الغرانيق
تمهيد
ورد في بعض المصادر التاريخية أن النبي الأكرم (ص)عندما كان يتلو في مكة المكرمة الآيات القرآنية الآتى ذكرها، تلبّسه الشيطان وأخذ يتلو ما يلقيه عليه من آيات «الغرانيق» [١] بوصفها آيات من وحي السماء. وبعد أن تلا رسول الله قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾[٢]. أضاف إليه ما ألقاه له الشيطان (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهنّ لترتجي).
وهذه الآية الأخيرة ليست من الوحي الإلهي في شيء، بل هي من إلقاءات الشيطان، حيث أخذ النبي الأكرم (ص)يمجّد أصنام المشركين الثلاثة مشبّهاً إياها بالطيور الجميلة التى يمكن لها أن تشفع لمن يعبدها.
وقد استند بعض المستشرقين[٣] لتأييد مدّعاه إلى الآيات الآتية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾[٤].
مناقشة وتحليل
فيما يتعلق بتحليل هذه التهمة وتقييمها يمكن لنا مناقشتها من خلال الاتجاهات الآتية:
الإشكال السندي والتاريخي
إن السؤال الذي يفرض نفسه هنا يدور حول أصل تحقق هذه الحادثة تاريخياً؟
إن كل تقرير تاريخي أو روائي يجب أن يستوفي سلسلة أسانيده بشكل كامل، بمعنى اتصال سلسلة رواة السند ببعضهم حتى تصل إلى الراوي الأول الذي شهد الواقعة.
هذا مع عدم كفاية خبر الواحد في المسائل الاعتقادية، وإنما نحتاج هنا إلى التواتر أو الخبر الذي تنقله جماعة بحيث يورث العلم واليقين.
من هنا لم يتحقق أيّ واحد من هذين الشرطين في التقرير التاريخي لأسطورة الغرانيق؛ ذلك لأن جميع رواتها لم يكونوا شاهدين على الواقعة مباشرة، وإنما نقلوا أصل تحققها من دون بيان مصدرهم إليها، وعليه لا يمكن التحقق من عدالة وصدق هذا المصدر، وهذا ما يصطلح عليه في علم دراية الحديث بـ «الحديث المرسل»، وهو ساقط عن الحجية.
إن الرواة الأوائل لهذه الأسطورة هم أبو صالح، و سعيد بن جبير، و أبو بكر بن عبد الرحمن، و ابن شهاب، و موسى بن عقبة، و عروة بن الزبير، و محمد بن كعب القرظي، و محمد بن قيس، و الضحاك بن مزاحم الهلالي، و أبو العالية، و قتادة، و مجاهد، و عكرمة، و السدّي[٥].
ومن هنا فقد أعرض أكثر المؤرخين عن نقل هذه الأسطورة، إلا ما كان من الطبري، فلم يتعرض لها حتى المعاصرون للطبري من أمثال مسلم والبخاري في صحيحيهما.
وعليه لو أن هذه الحادثة قد حصلت بالفعل، لمثّلت حادثة عجيبة وهامة في تاريخ النبي (ص)، ولعمد المعاصرون للنبي من الصحابة إلى نقلها، في حين أن التاريخ لم يثبت أن صحابياً واحداً نقل مثل هذا الحديث، وعليه يثبت أنه لم يكن سوى خرافة.
عدم انسجامها مع كثير من الآيات
الاتجاه الثاني في مناقشة هذا الادعاء هو الاتجاه القرآني، بمعنى هل يسوّغ القرآن مثل هذا الاحتمال للنبي أم أنه ينكره بشدّة؟[٦]
من خلال نظرة عابرة نلقيها على الآيات القرآنية ندرك أن القرآن يعتبر كل ما يصدر عن النبي الأكرم (ص)من قول أو فعل هو وحي إلهي لا يتطرّق إليه احتمال الخطأ أو الكذب، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾[٧].
واضح أنّ الذي يصف النبي (ص)هنا ليس شخصاً اعتيادياً يُحتمل في وصفه أن يكون وارداً في سياق المجاملة، أو أنه يحتمل الخطأ، بل إن قائله هو الله العالم والقادر المطلق، وهو في الحقيقة إنما يريد أن يقول للناس إنّ هذا النبي يتمتع برعاية خاصة من قبل الله، وإنه إذا لم يحصل على هذا التسديد الإلهي فإنّ الآيات القرآنية ذاتها، وبتبعها الوعود الإلهية ستكون عرضة لعلامات الاستفهام والتشكيك.
