النبوة في علم الكلام

من إمامةبيديا

تمهيد

يتوزّع المتكلّمون المسلمون إلى خمس مدارس شهيرة؛ هي الإمامية، والمعتزلة، والأشاعرة، والماتريديّة، وأهل الحديث[١]. وقد عرض غالبية المتكلمين المسلمين بحث النبوّة في ضوء الصفات الكمالية الله سبحانه وتعالى، ولم يركّزوا اهتمامهم على الدراسة الأنطولوجية للعالم، أو على ما يرتبط ببحوث دراسة الإنسان المنصبة على الأنبياء.[٢]

الرؤية الكلامية الإمامية

درس المتكلمون الإماميون من الشيعة الاثني عشريّة تعريف النبوة وضرورة ابتعاث الأنبياء من خلال خوضهم في مباحث الحسن والقبح الذاتيين والعقليين، مستعينين ببعض الصفات الإلهية؛من قبيل: العدل والحكمة واللطف التي يتصف بها الله تَبَارَكَ وَتَعَالى. ولم يصرّح كثير من المتكلمين بما يُفهم منه أنّ هذا المقام الإلهي اكتسابيّ أم تفضّليّ؟ ولم يحدّدوا أيضاً هل حاز الأنبياء مقام النبوة من خلال مسيرةٍ دارسةٍ للعالم أو دارسةٍ للإنسان مكّنتهم من إيجاد الأرضية المطلوبة لذلك،أم أنّ هذا المقام الرباني قد وُهِب لهم بتفضّل إلهيّ؟

لقد عرض المتكلمون الإماميون تعريف النبوة بتعابير متنوّعة، ذهبوا فيها إلى أنها وظيفة إلهيّة يكون فيها المبعوث من قبل الله جَلَّ وَعَلا قد أرسل من أجل هداية الناس، وإصلاح أمرهم. من بين هذه التعاريف التي رامت كشف النقاب عن حقيقة النبوة ما يأتي:

يقول الفاضل المقداد: «النبيّ» هو: الإنسان المأمور من السماء بإصلاح الناس في معاشهم ومعادهم، العالم بكيفية ذلك،المستغني في علمه وأمره عن واسطة البشر،المقترنة دعواه بظهور المعجز.[٣].

ويقول المحقق الطوسي: «النبيّ»: إنسان مبعوث من الله تعالى إلى عباده؛ ليكملّهم بأن يعرّفهم ما يحتاجون إليه في طاعته، وفي الاحتراز عن معصيته[٤].

وعند بقيّة متكلّمي الإماميّة: «النبيّ» هو: الإنسان المخبر عن الله تعالى بغير واسطة أحد من البشر[٥].

ومحصّل هذه التعاريف الثلاثة التنويه بثلاثة عناصر رئيسة فيها؛هي:

  1. انبعاث الأنبياء من جانب الله سبحانه وتعالى.
  2. اضطلاعهم بمهمة هداية الخلق، وإصلاح أمورهم.
  3. تمسّكهم بوسيلة الإعجاز في حركتهم نحو إثبات مصداقيّتهم. ومن الملاحظ هنا أنّ أيّاً من التعاريف المذكورة لم يتّخذ أيّ منحى دارسٍ للإنسان أو العالم في تبيينه لمقام النبوّة.[٦]

الرؤية الكلامية الاعتزالية

المدرسة الاعتزالية هي إحدى الفرق الكلامية التي تنضوي تحت اللواء السني، وقد كانت لها صولات وجولات في القرون الأولى من تاريخ الإسلام، وروّج لأفكارها جمع من كبار المفكرين المسلمين؛ مثل: النظّام، و القاضي عبد الجبار المعتزلي، والزمخشري.

لم تعرض المعتزلة بحث النبوة بوصفه أصلاً مستقلّاً، بل تطرّقوا له عند دراستهم للعدل، وهكذا ذهبوا إلى أنّ ابتعاث الأنبياء وإرسالهم من قبل الله العادل جل وعلا - لهداية الإنسان وإرشاده إلى السعادة - كان ضروريّاً على ضوء معطيات بحث الحسن والقبح الذاتيين والعقليين[٧]. وهذه الرؤية في تبيين النبوة كصاحبتها الإمامية تنطلق من منحى دارس للإلهيات؛ وذلك نظراً لإفادتها في عملية الشرح والتوضيح من صفة العدل الإلهي، ومن الغرض الإلهي الذي يستهدف الهداية.[٨]

الرؤية الكلامية الأشعرية

تمثّل المدرسة الأشعرية إحدى الفرق الكلامية الحية في العالم الإسلامي. وقد تصدّى المتكلمون الأشعريون لفكرة العدل الإلهي المبتني على أساس الحسن والقبح الذاتيين والعقليين، رافضين ذلك، ورافعين راية الحسن والقبح الشرعيين. وعصارة ما ذهبوا إليه في هذا الشأن أن يُقال: «كلّ ما يصنعه الحبيب فهو حلو زبيب»؛ لا أن يُقال: «الحلو الزبيب ما يصنعه الحبيب»[٩].

وعلى هذا الأساس،فإن الأنبياء الذين اصطفاهم الله عَزَّ وَجَلَّ قد لا يتحلّون بأَيِّ مرجّح يدعو لاصطفائهم، كما أنّ ابتعاثهم أو عدم ابتعاثهم سيّان في فقدان الضرورة.

يقول إمام الحرمين الجوينيّ: فليست النبوءة راجعة إلى جسم النبيّ، ولا إلى عرض من أعراضه[١٠].

ويقول القاضي الإيجي: فهو عند أهل الحقّ من قال له الله: «أرسلتُك»، أو: «بلّغهم عنّي»، ونحوه من الألفاظ. ولا يُشترط فيه شرط الاستعداد، بل الله يختصّ برحمته من يشاء من عباده[١١].

وقد ذهب الشهرستاني إلى القول: قال أهل الحق: النبوّة ليست صفة راجعة إلى نفس النبي، ولا درجة يبلغ إليها أحد بعلمه، ولا كسبه، ولا استعداد نفسه يستحق به اتصالاً بالروحانيّات، بل رحمة من الله تعالى، ونعمة يمنّ بها على من يشاء من عباده[١٢].

وقيل في هذا الخصوص أيضاً: إنّ شكر نعمة المنعم واجب عقلاً وشرعاً، والعقل لا يهتدي لمعرفة ذلك بطريق التفصيل إلا بالسمع[١٣].

تشير جميع هذه النصوص إلى انعدام أي دليل أو مرجّح أو لياقة واستعداد ذاتيّ تتحلّى به شخصيّة النبي، ويكون السبب في بلوغه مرتبة النبوة. ومن ثُمَّ: فليس هناك من عامل يغاير الرحمة الإلهية التي اقتضت - حسب هذه الرؤية - أن يبلغ المرء هذا المقام.

وهنا، يتّضح أنّ البيان الأشعري للنبوّة يتناسب مع المنحى المرتبط بمباحث الإلهيات أكثر من بقيّة الفرق المشار إليها.[١٤]


الرؤية الكلامية الماتريدية

تقترب المدرسة الماتريدية في منظومتها الكلامية من الأشاعرة في بعض الجهات، وتختلف معها في أخرى. وفي موضوع النبوة، ذهب أعلام الماتريدية إلى أنّ اصطفاء الأنبياء وابتعاثهم ينطويان - من دون شكّ - على حكمة إلهية، واستعداد ذاتيّ في الأنبياء، مكّنهم من تلقّي الحقيقة الناصعة.

يقول أبو منصور الماتريدي - وهو مؤسّس هذه المدرسة -: إثبات النبوّة من حكمة الله[١٥].[١٦]

حصيلة البيان الكلامي للنبوة

هل الحكمة تعود إلى الناس، أم إلى النبيّ؟

هل السبب الذي استدعى نزول الوحي هو هداية الناس، أم السبب عائد إلى القابلية التي يتمتّع بها ذلك النبي؛ فلأجلها نزل الوحي؟

أم أنّ كليهما مطلوب في ذلك؟

هذه تساؤلات لم تجب عليها تلك المدارس.

