الكياسة والدهاء
تمهيد
«الكياسة والدَّهاء»: هي ملكة تحفظ الإنسان من أن يُخْدَع وهي وان كانت من مراتب العقل إلّا انها أفضل للإنسان وأثمر له من العقل المصطلح بين الحكماء حيث إن هذا العقل لا ثمرة له غير الوصول إلى النتائج في الأقيسة فيصير به العأقلُ عالماً، بينما انّ الدهاء يجعل العالم بصيراً بمواقع الحقّ بحيث لم يشتبه عليه بالباطل ولا يخفى ما في العالِم غير الدهيّ من المضرة لنفسه ولقومه، وهذا امرٌ قد جرّبناه مراراً. فلهذا تُعدّ هذه الفضيلة من اعزّ الفضائل عندالله وأجلّها له.
والكياسة لغة جودة القريحة وانتقالها من المبادئ إلى النتائج بسرعةٍ من غير تراخٍ واستنباط ما هو الصحيح في الواقعة وتمييز الجيّد من الردىء والخبيث من الطيّب والحسن من القبيح لئلّا يضلّ قدم العالِم في الوقائع العلميّة أو الجماعية أو غيرهما.
والعقل والكياسة قد يجتمعان وقد يفترقان، وكلٌّ حسنٌ، لكن الأحسن من الكلّ وأشدّ من النوعين مطلوبيّةً هو اجتماعهما في رجلٍ حتّى يكون عالماً كيّساً، فطوبى لهذا الرجل الّذي منحه الله تعالى هذه النعمة العظيمة.
وفي روايات كثيرة أشير إليها كنعمةٍ عظيمةٍ ومن تلك الرّوايات:
قال رسول الله (ص): «اِتَّقُوا فِرَاسَةَ اَلْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اَللهِ»[١] وقال (ص): «اَلمُؤمِنُ كَيِّسٌ فَطِنٌ حَذِرٌ»[٢]
وقال علي بن الحسين (ع): «أَنَّ صَلاَحَ اَلدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا فِي كَلِمَتَيْنِ إِصْلاَحِ شَأْنِ اَلْمَعَايِشِ مِلْءَ مِكْيَالٍ ثُلُثَاهُ فِطْنَةٌ وَ ثُلُثُهُ تَغَافُلٌ لِأَنَّ اَلْإِنْسَانَ لاَ يَتَغَافَلُ إِلاَّ عَنْ شَيْءٍ قَدْ عَرَفَهُ فَفَطَنَ لَهُ»[٣]
وقد ذُكر هذه الخصلة في الذكر الحكيم، وأطلق عليها ألفاظ: «الوحي»، «الإلهام، و «التوسم».
قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾[٤]
وقال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾[٥].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾[٦]
وقد حكى الله تعالى في كتابه الكريم ما يشير إلى شرافة هذه الفضيلة وعلوّ رتبتها، منها ما ورد في حكاية أم موسى مع ابنتها ومع زوجة فرعون.
قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾[٧]
فالتأمُّل في هذه الآيات المباركات يدلّنا على كياسة تلك النساء المؤمنات، حيث حفظن موسى (ع) وهو طفلٌ صغير لا يدافع عن نفسه، عن القتل حتّى رضى فرعون وآله أن يربّوه كأنّه من أولادهم. قال الله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾[٨]
فهنّ بفطانتهنّ بلغن مرتبةً كمرتبة الأنبياء حتّى اطلق الله على عملهنّ لفظة الوحي ولا يخفى مراتبه. قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾[٩]
ومن تلك الحكايات حكاية حبيب النّجار الذي اشتهر في الرّوايات بمؤمن آل يس وصاحب يس قال رسول الله (ص): «اَلصِّدِّيقُونَ ثَلاَثَةٌ حَبِيبٌ اَلنَّجَّارُ مُؤْمِنُ آلِ يس اَلَّذِي «قٰالَ يٰا قَوْمِ اِتَّبِعُوا اَلْمُرْسَلِينَ» وَ حِزْقِيلُ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ اَلَّذِي قَالَ«أَ تَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اَللّٰهُ» وَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ [عَلَيْهِ السَّلاَمُ] اَلثَّالِثُ وَ هُوَ أَفْضَلُهُمْ.»[١٠]
قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِ إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾[١١]
يظهر من الآيات انّ الثّالث من الرّسل الّذي عزّز الاثنين لم يقم بارشاد الناس إلّا بدهاءٍ بالغ، حتّى آمن جمٌّ غفيرٌ من الناس به، فوقع بينهم الخلاف والتشاجر حتّى أوجب له تلخيص الرسولين من السجن، فهو وان قُتل بيد أشرار أمّته، ولكنّه استطاع ان يرسخ الإيمان في قلوب جمعٍ منهم، وما كان ذلك إلّا بكياسته ودهاءه.