إنّ لازم صدور الآيات الشيطانية عن النبي الأكرم (ص)هو سيطرة الشيطان عليه. وهنا يطرح هذا السؤال نفسه هل يمكن للشيطان من الناحية التكوينية أن يسيطر على أعمال الناس الاعتياديين وسلوكهم فضلاً عن النبي أم لا؟
لحسن الحظ أنّ القرآن قد أجاب عن هذا السؤال في عدد من الآيات التي تدل بمجموعها على أن الشيطان لا يستطيع أن يقوم بما هو أكثر من الوسوسة والتحفيز إلى فعل القبيح، هذا أولاً. وثانياً إن هذه السلطة - التي لا ترقى إلى ما هو أكثر من الوسوسة - تشمل الاعتياديين من الناس فقط، فلا سلطان للشيطان على «المخلصين» و«المتوكلين الحقيقيين على الله»، وقد حكى القرآن الكريم هذه الحقيقة على لسان الشيطان نفسه حيث قال تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾[٨].
يتضح من هذه الآية أن سلطة الشيطان تبقى في حدود الإغراء (الوسوسة)، وإن المخلصين خارج حدود هذه السلطة. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾[٩].
فضلاً عمّا تقدّم من الآيات، هناك آيات تحدثت عن شخص النبي (ص)بشكل خاص، وبشكل أخص بشأن تلقي الوحي وإبلاغه، ونفت سلطة الشيطان على النبي في جميع هذه الموارد، وإن من بين أهم الآيات الواردة في هذا الشأن، قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾[١٠].
وهناك آية أخرى تتحدّث عن الفضل الإلهي في صيانة النبي من جميع أنواع الضلالة، وهو أمرٌ يعني علم النبي الخاص، إذ يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾[١١].
وهناك آية أخرى تضع النبي (ص) في حماية الله عزّ جلّ ورعايته الخاصة ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾[١٢].
وهناك آيات أخرى تتحدّث عن عصمة النبي، وصيانة الله له في مقام تلقي الوحي وتبليغه بشكل صريح، من قبيل قوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾[١٣].
وهذه الآية تنفي أي تسلل للباطل في الكلام الإلهي ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾[١٤].
إن هذه الآية تتحدّث عن وجود أفراد حماية «رصد» يحفظون الوحي من حين تلقيه إلى حين إبلاغه إلى الناس، ولازم ذلك نفي الآيات الشيطانية، إلا إذا التزم شخص - والعياذ بالله - بأن قدرة الشيطان تفوق القدرة الإلهية! ولكن هذا مخالف لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾[١٥].
أما الآيات الأخرى الواردة في هذا السياق، فهي كالآتي:
- ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[١٦]
- ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾[١٧]
- ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾[١٨]
إن هذه الآيات تنسب نزول القرآن وجمعه وحفظه إلى الله، وأنه في جميع هذه المراحل خاضع لعناية الله واهتمامه . وعليه طبقاً لهذه الرؤية القرآنية لا تكون تلاوة النبي الأكرم (ص) للآيات الشيطانية بتصور أنها آيات إلهية سوى ادعاء لا أساس له من الصحة إطلاقاً.
عدم انسجامها مع القواعد الكلامية والعقلية
إن المقام المعنوي للنبي قد أهّله لتلقي الوحي والعلم اللدني والعصمة، وعليه فإن نسبة سلطة الشيطان على النبي (ص)في سياق تبليغ الوحي، تتعارض مع المتبنيات المتقدمة، ومن هنا لا يمكن القبول بها طبقاً للاتجاه الفلسفي - العقلي والكلامي، وقد عمد السيد المرتضى إلى رفض الأحاديث المؤيدة لأسطورة «الغرانيق» منطلقاً من هذا الاتجاه، حيث قال: «فأما الأحاديث المروية في هذا الباب فلا يلتفت إليها من حيث تضمّنت ما قد نزهت عقول الرسل عنه. هذا لو لم يكن في أنفسها مطعونة ضعيفة عند أصحاب الحديث بما يستغنى عن ذكره»[١٩].
وعلاوة على تعارض هذه النسبة مع مقام عصمة النبي(ص). فإن هذه النسبة لا تنسجم مع مقام التأسي والاقتداء بالنبي واعتباره حجة إلهية على البشر، وقد تقدّم منا توضيح ذلك.
