؛ كالتخويف بفوات المنفعة، أو بلحوق المشقة التي يمكنه تحملها؛ كالحبس مع القوت والضرب القليل غير المهلك، لا يجوز له الموافقة وإن ترتب على ذلك موته كان شهيداً.
وأما الثاني: فالتقية ممن كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية، وقد اختلف العلماء في وجوب الهجرة وعدمه فيه، فقال بعضهم: تجب الهجرة لوجوب حفظ المال والعرض، وقال جمع: لا تجب إذ الهجرة عن ذلك المقام مصلحة من المصالح الدنيوية ولا يعود بتركها نقصان في الدين إذ العدو المؤمن كيفما كان لا يتعرض لعدوه الضعيف المؤمن مثله بالسوء من حيث هو مؤمن»[٧١].[٧٢]
أنواع الحساب
ذكر القرآن الكريم أنواع الحساب في الدنيا والآخرة ونوضح ذلك في المطلبين الآتيين:
الحساب في الدنيا
أخبر القرآن الكريم عن الحساب في الدنيا.
قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً﴾[٧٣].
بينت الآية أن كثيراً من أهل القرى خالفوا أمر ربهم، فكذبوا الرسل الذين أرسلوا إليهم ولجُّوا في طغيانهم يعمهون، فحاسبهم الله تعالى حساباً عسيراً، ﴿وَكَأَيِّنْ﴾: بمعنى «كم» الخبرية التي تفيد التكثير، أي: وكم من القرى التي عتت عن أمر ربها ورسله، فحاسبها الله حساباً شديداً، وعذبها عذاباً نكراً؟ والمقصود من إفادة التكثير هنا تحقيق أن العذاب الذي نال أهل تلك القرى شيء ملازم لجزائهم على عتوهم عن أمر ربهم ورسله، فلا يتوهم متوهم أن ذلك مصادفة في بعض القرى وأنها غير مطردة في جميعهم، والمراد بالقرية: أهلها، وإنما أوثر لفظ القرية هنا دون الأمة ونحوها؛ لأن في اجتلاب هذا اللفظ تعريضاً بالمشركين من أهل مكة ومشايعة لهم بالنذارة، وفيه تذكير للمسلمين بوعد الله بنصرهم ومحق عدوهم، والعتو ويقال العتي: تجاوز الحد في الاستكبار والعناد، ثم بين أن هذا جزاء ما كسبت أيديهم، فقال سبحانه: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً﴾.
أي: فجنت ثمار ما غرست أيديها ولا يجنى من الشر إلا الشر، فكان عاقبة أمرها الخسران والنكال الذي لا يقدر قدره، ثم أكد هذا الوعيد بقوله جلّ وعلا: ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾[٧٤].
أي: هيأ الله لهم العذاب المرتقب، لتماديهم في طغيانهم وإعراضهم عن اتباع الرسل فيما جاءوا به من عند ربهم، وقد جاء تفصيل هذا العذاب في قوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾[٧٥].
وقوله جلّ جلاله: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾[٧٦].
ثم قال بعد ما قص من خبر هؤلاء: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾[٧٧].
أي: الأفهام المستقيمة، لا تكونوا مثلهم فيصيبكم ما أصابهم يا أولي الألباب، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
أي: صدقوا بالله ورسله، ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً﴾[٧٨].
يعني: القرآن، كقوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[٧٩].[٨٠]
وقد ثبت من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي (ص) قال: «إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» ثم قرأ (ص): ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾[٨١] .[٨٢].[٨٣]
الحساب في الآخرة
أخبر القرآن الكريم عن الحساب في الآخرة.
قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً﴾[٨٤].
يخبر القرآن الكريم أن كثيراً من أهل القرى خالفوا أمر ربهم، فكذبوا الرسل الذين أرسلوا إليهم ولّجوا في طغيانهم يعمهون، فحاسبناهم حساباً عسيراً، فاستقصينا عليهم ذنوبهم، وناقشناهم على النقير والقطمير، وعذبناهم عذاباً نكراً في الآخرة، وعبر بالماضي عن المستقبل دلالة على التحقق كما في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً﴾[٨٥].
وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾[٨٦].
ونحو ذلك، لأنّ المنتظر من وعد الله ووعيده ملقى في الحقيقة، وما هو كائن فكأن قد، ثم بين أن هذا جزاء ما كسبت أيديهم فقال تعالى: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً﴾[٨٧].
أي: فجنت ثمار ما غرست أيديها، فكان عاقبة أمرها الخسران والنكال الذي لا يقدر قدره، ثم أكد هذا الوعيد بقوله سبحانه: ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾[٨٨].
أي: هيأ الله لهم العذاب المرتقب، لتماديهم في طغيانهم وإعراضهم عن اتباع الرسل فيما جاءوا به من عند ربهم[٨٩].
ووصف الله تعالى الحساب في الآخرة.
قال جلّ وعلا: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأَبْوَابُ مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾[٩٠].
يخبر تعالى عن عباده المؤمنين السعداء أن لهم في الدار الآخرة ﴿لَحُسْنَ مَآبٍ﴾[٩١].
وهو: المرجع والمنقلب، ثم فسره بقوله سبحانه: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾[٩٢].
أي: جنات إقامة مفتحة لهم الأبواب، والألف واللام هنا بمعنى الإضافة كأنه يقول: «مفتحة لهم أبوابها» أي: إذا جاءوها فتحت لهم أبوابها، وقوله جلّ وعلا: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾[٩٣] في الجنات على الفرش، ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾[٩٤] أي: مهما طلبوا وجدوا وحضر كما أرادوا، ﴿وَشَرَابٍ﴾[٩٥] أي: من أي أنواعه شاءوا أتتهم به الخدام، كما قال تعالى: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾[٩٦].
﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾[٩٧] أي: عن غير أزواجهن فلا يلتفتن إلى غير بعولتهن ﴿أَتْرَابٌ﴾}}، أي: متساويات في السن والعمر، ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾[٩٨] أي: هذا الذي ذكرنا من صفة الجنة التي وعدها لعباده المتقين التي يصيرون إليها بعد نشورهم وقيامهم من قبورهم وسلامتهم من النار.
ثم أخبر عن الجنة أنه لا فراغ لها ولا انقضاء ولا زوال ولا انتهاء فقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾[٩٩]، كقوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ﴾[١٠٠].
وقوله سبحانه: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾[١٠١].
وقوله جلّ جلاله: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾[١٠٢] أي: غير مقطوع.
وقوله جلّ في علاه: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾[١٠٣].
والآيات في هذا كثيرة جدًّا.
ولما ذكر تعالى مآل السعداء ثنى بذكر حال الأشقياء ومرجعهم ومآبهم في دار معادهم وحسابهم فقال: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾[١٠٤].