وينبغي أن تكون هذه الحكاية اسوةً لنا حتّى نخطّى كلّ خطوةٍ من خطواتنا بالدّهاء غير عمياء وغير متّبعى سبيل الغىّ.
ومن سنن القرآن درج بعض الكلام في بعضٍ واتباع بعضه لبعضٍ، وعلى هذه السنّة قال: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾[١٢] فهو وان قتل بيد القوم إلّا انّه بعد القتل ودخول الجنّة أراد أن يريه اللهُ قومَه ليهدوا به، وهو لميكتف بان يعفو ويصفح عنهم، بعد أراد استهدائهم ولو كانوا قاتليه.
ومن تلك الدروس العليا حكاية مؤمن آل فرعون التّى بيّنها الله في آيات ونظراً إلى ما لها من الأهميّة البالغة، قد سُمّى هذه السورة بسورة المؤمن.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ فَوَقَاهُ اللهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾[١٣]
فترى انّ هذا المؤمن بفطنته وكياسته وتبليغه خفية وعلانيّة، تقيّة وجهاراً أنجى موسى (ع) من القتل وغلب على فرعون وما أراد من قتل موسى (ع)، حيث الطف في القول اوّلًا ثم استبدّ فيه لينصرفه عن قتله، فاجبره على صرف الخاطر ممّا أراد، من غير أن يسوء به فرعون وآله وحاق بآل فرعون سوء العذاب.
ونظير هذه الحكاية في القرآن كثير ولمّا اهتمّ القرآن بهذه القصص الثلاث ايّدنا بحثنا بها حتّى نأتى بنتائج:
أوّلًا: الفطن الكيّس له أن يصل إلى مراده، لو توكّل على الله واتّكأ عليه، حتّى يلهمه الله تعالى ما خفى عليه وحينئذٍ يمكن له أن يقول: افوّض امرى إلى الله انّ الله بصير بالعباد.
وثانيا: انّ الفطن الكيّس يسوس عواطفه ومشاعره، بحيث لم يتأثر منها تأثّر النساء من بعض ما لا واقع له، كالغول والميّت القاتل وما إليهما. ولا تظننَّ انّ هذا سهلٌ له، بل يُعدّ هذا أشدّ من الجهاد الأكبر وبهذا ذكره الله سبحانه وتعالى حين أخبر عن سيرة رسوله كأنّه من معاجزه.
قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾[١٤]
فترى انّ الله تعالى جعل عدم ضلالته (ص) بين القوم الضالّ وعدم انحرافه إليهم وميله عن الحقّ معجزةً من معجزاته (ص).
وهكذا يكون ضرورة أنّه لو أريق قدراً من ماءٍ قراح في خزّانٍ فيه الماء القذر الوسخ، ثمّ لم يلث الأوّل بالثاني ولم ينصبغ بصبغة، يعدّ هذا من خرق العادة.
ففي تلك الآيات إشارة واضحة إلى صلوح الإنسان لأن لايُخدع لو أخذ الفطنة بيده واتسمّ بسماتها، فالفطنة والكياسة سلاحاه في عدم ميله عن الحقّ إلى الباطل.
قال (ع): «المُؤمِنُ کَالجَبَلِ الرّاسِخِ لاتُحَرِّکُهُ العَواصِفُ»
تنبيه
ولاتتوهّم انّ الفطانة والكياسة أمر ذاتي غير اكتسابى فمن شملته العناية الإلهيّة والمصالح الأزليّة فله تلك الفضائل الرّحمانيّة فتلك فضل الله يؤتيه من يشاء لانّ الفضائل كلّها وإن كانت ذاتيّة ولكنّها على نحو الاقتضاء لا الفعليّة فمقام فعليّتها اكتسابى والإنسان يقدر ان يكتسبه بل مهمّة علم الأخلاق هو تبديل الرذائل بالفضائل، بل الأنبياء كلّهم كما نُصّ عليه في أشرفهم خاتم الأنبياء بُعثوا لتهذيب النّفس وإزالة الرذائل وتبديلها بالفضائل.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾[١٥]
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾[١٦] نعم، تهذيب النّفس وتبديل الرذائل بالفضائل يُعدّ من صعاب الأمور ولهذا وُصف بأنّه هو الجهاد الأكبر.
