النبوة في العرفان الإسلامي
تمهيد
«العرفان» علم انطوى - في صفحات تاريخه الطويل- على سعة كبيرة وتنوّعات عديدة[١]. وقد عرضت فصول هذا العلم أبحاث النبوة بشكل مفصّل وموسّع.
وقد استُخدمت في العرفان بعض المصطلحات التي تساعدنا معرفتها على تبيين النبوة؛ منها: «النبوّة»، و«الرسالة»، و«الولاية»، و«الإنسان الكامل».
يقول الإمام الخميني: إنّ النبوة الحقيقية المطلقة هي إظهار ما في غيب الغيوب في الحضرة الواحدية حسب استعدادات المظاهر بحسب التعليم الحقيقي والإنباء الذاتي، فالنبوة مقام ظهور الخلافة والولاية، وهما مقام بطونها[٢].
وهو يرى أنّ «النبوّة الحقيقية» تنبثق من مقام «الواحديّة»؛ لأنّ مقام «الأسماء والصفات» ينبئ عن مقام «غيب الغيوب» و«الأحديّة»، وبعد ذلك فإنّ وجود الصادر الأول (العقل) ينبئ بكمالاته الشاملة عن مقام الواحدية؛وهي تجلّي وظهور الخلافة والولاية الإلهية[٣].
إنّ مقام النبوة هو إخبار وإعلان عن الحقائق الإلهية والمعارف الربانية من حيثيات الذات والصفة والاسم. وينقسم هذا المقام إلى قسمين: نبوّة التعريف، ونبوّة التشريع:
أمّا «نبوّة التعريف» فهي: معرفة الذات، والصفات، والأسماء، والأفعال.
وأمّا «نبوّة التشريع» فهي: نبوّة التعريف بزيادة تبليغ الأحكام، والتأديب بالأخلاق، وتعليم الحكمة، والقيام بأمر السياسة. وهذا القسم من النبوة هو المسمى بـ «الرسالة».
والمراد من «النبيّ»: الإنسان الكامل الذي بُعث من قِبل الله سبحانه وتعالى ليدلّ العباد على حاجاتهم، ولكي يُبعدهم عن الذنوب والمعاصي. قال عز وجل: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾[٤]. ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾[٥].
وقد قسّم العرفاء المسلمون النبوة - بنحو آخر - إلى قسمين آخرين؛ هما: النبوة المطلقة، والنبوّة المقيدة:
أمّا «النبوّة المطلقة» فهي: الوقوف على الحقائق الإلهية، والدقائق الربانية كما هي متحقّقة. ولهذا،فإنّ النبوة تستلزم معرفة حقائق الممكنات الموجودة وغير الموجودة،علاوة على الماهيات المعدومة، وكذلك الأعيان الثابتة.
وأمّا «النبوّة المقيدة» فهي: الإخبار عن الحقائق الإلهية؛أي: معرفة ذات الحق تبارك وتعالى، والأسماء والصفات، والأحكام الإلهية.
وإنّ النبوة المطلقة والمقيّدة لا تتيسّر لأيّ أحد إلا لمن يستحقّ مقام «الخلافة الإلهية»، ومن اللازم أن يكون هذا الفرد خليفةً بالفعل وعلى أرض الواقع. وبناءً على ذلك، تعود النبوة المطلقة والمقيّدة إلى «الحقيقة المحمدية».
ولا يتلقّى الأنبياء علومهم الإلهية إلا من خلال الوحي الإلهي الخاص؛ لأنّهم يعلمون بعجز العقل وتصوّراته عن إدراك تلك الأمور[٦].
وتنقسم «الولاية» بلحاظ الأولياء إلى ثلاثة أقسام؛ هي: الولاية الإلهية، والولاية البشرية، والولاية الملكية. أمّا الولاية البشرية فهي منقسمة إلى قسمين: ولاية عامّة، وولاية خاصّة، ثمّ تنقسم الولاية الخاصة إلى مطلقة ومقيَّدة .
أمّا «الولاية العامة» في العرفان فهي على ثلاثة معانٍ:
- ما يعني التولي والتصدّي؛ حيث يتولّى بعض من الناس أمر بعض آخر.