وهم: الخارجون عن طاعة الله المخالفون لرسل الله، ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾[١٠٥] أي: لسوء منقلب ومرجع.
ثم فسره بقوله تعالى: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾[١٠٦] أي: يحترقون فيها ويقاسون حرّها، ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾[١٠٧].
أما الحميم فهو: الحار الذي قد انتهى حره، وأما الغساق فهو: ضده، وهو البارد الذي لا يستطاع من شدة برده المؤلم.
ولهذا قال سبحانه: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾[١٠٨] أي: وأشياء من هذا القبيل، الشيء وضده يعاقبون بها، وقيل: الغساق: السيال، ويشمل ما يسيل من أجساد أهل النار من الصديد[١٠٩].
وقد بينت الآيات أن الله عز وجل يحاسب عباده يوم القيامة ويسألهم عن أعمالهم.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾[١١٠].
وقال سبحانه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيداً﴾[١١١].
وقال جلّ وعلا: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾[١١٢].
وقال جلّ جلاله: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾[١١٣].
ووصف الله تعالى الحساب في الآخرة بأنه يسير على المؤمنين عسير على الكافرين وسوف نوضح ذلك في المبحث التالي.[١١٤]
أوصاف الحساب
تظهر أوصاف الحساب من خلال ما يلي:
الحساب السريع
ذكر القرآن الكريم أن الله تعالى سريع الحساب.
قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾[١١٥].
وقال سبحانه: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾[١١٦].
وقال جلّ وعلا: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾[١١٧].
بينت الآيات أن الملك والحكم يوم القيامة لله وحده وأنّ كل نفس تجزى ما كسبت وأن الله تعالى لا يظلم؛ لأن الله ليس بظلام للعبيد، وأن الحساب لا يبطئ، وأن الله سريع الحساب؛ لأن الله لا يشغله حساب عن حساب، فيحاسب الخلق كله في وقت واحد وهو أسرع الحاسبين، وإنما وصف جل ثناؤه نفسه بسرعة الحساب، لأنه جل ذكره يحصي ما يحصى من أعمال عباده بغير عقد أصابع، ولا فكرٍ ولا روية، فعل العجزة الضّعفة من الخلق، ولكنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يعزب عنه مثقال ذرة فيهما، ثم هو مجازٍ عباده على كل ذلك، فلذلك امتدح نفسه جل ذكره بسرعة الحساب، وأخبر خلقه أنه ليس لهم بمثل، فيحتاج في حسابه إلى عقد كف أو وعي صدر، ولذكر السرعة هنا وقعه في القلب البشري، فهو ليس متروكاً ولو إلى مهلة في الحساب! وتصور المسلم للأمر على هذا النحو الذي توحي به أصول عقيدته في الحياة والموت والبعث والحساب، كفيل بأن ينزع كل تردد في إفراد الله سبحانه بالحكم- في هذه الأرض- في أمر العباد، وفي هذه الآيات إظهار قدرة الله تعالى بسرعة الحساب ليدلّ على كمال قدرته ووجوب الحذر منه[١١٨].
وقوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾[١١٩].
جملة تذييل ولذلك ابتدئ بأداة الاستفتاح المؤذنة بالتنبيه إلى أهمية الخبر، وقدم المجرور في قوله له الحكم للاختصاص، أي له لا لغيره، وهذا يتضمن وعداً ووعيداً لأنه لما أتى بحرف المهلة في الجمل المتقدمة وكان المخاطبون فريقين: فريق صالح وفريق كافر، وذكر أنهم إليه يرجعون كان المقام مقام طماعية ومخالفة فالصالحون لا يحبون المهلة والكافرون بعكس حالهم، فعجلت المسرة للصالحين والمساءة للمشركين بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾.[١٢٠]
قال الشعراوي: «وعندما نقرأ: ﴿وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
فلنفهم أن السرعة هي أن يقل الزمن عن الحدث، فبدلاً من أن يأخذ الحدث منك ساعة، وقد تنهيه في نصف ساعة، وكل حدث له زمن، والحدث حين يكون له زمن وتريد أن تقلل زمن الحدث فلابد أن تسرع فيه حتى تنجزه في أقل وقت، وتقليل الزمن يقتضي سرعة الحركة في الفعل، وذلك في الأفعال العلاجية التي تحتاج معالجة، وعملاً من الإنسان، لكن سبحانه يفعل بـ «كن» ولا يحتاج عمله إلى علاج، وبالتالي لا يحتاج إلى زمن، إذن فهو سريع الحساب؛ لأنه لا يحتاج إلى زمن، ولأنه لا يشغله شأن عن شأن، وهذا هو الفرق بين قدرة الواحد سبحانه وقدرة الحادث؛ لأن الحادث عندما يؤدي عملاً، فهذا العمل يشغله عن غيره من الأعمال، فلا يستطيع أن يؤدي عمليتين في وقت واحد، لكن الواحد الأحد لا يشغله فعل عن فعل، وبالتالي يفعل ما يريد وقتما يريد ولكل من يريد»[١٢١].[١٢٢]
الحساب اليسير
يخبر القرآن الكريم أن من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً.
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً وَيَصْلَى سَعِيراً﴾[١٢٣].
بينت الآية أن الله تعالى سوف يحاسب أصحاب اليمين حساباً يسيراً، والحساب اليسير هو أن تعرض عليه أعماله، فيعرف بالطاعة، والمعصية ثم يثاب على الطاعة، ويتجاوز له عن المعصية، فهذا هو الحساب اليسير؛ لأنه لا شدة فيه على صاحبه، ولا مناقشة، ولا يقال له: لم فعلت هذا ولا يطالب بالعذر فيه، ولا الحجة عليه فإنه متى طولب بذلك لم يجد عذراً، ولا حجة فيفتضح، وعن ابن أبي مليكة أن عائشة كانت لا تسمع شيئًا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، «وَ أَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَالَ مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ أَ وَ لَيْسَ يَقُولُ اَللهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾[١٢٤] قَالَتْ فَقَالَ إِنَّمَا ذَلِكَ اَلْعَرْضُ وَ لَكِنْ مَنْ نُوقِشَ اَلْحِسَابَ يَهْلِكُ»[١٢٥].
﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ﴾[١٢٦]، يعني: في الجنة من الحور العين والآدميات، «مَسْرُوراً»، أي: بما أوتي من الخير والكرامة، وقوله تعالى: ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾[١٢٧]، تمثيل لحال المحاسب حساباً يسيراً في المسرة والفوز والنجاة بعد العمل الصالح في الدنيا، بحال المسافر لتجارة حين يرجع إلى أهله سالماً رابحاً لما في الهيئة المشبه بها من وفرة المسرة بالفوز والربح والسلامة ولقاء الأهل وكلهم في مسرة، فذلك وجه الشبه بين الهيأتين وهو السرور المألوف للمخاطبين فالكلام استعارة تمثيلية، وليس المراد رجوعه إلى منزله في الجنة؛ لأنه لم يكن فيه من قبل حتى يقال لمصيره إليه انقلاب، ولأنه قد لا يكون له أهل، وهو أيضاً كناية عن طول الراحة؛ لأن المسافر إذا رجع إلى أهله فارق المتاعب [١٢٨].[١٢٩]
الحساب العسير
بعد أن ذكر الله تعالى أن المؤمن يحاسب يوم القيامة حساباً يسيراً أعقبه بذكر أن الكافر يحاسب حساباً عسيراً.
فقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً وَيَصْلَى سَعِيراً إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾[١٣٠].
وقال جلّ وعلا: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلاً الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً﴾[١٣١].
وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾[١٣٢].
وقال جلّ جلاله: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾[١٣٣].
بينت الآيات أن الحساب يوم القيامة عسير على الكافرين لا يسر فيه ولا فيما بعده، على خلاف ما جرت به العادة من أن كل عسر بعده يسر، وعسره عليهم أنهم يناقشون الحساب، ويعطون كتبهم بشمائلهم وتسوّد وجوههم، وتتكلم جوارحهم، فيفتضحون على رؤوس الأشهاد، ويقطع رجاؤهم في جميع الوجوه، ووصف الله تعالى الحساب العسير بقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾، يعني: الكافر، يخرج يده اليسرى من وراء ظهره، يعطى كتابه بها.
﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً﴾[١٣٤]، يعني: بالويل والثبور على نفسه.
﴿وَيَصْلَى سَعِيراً﴾[١٣٥]، يعني: يدخل في الآخرة ناراً وقوداً.
قرأ أبو عمرو، وعاصم، وحمزة (ويصلى سعيراً)، بنصب الياء، وجزم الصاد مع التخفيف، والباقون ويصلى بضم الياء ونصب الصاد مع التشديد، فمن قرأ (يصلى)، بالتخفيف، فمعناه: أنه يقاسي حر السعير وعذابه، يقال: صليت النار، إذا قاسيت عذابها وحرها، ومن قرأ بالتشديد، فمعناه أنه يكثر عذابه في النار، حتى يقاسي حرها[١٣٦].
وقال الزمخشري: «﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾[١٣٧]، كان يكفي عنها ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾[١٣٨]، إلا أنه ليبين لهم أن عسره لا يرجى تيسيره، كعسر الدنيا، وأن فيه زيادة وعيد للكافرين، ونوع بشارة للمؤمنين لسهولته عليهم، ولعل المعنيين مستقلان، وأن قوله تعالى: ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾[١٣٩].
هذا كلام مستقل وصف لهذا اليوم، وبيان للجميع شدة هوله»[١٤٠].
وجاء وصف الحساب العسير في آيات أخر كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾[١٤١].
أمر جل وعلا في أول هذه السورة الكريمة الناس بتقواه جل وعلا بامتثال أمره، واجتناب نهيه، وبين لهم أن زلزلة الساعة شيء عظيم، تذهل بسببه المراضع عن أولادها، وتضع بسببه الحوامل أحمالها، من شدة الهول والفزع، وأن الناس يرون فيه كأنهم سكارى من شدة الخوف، وما هم بسكارى من شرب الخمر، ولكن عذابه شديد، وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾[١٤٢].
ووصف الله تعالى عسر هذا اليوم فقال سبحانه: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾[١٤٣].
وقال تعالى منبهاً عن حال وأهوال هذا اليوم: ﴿يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً﴾[١٤٤].
فلا تجد صفات أعظم من هذه الصفات في ذلك اليوم؛ حيث يتحول الطفل إلى شيخ كبير السن شعره أبيض من شدة المخاوف، وتذهل فيه المرضعة عمَّا أرضعت؛ لأنه يوم يرجف فيه القلب رجفاً شديداً، ومن شدة الارتجاف يصعد هذا القلب حتى يسد الحنجرة، يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار، تتقلب فيه القلوب؛ لأن القلوب ترى أشياء لم تكن تراها في الدنيا، وتتيقن منها، والأبصار تشاهد أشياء لم تكن تشاهدها في الدنيا، إنما كانت توصف لها وصفاً، وهذه قلوب الملاحدة وأهل الشك، وكذلك الأبصار تشاهد أشياء ما كانت تراها في الدنيا، بل كانت تسمع عنها، فانقلب القلب إلى إدراك أشياء ما كان يدركها من قبل، وانقلب البصر إلى رؤية أشياء لم يكن يراها من قبل[١٤٥].[١٤٦]
المحاسب عليه
يظهر ما يحاسب عليه العبد وما لا يحاسب عليه من خلال ما يأتي:
ما يحاسب عليه العبد
ذكر القرآن الكريم أن مما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الكفر.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾[١٤٧].
وقال سبحانه: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾[١٤٨].
بينت الآيات أن الله تعالى يحاسب العباد يوم القيامة على أعمالهم، وأنهم يحاسبون بكل صغيرة وكبيرة، وقليل وكثير.
قال تعالى: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾[١٤٩].
وقال سبحانه: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾[١٥٠]، يعني: أي: نحن نحاسبهم على أعمالهم ونجازيهم بها، إن خيرا فخير، وإن شرًّا فشرٌّ.
وقال جلّ جلاله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾[١٥١].
وقال جلّ وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾[١٥٢].
ولما كان أعظم ما دعا الله إليه توحيده وكان أصل ضلال المشركين إشراكهم أعقب وصف الله بالعلو العظيم والقدرة الواسعة ببيان أن الحساب الواقع بعد البعث ينال الذين دعوا مع الله آلهة دعوى لا عذر لهم فيها؛ لأنها عرية عن البرهان، أي: الدليل، لأنهم لم يثبتوا لله الملك الكامل إذ أشركوا معه آلهة، ولم يثبتوا ما يقتضي له عظيم التصرف إذ أشركوا معه تصرف آلهة، فقوله تعالى: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾[١٥٣]، حال من يدع مع الله إلهاً آخر، وهي حال لازمة؛ لأن دعوى الإله مع الله لا تكون إلا عرية عن البرهان، ونظير هذا الحال قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾[١٥٤].
والقصر في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾[١٥٥]، قصر حقيقي، وفيه إثبات الحساب وأنه لله وحده مبالغة في تخطئتهم وتهديدهم، ويجوز أن يكون القصر إضافيًّا تطميناً للنبي (ص) بأن الله لا يؤاخذه باستمرارهم على الكفر، كقوله تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾[١٥٦].
وقوله سبحانه: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾[١٥٧].
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾[١٥٨]، وهو نفي الفلاح عن الكافرين ضد المؤمنين[١٥٩].
قال سيد عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾[١٦٠].