المراد من الغرانيق هو الملائكة وليس الأصنام
هذا وقد احتمل بعض العلماء أن يكون المراد من عبارة «تلك الغرانيق» ليس الأنام التي يعبدها المشركون في مكة، وإنما المراد هم الملائكة، وعندها يكون معنى الآية صحيحاً. ولكن عندما قال المشركون بأن المعنى بـ «الغرانيق» هو أصنامهم، نزلت الآية الأخرى في سياق رفع هذا الاتهام[٢٠].
تلاوة هذه الآية من قبل الشيطان وليس النبي (ص)
وقد احتمل بعض المفسرين من أمثال الفخر الرازي أن آيات الغرانيق لم تصدر عن النبي خطأ بسبب وسوسة الشيطان، وإنما صدرت عن الشيطان نفسه أثناء بعض وقفات النبي (ص)، حيث عمد الشيطان إلى تقليد صوت النبي وقرأ آية الغرانيق، ولم يلتفت السامعون إلى حقيقة الأمر، وإليك نص الفخر الرازي «أن يكون ذلك الكلام كلام الشيطان، وذلك بأن يلفظ الكلام من تلقاء نفسه في درج تلك التلاوة في بعض وقفاته»[٢١].
وبعد أن طرح الفخر الرازي هذا الاحتمال، أشكل عليه قائلاً: إن قلنا بمثل هذا الاحتمال، وأجزنا أن تكون لدى الشيطان مثل هذه القدرة على إقحام كلامه في ضمن آيات القرآن، فإن هذا الاحتمال سيكون وارداً بالنسبة إلى جميع آيات القرآن، وهو أمرٌ يسقط القرآن برمّته عن الحجية!
وقد عمد الفخر الرازي في الجواب إلى الالتزام بأصل الإمكان، بيد أنه قال بأن الحكمة الإلهية في هذا الفرض تقتضي الإعلان عن حقيقة الأمر للناس وللنبي (ص)، وذلك كيما لا يختلط الأمر عليهم، ويشتبه بين الغث والسمين، كما حصل ذلك بالنسبة إلى الآية مورد البحث، وحيث لم يرد مثل هذا الإعلان في الآيات الأخرى، يتضح من ذلك صدق هذه الآيات وصحّة صدورها عن الله [٢٢].
ومن وجهة نظر كاتب السطور فإن هذا الاحتمال لا ينسجم مع الآيات التي تؤكد على صيانة القرآن والمحافظة عليه عند نزوله وبقائه وحراسة الملائكة له، وكذلك لا ينسجم هذا الاحتمال مع الآيات التي تحصر سلطة الشيطان بقدرته على الوسوسة فقط، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾[٢٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾[٢٤] .
وعلاوة على ذلك فإن اشتباه صوت النبي بصوت الشيطان وإن كان أمراً وارداً بالنسبة إلى المخاطبين، بيد أن هذا الاحتمال لا يمكن أن يكون وارداً بالنسبة إلى النبي نفسه؛ لإن الفرض أن كلام الشيطان إنما يكون عند توقف النبي عن الكلام، وهي حالة يعرفها النبي من نفسه؛ فيدرك أن الكلام عند توقفه لابدّ من أن يكون صادراً عن غيره، وعليه لابدّ من أن يعلن عن ذلك ويوضح الأمر للسامعين كي لا يقعوا في الخطأ.
ضعف الشواهد (من الآيات)
قيل في تقرير الشبهة إن القائلين بهذه الأسطورة قد تمسّكوا لإثباتها بعدد من الآيات، وفيما يأتي نعمل على تحليل هذه الآية:
الشاهد الأول: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾[٢٥].
حيث يزعم القائلون بهذه الدعوى أن هذه الآية قد نزلت في عصر ذلك اليوم الذي تلفظ فيه النبي بتلك الآيات الشيطانية، تنبيهاً للنبي إلى خطئه، وتسكيناً لفؤاده.
مناقشة وتحليل:
- إن هذا القول مشكل من حيث الاستناد والمدرك ومن حيث الدلالة أيضاً؛ وذلك لإجماع المفسرين على أن هذه الآية لم تنزل في مكة المكرمة، وإنما الاختلاف في أنها هل نزلت في المدينة أم في الطريق إلى المدينة، وعليه ليس هناك من قائل بنزولها في المدينة، ولمّا كانت أسطورة الغرانيق قد حدثت في مكة بالإجماع، فلا يمكن للقائلين بهذه الأسطورة أن يتمسكوا بهذه الآية لإثباتها.