- ما يعني ولاية عموم المؤمنين الصالحين على حسب مراتبهم.
- تعني الولاية العامة البشرية الولاية المطلقة.
وأمّا «الولاية الخاصة» فهي مقام يحصل عليه العرفاء بعد سيرهم وسلوكهم المعنوي الروحي، وتجاوزهم السفر من الخلق إلى الحق، وفنائهم في الحق. فعندئذٍ يتركون الصفات البشرية، ويتجلّى فيهم الحق تبارك وتعالى بصفاته وتعيّناته الربانية، وتكون قلوبهم طاهرة من دنس الرذائل والخبائث النفسانية، وينعمون بتوجّه وانشداد كامل إلى الحق سبحانه وتعالى، فينقطعون عن الأغيار، وتطمئنّ نفوسهم على أعتاب الحبيب، فيطّلعون حسب درجة قربهم من الحق عز وجل على الحقائق الحضورية الشهودية، وعلى العلوم الغيبية.
وفي هذه المرحلة، يتّصل وليّ الله بربّه تبارك وتعالى من خلال الإلهام والإرشاد الغيبي والوحي الإلهي اتصالاً شديداً، فيتحلّى بالكرامات، وخرق العادات، ويصبح مبدءاً للأفعال الإلهية، فيكون عين الله التي يرى بها، وأذنه التي يسمع بها، ويده التي يصنع بها. وهذا هو المقام المعروف بـ «قرب النوافل» الذي لا ينقطع أبداً، ويبقى على الدوام خالداً؛ لأنّ الولاية هي باطن النبوة، والنبوّة ظاهر الولاية، والولاية فوق النبوة والرسالة.
والمقصود من «ختم الولاية» العامة والخاصّة ليس الختم الزماني، بل الختم الإحاطي؛ أي إنّ «خاتم الأولياء» من حيث الإطلاق والإحاطة محيط بجميع الولايات، وهو أقرب السالكين إلى الحق جَلَّ وَعَلا؛ وليس بمعنى أنّ وليّاً آخر لن يتحقّق بعده. وعند الشيعة الإمامية فإنّ خاتم الولاية المطلقة هو أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، وخاتم الولاية الخاصة هو الإمام المهدي.[٧]
يقول السيد حيدر الآملي في تفسيره لمفردة «الوليّ»: الولي هو من تولّى الحق أمره، وحفظه من العصيان، ولم يخله ونفسه بالخذلان، حتى يبلغ في الكمال مبلغ الرجال. قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾[٨]، وقوله جلّ ذكره: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾[٩]، إشارة إليهم، وكذلك قوله: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾[١٠]، والولّي هو المحبوب تارةً، والمحبّ تارةً؛ فإذا كان في المقام المحبوبي، فلا تكون ولايته كسبيّة، ولا موقوفة على شيء، بل تكون أزلية ذاتية وهبية إلهية، كما كانت لخاتم الأولياء-وأتباعه الحقيقيين - الذي قال: «كنت ولياً وآدم بين الماء والطين»، وأمّا إذا كان الولي في المقام المحبي، فلابدّ له من الاتصاف بصفات الله والتخلّق بأخلاقه؛ ليصدق عليه أنه وليّ، وإلّا فلا[١١].
والفرق بين «النبيّ» و«الرسول» و«الوليّ» أنّ النبي والرسول لهما حقّ التصرف في الخلق على حسب الظاهر والشريعة،أمّا الولي فهو يتصرّف في الخلق على حسب الباطن والحقيقة؛ولهذا فإنّ الولاية أعظم من النبوة[١٢].
ولم يختلف العرفاء في أنّ نيل مقام الولاية الخاصة يعني الإفادة من الدين والشريعة، وأنّ بلوغ مقام قرب النوافل والتعيّنات الربانية وتطهير النفس من الخبائث لا يتيسّر من دون الانخراط في سبيل الدين والتديّن والسير والسلوك المقتبس من الشريعة.
أمّا المصطلح الآخر الذي يمكن أن يعيننا في فهم النبوة فهو «الإنسان الكامل»، وقد تناول العرفاء هذا البحث في العرفان النظري عند حديثهم عن أنواع المظاهر والظهورات وأبحاث الأسماء والتجلّيات والأعيان الثابتة والحضرات الخمسة،كما أنهم تطرّقوا له في العرفان العملى أيضاً.