«بهذا يتحدد دور الرسول في هذه الدعوة، ودور كل داعية إليها بعده، إنما أنت مذكر وحسابهم بعد ذلك على الله، ولا مفر لهم من العودة إليه، ولا محيد لهم من حسابه وجزائه، غير أنه ينبغي أن يفهم أن من التذكير إزالة العقبات من وجه الدعوة لتبلغ إلى الناس وليتم التذكير، فهذه وظيفة الجهاد كما تفهم من القرآن ومن سيرة الرسول سواء، بلا تقصير فيها ولا اعتداء»[١٦١].[١٦٢]
ما لا يحاسب عليه العبد
ذكر القرآن الكريم أن العبد إنما يحاسب على عمله وأنه لا يحاسب على عمل غيره.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾[١٦٣].
وقال سبحانه: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾[١٦٤].
﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾[١٦٥].
بينت الآيات أن حساب العباد عند الله تعالى، وأنه يحاسبهم بأعمالهم، وأنه لا حساب بأحسابهم وأموالهم، ولا يحاسب العبد على غناه وفقره، ولا يحاسب على عمل غيره، وليس لأحد محاسبتهم، وأخبر الله تعالى نبيه (ص)، أنه ليس عليه شيء ما من أمر حساب هؤلاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، لا على دعائهم ولا على غيره من أعمالهم الدينية، كما أنه ليس عليهم شيء ما من أمر حسابك على أعمالك حتى يمكن أن يترتب على هذا أو ذاك طردك إياهم بإساءتهم في عملهم أو محاسبتك على عملك، فإن الطرد جزاء، وإنما يكون على عمل سيئ يستوجبه، ولا يثبت إلا بحساب، والمؤمنون ليسوا عبيداً للرسل ولا أعمالهم الدينية لهم، بل هي لله تعالى يريدون بها وجهه لا أوجه الرسل، وحسابهم عليه تعالى لا عليهم، وإنما الرسل هداة معلمون، لا أرباب ولا مسيطرون، ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾[١٦٦].
وإذا لم يكن للرسل حق السيطرة على الناس ومحاسبتهم على أعمالهم الدينية فليس للناس عليهم هذا الحق بالأولى، وذكروا في قوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْ﴾[١٦٧]، قولين:
- أن الكفار طعنوا في إيمان أولئك الفقراء، وقالوا: يا محمد إنهم إنما اجتمعوا عندك وقبلوا دينك؛ لأنهم يجدون بهذا السبب مأكولاً وملبوساً عندك، وإلا فهم فارغون عن دينك، فقال الله تعالى: إن كان الأمر كما يقولون، فما يلزمك إلا اعتبار الظاهر، وإن كان لهم باطن غير مرضي عند الله، فحسابهم عليه لازم لهم، لا يتعدى إليك، كما أن حسابك عليك لا يتعدى إليهم، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾[١٦٨].
- ما عليك من حساب رزقهم من شيء فتملهم وتطردهم، ولا حساب رزقك عليهم، وإنما الرازق لهم ولك هو الله تعالى، فدعهم يكونوا عندك ولا تطردهم، وقوله سبحانه: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾[١٦٩]، جواب النفي ومعناه، ما عليك من حسابهم من شيء فتطردهم، بمعنى أنه لم يكن عليك حسابهم حتى أنك لأجل ذلك الحساب تطردهم، وقوله جلّ في علاه: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾[١٧٠]، أي: لا تطرد هؤلاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي فتكون بطردك إياهم في زمرة الظالمين معدوداً من جنسهم؛ لأن الطرد لا يكون حقًّا إلا على الإساءة في الأعمال التي يعملونها لمن له حق حسابهم وجزائهم عليها، ولست أنت بصاحب هذا الحق حتى تجري فيه على صراط العدل، فإن عملهم هو عبادة الله وحده، فحسابهم وجزاؤهم عليه، كما قال نوح (ع): ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾[١٧١].
وقوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فيه قولان:
- فتكون من الظالمين لنفسك بهذا الطرد.
- أن تكون من الظالمين لهم لأنهم لما استوجبوا مزيد التقريب والترحيب كان طردهم ظلماً لهم، والله أعلم[١٧٢].
قال الزمخشري: «فإن قلت: أما كفى قوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾[١٧٣] حتى ضم إليه: ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾[١٧٤]؟
قلت: قد جعلت الجملتان بمنزلة جملة واحدة، وقصد بهما مؤدى واحد وهو المعنيّ في قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾[١٧٥].
ولا يستقل بهذا المعنى إلا الجملتان جميعاً، كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه، وقيل: الضمير للمشركين، والمعنى: لا يؤاخذون بحسابك ولا أنت بحسابهم، حتى يهمك إيمانهم ويحرّكك الحرص عليه إلى أن تطرد المؤمنين، ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾[١٧٦]، جواب النفي ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾[١٧٧]، جواب النهي، ويجوز أن يكون عطفاً على ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾، على وجه التسبيب؛ لأن كونه ظالماً مسبب عن طردهم»[١٧٨].
وذكر طنطاوي تخريجاً آخر لقوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾[١٧٩]، «بأن المعنى: ما عليك شيء من حساب رزقهم إن كانوا فقراء، وما من حسابك في الفقر والغنى عليهم من شيء، أي: أنت مبشر ومنذر ومبلغ للناس جميعاً، سواء منهم الفقير والغنيّ، فكيف تطرد فقيراً لفقره، وتقرب غنيًّا لغناه؟ إنك إن فعلت ذلك كنت من الظالمين، ومعاذ الله أن يكون ذلك منك»[١٨٠].
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾[١٨١].
أمر الله تعالى نبيه (ص) بإنذار غير المتقين ليتقوا ثم أمر بعد ذلك بتقريب المتقين ونهى عن طردهم، ثم أثنى عليهم بأنهم يواصلون دعاء ربهم، أي: عبادته ويواظبون عليها، والمراد بذكر الغداة والعشي الدوام، أو معناه: يصلون صلاة الصبح والعصر أو الصلوات الخمس بالغدوة والعشي، ووسمهم بالإخلاص في عبادتهم بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، فالوجه يعبر به عن ذات الشيء، وحقيقته نزلت في الفقراء بلال وصهيب وعمار وأضرابهم حين قال رؤساء المشركين لو طردت هؤلاء السقاط لجالسناك.