وإلى هنا، يتّضح أنّ بيان المتكلمين المسلمين للنبوّة مبنيّ ومرتكز على أسلوب البحث في الإلهيات، وقد اختلفوا في الإجمال والتفصيل،فاكتفت المدارس السنية بذلك على نحو الإجمال، وعرضه متكلمو الإمامية بنحو أكثر تفصيلاً.[١٧]

معنى النبي

ذُكرت عدة احتمالات في المعنى اللغوي للنبي والنبوة، فقيل أن النبي مشتق من أصل (نبأ) بمعنى الخبر ويُراد به الشخص الذي عنده أخبار ويُخبر الآخرين بها. الاحتمال الثاني أن النبي مشتق من الأصل (نبوة) بمعنى الارتفاع والعلو، ويُراد بالنبي- في هذه الحالة - الشخص صاحب المقام الرفيع والشأن العظيم.

والاحتمال الثالث هو أن النبي بمعنى الطريق وقد أُطلق على الأنبياء لكونهم طرق هداية البشر إلى الله[١٨]. ويعتبر الاحتمال الأول من بين الاحتمالات الثلاثة هو أشهر الاحتمالات بالإضافة إلى أنه الاحتمال الأكثر انسجاماً مع شأن ورسالة الأنبياء، لأنهم مخبرون عن الله سبحانه وتعالى.

ذكر المتكلمون عبارات مختلفة في بيان المعنى الاصطلاحي للنبي[١٩]، منها: أن النبي هو إنسان يبعثه الله مباشرة لهداية الناس، فيتلقى الوحي الإلهي بدون وساطة إنسان آخر، ويبلغه للناس[٢٠].[٢١]

الفرق بين النبي والرسول

من التعابير التي ذُكرت في المتون الإسلامية هي لفظ (الرسول) وأُطلقت على أنبياء الله أيضاً، إلا أن هذا اللفظ ذُكر في القرآن الكريم وأُريد به غير الأنبياء في موارد، كما أريد به الأنبياء في موارد أخرى.

من الواضح أن (النبي) و(الرسول) يختلفان في المعنى اللغوي، أي: أنهما متباينان في المعنى[٢٢]، لكن نريد أن نُبيّن النسبة بينهما من الناحية المصداقية. حيث يظهر من بعض الآيات القرآنية وجود اختلاف بين مصاديق هذين المفهومين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا...[٢٣] فلو كان الرسول والنبي يدلان على نفس المصاديق لما كان للتكرار فائدة في الآية، فتُشير الآية بالإجمال إلى أن النسبة بين النبي والرسول ليست هي التساوي.

تُشير بعض الروايات إلى أن النبي - من حيث المصاديق – أعم من الرسول، بعبارة أخرى: كل رسول نبي ولا يصدق العكس. كما أنه في هذه الروايات تذكر خصوصيات إلى هاتين المجموعتين لا علاقة لها بمعناهما اللغوي. على سبيل المثال، نذكر رواية الإمام الباقر(ع) التي يُبيّن فيها الاختلاف بين الرسول والنبي: «النَّبِيُّ الَّذِي يَرَى فِي مَنَامِهِ وَ يَسْمَعُ الصَّوْتَ وَ لَا يُعَايِنُ الْمَلَكَ وَ الرَّسُولُ الَّذِي يَسْمَعُ الصَّوْتَ وَ يَرَى فِي الْمَنَامِ وَ يُعَايِنُ الْمَلَكَ»[٢٤]. يُستفاد من الرواية أن الرسالة مقام أرفع من النبوة؛ لأن فيها كمالات النبوة وأكثر. إن لبعض الأنبياء، كلا المقامين ولبعضهم الآخر مقام النبوة فقط[٢٥]. بحثنا هنا يتعلق بالنبوة والأنبياء لكن مع الالتفات إلى كون مفهوم الرسالة أخص بلحاظ المصاديق، فإن هذه الأبحاث سوف تشمل الرسالة والرسل أيضاً.[٢٦]

أبحاث النبوة في علم الكلام

تُقسم عادة أبحاث النبوة في علم الكلام إلى قسمين: النبوة العامة والنبوة الخاصة، ويقصد بالنبوة العامة: مجموعة الأبحاث التي لا تختص بنبي معيّن، بل تتعلق بالأمور المشتركة بين جميع الأنبياء، أما النبوة الخاصة فهي الأبحاث التي تتعلق بنبي خاص.

يبتني هذا التقسيم على أساس الإيمان بتعدد أنبياء الله من جهة، وأن اتباع أحد هؤلاء الأنبياء هو أمر معقول وشائع من جهة أخرى، فالقسم الأول يهتم بالبحث في المسائل المشتركة بين جميع الأنبياء، والقسم الثاني يهتم ببحث خصوصيات نبيّنا المتبع عندنا.[٢٧]

حُسن أو ضرورة بعثة الأنبياء

تبدأ أبحاث النبوة العامة بالإجابة عن سؤال مهم وهو: هل هناك ضروة لبعثة الأنبياء في المجتمعات البشرية؟ بعبارة أخرى هل أن بعثة الأنبياء فعلٌ من الأفعال التي يحكم العقل الإنساني بوجوب صدورها من الله سبحانه، أم أنه لا يوجد وجوب عقلي في هذه المسألة؟

جواب المتكلم الأشعري منفي حيث يرى أن العقل الإنساني لا يُمكنه أن يحكم بوجوب صدور فعل ما عن الله تعالى، لأن هذا الحكم يستلزم أن يكون الله فاعل موجَب (غير مختار) في حين أن الحق تعالى فعال لما يشاء[٢٨]. من هنا فإن الأشاعرة يرفضون البحث في مسألة ضرورة بعثة الأنبياء ويكتفون بالبحث في (حُسن البعثة)، فيذكرون منافع الأنبياء وفوائد وجودهم في المجتمع ويعتبرونها مصداقاً من رحمة الله ولطفه، فالأشاعرة تعتقد بحُسن البعثة وتنكر ضرورتها، إلا أن المتكلمين الإمامية والمعتزلة بناءً على أصل الحسن والقبح العقليين[٢٩] فإنهم بالإضافة إلى إعتقادهم بحسن البعثة[٣٠]، يعتقدون بضرورتها ويقيمون الأدلة على ذلك.[٣١]

شبهة تفويض أمور النبوة للإمام نقض للخاتمية

أن الأئمة(ع) يتصفون بصفات كمالية خاصة، من قبيل: العصمة وعلم الغيب والإلهام والحجة الإلهية والتنصيب في مقام الإمام من قبل الله عز وجل والنبي الأكرم. وهناك من المستشكلين من رأى في إثبات هذه الصفات للأئمة من قبل النبي الأكرم(ص) نقضاً لأصل الخاتمية، ومن هنا أنكر اتصاف الأئمة(ع) بهذه الصفات. وقد قال الدكتور سروش في عدد من المواطن: «إنه لعين التناقض أن يهب الرسول الخاتم شخصاً أو أشخاصاً حقوقاً تنقض خاتميته»[٣٢].