وقد ذهب أهل المعرفة في العرفان النظري إلى أنّ حاجة عالم التكوين والبشرية إلى «الإنسان الكامل» هي حاجة تكوينية؛ لأنّ ظهور حقيقة الوجود المطلق وتجلّيها أمر ضروريّ، والتجلّيات تتحقّق بنحو المراتب التشكيكية على أساس من قابليات الموجودات في الأعيان الثابتة، ولأجل تكميل حلقات هذه السلسلة، يتحتّم وجود حلقة ومرتبة هي «الإنسان الكامل»، وهي مرتبة تجتمع فيها جميع المراتب الإلهية والكونية بما يشمل العقول والنفوس الكلية والجزئية والمراتب الطبيعية. وبناءً على ذلك،لا يقتصر الأمر على حاجة البشرية، بل إنّ جميع مراتب تجلّيات الكون تفتقر تكوينيّاً إلى الإنسان الكامل.
أمّا حاجة السالكين إلى الإنسان الكامل في دائرة العرفان العملي فأمر مشهود أيضاً؛ فالإنسان الذي ينوي الحركة صوب الكمال مضطر إلى طيّ المراحل والمنازل والمقامات، وهو في سيره وسلوكه هذا محتاج إلى الإرشاد والهداية، والإنسان الكامل يمثل أعلى مراتب الهادين المرشدين[١٣].
ولا ينحصر مقام «الإنسان الكامل» و«الخلافة الإلهية» في الرجال - كما يرى محيي الدين بن عربيّ في كتابه «عقلة المستوفز» - بل يمكن للنساء أيضاً أن يبلغن هذا المقام؛ لأنّ مناط الكمال هو الإنسانية؛ وليست الحيوانية والذكورية. وعليه: فإنّ الكمال قد يظهر في النساء كما يظهر في الرجال[١٤].
ولا يخفى أنّ سعة دائرة الخلافة في عالم الملك أو ضيقها مرهون بإحاطة الخليفة بالأسماء الحاكمة، ويظهر سرّ الاختلاف بين الأنبياء في خلافتهم أو نبوّتهم إذا ما التفتنا إلى موضوع «الإحاطة» هذا[١٥].
وإنّ مرتبة «الحقيقة المحمدية» هي مرتبة «الإنسان الكامل» بعينها، وهو المقام الذي يكون الإنسان فيه محيطاً بجميع الأسماء الإلهية، والمراتب الكلية.
وبناءً على ما تقدّم، فإنّ الإنسان الكامل عند العرفاء إنما هو كونٌ(وجود)جامعٌ يشتمل على جميع المراحل المنضوية تحت لواء الفيض المقدس (عالم الأرواح، وعالم المثال، وعالم الأجسام)، والفيض الأقدس (التعيّن الأول، والتعيّن الثاني).
ويجمع الإنسان الكامل - حسب رؤية أهل العرفان - بين المظهرية المطلقة، ومظهرية الأسماء والصفات والأفعال، كما أنّه يجمع بين الحقائق الوجوبية، والحقائق الإمكانية، ونِسَب الأسماء والصفات الخلقية. هذا، وإنّ الإنسان الكامل يمتلك مقاماً لا يجاريه فيه أيّ كائن من موجودات عالم الإمكان؛ فليس له من المخلوقات أيّ ندّ أو كفو. وكما يقول الإمام الرضا في حديث مرويّ عنه: «الإمَامُ وَاحِدُ دَهرِهِ،لَا يُدَانِيهِ أَحَدٌ، وَلَا يُعَادِلُهُ عَالِمٌ، وَلَا يُوجَدُ مِنْهُ بَدَل وَلَا لَهُ مَثَل وَلَا نَظِيرُ،... وَهُوَ بِحَيث النَّجم مِن يَدِ المُتَناوِلِينَ، وَوَصْفِ الْوَاصِفِينَ؛فَأَينَ الاخْتِيَارُ مِنْ هَذَا؟ وَأينَ العُقُولُ عَن هَذَا؟»[١٦].