وعن سعد، قال: (كنا مع النبي (ص) ستة نفر، فقال المشركون للنبي (ص): اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، قال وكنت أنا وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله (ص) ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه فأنزل الله عز وجل: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾[١٨٢].[١٨٣]
قال سيد قطب عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾[١٨٤]: «فإن حسابهم على أنفسهم، وحسابك على نفسك، وكونهم فقراء مقدر عليهم في الرزق هذا حسابهم عند الله، لا شأن لك به، كذلك غناك وفقرك هو حسابك عند الله لا شأن لهم به، ولا دخل لهذه القيم في قضية الإيمان والمنزلة فيه، فإن أنت طردتهم من مجلسك بحساب الفقر والغنى كنت لا تزن بميزان الله، ولا تقوّم بقيمه. فكنت من الظالمين، وحاشا لرسول الله (ص) أن يكون من الظالمين! وبقي فقراء الجيوب أغنياء القلوب في مجلس رسول الله (ص) وبقي ضعاف الجاه الأقوياء بالله في مكانهم الذي يؤهلهم له إيمانهم والذي يستحقونه بدعائهم لله لا يبتغون إلا وجهه، واستقرت موازين الإسلام وقيمه على المنهج الذي قرره الله»[١٨٥].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾[١٨٦].
إشارة إلى أن ما يقع من المشركين في تلك المجالس الهازئة الهازلة من منكر، لا يمسّ المتقين بسوء، ولا يحمّلهم شيئًا من أوزار هؤلاء القوم، ولا يحاسبون على خوضهم فيها ولا على غيره من أعمالهم التي يحاسبهم الله تعالى عليها إذا هم تجنبوهم وأعرضوا عنهم كما أمروا، ولكن تجنّب هذه المجالس هو حماية للمؤمنين من أن تصيبهم عدوى هذه الأحاديث، وإن من الخير لهم، والسلامة لدينهم، أن يتّقوا هذه المجالس، ويحذروها، وهكذا في كل شر، من قول أو عمل، إنه واقع بأهله أولاً وقبل كل شيء، وما يصيب غيرهم منه، لا يخفف من آثاره السيئة الواقعة بهم، بل إنه ليضاعف من إثمهم، ويضيف إلى جرمهم جرماً، وما يجب على المؤمنين في تلك الحال هو أن يعزلوا أنفسهم عن تلك المآثم، وأن يتقوا الخطر الذي قد يصيبهم من مداناتها، وقيل: إن ذلك يقتضي إباحة جلوس المؤمنين مع الكافرين، لأنهم شق عليهم النهي عن ذلك إذ كانوا لا بد لهم من مخالطتهم في طلب المعاش، وفي الطواف بالبيت وغير ذلك، ثم نسخت بآية النساء، وهي: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾[١٨٧].
وقيل: إنها لا تقتضي إباحة القعود، «وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ»}}، فيه وجهان:
- أن المعنى: ليس على المؤمنين حساب الكفار، ولكن عليهم تذكير لهم، ووعظ، وإعراب ذكرى على هذا نصب على المصدر وتقديره يذكرونهم ذكرى، أو رفع على المبتدأ تقديره عليهم ذكرى، والضمير في لعلهم عائد على الكفار، أي: يذكرونهم رجاء أن يتقوا، أو عائد على المؤمنين، أي: يذكرونهم ليكون تذكيرهم ووعظهم تقوى الله.
- أن المعنى: ليس نهي المؤمنين عن القعود مع الكافرين بسبب أن عليهم من حسابهم شيئًا، وإنما هو ذكرى للمؤمنين.
وإعراب ذكرى على هذا خبر ابتداء مضمر تقديره: ولكن نهيهم ذكرى، أو مفعول من أجله تقديره: إنما نهوا ذكرى، والضمير في (لعلهم) على هذا للمؤمنين لا غير[١٨٨].[١٨٩]
الإيمان بيوم الحساب وأثره
يظهر الإيمان بيوم الحساب، وأثره الطيب على الفرد والمجتمع من خلال ما يأتي:
الإيمان بيوم الحساب
الإيمان بيوم الحساب والجزاء ركن من أركان الإيمان، يحاسب العبد على عمله، ويجازى عليه، وقد دل على ذلك الكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾[١٩٠].
وقال سبحانه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾[١٩١].
وقال جلّ وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾[١٩٢].
وعن ابن عمر قال: سمعت رسول الله (ص)، يقول: «إنَّ اللهَ يُدْنِي المُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عليه كَنَفَهُ ويَسْتُرُهُ، فيَقولُ: أتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فيَقولُ: نَعَمْ أيْ رَبِّ، حتَّى إذَا قَرَّرَهُ بذُنُوبِهِ، ورَأَى في نَفْسِهِ أنَّه هَلَكَ، قالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ في الدُّنْيَا، وأَنَا أغْفِرُهَا لكَ اليَومَ، فيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وأَمَّا الكَافِرُ والمُنَافِقُونَ، فيَقولُ الأشْهَادُ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾[١٩٣]»[١٩٤].
وقد أجمع المسلمون على إثبات الحساب والجزاء على الأعمال، وهو مقتضى الحكمة فإن الله تعالى أنزل الكتب، وأرسل الرسل، وفرض على العباد قبول ما جاءوا به، والعمل بما يجب العمل به منه، وأوجب قتال المعارضين له وأحل دماءهم، وذرياتهم، ونساءهم، وأموالهم، فلو لم يكن حساب، ولا جزاء لكان هذا من العبث الذي ينزه الرب الحكيم عنه.
وقد أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾[١٩٥].[١٩٦]
فما يتكبر متكبر وهو يؤمن بيوم الحساب، وهو يتصور موقفه يومئذ حاسراً خاشعاً خاضعاً ذليلاً، مجرداً من كل قوة.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾[١٩٧].
ذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة أن نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، قال لفرعون وملئه: إني استجرت أيها القوم بربي وربكم، من كلّ متكبر عليه، تكبر عن توحيده، والإقرار بألوهيته وطاعته، لا يؤمن بيوم يحاسب الله فيه خلقه، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بما أساء.
وإنما خص موسى (ع)، الاستعاذة بالله ممن لا يؤمن بيوم الحساب، لأن من لم يؤمن بيوم الحساب مصدقاً، لم يكن للثواب على الإحسان راجياً، ولا للعقاب على الإساءة، وقبيح ما يأتي من الأفعال خائفاً، ولذلك كان استجارته من هذا الصنف من الناس خاصة، وما ذكره جل وعلا في آية المؤمن هذه، من عياذ موسى بالله من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب كفرعون وعتاة قومه، ذكر نحوه في سورة الدخان في قوله تعالى عن موسى مخاطباً فرعون وقومه: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾[١٩٨].[١٩٩]
قال الزمخشري: «لما سمع موسى (ع) بما أجراه فرعون من حديث قتله: قال لقومه إنّي عذت بالله الذي هو ربي وربكم، وقوله: ﴿وَرَبِّكُمْ﴾، فيه بعث لهم على أن يقتدوا به، فيعوذوا بالله عياذه، ويعتصموا بالتوكل عليه اعتصامه، وقال: ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾[٢٠٠]، لتشمل استعاذته فرعون وغيره من الجبابرة، وليكون على طريقة التعريض، فيكون أبلغ، وأراد بالتكبر: الاستكبار عن الإذعان للحق، وهو أقبح استكبار وأدله على دناءة صاحبه ومهانة نفسه، وعلى فرط ظلمه وعسفه، وقال: ﴿لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾، لأنه إذا اجتمع في الرجل التجبر والتكذيب بالجزاء وقلة المبالاة بالعاقبة، فقد استكمل أسباب القسوة والجرأة على الله وعباده، ولم يترك عظيمة إلا ارتكبها: وعذت ولذت: أخوان، وقرئ: عتّ، بالإدغام»[٢٠١].