مناقشة وتحليل

إن المشكلة الأساسية التي يعاني منها هذا الأشكال تكمن في تعريفه الخاص لمعنى الخاتمية ومفهومها، إذ إن المستشكل في إشكاله هذا يفسّر الخاتمية بشكل عام، معتبراً كل صفة كمالية يتصف بها النبي الأكرم(ص) هي من خواص النبوة، ويرى في تعميمها على غير النبي نقضاً للنبوة وأصل الخاتمية. في حين أن معنى الخاتمية ومفهومها لا يكمن في حصر صفة العصمة والإلهام وعلم الغيب والحجية بالنبي وعدم بسطها وتعميمها على الإمام، بل إن معنى الخاتمية هو عدم ظهور نبي جديد يحمل شريعة جديدة. إن القائلين بأصل الإمامة لا يدعون وجود شريعة ونبي جديد، وإنما غاية ما يرونه أن الأئمة منصوبون من قبل خاتم الأنبياء وآخرهم، وأنه فوّض إليهم مختلف الشؤون من قبيل الحجية والعصمة في القول والعمل، بمقتضى خلافتهم للنبي في مجال تفسير الدين والدنيا من قبل نفس النبي الأكرم والخالق سبحانه.

وقد ورد هذا المعنى من الخاتمية وعدم تنافيها مع أصل النبوة والخاتمية في كلام النبي تماماً، ذلك حيث يقول الإمام علي(ع): «وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ(ص) اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمِ عَلَمَا مِنْ أَخْلاقِهِ، وَيَأْمُرُني بِالْإِقْتِدَاءِ بِهِ. وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَة بِحِرَاءً فَأَرَاهُ، وَلَا يَرَاهُ غَيْرِي، وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الْإِسْلامِ غَيْرَ رَسُولِ الله(ص) وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثُهُمَا، أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ، وَأَهُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ ... وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْه(ص) فَقُلْتُ: يَارَسُولَ الله مَا هَذِهِ الرَّئَةُ؟ فَقَالَ: هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيسَ مِنْ عِبَادَتِهِ، إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ، وَتَرَى مَا أَرَى، إِلا أَنَّكَ لَسْتَ بنبي»[٣٣].

حيث نجد النبي الأكرم(ص) في هذا الحديث لا ينفي أصل صفة الإلهام ورؤية ملك الوحي وسماع صوته، وإنما يثبت ذلك كله ولا ينفي إلا صفة النبوة عن الإمام علي(ع). وفي روايات أخرى يثبت النبي الأكرم(ص) للإمام علي(ع) مختلف الصفات الكمالية من قبيل: العصمة والحجية ووجوب الإطاعة.

وبعبارة أخرى إن النبي الأكرم(ص) فيما يتعلق بمعنى ومفهوم الخاتمية أعلم من جميع البشر - بمن فيهم الدكتور سروش نفسه - وعليه لو كان إثبات الصفات المذكور للإمام على(ع) منافياً لأصل الخاتمية، لما فوّضها لغيره أبداً. إلا إذا أراد شخص أن يدعي أنه يقدم لرسول الله دروساً في معنى الخاتمية والعياذ بالله، أو أن يعتقد بعدم عصمته في هذه المسألة، وإذا كان كذلك تعيّن على هذا الشخص قبل كل شيء أن يوضح مراده بشكل شفاف كي نقدم له الجواب المناسب.[٣٤]

سُبُل إثبات النبوة

من بحوث النبوة العامة - بعد ماهيّة النبوة وإثبات ضرورتها وصفات النبي - سُبُل عرفة النبي الحقيقي وإثباته. لا ريب في أنّ الفطرة الإنسانية تقتضي رفض الدعوى التي تفتقد دليلاً يثبتها، ودعوى النبوة أيضاً هي ممّا يحتاج إلى دليل.

يقول المحقق اللاهيجي في هذا المضمار: اعلم أنّه من السهل جدّاً تحصيل العلم بصدق دعوى النبوة بالنسبة إلى الحكماء والعقلاء الناظرين في حقائق الموجودات، ممّن أعملوا النظر وتكميل القوة النظرية وعرفوا المبدأ الأول والمبادئ الأولية والثانوية، وعلموا بصحّة النبوة، ووجوب وجود النبي؛ فإنّ معرفة الخواص الثلاث عندهم غايةٌ في السهولة، ويمدّهم في ذلك التأمل في مجاري أحوال صاحب الدعوى وأفعاله وأقواله والتنبيه بنيّاته وأغراضه، ويفيد الحصول على صدق الجزم الصادق وكذب الكاذب بسهولة. أمّا على الجمهور وعامّة الناس، فذلك صعب للغاية، وهو يفتقر - لا محالة-إلى النظر والتأمّل في المعجزات، وإنّ إصابة النظر في المعجزة أيضاً تحتاج إلى العقل التام وتمييز ما لا كلام،حيث يفتقد إليهما أكثر العامة.

فلا بدّ لهم أوّلاً من تقليد عقلائهم حتّى يستقرّ بالتدريج نور التصديق التقليدي في قلوبهم، فتورث بالخاصّيّة،الإيمانَ الإجمالي. وبعد حصول الإيمان الإجمالي، إن وُفّقوا لتعلّم أصول التوحيد وإعمال النظر في الكلام المنزل على النبي والأقوال الصادرة عن معدن النبوة، يكتمل إيمانهم فيبلغون مرتبة التصديق اليقيني التفصيلي؛ وإلّا فإن قصّروا عن إعمال النظر وقبول التعلم، اكتفوا بالإيمان الإجمالي، واشتغلوا بالمواظبة على الأفعال والأعمال التي وردت فيها الشريعة، واقتدوا بالانقياد للأوامر والنواهي الإلهية، وطمحوا إلى التأسي بأفعال النبي وسننه؛ حتّى يؤدّي ذلك إلى صلاح المعاش ونجاة المعاد، ورُبّ معجزة تُشتبه على الجمهور بأفعال السحرة والمشعوذين والكهنة وأمثالهم، ويمكن تمييزها مقترنةً بالدعوة إلى الحق والدعوة إلى الباطل، لكن يتوقف ذلك على عقل يستطيع التمييز بين الحق والباطل وفي النهاية سوف يحتاجون إلى تقليد العلماء[٣٥].

لقد قدّم المفكرون المسلمون ثلاثة سُبُل لإثبات «النبيّ الحقيقي»، ومعرفته وتمييزه من «النبيّ الكاذب» (المتنبي):

  1. سبيل الإعجاز.
  2. تصديق النبي السابق للنبيّ اللاحق.
  3. جمع القرائن والشواهد على دعوى النبوة.[٣٦]

المعجزة

يعتقد جميع المتكلمين بأنّ الإعجاز دليل حاسم على صدق دعوى النبوة وعلاقة النبي بخالق الكون. وقد عرّف المتكلمون، المعجزة بقولهم: ثبوت ما ليس بمعتاد، أو نفي ما هو معتاد، مع خرق العادة ومطابقته الدعوى[٣٧].

أو بقولهم: أمر خارق للعادة مقرون بالتحدّي، مع عدم المعارضة[٣٨].

فالمعجزة تعني إتيان أعمال غريبة وخارقة للعادة،لا يقدر عليها الآخرون،سواء كانت في الأمور الإيجابية، كتبديل عصا خشبيّة إلى ثعبان،أو في الأمور السلبية؛ كعجز بطل ما عن حمل سيف، شرط أن تتماشى المعجزة مع دعوى النبوة وتقترن بالتحدّي ولا يكون لها أيّ معارض[٣٩].

فإنّ مقوّمات المعجزة إذن هي: القيام بعمل خارق للعادة؛ وليس الأعمال الاعتيادية واليوميّة للناس، وعجز أمة النبي عن القيام بمثلها، واقتران إظهار المعجزة بدعوى النبوة، وتطابق العمل الخارق للعادة مع دعوى مدّعى النبوة ذلك؛ مثل: مسيلمة الكذاب الذي كان يزعم أنّ في لعاب فمه شفاء؛ ولكن حين ألقى لعاب فمه في بئر قليلة الماء، جنّت مياه البئر تماماً، أو أنّه مسح بيده تبرّكاً على وجوه بعض الأطفال ورؤوسهم في قبيلة بني حنيفة فأصبحوا معيبين وقُرْعاً!

