النبوة في الفلسفة الإسلامية

تمهيد

تحدّث الفلاسفة المسلمون عن حقيقة النبوة وضرورتها بنحو تفصيليّ، وقد ذهبوا في آرائهم إلى نظريّة تكامل الإنسان؛ بمعنى أنه كائن مركّب من روح وبدن، وهو قابل للرقيّ والتعالي، فإذا نمت جميع قواه الحسية والخيالية والعقلية،فإنه يبلغ مرحلة يتمكن فيها من التواصل مع الملائكة، والارتباط بعالم العقول، ويتسنّى له عندئٍذ تلقّي الوحي الإلهي، وتظهر على يديه المعجزات.

ویری الفلاسفة أنّ القوة الحسية عند النبي عندما تصل إلى حدّ الكمال فإنّ قوّتّه التحريكية تزداد قدرةً، فيتمكن عندها من التصرف في عالم التكوين، وهذا ما يُفسّر قدرته على فعل المعاجز والأفعال الخارقة للعادة[١].

وإذا نمت القوة الخيالية عند النبي، أمكن له الارتباط بعالم المثال، ومشاهدة تمثّل الملك، وسماع الوحي. أمّا إذا تجاوز العقل الهيولاني والعقل بالملكة (وهما متربتان أوّليّتان من القوة العاقلة، ترتبطان بحدّ الاستعداد القابلية الضئيلة)، وبلغ مرحلة العقل بالفعل (هو العقل القادر على استنتاج المجهولات من المعلومات)، ومرحلة العقل المستفاد (وهو العقل المتصل والمرتبط بالملائكة والعقل الفعال)، فإنّه وقتئذٍ قادر على معرفة جميع الحقائق على واقعها.

ولم يقصد الفلاسفة في مقولاتهم تلك أنّ الأنبياء اكتفوا في حصولهم على مقام النبوة بمجرّد ما بلغوه من تطوّر اختياري، أو بوصول قواهم الثلاثة (الحسّ، والخيال، والعقل)إلى مرحلة الفعلية؛ من دون أن يكون هناك دور للتفضّل والكمال الإلهيين، كما أنّهم لم يريدوا القول بأنّ الأنبياء قد باشروا إنتاج «الوحي»، وتصنيع «النصّ» من عند أنفسهم، بعدما بلغوه من رقيّ على مستوى الحس والخيال والعقل،بل آمنوا بأنّ الوحى الإلهى هو لهيّ هو أحد أفعال الله سبحانه وتعالى، وهو يُفاض على الأنبياء تفضلاً وكرماً، وهو منحصر بالإنسان الكامل الذي تهيّأت في وجوده الأرضية اللازمة لتلقّيه بعدما مرّ به من رقيّ وتكامل معرفيّ إنساني وعالميّ[٢].

يقول الفيلسوف الأرسطي ابن رُشد: والذي يقول به القدماء في أمر الوحي والرؤيا إنّما هو عن الله تَبَارَكَ وَتَعَالى [٣].

وقد قصد هنا الإشارة إلى أنّ تلقّي الوحي عند الأنبياء أمر قادم من جانب الله جل وعلا.

وبناءً على ذلك، فإنّ بيان الفلاسفة للنبوّة بيان ينتهج المنحى المرتبط بدراسات الإلهيات، ومعرفة الإنسان، وقد التفتوا في شرحهم لحقيقة النبوة إلى القدرة الإلهية، مستفيدين في الآن ذاته من مجالات الحس والخيال والعقل.[٤]

المراجع والمصادر

  1.   عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر

الهوامش

  1. يقول الفاراتي في هذا الصدد: «النبوّة تختصّ في روحها بقوّة قدسيّة تذعن لها غريزة عالم الخلق الأكبر [أي الطبيعة]، كما يذعن لروحها غريزة الخلق الأصغر [أي: البدن]، فتأتي بالمعجزات». فصوص الحكم، الفارابي، الفصّ ٣٢.
  2. راجع: جوهر المراد (بالفارسية گوهر مراد)،الفياض اللاهيجّي، ص ٣٦٦؛ الشواهد الربوبية، صدر الدين الشيرازيّ، ص ١ و٢٤١؛ الحكمة المتعالية، صدر الدين الشيرازيّ، ج ٧،ص ٢٤ و٣٥٨؛ مفاتيح الغيب، صدر الدين الشيرازيّ، ص ٣٣،المبدأ والمعاد، ابن سينا، ص ١١٦؛ مجموعة مصنّفات شيخ الإشراق، ج ٣، ص ٢٤٥؛ آراء أهل المدينة الفاضلة، الفارابي.
  3. تهافت التهافت،ابن رشد، ص ٥١٦.
  4. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٣٥-٣٧.