وفي قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾[٢٠٢].
هذا القول كان في مجلس فرعون، وليس مع موسى أحد من قومه إلا أخوه هارون، فالخطاب ليس لقومه، وإنما لفرعون وقومه، والمعنى: إني أعددت العدة لدفع بطش فرعون العوذ بالله من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب وفي مقدمة هؤلاء المتكبرين فرعون، ومعنى ذلك: أن موسى علم أنه سيجد مناوئين متكبرين يكرهون ما أرسله الله به إليهم، فدعا ربه وعلم أن الله ضمن له الحفظ وكفاه ضير كل معاند، وذلك ما حكي في قوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾[٢٠٣].
فأخبر موسى قومه بأن ربه حافظ له ليثقوا بالله، وتأكيد الخبر بحرف (إن) متوجه إلى لازم الخبر وهو أن الله ضمن له السلامة وأكد ذلك لتنزيل بعض قومه أو جلهم منزلة من يتردد في ذلك لما رأى من إشفاقهم عليه، والعوذ: الالتجاء إلى المحل الذي يستعصم به العائذ فيدفع عنه من يروم ضره، يقال: عاذ بالجبل، وعاذ بالجيش، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾[٢٠٤].
وعبر عن الجلالة بصفة الرب مضافاً إلى ضمير المتكلم؛ لأن في صفة الرب إيماء إلى توجيه العوذ به؛ لأن العبد يعوذ بمولاه، وزيادة وصفه برب المخاطبين للإيماء إلى أن عليهم أن لا يجزعوا من مناوأة فرعون لهم، وأن عليهم أن يعوذوا بالله من كل ما يفظعهم، وجعلت صفة لا يؤمن بيوم الحساب مغنية عن صفة الكفر أو الإشراك؛ لأنها تتضمن الإشراك وزيادة، لأنه إذا اجتمع في المرء التجبر والتكذيب بالجزاء قلت مبالاته بعواقب أعماله فكملت فيه أسباب القسوة والجرأة على الناس[٢٠٥].
قال سيد قطب: «قالها، واطمأن، وسلّم أمره إلى المستعلي على كل متكبر، القاهر لكل متجبر، القادر على حماية العائذين به من المستكبرين، وأشار إلى وحدانية الله ربه وربهم لم ينسها أو يتركها أمام التهديد والوعيد، كما أشار إلى عدم الإيمان بيوم الحساب، فما يتكبر متكبر وهو يؤمن بيوم الحساب، وهو يتصور موقفه يومئذ حاسراً خاشعاً خاضعاً ذليلاً، مجرداً من كل قوة، ما له من حميم ولا شفيع يطاع»[٢٠٦].[٢٠٧]
أثر الإيمان بيوم الحساب
من آثار الإيمان بيوم الحساب ما يأتي:
١. أن الإيمان بيوم الحساب ينمي الضمير الداخلي الذي يراقب الإنسان مراقبة يقظة قبل صدور أي عمل نفسي أو سلوكي، ويحاسبه محاسبة دقيقة بعد صدور أي عمل منه، فالمؤمن بالله وبيوم الحساب وما فيه من ثواب وعقاب يدفعه إيمانه إلى مراقبة الله في جميع أعماله مراقبة دقيقة تجعله دائم الحذر من الوقوع فيما يغضب الله جل جلاله، فيستوجب عقابه، وتحمله دوماً على اتباع مرضاة الله سبحانه عله ينال ثوابه.
وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً﴾[٢٠٨]، أي: كافياً للمخاوف، أو محاسباً على الكبار والصغائر من أفعال القلب والجوارح، فلا ينبغي أن يخشى غيره، والإظهار في مقام الإضمار لما في هذا الاسم الجليل ما ليس في الضمير[٢٠٩].
٢. أن الإيمان بيوم الحساب ظاهرة في سلامة كتاب المؤمن من السيئات، وسبب سعادته.
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾[٢١٠]، أي: فأما من أعطى كتابه بيمينه فيقول: تعالوا اقرءوا كتابي فرحاً به، لأنه لما أوتيه باليمين علم أنه من الناجين الفائزين بالنعيم، فأحب أن يظهره لغيره حتى يفرحوا بما نال.
ثم ذكر العلة في حسن حاله فقال سبحانه: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾[٢١١]، أي: إني فرح مسرور؛ لأني علمت أن ربى سيحاسبني حساباً يسيراً، وقد حاسبني كذلك، فالله عند ظن عبده به.
ثم بيّن عاقبة أمره فقال جلّ وعلا: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾[٢١٢]، أي: فهو يعيش عيشة مرضية خالية مما يكدر مع دوامها وما فيها من إجلال وتعظيم.
ثم فصل ذلك فقال عز من قائل: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾[٢١٣]، أي: فهو يعيش في بستان عال رفيع ذي ثمار دانية القطوف، يأخذها المرء كما يريد، إن أحب أن يأخذها بيده انقادت له، وهو قائم وجالس أو مضطجع، وإن أحب أن تدنو إلى فيه دنت له.
ثم يقول لهم تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾[٢١٤]، أي: ويقول لهم ربهم جل ثناؤه: كلوا يا معشر من رضيت عنه فأدخلته جنتي من ثمارها وطيب ما فيها من الأطعمة، واشربوا من أشربتها، أكلاً وشرباً هنيئًا لا تتأذون بما تأكلون وما تشربون جزاء من الله، وثواباً على ما قدمتم في دنياكم لآخرتكم من العمل بطاعتي[٢١٥].
٣. أن الإيمان باليوم الآخر هو المنطلق لكل خير والمانع لكل شر، والإيمان بالبعث هو منطلق جميع الأعمال الصالحة؛ لأنه يؤمن أن هناك يوماً آخر يجازى فيه الإنسان المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾[٢١٦].