فالإنسان الكامل قطب تدور حوله أفلاك الوجود من البداية وإلى النهاية[١٧].
وعلى العموم،فإن الإنسان الكامل نسخة تجمع في طيّاتها كلّ ما في العالم الكبيرة والحضرة الإلهية. وبناءً على ذلك، فإنّ الحادث والقديم، والحقّ والخلق، والكون الجامع والأكمل هي بأسرها مظاهر الله سبحانه وتعالى، وهي تمثّل مظهر الاسم الأعظم. وبطبيعة الحال، فإنّه بلحاظ البدن العنصري يتأخّر عن كثير من الموجودات، وجميع الأنبياء، لكنّه بلحاظ وجوده الكلي السعي والانبساطيّ مقدَّم على الكل، وإنّ جميع الأنبياء ورثته في الشريعة والولاية.
إنّ الإنسان الكامل خليفة الحق عز وجل، وتظهر فيه كلّ الحقائق، ولهذا فإنّ عينه الثابتة هي أوّل ظهور تشهده نشأة الأعيان الثابتة.
أمّا فيما يخصّ العلاقة بين «النبوّة» و«الولاية» و«الإنسان الكامل» في رؤية أهل العرفان، فيُستحسن أن نقف عليها من خلال ما قاله العالم الرباني والعارف الصمداني عبد الصمد الهمداني في كتابه «بحر المعارف»؛ حيث قال: الولاية باطن النبوة، والنبوّة ظاهرها،...الإنسان الكامل إمّا نبيّ أو وليّ. والنبوّة إمّا مطلقة أو مقيّدة؛ فالنبوّة المطلقة هي النبوة الحقيقية الحاصلة في الأزل، الباقية إلى الأبد، وهو اطلاع النبي المخصوص بها على استعداد جميع الموجودات بحسب ذواتها وماهياتها، وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه الذي يطلبه بلسان استعداده، من حيث أنه الإنباء الذاتي والتعليم الحقيقي الأزلي المسمى بالربوبيّة العظيمة والسلطنة الكبرى، وصاحب هذا المقام هو الموسوم بالخليفة الأعظم، وقطب الأقطاب، والإنسان الكبير، وآدم الحقيقي، المعبر عنه بالقلم الأعلى، والعقل الأول، والروح الأعظم،... وتستند جميع العلوم والأعمال إلى هذا الإنسان، وكذلك تنتهي إليه جميع المقامات والمراتب؛سواء كان هذا الإنسان الكامل رسولاً أم وصيّاً، أو كان نبياً أم وليّاً. وباطن هذه النبوة هي الولاية المطلقة، وهي عبارة عن حصول هذه الكمالات بحسب الباطن[١٨].
أما ابن عربي فيعبّر عن النبوة والرسالة بقوله: كانت النبوة والرسالة اختصاصاً إلهياً ليس فيها شيء من الاكتساب[١٩].
وهذا البيان العرفاني يدلّنا إلى أنّ العرفاء حاولوا تقديم تعريف شامل عن النبوة والرسالة والولاية والإنسان الكامل من زاوية مباحث الإلهيات، ومعرفة الإنسان، والجانب الأنطولوجي الدارس للكون والوجود.[٢٠]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ الهاجس الأكبر الذي اهتمّ العرفان الإسلاميّ بأمره في الأدوار الأولى من تاريخ الإسلام هو السلوك والرياضة العملية، وبعض من ألوان النشاطات الاجتماعية. وقد انطلق تدوين بعض المكتوبات العرفانيّة من القرن الرابع الهجري، فصُنّفت بعض الرسائل في هذا الصدد؛ منها: «اللمع في التصوّف»و «القشيرية». استخدم أهل العرفان مفردة «تصوّف» في القرن الثاني الهجريّ، ثم انضمّت إليها مفردة «عرفان» في القرن الرابع. وقد انصبّت نشاطات التصوف والعرفان إلى القرن السادس في دائرة «العرفان العملي» بنحو اجتماعي. بعد ذلك، عمد محيي الدين بن عربّي إلى تأسيس «العرفان النظري» لأوّل مرّة، فقام ببيان الأبحاث العرفانيّة التي