تشترك معجزات الأنبياء مع بعض الأمور الأخرى (مثل: كرامات الأولياء الإلهيين والأعمال الخارقة للعادة التي يقوم بها المرتاضون والسَّحَرة) في خرقها للعادة، وتختلف عنها في نقاط أخرى؛ إذ تمتاز المعجزة عن الكرامة في أنّ الكرامة عمل خارق للعادة يُقدِم عليه الأولياء الإلهيون من أجل إثبات فضيلتهم؛ من دون أن تصحبها دعوى للنبوّة؛ مثل: كرامة السيدة مريم في سورة العمران في الآيات ٣٥-٣٧، وكرامة آصف بن برخيا في سورة النمل في الآيات ٣٩ و٤٠، وكرامات أميرالمؤمنين وأهل بيت العصمة والطهارة. أما المعجزة فهي عمل خارق للعادة يظهر على يد الأنبياء الإلهيين لإثبات نبوّتهم مشفوعاً بدعوى النبوة . وتمتاز المعجزة والكرامة عن العمل الخارق للعادة الذي يمارسه المرتاضون والسحرة في أنّ المعجزة والكرامة أمر يمكن تحدّيه ولا معارض له؛ غير أنّ للأعمال الخارقة للعادة لدى المرتاضين معارضاً ومشابهاً. أضف إلى ذلك، أنّ الأعمال الخارقة للعادة لدى المرتاضين والسحرة يمكن تعليمها ونقلها إلى الآخرين. وقد أنكر بعض المعتزلة كرامة الأولياء الإلهيين، وتناولوا الأعمال الخارقة للعادة للسيدة مريم على أنّها إرهاصات وتمهيدات لنبوّة عيسى المسيح، واعتبروا كرامة آصف بن برخيا تمهيداً لنبوّة سليمان النبي، وكرامات الأئمة الأطهار تتمياً لمعجزات النبي الأعظم. أمّا الإمامية فهم يرون أنّ كرامة الأولياء الإلهيين ليست ممكنة فحسب، بل يمكن أيضاً صدور أعمال خارقة للعادة عن مدّعي النبوة كذباً من أجل فضحهم من قِبَل الله تبارك وتعالى[٤٠]. ومن الجدير بالذكر هنا:

  1. أنّ المعجزة عمل خارق للعادة؛ وليس خارقاً للعقل، فلا تتعارض المعجزات مع الأحكام العقلية؛ مثل استحالة الاجتماع وارتفاع النقيضين؛ فليس شفاء الأعمى وتبديل العصا إلى ثعبان ونقل عرش بلقيس في لمحة بصر، ممّا يخالف البديهيات العقلية.
  2. لا يتعارض الإعجاز مع مبدأ العلية (قانون السببية)؛ فإنّ العقل البديهي يحكم بأنّ تحقُّق كل ظاهرة من الظواهر بحاجة إلى علّة. والعلّة القريبة لظاهرة ما، ماديّة تارةً ومجرّدة وغير مادّيّة تارة أخرى. وتعود نشأة ظاهرة ما تارة إلى العلة المادية الظاهرة، وإلى العلة الخفية تارة أخرى. ولا شك في أنّ معجزات موسى وعيسى تسري عليها قاعدة العلية، وهي منبثقة من علة لكن ليس العلة المادية الاعتيادية التي هي واضحة عند الجميع.
  3. ما هي علّة تحقّق المعجزة؟ هل هو الله جل وعلا أم العلة المادية غير المألوفة؟ أم المخلوقات المجردة والملائكة أم الروح والنفس المتعاليتان للنبيّ؟ تُسنِد الآيات القرآنية حدوث المعجزات إلى الأنبياء؛ كتبيين معجزات عيسى المسيح في الآيات: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ[٤١]. ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي[٤٢]. وتُسنِد الآيات الأخرى جميع الأفعال إلى الله سبحانه وتقول: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ[٤٣] فيمكن إذن أن نعتبر علّة معجزات الأنبياء هي النفس النبوية من جهة، والحق تعالى من جهة أخرى. ما من شكّ في أنّ أيّ نبي باستطاعته الإقدام على معجزة من خلال علمه بالعلل الطبيعية غير المعروفة.
  4. ليس ثمة تعارض أيضاً بين حقيقة الإعجاز ودليل النظام؛ فإنّ هذا الدليل يؤدّي إلى إثبات الله ويكشف عن مصداق النظام عن طريق التجربة. وتمثل المعجزة مصداقاً للنظام غير المألوف الذي يكتشفه الأنبياء، وهو يدلّ على الناظم المتعالي.
  5. يشير إعجاز الأنبياء إلى صدق دعوى النبوة؛ فقد استدلّت الآيات القرآنية أيضاً على صدق دعوى النبوة بالمعجزة النبوية:
    1. ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ[٤٤].
    2. ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ[٤٥].

ولكن ما وجه دلالة الإعجاز على صدق دعوى النبوة؟ هل يوجد دليل برهانيّ أو علاقة منطقيّة بين المعجزة وصدق الدعوى أو أنّ الدليل إقناعيّ فحسب؟

الحقيقة هي أنّ العلاقة بين المعجزة وصدق دعوى النبوة وارتباط النبي بالحقّ تعالى،علاقة برهانيّة.

توضيح ذلك: أنّ الله العادل والحكيم لا يفعل فعلاً ظالماً وغير حكيم، بل يريد الهداية للبشر ويأبى لهم الضلالة؛ فإن منح الله العادل والحكيم المدعي الكاذب القدرة على عمل خارق للعادة - لا معارض له وتصحبه دعوى النبوة - فإن هذا يتعارض مع الحكمة والعدالة الإلهيتين، وهو مناف للهداية التي يريدها عز وجل[٤٦].

ويري العلامة الشعراني عند تبيينه دلالة المعجزة أنّ المعجزة تعني تصديق الله لدعوى النبي والرسالة، وانطلاقاً من ذلك، يُستبعد إتيانها من قبل مدعي النبوة كذباً. ويبرهن العقل على هذا الأمر على النحو الآتي:

  1. المعجزة هي تصديق الله تعالى لدعوى النبوة.
  2. تصديق الكذاب للدعوى الكاذبة أمر قبيح.
  3. صدور القبيح من الله قبيح. فإذن:
  4. يستحيل صدور المعجزة عن مدّعي النبوة كذباً. فإذن:
  5. تدلّ المعجزة على صدق دعوى النبي.

وبتعبير آخر:

  1. تقتضي قاعدة اللطف أن يفضح الله مدعي النبوة كذباً.
  2. يفضح الكذاب منعُه من القيام بعمل خارق للعادة.
  3. الله قادر على منع الكذاب من خرق العادة. فإذن:
  4. يمنع الله الكاذبين من خرق العادة. فإذن:
  5. يتساوى وقوع المعجزة مع تصديق الله للنبوّة[٤٧].[٤٨]

نصّ النبي السابق

إحدى السبل الأخرى الكفيلة بإثبات النبوة ما يصرّح به النبي السابق بخصوص النبي اللاحق؛ فإذا ثبتت نبوّة النبي السابق من خلال الأدلة والمعجزة، تثبت جميع ادّعاءاته ؛ ومنها: ادّعاء نبوّة النبي اللاحق. فعلى سبيل المثال: شهد النبي عيسى على نبوّة رسول الله محمد؛ حيث يقول الله سبحانه وتعالى في ذلك:

  1. ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ[٤٩].
  2. ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ[٥٠].[٥١]

جمع القرائن والشواهد

يتمثّل الدليل الآخر على إثبات نبوّة الأنبياء في جمع القرائن والشواهد؛ فإنّ النبي الصادق، صادق في أعماله وأفعاله أيضاً. وتتمتّع روح النبي بالكمالات السامية والأخلاق الفاضلة، ويقود النبي الإلهي الناس بطريقة يقيم بها مجتمعاً حضارياً يتميز بمظاهر التقدم والنموّ ومن شأن مجموع المعارف والقوانين والأحكام والشريعة النبوية أن تكون قرينة أخرى على حقانية النبوة. وقد تدلّ على حقانية النبي أيضاً الوسائل والآليات التي يلجأ إليها النبي من أجل هداية البشر، وكذلك المؤمنون وأتباع النبي وطريقة تصرفاتهم وسلوكيّاتهم[٥٢].[٥٣]

تحدّيات النبوة

طالما كان بحث النبوة عرضة لنقد المخالفين منذ قديم الأيام. فبعض الشبهات تعترض أدلّة ضرورة بعثة الأنبياء مما أجبنا عليه في بحث النبوة العامة. ويتعلّق بعضها الآخر من الشبهات بالنبوّة الخاصة مما سنتعرّض إليه في هذا المجال.