وقال سبحانه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُوراً إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً فَوَقَاهُمُ اللهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾[٢١٧].[٢١٨]
٤. والإيمان باليوم الآخر من ثماره أنه يغرس في النفوس الوفاء بالعهد والميثاق، وصلة الأرحام والجيران والفقراء، ومحبة الخير، والحرص على إسداء المعروف وينفرها من اقتراف الشرور وارتكاب الآثام، فالحلم والأناة، والتضحية، والصبر على الشدائد، والسمو بالنفس عن الدناءات، كل ذلك يتجلى به المؤمن؛ لأنه ينتظر جزاءه عند الله، لا عند المجتمع ولا عند الناس، ويوم الجزاء آت لا ريب فيه، في موعده الذي قدره الله له، لا يتزحزح، لذلك فإن أخلاق المؤمن ثابتة لا يزعزعها شيء من أعراض الحياة الزائلة.
قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلاَ يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾[٢١٩].
فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا[٢٢٠].
٥. كما أن الإيمان بهذا اليوم يحمل على الثبات عند لقاء الأعداد والصبر على الشدائد؛ كما قال تعالى في قصة طالوت وجنوده حينما لقوا عدوهم الذي يفوقهم في الكثير بعد ما جاوزوا نهر الامتحان ولم ينجح منهم إلا القليل.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا اللهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾[٢٢١] .[٢٢٢].[٢٢٣]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة الرحمن، الآية ٥.
- ↑ مقاييس اللغة ٢/٥٩.
- ↑ انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢/٨٧، الصحاح، الجوهري ١/١١٠، تاج العروس، الزبيدي ٢/٢٦٨.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٣٢، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٢/٤٦٠.
- ↑ انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨ /٣٣٤.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي، ص ٢٠٠-٢٠١.
- ↑ انظر: الوجوه والنظائر، مقاتل بن سليمان ص ١٨٦- ١٨٧، الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ١٧٠-١٧١، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص ٢٥٠-٢٥١، الوجوه والنظائر، أبو هلال العسكري ص ١٨٩- ١٩٠.
- ↑ سورة الإسراء، الآية ١٢.
- ↑ سورة النبأ، الآية ٣٦.
- ↑ سورة الإنشقاق، الآية ٨.
- ↑ سورة غافر، الآية ٤٠.
- ↑ سورة الشعراء، الآية ١١٣.
- ↑ سورة الكهف، الآية ٤٠.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٤/١٤٣، الكليات، الكفوي ص ٣٥٦، تاج العروس، الزبيدي ٣٧/٣٥١.
- ↑ سورة لقمان، الآية ٣٣.
- ↑ انظر: المفردات، الراغب ص ١٩٥، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٢/٣٨٠.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١/٣٩٣، مختار الصحاح، الرازي ص٩٠، لسان العرب، ابن منظور ١/٢٤٣.
- ↑ انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ١٨٠.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة النساء، الآية ٦.
- ↑ سورة الأحزاب، الآية ٣٩.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ٦٤.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري ٨/٥٩١، الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٢/١٤٠٧، مفاتيح الغيب، الرازي ١٠/١٦٦.
- ↑ انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٩/٥٠١.
- ↑ سورة النساء، الآية ٨٦.
- ↑ سورة النساء، الآية ٨٦.
- ↑ انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٠/ ١٦١.
- ↑ المنار، محمد رشيد ٥/٢٥٨.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٨٤.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ٢٩.
- ↑ سورة طه، الآية ٧.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٨٤.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله)، ٦/٣٣، رقم ٤٥٤٥.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٨٤.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٨٥.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٨٦.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٨٦.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٨٦.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٨٦.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان قوله تعالى: (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه)، ١/١١٥، رقم ١٢٥.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب من هم بحسنة أو بسيئة، ٨/١٠٣، رقم ٦٤٩١، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب إذا هم العبد بحسنة كتبت، وإذا هم بسيئة لم تكتب، ١/ ١١٨، رقم ١٣١.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأيمان والنذور، باب إذا حنث ناسياً في الأيمان، ٨/١٣٥، رقم ٦٦٦٤.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب من هم بحسنة أو بسيئة، ٨/١٠٣، رقم ٦٤٩١، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب إذا هم العبد بحسنة كتبت، وإذا هم بسيئة لم تكتب، ١/ ١١٨، رقم ١٣١.
- ↑ انظر: النكت والعيون، الماوردي ١/ ٣٦٠، مدارك التنزيل، النسفي ١/٢٣١، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/٧٢٨.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٦٢.
- ↑ سورة غافر، الآية ١٧.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٧٤.
- ↑ سورة الفرقان، الآية ١١.
- ↑ سورة الأحقاف، الآية ٣٥.
- ↑ انظر: لباب التأويل، الخازن ٢/١٢٠، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل الحنبلي ٨/١٩٩.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري ٤/٢٠٧، الكشاف، الزمخشري ٤/١٥٧، الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٣/٢٠٥٢.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٦٢.
- ↑ انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧/٢٧٩.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة النساء، الآية ٦.
- ↑ سورة الأحزاب، الآية ٣٩.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة، ٣/ ١٤٥٧، رقم ١٨٢٦.
- ↑ انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٩/٥٠١، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/٢١٩.
- ↑ سورة الأحزاب، الآية ٣٩.
- ↑ سورة الأحزاب، الآية ٣٧.
- ↑ سورة الأحزاب، الآية ٣٧.
- ↑ انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٤٢٧، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢/ ٤٣.
- ↑ سورة النساء، الآية ٦.
- ↑ سورة الأحزاب، الآية ٣٧.
- ↑ روح المعاني ١١/٢٠٧.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة الطلاق، الآية ٨-٩.
- ↑ سورة الطلاق، الآية ١٠.
- ↑ سورة العنكبوت، الآية ٤٠.
- ↑ سورة هود، الآية ١٠٢.
- ↑ سورة المائدة، الآية ١٠٠.
- ↑ سورة الطلاق، الآية ١٠.
- ↑ سورة الحجر، الآية ٩.
- ↑ انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/١٥٥، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨/٣٣٣.
- ↑ سورة هود، الآية ١٠٢.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (وكذلك أخذ ربّك إذا أخذ القرى وهي ظالمةٌ)، ٦/٧٤، رقم ٤٦٨٦.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة الطلاق، الآية ٨-٩.
- ↑ سورة الكهف، الآية ٩٩.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٤٤.
- ↑ سورة الطلاق، الآية ٩.
- ↑ سورة المجادلة، الآية ١٥.
- ↑ انظر: الكشاف، الزمخشري ٤/٥٦٠، المحرر الوجيز، ابن عطية ٥/٣٢٧، تفسير المراغي ٢٨/١٤٩.
- ↑ سورة ص، الآية ٤٨-٥٨.
- ↑ سورة ص، الآية ٤٩.
- ↑ سورة ص، الآية ٥٠.
- ↑ سورة ص، الآية ٥١.
- ↑ سورة ص، الآية ٥١.
- ↑ سورة ص، الآية ٥١.
- ↑ سورة الواقعة، الآية ١٨.
- ↑ سورة ص، الآية ٥٢.