- أما من حيث الدلالة، فيجب القول إن هذه الآية تؤكد على أن الأنبياء السابقين من جهة كانوا يتمنون نشر دينهم وهداية الناس، ومن جهة أخرى كان الشيطان يعمل على عرقلة هذه الأمنية، ويسعى جاهداً إلى عدم تحقيق هذه الغاية. وقد تقدّم أن ذكرنا بعض الآيات الدالة على أن قدرة الشيطان وسلطانه لا يتجاوز الوسوسة أو أنها تقتصر على مجرّد الأمنية، وعليه ليس في الآية أيّ تصريح ولا إشارة إلى تلاوة النبي الأكرم (ص)لآيات الغرانيق بتأثير من الشيطان. وعلاوة على ذلك فإن تتمّة الآية تؤكد أن الله يُبطل محاولة الشيطان المشؤومة في وسوسة الأنبياء.
وبعبارة أخرى إن الضمير في قوله: «إلا إذا تمنى» يعود إلى النبي، وليس ثمّة أي كلام عن تلاوة آية، ليكون الشيطان بصدد إلقاء الشبهة. كما لا يستفاد من هذا الفرض إلقاء آية أخرى؛ لأن صريح الآية يقول إن الشيطان إنما كان بصدد إلقاء الشبهة في «أمنيته» المتمثلة في رغبة النبي في تحقيق هدفه، وليس هناك أى كلام بشأن إلقاء الشيطان لآياته المزعومة.
الشاهد الثاني: كما استند الذين تصوروا أسطورة الغرانيق حقيقة، بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾[٢٦].
مناقشة وتحليل: واضح أيضاً أن هذه الآية لا تدل على تحقق أسطورة الغرانيق؛ ذلك لأن الآية تتحدّث في نهاية الأمر عن خطة المشركين والكفار المشؤومة في استقطاب النبي الأكرم (ص)إلى صفوفهم ولو بمقدار قليل «شيئاً قليلاً»، بيد أن ذات هذه الآية تؤكد على أن العناية الإلهية القائمة على تثبيت أقدام نبيه قد أحبطت هذه المؤامرة، وعليه لم يحصل أي انحراف في سلوك النبي أبداً.
وعلاوة على ذلك فإن هذه الآية أولاً تتحدّث عن مخطط مشؤوم للمشركين، في حين تقوم دعوى أسطورة «الغرانيق» على إلقاء الآيات من قبل الشيطان، ولا ربط لها بموضع بحثنا أبداً. وثانياً لم تبين الآية ما إذا كان مخطط المشركين له صلة بإلقاءات الشيطان أم بشيء آخر، وعليه لا يمكن اعتبار هذه الآية مؤيدة لقصة الغرانيق أيضاً.
حصيلة الكلام أن أسطورة الغرانيق لم تثبت على المستوى التاريخي، كما أن الآيات القرآنية والقواعد الكلامية والفلسفية لا تتحمل وقوع مثل هذه الأسطورة [٢٧].[٢٨]
أُسطورة الغرانيق
قيل إنّ الأسود بن المطلب، و الوليد بن المغيرة، و أمية بن خلف، و العاص ابن وائل، قالوا للرسول (ص): يا محمّد هلمّ فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد فنشترك نحن وأنت في الأمر. فأنزل الله تعالى: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾[٢٩].
ومع ذلك فإنّ النبي (ص) رغب في أن يساوم قريشاً ويجاريهم، فقال في نفسه: ليت نزل في ذلك أمرٌ يقرّبنا من قريش. وبينما كان (ص) يتلوا القرآن في الكعبة، فبلغ قوله تعالى من سورة النجم: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾[٣٠] أجرى الشيطان على لسانه الجملتين الآتيتين: «تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة تُرتَجى». فقرأهما من دون اختيار، ثمّ قرأ بعدها من الآيات. ولما بلغ آية السجدة، سَجَد هو ومن حضر من المسلمين والمشركين أمام الأصنام، إلاّ الوليد الذي عاقه كِبـَرُ سنّه عن السجود، ففرح المشركون وارتفعت صيحاتهم: لقد ذَكَر محمّد آلهتنا بخير. فانتشر الخبر بالتقارب والمصالحة بين الرسول (ص) والمشركين، ولكنّهم عرفوا بأنّ الأمر تغيّر ثانية، حيث نزل مَلَكُ الوحي على النبي (ص) وأمره بمخالفة الأصنام ومجاهدة الكفار، وأنّ الشيطان هو الذي أجرى تلك الكلمات على لسانه، فهي ليس من الوحي في شيء أبداً. فنزلت الآيات في ذلك من سورة الحج ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾[٣١].