تحدّيات الوحي التفسيرية

قدّم الغربيون والتنويريّون المتأثرون بالغرب - نتيجةً لانطباعاتهم عن الفلسفات النسبية والماديّة - تفاسير غير واقعيّة عن الوحي النبوي. وتعتمد هذه الرؤية المادية على افتراضات؛ من قبيل: إنكار ما وراء العالم، وإنكار وجود الله سبحانه وتعالى، والإيمان بانحصار الوجود في عالم المادة، والأطر المنهجية الحسية والتجربيّة.

وطبيعيّ أن ينتج عن هذه الافتراضات عدّ الوحي ظاهرة خياليّة ووهميّة، وإنكار استنادها إلى الله سبحانه وتعالى. وقد دعا الاعتقاد بالافتراضات المتقدمة المنكرين لحقيقة الوحي العينية إلى تقديم تفسير نفسيّ واجتماعيّ لهذه الحقيقة، وتجاهل كون الوحي أمراً إلهيّاً. وفيما يأتي سرد لأهمّ الآراء الجديدة التي تناولت الوحي النبوي[٥٤].[٥٥]:

شخصية النبي الباطنية

توقّدت نظريّة الشخصية الباطنة والخفيّة في أذهان علماء النفس والأطباء النفسيين من خلال الدراسات النفسية الحديثة. وقد توصّلوا من خلال دراسات واختبارات كثيرة إلى أنّ لكلّ إنسان شخصيّتين ظاهرة وباطنة، وروح الإنسان كذلك لها بُعدان داخليّ وخارجيّ: أمّا الشخصية الظاهرة أو البعد الخارجي لروح الإنسان (عقله الواعي) فتعمل في الأحوال الاعتيادية، وأمّا شخصيّته الباطنة أو البعد الداخلي لروحه(عقله غير الواعي) فتعمل في الأحوال والظروف غير الاعتيادية (مثل: النوم، أو شدّة الإرهاق، أو الحزن والهم البالغين، أو فقدان الوعي).

وقد انجرّ علماء النفس إلى الاعتقاد بوجود مثل هذه الشخصية في الإنسان بسبب وقوفهم على نماذج عديدة من أشخاص قادرين على حلّ مسائل رياضيّة صعبة من دون تفكر وتأمل، وكذلك حلّ المجهولات المعقدة بلا تأنٍّ. ولم يكن يعرف أيّ من هؤلاء الأشخاص المصدر الذي يرفد مثل هذا الوعي على الرغم من سلامتهم وصحّتهم، وكأنّ شخصاً ما يكلّمهم من وراء الستار، ويلقنهم بعض الأمور، فلا يصدر هذا الوعي عن عقلهم الواعي، وشخصيتهم الظاهرة والاعتيادية، وإنّما هو ناشئ عن عقلهم اللاواعي، وشخصيّتهم الباطنة.

والشاهد الآخر على هذه المعطيات اكتشاف أنّ الشخص المنوم مغناطيسيّاً يجيب في حال نومه على بعض الأسئلة، وينبئ فيها عن حقائق لا يعيها هو في حالة اليقظة. فاستنتجوا أنّ مصدر وعيه ليس شخصيّته أو عقله الواعي؛ بل توجد فيه شخصيّة باطنة، تتفعّل عند توقف شخصيّته الظاهرة الواعية، وتخبره عن أحداث غيبية.

وقام هؤلاء العلماء استناداً إلى هذه النظرية حول الشخصية الباطنة بتفسير الوحي الذي يُلقى إلى الأنبياء، وعمدوا إلى تحليله، فقالوا: إنّ ما يَنفخ في روع الأنبياء، ويُلقي إليهم بعض المطالب هو شخصيّتهم الباطنة. وربّما تتجسّد هذه الشخصية الباطنة وتبدو واقعيّة في أعينهم وربّما تصوّروا أنّها ملك أرسل إليهم من قبل الله، وهبط إليهم من السماء؛ وأنه هو من يوحي إليهم تلك الحقائق .

وأراد هؤلاء بواسطة هذا التفسير أن يحلّوا مشكلة التعارض المزعوم بين النصوص الوحيانية والنظريات العلمية؛فالوحي - بناءً على تلك النظريات - ليس إلا تجليّاً لشخصية النبي الباطنة، تتجلى هذه الشخصية تناسباً مع الظروف التي يعيشها النبي واستعداداته، وربّما تمتزج المعارف النابعة عن شخصيته الباطنة مع ما يتعلق بشخصيته الاعتيادية؛ وهذا هو مصدر الخطأ في الوحي[٥٦].

لكنّ هذا التفسير لا يتطابق مع حقيقة النبي العينية؛ فكما قال علماء النفس: إنّ الشخصية الباطنة والعقل اللاواعي يتفعّل في الظروف غير الاعتيادية؛ مثل: النوم الطبيعي، أو المصطنع، أو حالة المرض، أو الإرهاق الشديد، أو ما شاكل ذلك؛ وليس في الظروف الاعتيادية للحياة؛ والحال أنّ الأنبياء لم يتلقوا في حالة النوم إلا القليل من المعارف الوحيانية والوحي في غالب الأحيان كان في حال اليقظة؛ حيث كانوا يتمتعون بسلامة جسمية ونفسية تامّة، وكانت شخصيّتهم الظاهرة وعقلهم الواعي في أتم الاستعداد والنشاط.

كما لا تتناسب آراء علماء النفس والأطباء النفسيين مع ما ورد في الروايات من أحوال النبي الأكرم. حين تلقّي الوحي. وقد ورد فيها أن النبي كان يفقد وعيه عند نزول الوحي، وكان يدهش، وتعرض عليه حالة كحالة النوم، وعند نزول الوحي المباشر كان يشعر بثقل، ويسخن جسده الشريف من ثقل ما ألقي عليه، ويعرق. روي عن الإمام علي أنّه قال: لقد نزلت (سورة المائدة) عليه وهو على بغلة الشهباء، وثقل عليه الوحي؛حتى وقفت، وتدلّى بطنها، حتّى رأيت سرّتها تكاد تمسّ الأرض، وأغمي على رسول الله؛حتى وضع يده على ذؤابة (أحد الصحابة)[٥٧].

وروي عن عبادة بن الصامت أنّه قال: كان إذا نزل الوحي على النبي كُرب له[٥٨]، وتربّد وجهه[٥٩].

وفي رواية أخرى عنه أيضاً: نكّس رأسه، ونكس أصحابه رؤوسهم[٦٠].

ومن الصعب فهم هذه الحقيقة لمن يعجز عن معرفة الوحي [٦١].