كان أهل المعرفة يشاهدونها بالكشف والشهود في سياق منظّم ومعقلن، واستطاع ابن عربي بمساعدة القونوي - وهو تلميذه وابنه بالتبنّي - أن يقدّم أنموذجاً جديداً في الأبحاث الأنطولوجية الدارسة للوجد. وفي هذا العصر،اصطفت الأنطولوجيا العرفانية إلى جانب الأنطولوجيا الفلسفية والكلامية. وأهمّ ما قام به ابن عربي هو تدوينه لمنظومة عرفانيّة سعت إلى تنظيم الكشف والشهود عند العارف بنحو معقلن،ممّا سهّل على الأجيال التي أعقبته من العرفان عمليّة التدليل على العرفان النظريّ ببراهين عقلية. وهنا، يُذكر ابن تركة بوصفه أحد أعلام العرفان النظري الذين برهنوا بالأدلة العقلية على نظرية «وحدة الوجود»التي أطلقها ابن عربي. بعد ذلك، تمكّن صدر الدين الشيرازيّ من إقامة الحجج والبراهين العقلية على بعض قضايا المنظومة العرفانيّة عند ابن عربي،فتطرّق مثلاً: لأصالة الوجود، واتحاد العاقل والمعقول، والحركة الجوهرية، فضلاً عن وحدة الوجود. وهذا ما أدّى إلى اتساع رقعة العرفان النظري وتمدّد أبحاثه. لقد ركب ابن عربيّ نظامه العرفانيّ على ثلاثة محاور رئيسية؛هي: قضيّة «وحدة الوجود»، وقضية«تجليات الوجود وتنزلاته»، وقضية«الإنسان الكامل بصفته أكمل التجليات الإلهية». وتُعدّ وحدة الوجود إحدى أهمّ أحكام الهوية الغيبية. والهوية الغيبية في العرفان النظري هي مقام الهوية على نحو اللابشرط المقسميّ التي لا يُحمل عليها أيّ حكم تعييني، أي اسم ووصف متعيّن، وهو ما يسميّه العرفاء ب«اللاتعيّن»، فيقولون: هو مقام لا اسم له، ولا وصف. هذا، ويقوم العرفاء في منظومتهم الأنطولوجية ببيان التعيّنات بعد تجاوزهم للهوية الغيبية التي هي مقام «اللاتعيّن»، فيقسمون التعيّنات إلى طائفتين: تعيّنات ربوبية، وتعيّنات خلقية. أمّا الربوبية فهي متعلقة بصقع العالم الربوبي، وهو يتقدم على عالم الخلق والإيجاد، وينطوي على مرتبتين: التعيّن الأول، ثم التعيّن الثاني. فالتعيّن الأول: هو مقام الأحدية، ومقام الحقيقة المحمّدية، وهو مقام لا يبلغه في قوس الصعود إلّا النبي المصطفى محمّد. وخلفاؤه بالحق: وهذه المرتبة في المنظومة الأنطولوجية هي مقام الأسماء والصفات الإلهية بنحوها الاندماجيّ واللاتفصيليّ. والحديث الشريف الذي يروي أنّ «أوّل ما خلق الله نوري» ناظر إلى هذا المقام، وهذه المرتبة.أمّا المرتبة الثانية من تعيّنات الصقع الربوبيّ فهو التعيّن الثاني،أو مقام الواحدية، وهو مقام الأسماء والصفات الإلهية بنحوها التفصيلي. وتقع الأعيان الثابتة أو مقام العلم الإلهي وصور عالم الخلق في هذه المرتبة. وبعد التعينات الربوبية تقع التعينات الخلقية، وفيها تتموضع عوالم الأرواح(المجردات التامة)، المثال، والطبيعة. هذا، وتمهّد أبحاث الأنطولوجيا العرفانيّة الأرضية اللازمة لأبحاث معرفة الإنسان العرفانيّة. وإنّ الإنسان الكامل في العرفان النظريّ جامع لجميع تعيّنات الصقع الربوبي، والتعينات الخلقية. وفي هذه المرتبة تقع جميع والتعيّنات والأسماء والصفات الإلهية، ويتموضع مقام النبوّة ومقام الولاية - التي هي باطن النبوة - في هاتين المنظومتين؛ أي: الأنطولوجيا العرفانية، ومعرفة الإنسان العرفانية.