قال رسول الله (ص): «مَرْحَباً بقَومٍ قَضَوُا الجِهادَ الأصْغَرَ وبَقِيَ علَيهِمُ الجِهادُ الأكْبَرُ . قيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، وما الجِهادُ الأكْبَرُ ؟ قالَ: جِهادُ النَّفْس»[١٧]
ولكن أفضل الأعمال احمزها - كما ورد - ونحن خُلقنا لذلك ولا طريق إلى الوصول إلّا بهذا الجهاد.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾[١٨].
وبالجملة: انّ تأديب النّفس كتعليمها فكما أنّه يمكن ان يرتقى الإنسان نفسه من حضيض الجهل إلى مرتبةٍ راقية من العلم والعرفان الّذي هو أعلى مرتبةً من العلم فكذلك له أن يرتقيها من بلّاعة الرذائل إلى جنّة الفضائل حتّى يصل إلى مقام القرب.
قال تعالى: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ﴾[١٩].
ولا تنحصر الآية الشّريفة في الآخرة وما يتعلّق بها لان الإنسان له أن يصل في هذه الدنيا الدنيّة إلى ما لا تعلم نفس قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[٢٠].
فهم في هذه الدّنيا عندالله فما ظنّك بهم وهم في الآخرة؟!.
ولا يمكن ان يصل الإنسان في العقبى إلى ربّه حتّى يصل إليه في الدّنيا لانّ الدّنيا مزرعة الآخرة فمن كان زرعه من نبات الجنّة ففي الآخرة يحصدها ومن كان زرعه اللّقأ فيصل إليه ومن كان زرعه النّار فيوردها.
فلنرجع إلى ما كنّا بصدده فنقول: انّ من أراد اكتساب الفطنة والكياسة فعليه أن يفكّر أوّلًا فيما يغويه أو له أن يغويه من أمر الدنيا وما إليه ثم عليه أن يجتهد في تجربة الأمور خيرها وشرّها، نعم لا مناص للإنسان من الوقوع في الزلل، ولكن له أن لا يقع فيه ثانياً وثالثاً.
قال أمير المؤمنين (ع): «لاَ يُلْسَعُ اَلْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ» [٢١]
فبالمراقبتين العلميّة والعمليّة يحصل له الكياسة كما أنّه لا طريق إلى تحصيل العلم إلّا بهاتين المراقبتين بل الذّاتي من كلّ فضيلة يحتاج إلى اكتسابي منها ولولا الاكتسابي منها لزال الذّاتي وتلف كما انّ الاكتسابي منها يحتاج إلى اجتناء ثمارها وهو اشرابها بماء الفطنة أوّلًا ثمّ ترقّب الأمور ثانياً ثمّ الأخذ بالصحيح منها والاجتناب عن المشتبه والردىء منها ثالثاً، حتّى يحصل له ملكة الفراسة شيئاً فشيئاً، وله الحمد.[٢٢]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ بحار الأنوار، ج ٣٨، ص ٧٩، باب ٦٠، ذيل ح ٢.
- ↑ بحار الأنوار، ج ٦٤، ص ٣٠٧، باب ١٤، ح ٤٠.
- ↑ بحار الأنوار، ج ٤٦، ص ٢٣١، باب ٤، ذيل ح ٧.
- ↑ سورة القصص، الآية ٧.
- ↑ سورة الشمس، الآية ٧-٨.
- ↑ سورة الحجر، الآية ٧٥.
- ↑ سورة القصص، الآية ٧-١٣.
- ↑ سورة القصص، الآية ٨.
- ↑ سورة القصص، الآية ٧.
- ↑ بحار الأنوار، ج ٨٩، ص ٢٩٦، باب ٥٧، ح ٦.
- ↑ سورة يس، الآية ١٣-٢٧.
- ↑ سورة يس، الآية ٢٦-٢٧.
- ↑ سورة غافر، الآية ٢٦-٤٥.
- ↑ سورة النجم، الآية ١-٢.
- ↑ سورة الحديد، الآية ٢٥.
- ↑ سورة الجمعة، الآية ٢.
- ↑ وسائل الشيعة، ج ١١، أبواب جهاد النّفس وما يناسبه، باب ١، ص ١٢٢، ح ١.
- ↑ سورة الكهف، الآية ١١٠.
- ↑ سورة الحجر، الآية ٥٤-٥٥.
- ↑ سورة السجدة، الآية ١٦-١٧.
- ↑ الكافي، ج ٢، ص ٢٤١، كتاب الإيمان والكفر، ح ٣٨.
- ↑ حسين المظاهري، دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية، ج۲، ص ٥٣٥.