وعلى أية حال، فإنّه لا تجتمع هذه الأحاديث مع فرضية الشخصية الباطنة للرسول واعتبار الوحي أمراً غير واقعيّ:

  1. كانت تعرض هذه الحالة على النبي عندما كان يتلقى الوحي من دون توسّط جبرئيل ؛ فلم تكن حالة عامة.
  2. إنّ حالة الدهشة التي كانت تعرض على الرسول عن نزول الوحي مباشرةً، كانت نتيجة نزول الوحي؛ وليس سبباً له. بينما نجد في تجلّي الشخصية الباطنة والعقل اللاواعي أنّ الأحوال غير الاعتيادية هي السبب والداعي؛ بمعنى أنّ الشخص يستقر أوّلاً في الظروف والأحوال غير الاعتيادية، ثم تتفعّل شخصيّته الباطنة، في حين نرى بالنسبة إلى النبي أنه كان ينزل عليه الوحي أولاً،ثمّ تعرض عليه تلك الأحوال غير الاعتيادية.
  3. الوعي هو من خصائص الوحي النبوي؛ أي إنّ الأنبياء كانوا على وعي كامل باتّصالهم بمصدر سامٍ، وإنّ المعارف التي يتلقّونها تأتي من ذلك المصدر، وأحياناً كان التلقي بشكل مباشر، وأخرى بواسطة ملك الوحي. ولكن ما تذكره تقارير علماء النفس من تجلّي الشخصية الباطنة هو أنّ أصحاب هذه الحالة لا يعرفون بالضبط مصدر ما يلهمون به، والشيء الوحيد الذي يعرفونه أنه لم يصدر عن عقلهم الواعي، وجهاز التفكير عندهم.
  4. تدلّ روايات متواترة قطعية على حضور ملائكة الوحي، وتوسّط جبرئيل في الوحي؛ وهذا يعني أنّ مصدر الوحي النبوي كان خارجيّاً، ولم يكن ينبع من داخلهم.

هذا، وتتلازم نظريّة التخيل والشخصيّة الباطنة أن يكون الأنبياء أناساً متوهّمين وبعيدين عن الواقعية؛ وهو يتناقض مع الأدلة العقلية على ضرورة النبوة، كما يتعارض مع التقارير التأريخية القطعية حول شخصيّة الأنبياء الإلهيين، وطريقة تعاملهم مع الصديق والعدوّ، فالتاريخ يشهد لهم بأنهم أعقل أناس عصرهم.[٦٢]

الوحي النفسي

قدّم بعض فلاسفة الغرب تفسيراً آخر للوحي النبوي باسم «الوحي النفسي». وعليه: فإنّ الوحي النبوي ناشئ عن عقل النبي وروحه؛ وليس له منشأ خارجيّ وغيبيّ! فالنبيّ - عندهم - إنسان طاهر يتمتّع بهمّة عالية، وإيمان ثابت وراسخ بالله، يبغض عبادة الأوثان والشرك وتقليد العقائد والآداب والتقاليد الجاهلية المشحونة بالشرك، ويشعر بالمسؤولية تجاه مصير المجتمع البشري. فتقوى فيه هذه الفكرة، وهذا الشعور؛ حتى يتجسّم ويتمثل في فكره ووجدانه، وكأنّ رسولاً جاءه من قبل الله وعالم الغيب، فأوحى إليه تلك المعارف والأوامر، وبعثه لهداية المجتمع البشري وإنقاذه[٦٣].

وهذا التفسير والتحليل ليس بجديد؛ فقد تناوله المناوئون للأنبياء في عصورهم على مرّ التاريخ ؛ إذ عدّوا أقوال الأنبياء ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ[٦٤]، أو «ثمرة الجنون»[٦٥]. نعم؛ لا تخلو مراحل التاريخ من مصلحين،كانوا يتمتّعون بهمم عالية، ونيّات بارّة، سعوا لإنقاذ الناس؛ لكنّهم لم يقدّموا معارف وبرامج شاملة وعالمية مثل الأنبياء. ولم تكن أطروحاتهم بشمولية تعم الجسد والروح، والظاهر والباطن، والمادة والمعنى، والدنيا والآخرة، والملك والملكوت؛ والحال أنّ برامج الأنبياء كانت تتمتع بمثل هذه الشمولية. ومن البين أنّ هذه الخصوصية تدلّ على هذا النوع من البرامج لا يمكن أن يصدر إلا عن العلم الإلهي وحكمته؛ فلو لم يكن الوحي الإلهي واقعياً، وكان مجرد أوهام اعترت الأنبياء، لكان لابد لهم من الخروج من تلك الأوهام ومعرفتهم بالخطأ يوماً ما.

وقد بيّن الله عَزَّ وَجَلَّ في القرآن الكريم كون الكلام النبوي وحيانياً وإلهيّاً وقال:

  1. ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى[٦٦]
  2. ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى[٦٧]
  3. ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى[٦٨]

وهذه الآيات تنفي - بصراحة - أيّ ضرب من ضروب احتمال الخطأ في المقال والمعرفة النبوية، وتفنّد فرضيّة «الوحي النفسي».[٦٩]

عبقرية بشرية

ذهب بعضهم إلى أنّ الوحي النبوي من سنخ العبقرية، فعدّوا الأنبياء من زمرة عباقرة البشر الذين تألقوا في الإدارة ومجالات الحياة الاجتماعية والتربوية؛فلم يكن لوحيهم مصدر خارجيّ، بل كان وليد عبقريتهم الذاتية. أما «جبرئيل» فهو روحهم الطاهرة، وأمّا الكتب السماوية فهي تشريعات ومعارف جادت بها قريحتهم الفكرية ودهائهم الذاتي.

وعلى سبيل المثال: كان عالم الدين والمصلح الهندي السيد أحمد خان الهندي يرى أنّ النبوة قوّة طبيعية خاصة كسائر قوى الإنسان ومواهبه التي تزدهر في الوقت المناسب، ويتفق أحياناً بأن يتمتع شخص ما بقوّة ومواهب كاملة بحيث يعده الناس عبقريّاً في ذلك المجال الخاص. فمن كانت له هذه القدرات الطبيعية الخارقة في معالجة الأمراض الروحية واستطاع بثّ روح جديدة في الجسد الأخلاقي للبشريّة سمّي نبيّاً. وعندما نضجت ثمرة هذه الموهبة الطبيعية، شعر النبي أنه قد بعث، ليكشف للناس عن رسالته الجديدة لتهذيب الأخلاق والروح. وإنّ الاختلاف بين الأنبياء وسائر العباقرة هو نتاج الاختلاف بين المجالات التي يعملون فيها. فالأنبياء شفاء للأرواح، وينحصر واجبهم في تقديم توجيه جديد لحياة الناس الروحية والأخلاقية[٧٠].

هذه النظرية أيضاً غير تامّة؛ لأنّ العباقرة على الرغم من شبههم بالأنبياء من حيث الامتياز والتفوّق على سائر أفراد البشر، إلا أنّ بينهم وبين الأنبياء اختلافات أساسيّة تنتقض بها فرضيّة تحليل الوحي النبوي على أنه نوع من العبقرية! فالأنبياء يمتازون بخصوصيّة العصمة العلمية والعمليّة؛ في حين يفتقدها عباقرة البشر؛ فهؤلاء ليسوا مبرئين عن الخطأ العلمي والعمليّ.