- ↑ مصباح الهداية الإمام الخمينيّ، ص ٣٨ . وراجع أيضاً: تقريرات الأسفار،الإمام الخميني، ص ٣٥١، تعليقات على شرح الفصوص،الإمام الخميني، ص ٩٦.
- ↑ مصباح الهداية الإمام الخمينيّ، ص ٣٨ . وراجع أيضاً: تقريرات الأسفار،الإمام الخميني، ص ٣٥١، تعليقات على شرح الفصوص،الإمام الخميني، ص ٩٦.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٦٤.
- ↑ سورة النور، الآية ٢١.
- ↑ راجع: شرح فصوص الحكم،داوود القيصريّ، ج ١، ص ١٣٢-١٣٣؛شرح فصوص الحكم،تاج الدين الخوارزميّ،ص ٣٢ ؛المقدّمات من نصّ النصوص،سيد حيدر الآمليّ،ص ١٧٤ ؛أسرار الشريعة،سيّد حيدر الأملي، ص ٩٠.
- ↑ راجع: شرح فصوص الحكم،داوود القيصريّ،الفصل الثاني عشر من المقدمة في النبوّة والرسالة والولاية، ص ١٤٨-١٤٦؛ شرح منازل السائرين،عبد الله الأنصاري، باب الغرق،ص ٤٩٢-٤٩٥؛جامع الأسرار ومنبع الأنوار، عبد الله الأنصاريّ، ص ٣٨٦-٣٨٧ ؛المقدّمات من نصّ النصوص،الأملي،ص ١٦٧-١٦٩ أسرار الشريعة، الأملي،ص ١٠١؛الفتوحات المكيّة، ابن عربي،الباب الثاني والخمسون ومئة،ج ١٤، ص ؛التجلّيات الإلهية، ابن عربي،ص ٢٩٩- ٣٠١ ؛مصباح الهداية،الإمام الخميني،ص ٥٠ فما بعد.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٩٦.
- ↑ سورة النور، الآية ٣٧.
- ↑ سورة الأحزاب، الآية ٢٣.
- ↑ المقدّمات من نصّ النصوص،السيد حيدر الآملي، ص ٢٧٠.
- ↑ راجع: المقدّمات من نصّ النصوص،السيد حيدر الآملي، ص ١٦٩-١٦٨.
- ↑ الفتوحات المكية، ابن عربي، ج ١،ص ١١٨،١٥٣،٣٨٩ ؛نقد النصوص، عبدالرحمن الجاميّ، ص ٣٠-٦١ ؛شرح فصوص الحكم، داوود القيصريّ، ج ٢، ص ٤٠٩ .
- ↑ راجع كتاب «محيي الدين» لمؤلّفه: محسن جهانگيري، ص ٣٢٨ [بالفارسية].
- ↑ مصباح الهداية،الإمام الخميني، ص ٨٣.
- ↑ الكافي، الكليني، ج ١، ص ٢٠١.
- ↑ لاحظ: تحرير تمهيد القواعد،الجواديّ الآملي،ص ٤٧، ٥٤٧، ٥٦١؛ الإنسان الكامل،عبدالكريم الجيلي، ج٢، ٧٥ ؛مصباح الهداية،الإمام الخميني، ص ٣٥،مصباح الأنس،الفناري،ص ٦٢٢؛نقد النصوص،الجاميّ، ص ٦١-٦٢.
- ↑ راجع: بحر المعارف، الهمدانّي، الفصل ٦٤: في النبوّة والولاية. ولا يخفى أنّ أصل هذه العبارة موجود في كلمات السيد حيدر الآملي (٧٨٧ه)، فالأولى الإحالة إلى كتابه جامع الأسرار ص ٣٨٠-٣٨٢ بدلاً عمّا قرّره عبدالصمد الهمداني (١٢١٦ه) في بحر المعارف؛ وهو متأخّر عنه بقرون. [م]
- ↑ راجع: فصوص الحكم،ابن عربي، ص ٢٢١(الفص الداوودي)؛ شرح فصوص الحكم،القيصري، ص ٩٤٦. [م]
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٣٧-٥٠.