هذه الأُسطورة نقلها الطبري في تاريخه، وردّدها المستشرقون، وهي باطلة تماماً، فالعقل يحكم بأنّ المرشدين الذين يبعثهم الله تعالى إلى البشرية، مصونون من أي خطأ وزلل، حتى لا تزول ثقة الناس بهم وبأفكارهم. والقرآن شهد ببطلانها أيضاً فكيف تمكّن الشيطان من الإنتصار على النبي(ص) وسرّب إلى القرآن شيئاً باطلاً؟ فيصبح القرآن الذي يعادي الوثنية ويحاربها، داعياً إلى عبادتها. والقرآن يوَكّد: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾[٣٢]، ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾[٣٣].
ولذا فإنّ الحديث باطل لم ينطق به النبي (ص)[٣٤]
المراجع
الهوامش
- ↑ الغرانيق (جمع غرنوق) طائر أبيض جميل أو طويل العنق، وقد تمّ في هذه الآية المزعومة تشبيه أصنام المشركين الثلاثة «اللات والعزى ومناة» بهذه الطيور الجميلة.
- ↑ سورة النجم، الآية ١٩-٢٠.
- ↑ أُنظر: كارل بروكلمان، وات، تاريخ الشعوب الإسلامية، ج ٢، ص ٣٤ و٤٣؛ بيتر ميلكوهولت، تاريخ الإسلام، جامعة كمبرج، ترجمه إلى الفارسية تيمور قادري، ص ٥ - ١٢؛ محمود راميار، تاريخ قرآن، ص ١٦٥ .
- ↑ سورة الحج، الآية ٥٢.
- ↑ أُنظر: محمد بن جرير الطبري، جامع البيان، ج ١٠، ج ١٧، ص ٢٤٤ - ٢٥٠؛ جلال الدين السيوطي، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، ج ٦، ص ٩ - ٦٥ .
- ↑ أُنظر: السيد المرتضى، تنزيه الأنبياء، ص ١٥١ - ١٥٢.
- ↑ سورة النجم، الآية ٣-٤.
- ↑ سورة ص، الآية ٨٢-٨٣.
- ↑ سورة النحل، الآية ٩٩-١٠٠.
- ↑ سورة النجم، الآية ٣-٤.
- ↑ سورة النساء، الآية ١١٣.
- ↑ سورة الطور، الآية ٤٨.
- ↑ سورة فصلت، الآية ٤٢.
- ↑ سورة الجن، الآية ٢٧-٢٨.
- ↑ سورة النساء، الآية ٧٦.
- ↑ سورة الحجر، الآية ٩.
- ↑ سورة القيامة، الآية ١٧.
- ↑ سورة الأعلى، الآية ٦.
- ↑ السيد المرتضى، تنزيه الأنبياء، ص ١٥١.
- ↑ أُنظر: السيد المرتضى، تنزيه الأنبياء، ص ١٥٢؛ الفخر الرازي، عصمة الأنبياء، ص٩٩.
- ↑ الفخر الرازي، عصمة الأنبياء، ص ٩٦.
- ↑ الفخر الرازي، عصمة الأنبياء، ص ٩٦ .
- ↑ سورة إبراهيم، الآية ٢٢.
- ↑ سورة المجادلة، الآية ١٠.
- ↑ سورة الحج، الآية ٥٢.
- ↑ سورة الإسراء، الآية ٧٣.
- ↑ للمزيد من المعلومات بشأن أسطورة الغرانيق، أنظر: محمود راميار، تاريخ قرآن، ص ١٤٨-١٦٦.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، النبي الأعظم أجوبة الشبهات الكلامية، ص ١٢٣.
- ↑ سورة الكافرون، الآية ٢-٣.
- ↑ سورة النجم، الآية ١٩-٢٠.
- ↑ سورة الحج، الآية ٥٢-٥٤.
- ↑ سورة الحجر، الآية ٤٢.
- ↑ سورة النحل، الآية ٩٩.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٢٦١.