لقد صرّح الأنبياء - بوعي كامل - أنّ ما قدّموه من معارف وأوامر لهداية البشر ليس نابعاً من أفكارهم وعبقريّتهم؛ وإنّما صادر عن عالم الغيب والمشيئة والعلم الإلهيين. كما لا يتطابق تفسير الوحي النبوي بالعبقرية مع مسألة ختم النبوة؛ فلا معنى للخاتمية في العبقرية. ولا يمكن تفسير عمق ونطاق المعارف والمفاهيم الوحيانية مع العبقريةالبشرية؛ فالتنبؤ بأحداث المستقبل والتقارير التفصيلية والدقيقة عن أحداث الماضي وأحداث عالم ما بعد الموت (عالم البرزخ والقيامة)، والقوانين الأخلاقية والمدنية والعبادية والجنائية الشاملة - كما ورد في القرآن الكريم والروايات الإسلامية - لا يمكن تفسيره بالعبقرية البشرية بأية حال[٧١].[٧٢]

التجربة الدينية

استخدم فلاسفة غربيون مثل: «شلاير ماخر» و«بول تيليخ» و«ويليم جيمس» تعبير «التجربة الدينية»، وذهبوا إلى أنّ الدين يعني تحقّق التجربة الدينية، وفسّروا هذه التجربة بأنها علاقة مع الموجود المطلق. وكما تقدّم في أبحاث معرفة الدين، فقد فسّرت التجربة الدينية بمعانٍ مختلفة من الإدراك والشعور والحقيقة غير القابلة للتفسير. وعدّ بعض التنويريين الإيرانيين المعاصرين حقيقة الوحي النبوي بأنها نوع من التجربة الدينية، ونسبوا للوحي النبوي خصائص التجربة الدينية. وخلصوا إلى القول: كما أنّ التجربة الدينية ليست خالصة، وتتكوّن من دوافع باطنية ونفسية للإنسان، وعوامل خارجية من المجتمع تتوفّر مضامينها منها، فإنّ الوحي النبوي - كذلك - متأثر بثقافة عصره، والحالات الشخصية للنبي!

لكنّ إدراج الدين تحت مسمّى التجربة الدينية لا يتلاءم مع حقيقة الوحي؛ لأنّ الوحي من سنخ العلم الحضوري، وهو أكمل صوره؛ فهو عبارة عن مشاهدة الحقيقة التي يتقوّم بها وجود الإنسان، والإنسان يجد بالعلم الحضوري الخالص مقوّم وجوده (أي: الله وكلامه)كما يجد نفسه. والوحي هو الوجدان؛ لأنّ النبي عندما كان يتلقى الوحي بوجدانه، كان موقناً بأنّ ما وجده هو الوحي. ولذلك،فان الوحي ليس من سنخ التجربة الدينية؛ ليحتاج إلى مشاهدات متكرّرة.

قال الإمام الصادق(ع) في جواب من سأله عن كيفية معرفة الأنبياء بأنّ ما يجدونه وحي: «يُوَفَّقُ لِذَلِكَ حَتَّى يَعْرِفَهُ»[٧٣].

وهذا يعني أن التوفيق الإلهي يرافق الأنبياء؛ فكما أنّ الإنسان يجد نفسه في نشأة الشهود بحيث لا يحتمل الخطأ، فإنّه يجد الكلام الإلهي كذلك، بحيث لا يشكّ فيه أبداً؛ لأنّ إدراك الإنسان للوحي أسمى وأعلى من إدراكه لنفسه. فالرسول الأكرم يتلقّى الوحي من موطن ﴿لَدُنْ كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ[٧٤].

وهو موطن لا يقبل الشك ولا الريب؛ لأنّ الشك والخطأ يكون حيث يوجد حق وباطل، وعندما لا يعرف الإنسان الحق من الباطل في ما يجده، ولكن حيث لا مجال للباطل، لن يكون مجال للشك ولا للخطأ والاشتباه.

وعدم احتمال الباطل في أمر الوحي، صادق في ثلاث مراحل:

  1. التلقي؛ قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ[٧٥].
  2. الحفظ؛ قال تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى[٧٦].
  3. الإبلاغ قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى[٧٧].[٧٨]

فالوحي النبوي نوع من المقابلة مع الله تعالى؛ لا من سنخ التجربة الدينية؛ لأن الوحي النبوي مرئي ومسموع. فمعارف الدين ألقيت من قبل الله إلى الرسول - بتوسط ملك الوحي، أو بنحو مباشر - وسمعها الرسول بمسامع باطنه، وقد شاهد النبي الملك بعين باطنه؛ فعند تلقّي الوحي والأحكام والمعارف، يوجد تواصل كلاميّ ولساني بين الله ورسوله ورسوله والوحي النبوي ترافقه العصمة، فهو لا يحتمل الخطأ،في حين لا تكون التجربة الدينية بريئة من الخطأ؛ لأنّ الافتراضات والعقائد والخلفيات الفكرية الخاصة لصاحب التجربة تؤثر فيها، وتعرقل مصداقيتها. كما أنّ الكشف العرفاني للعرفاء كذلك ليس معصوماً من الخطأ، وتدخّلات الشيطان، وهو محتاج إلى ميزان ومعيار مثله في ذلك مثل العقل القطعي، أو النقل المعصوم.

والنبيّ في مسألة الوحي ليس إلا قابلاً ومتلقياً للوحي؛ وليس فاعلاً وخالقاً له، ودعوى أنّ الوحي نابع من باطن الرسول، وأنّ جبرئيل هو عقله، الرسول وليس شخصيّة خارجة عن وجوده؛ ليست فقط تواجه مشكلة عقليّة في جهة اتحاد القابل والفاعل؛ بل تتناقض مع صريح الآيات القرآنية أيضاً؛ لأنّها تدلّ على أنّ النبي قابل لمضمون الوحى وألفاظه، وأنّ هناك كائناً يستقل وجوده عن وجود الرسول بعنوان ملك الوحي المأمور بإبلاغ مضمون الوحي ولفظه من قبل الله إلى الرسول[٧٩]

ولأجل رفع الاستغراب والوهم الباطل حول بعثة الله للأنبياء، يقول سبحانه: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالاً بَعِيداً[٨٠].[٨١]

حُسن بعثة الأنبياء (فوائد النبوة وبركاتها)

فلسفة النبوة في القرآن

أهداف الأنبياء في الأحاديث

المراجع والمصادر

  1. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي
  2. محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية
  3. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر

الهوامش

  1. عندما يتطرّق الباحثون في علم الكلام الإسلاميّ إلى مدرسة «أهل الحديث» فهم يقصدون بهم عادة «الحنابلة»ومن تبعهم في منهجهم الدارس لأصول الدين. ومن الجليّ لكلّ متابع لتاريخ هذا العلم ومدارسه أنّ منهج اهل الحديث قائم على نبذ علم الكلام ورفضه؛ إذ يرون فيه زيغاً وضلالاً عن منهج السلف في التعامل مع العقيدة، وهم لا يذكرون المتكلمين إلا بسوء أو توجّس. ولهذا،لا يمكن عدّهم من المتكلّمين إلا مسامحةً. وعليه: فإنّ المقصود هنا من«المتكلمين»: كلّ باحث أو دارس للعقيدة الإسلاميّة؛ سواء كان مؤمناً بعلم الكلام،أو ناقماً عليه. [م]
  2. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص٢٩.
  3. اللوامع الإلهيّة المقداد، ص ٢٣٩
  4. قواعد العقائد، الطوسي، ص ٨٧.
  5. مناهج اليقين،العلامة الحلي، ص٢٦٣؛ الباب الحادي العشر، ص ٥٨؛المنقذ من التقليد، سديدالدين الحمصّي، ص٣٧١؛ قواعد المرام،ابن ميثم البحراني، ص١٢٢.
  6. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص٣٠-٣١.
  7. راجع: شرح الأصول الخمسة، القاضي عبد الجبار، ص ٥٦٣.
  8. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص٣١-٣٢.
  9. هذه العبارة - وكذا حال سابقتها - ليس إلا كناية عماً يدور في خلد الأشاعرة في المقام، وهي معادل منحوت لمقابلة المقولة الفارسيّة: «آنچه را شيرين بُوَد،خُسرو كند»، والذي يعادل العبارة السابقة هو البيت الشعريّ الفارسيّ الذي يقول: «آنچه آن خُسرو،كند شيرين بُوَد». [م].
  10. الإرشاد،الجوينيّ، ص ١٤٣.
  11. شرح المواقف،الجرجانيّ، ج ٨،ص ٢١٨، والنصّ من المواقف للإيجي (الماتن).
  12. نهاية الأقدام، الشهرستاني، ص ٢٥٨.
  13. أصول الدين جمال الدين الغزنويّ، ص ١١٩.
  14. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٣٢-٣٤.
  15. التوحيد، أبو منصور الماتريدي، ص ١٧٧.
  16. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٣٤.
  17. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٣٤-٣٥.
  18. التفتازاني، شرح المقاصد، ج٥، ص٥.
  19. مثلاً: يقول صاحب قواعد المرام: "إنه الإنسان المأمور من السماء بإصلاح أحوال الناس في معاشهم ومعادهم العالم بكيفية ذلك المستغني في علومه وأمره من السماء لا عن واسطة البشر المقترنة دعواه للنبوة بأمور خارقة للعادة". ابن ميثم البحراني، قواعد المرام في علم الكلام، ص١٢٢.
  20. قيد (إنسان) لإخراج الملائكة، وقيد (بدون وساطة إنسان آخر) لإخراج الإمام وعلماء الدين من التعريف؛ لأن الإمام يتلقى مضامين الوحي من النبي، وعلماء الدين يتعرفون على مضامين الوحي من الإمام والنبي.
  21. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي، ص ٣٥٩-٣٦٠.
  22. ذكر البعض أن مفهوم النبي أعم من مفهوم الرسول (أي: أن بينهما عموم وخصوص مفهومي – وليس مصداقي)، لأن النبي هو من يوحى إليه من الله سواء كان مأموراً بإبلاغه للناس أو لا، لكن الرسول هو الشخص الذي بالإضافة إلى تلقي الوحي فإنه مأمور بإبلاغه للناس. لكن هذا التفكيك غير صحيح لأنه أولاً هكذا مفاهيم لم ندركها من خلال المعاني اللغوية للفظين ولا يوجد دليل متقن على إثبات هذه المعاني لهما؛ ثانياً في بعض الآيات (مثلاً: الآية ۵۱ من سورة مريم) جاءت لفظة النبي بعد الرسول في حين أنه من اللغو الإتيان بمفهوم عام بعد المفهوم الخاص (راجع: محمد تقي مصباح اليزدي، معرفة المرشد، ص۱۳ – ۱۵).
  23. سورة الحج: ۵۲.
  24. الكليني، الكافي، ج۱، ص۱۷۶.
  25. ورد في الروايات أن عدد الأنبياء ۱۲۴ ألف نبي وأن عدد الرسل ۳۱۳ رسول: العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج۲۴، ص۳۲.
  26. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣٦٠-٣٦١.
  27. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣٦١-٣٦٢.
  28. لا يقصد القائلون بأصل التحسين والتقبيح العقليين أن هناك أمور يجب على الله الإتيان بها، وأن هناك موجود آخر ألزمه بها، وإنما يقصدون أن العقل بالنظر إلى أوصاف الله مثل الحكمة والرحمة و... من جهة، وبالتأمل في ماهية الأفعال من جهة أخرى فإنه يحكم بصدور هذه الأفعال عن الله بالضرورة.
  29. مرَّ البحث في أصل الحسن والقبح العقليين في الأبحاث السابقة.
  30. يقول العلامة الحلي في شرح تجريد الاعتقاد: "اختلف الناس في ذلك فذهب المسلمون كافة وجميع أرباب الملل وجماعة من الفلاسفة إلى ذلك ومنعت البراهمة منه" العلامة الحلي، كشف المراد، ص۳۷۳.
  31. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣٦٢-٣٦٣.
  32. بسط تجربه نبوى (سط التجربة النبوية)، ص ١٣٥ .
  33. نهج البلاغة، الخطبة رقم: ٢٣٤؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي، الخطبة رقم: ٢٣٨، ج ١٣، ص ١٩٧.
  34. محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٢٤٠-٢٤٢.
  35. جوهر المراد (بالفارسية: گوهر مراد)،الفياض اللاهيجي، ص ٣٨٢.
  36. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ١٢٥-١٢٦.
  37. كشف المراد،ص ٢١٨.
  38. شرح التجريد،نظام الدين القوشجي، ص ٤٦٥.
  39. شرح كشف المراد، ص ٣٦٣.
  40. كشف المراد،قسم النبوة.
  41. سورة آل عمران، الآية ٤٩.
  42. سورة المائدة، الآية ١١٠.
  43. سورة الرعد، الآية ١٦.
  44. سورة الشعراء، الآية ١٥٤.
  45. سورة الأعراف، الآية ١٠٥-١٠٦.
  46. البيان في تفسير القرآن الخوئي، ص ٣٦.
  47. طريق السعادة(بالفارسية: راه سعادت)، ص ٢٤٣.
  48. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ١٢٦-١٣٢.
  49. سورة الصف، الآية ٦.
  50. سورة الأعراف، الآية ١٥٧.
  51. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ١٣٢-١٣٣.
  52. الإلهيات على هدي الكتاب والسنّة، والعقل السبحاني، ص ٦٦-١٢٢.
  53. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ١٣٣.
  54. اقتُبست فكرة هذه الآراء ونقدها من ملزمة دراسية تحمل عنوان: معرفة الوحي (بالفارسية: وحي شناسي)، لمؤلّفها علي الرباني الكلبايكاني،تدرس في المركز التخصصي لعلم الكلام.
  55. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٢٢٩.
  56. دائرة معارف القرآن العشرين،فريد وجدي، ج ١٠، ص ٧١٢-٧٢٠.
  57. تفسير العياشي، ج١: ص ٣٨٨.
  58. قيل في شرح ذلك: كرُب له: أي انقبضت نفسه وتغيرت حالته، وتربّد: أي تغير لون وجهه إلى الغبرة. [م]
  59. طبقات ابن سعد، ج ١، ص ١٣١.
  60. صحيح مسلم، ج ١٥، ص ٨٩.
  61. يراجع: التمهيد في علوم القرآن،محمد هادي معرفة، ج١، ص ٦٦ وما بعدها.
  62. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٢٣٠.
  63. الوحي المحمدي، رشيد رضا،ص ٧١،تفسير المنار، ج١١، ص ١٦٣-١٦٤.
  64. ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ سورة الأنبياء، الآية ٥.
  65. ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ سورة الذاريات، الآية ٥٢.
  66. سورة النجم، الآية ٢-٥.
  67. سورة النجم، الآية ١١-١٢.
  68. سورة النجم، الآية ١٧-١٨.
  69. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٢٣٥.
  70. تاريخ الفلسفة في الإسلام (بالفارسية: تاريخ فلسفه در إسلام)،شريف، ج٤، ص٢٠٦-٢٠٧، نقلاً عن تفسير القرآن، تأليف: السيد أحمد خان، ج١، ص٣٢-٣٥.
  71. مفاهيم القرآن (بالفارسية: منشور جاويد)،جعفر السبحاني، ج١٠، ص ٢٢٣.
  72. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٢٣٧.
  73. أصول الكافي، ج٢، ص ١٧٧.
  74. سورة النمل، الآية ٦.
  75. سورة النمل، الآية ٦.
  76. سورة الأعلى، الآية ٦.
  77. سورة النجم، الآية ٣-٤.
  78. معرفة الدين (بالفارسية: دين شناسي)، ص ٢٤١-٢٤٣.
  79. الآيات الدالة على دور القابل بالنسبة إلى الرسول في تلقّي الوحي ودور الفاعل بالنسبة إلى الله سبحانه في إنزال الوحي هي: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (سورة الشعراء، الآية ١٩٢-١٩٥.)، ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (سورة يوسف، الآية ١-٢.)، ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا (سورة الأنعام، الآية ٩٢.)، ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ (سورة النحل، الآية ١٠٢.)، ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ (سورة البقرة، الآية ٩٧.)، ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً (سورة مريم، الآية ٦٤.)
  80. سورة النساء، الآية ١٦٣-١٦٧.
  81. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٢، ص ٢٣٩-٢٤٢.