- ↑ سورة ص، الآية ٥٣.
- ↑ سورة ص، الآية ٥٤.
- ↑ سورة النحل، الآية ٩٦.
- ↑ سورة هود، الآية ١٠٨.
- ↑ سورة فصلت، الآية ٨.
- ↑ سورة الرعد، الآية ٣٥.
- ↑ سورة ص، الآية ٥٥.
- ↑ سورة ص، الآية ٥٥.
- ↑ سورة ص، الآية ٥٦.
- ↑ سورة ص، الآية ٥٧.
- ↑ سورة ص، الآية ٥٨.
- ↑ انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/٧٧.
- ↑ سورة المائدة، الآية ١٠٩.
- ↑ سورة النساء، الآية ٤١.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٦.
- ↑ سورة الشعراء، الآية ١١٣.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٠٢.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٦٢.
- ↑ سورة غافر، الآية ١٧.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري ٤/٢٠٧، الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٣/٢٠٥٢.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٦٢.
- ↑ انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧/ ٢٧٩.
- ↑ تفسير الشعراوي ٢/٨٦٢.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة الانشقاق، الآية ٧-١٢.
- ↑ سورة الإنشقاق، الآية ٨.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب من سمع شيئًا فلم يفهمه فراجع فيه حتى يعرفه، ١/ ٣٢، رقم ١٠٣.
- ↑ سورة الإنشقاق، الآية ٩.
- ↑ سورة الإنشقاق، الآية ٩.
- ↑ انظر: لباب التأويل، الخازن ٤/ ٤٠٨، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/ ٣٥٦، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠/ ٢٢٣.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة الإنشقاق، الآية ١٠-١٥.
- ↑ سورة الفرقان، الآية ٢٥-٢٦.
- ↑ سورة المدثر، الآية ٨-١٠.
- ↑ سورة القمر، الآية ٨.
- ↑ سورة الإنشقاق، الآية ١١.
- ↑ سورة الإنشقاق، الآية ١٢.
- ↑ انظر: تفسير السمرقندي ٣/٥١٥، تفسير المراغي ٢٩/١٢٧.
- ↑ سورة المدثر، الآية ١٠.
- ↑ سورة المدثر، الآية ٩.
- ↑ سورة المدثر، الآية ٩.
- ↑ الكشاف، الزمخشري ٤/٦٤٧.
- ↑ سورة الحج، الآية ١-٢.
- ↑ سورة عبس، الآية ٣٤-٣٥.
- ↑ سورة الإنسان، الآية ٢٧.
- ↑ سورة المزمل، الآية ١٧.
- ↑ انظر: الكشاف، الزمخشري ٤/٦٤٧.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة المؤمنون، الآية ١١٧.
- ↑ سورة الغاشية، الآية ٢٣-٢٦.
- ↑ سورة الكهف، الآية ٤٩.
- ↑ سورة الغاشية، الآية ٢٦.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١٦٠.
- ↑ سورة الأنبياء، الآية ٤٧.
- ↑ سورة المؤمنون، الآية ١١٧.
- ↑ سورة القصص، الآية ٥٠.
- ↑ سورة المؤمنون، الآية ١١٧.
- ↑ سورة الشورى، الآية ٤٨.
- ↑ سورة الشعراء، الآية ٣.
- ↑ سورة المؤمنون، الآية ١١٧.
- ↑ انظر: تفسير السمرقندي ٣/٥٧٦، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/٣٨٩، التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٨/١٣٦.
- ↑ سورة الغاشية، الآية ٢٥-٢٦.
- ↑ في ظلال القرآن ٦/٣٩٠٠.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٥٢.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٦٩.
- ↑ سورة المؤمنون، الآية ١١٧.
- ↑ سورة الغاشية، الآية ٢١-٢٢.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٥٢.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١٦٤.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٥٢.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٥٢.
- ↑ سورة الشعراء، الآية ١١٣.
- ↑ انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٢/٥٤٢، مدارك التنزيل، النسفي ١/٥٠٦.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٥٢.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٥٢.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١٦٤.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٥٢.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٥٢.
- ↑ الكشاف ٢/٢٨.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٥٢.
- ↑ التفسير الوسيط ٥/٨٠.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٥٢.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٥٢.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب في فضل سعد بن أبي وقاص، ٤/١٨٧٨، رقم ٢٤١٣. انظر: مدارك التنزيل، النسفي ١/ ٥٠٦.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٥٢.
- ↑ في ظلال القرآن ٢/١١٠٠.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٦٩.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٤٠.
- ↑ انظر: التسهيل، ابن جزي ١/٢٦٤، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/٢٧٨، تفسير المراغي ٧/١٦٠.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة الغاشية، الآية ٢٥-٢٦.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١٦٠.
- ↑ سورة الأنبياء، الآية ٤٧.
- ↑ سورة هود، الآية ١٨.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم والغصب، باب قول الله تعالى: (ألا لعنة الله على الظّالمين)، ٣/١٢٨، رقم ٢٤٤١، ومسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله، ٤/٢١٢٠، رقم ٢٧٦٨.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٦-٧.
- ↑ انظر: شرح الطحاوية، ابن أبي العز ص ٤٠١، شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين ص ١٠٠.
- ↑ سورة غافر، الآية ٢٧.
- ↑ سورة الدخان، الآية ٢٠.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/٣٧٥، أضواء البيان، الشنقيطي ٦/٣٨٣.
- ↑ سورة غافر، الآية ٢٧.
- ↑ الكشاف ٤/١٦١.
- ↑ سورة غافر، الآية ٢٧.
- ↑ سورة طه، الآية ٤٥-٤٦.
- ↑ سورة النحل، الآية ٩٨.
- ↑ انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤/١٢٦.
- ↑ في ظلال القرآن ٥/٣٠٧٨.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة النساء، الآية ٦.
- ↑ انظر: روح المعاني، الألوسي ١١/٢٠٧.
- ↑ سورة الحاقة، الآية ١٩.
- ↑ سورة الحاقة، الآية ٢٠.
- ↑ سورة الحاقة، الآية ٢١.
- ↑ سورة الحاقة، الآية ٢٢-٢٣.
- ↑ سورة الحاقة، الآية ٢٤.
- ↑ انظر: تفسير المراغي ٢٩/٥٦، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٩/١٣٢.
- ↑ سورة الكهف، الآية ١١٠.
- ↑ سورة الإنسان، الآية ٧-١١.
- ↑ انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٨/٤٧١.
- ↑ سورة الرعد، الآية ١٩-٢٢.
- ↑ انظر: بيان المعاني، عبد القادر العاني ٦/٤٥، التفسير الوسيط، طنطاوي ١/٣٦١.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٤٩.
- ↑ انظر: الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد، صالح الفوزان ص ٢٥٤.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.