النبوة في معارف الإمام الحسين وسيرته

من إمامةبيديا

تمهيد

قال الإمام الحسین(ع): «وَبَلَّغَتْ أَنْبِياؤُكَ وَرُسُلُكَ، مَا أَنْزَلْتَ عَلَيْهِمْ مِنْ وَحْيِكَ، وَشَرَعْتَ لَهُمْ مِنْ دِينِكَ»[١].[٢]

التعريف اللغوي

النبيّ والنبوة في اللغة:

النبوة: هي النبأ أو الخبر و«أنبأه إيّاه به: أخبره... والنبيء: المخبر عن الله تعالى... والاسم النبوءة»[٣]. وقال في المصباح المنير: «والنبيء على فعيل مهموز؛ لأنه أنبأ عن الله، أي: أخبر، والإبدال والإدغام لغة فاشية»[٤]. وبهذا يتضح أن النبيّ مهموز في الأصل، ثم أُبدلت الهمزة وأُدغمت في النبيّ والنبوة.[٥]

التعريف الاصطلاحي

أما النبيّ والنبوة اصطلاحاً: فقد عُرِّف النبيّ بأنه: الإنسان المخبر عن الله تعالى بغير واسطة أحد من البشر. وعُرِّف كذلك بأنه: إنسان كامل مخبر عن الله تعالى بالوحي؛ لأن الوحي مختص بالأنبياء، وهو نوع علاقة وقعت بينه وبين أنبيائه، قال الطباطبائي: «إن الوحي نوع تكليم إلهي تتوقف عليه النبوة، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ[٦].[٧].[٨]

أقسام النبوة

لا يخفى أن النبوة تُدرَس في المنهج الكلامي على قسمين:

القسم الأول: ويختص بدراسة النبوة العامة، ومسائلها بشكل عام من دون تخصيصه بنبي معين، من قبيل البحث عن الحاجة إلى بعثة الأنبياء، وطرق معرفتهم، ووجوب عصمتهم، ولا بد أن يكون النبيّ مؤيداً بمعجزة، مسدداً بالبيّنات، ونحو ذلك من الأبحاث.
القسم الثاني: ويُبحث فيه حول النبوة الخاصة، والمراد بها نبوة نبي بخصوصه، كالبحث عن نبوة نبينا، والأبحاث التي ترتبط بالنبوة الخاصة، من قبيل البحث عمّن هو النبيّ. وما هي الظروف الاجتماعية والأوضاع الزمانية والمكانية في زمن بعثته؟ وما هي معجزته التي زُوّد بها؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي تنصب على نبوة نبي بعينه.[٩]

النبوة العامة

الأدلة على ضرورة إرسال الأنبياء في كلمات الإمام(ع)

الدليل الأول: إيصال الإنسان إلى كماله في الدنيا والآخرة

قال الإمام الحسین(ع) _ حكاية عن أبيه علي بن أبي طالب(ع) في شرح كلمات الأذان «أشهَدُ أنَّ مُحَمَّداً رَسولُ الله ِ» _: «أشْهَدُ أَنْ لَا حَاجَةَ لِأَحَدٍ إِلَى أَحَدٍ إِلَّا إِلَى اللهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ، المُفْتَقَرِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ، وَأَنَّهُ الغَنِيُّ عَنْ عِبَادِهِ وَالْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ، وَأَنَّهُ أَرْسَلَ مُحَمَّداً إِلَى النَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً، وَدَاعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ، وَسِرَاجاً مُنِيراً...»[١٠] . وقال(ع): «وَيَا فَارِجَ الْهَمِّ وَيَا بَاعِثَ الرُّسُلِ وَيَا صَادِقَ الْوَعْدِ»[١١]. وفي دعاء آخر: «يَا مَولايَ... أنتَ الَّذي كَفَيتَ، أنتَ الَّذي هَدَيتَ»[١٢] .

لكي يتضح الدليل على ضرورة إرسال الأنبياء من خلال كلمات الإمام الحسين(ع)، ينبغي بيان مقدّمتين:

المقدّمة الأولى: الغاية من خلق الإنسان وصوله إلى كماله

تقدّم في مباحث صفات الله تعالى أنّه حكيم، ومن الواضح أنّ الحكيم لا يصدر منه فعل من دون غاية وهدف، كما قال الإمام الحسين(ع): «وَلا كَصُنْعِهِ صُنْعُ صانِع، وَهُوَ الْجَوادُ الْواسِعُ، فَطَرَ اَجْناسَ الْبَدائِعِ، واَتْقَنَ بِحِكْمَتِهِ الصَّنائِعَ»[١٣] .

وواحدة من خصائص صنع الله تعالى، هو إيصال كلّ مخلوق وموجود إلى كماله، فلا يوجد في هذا الكون الفسيح شيء إلا وله غاية خُلق لأجلها، كما قال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى[١٤].

وهذا ما يُسمّى بالهداية العامّة، وهو قانون يشمل كلّ شيء في الكون، فنحن إذا تأمّلنا في الموجودات، نلمس ونشاهد أنّها تتكامل تدريجياً، سواء كانت هذه الموجودات ذوات حياة وشعور كأنواع الحيوان، أم أنّها ذات حياة فقط كالنبات، أو أنّها من غير ذي الحياة كالموجودات الطبيعية، فنجد أنّ جميع هذه الموجودات تسير سيراً تكوينياً معيناً وعلى مراحل مختلفة، حتى ينتهي كلّ منها إلى نهاية كماله.

ومن الواضح أنّ الإنسان غير مُستثنى عن هذا القانون الجاري في جميع الكائنات؛ حيث إنّ الإنسان يسير نحو كماله المرسوم له وهو سعادته في الدنيا والآخرة، وهذه الغاية لا تتحقق إلا بالقرب الإلهي؛ لأنّ الله تعالى محض الكمال وعين الكمال.

المقدّمة الثانية: محدودية العقل الإنساني إنّ العقل وإن كان هو الأساس في إثبات الكثير من المسائل الدينية التي للعقل فيها نظر، إلا أنّ العقل يبقى محدوداً، وليس له إحاطة كاملة بجميع نظام الوجود وعالم الغيب، وجميع مصالح الإنسان ومفاسده في هذا العالم، وطريق السعادة في النشأة الآخرة وخصوصياتها، وعلى هذا الأساس؛ فلا يستطيع العقل أن يضع القانون المجدي، ويرسم خطوطاً لتحقيق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة.

والنتيجة: بناءً على المقدّمتين السابقتين _ غاية خلق الإنسان وصوله إلى كماله، وأنّ العقل البشري محدود وغير قادر على تحقيق كمال الإنسان _ فإنّ مقتضى العناية الإلهية أن يُبيّن الطريق الموصل إلى كمال الإنسان وسعادته، وحيث إنّ كلّ إنسانٍ لا يمكنه أن يتصل بالله تعالى مباشرةً ويأخذ منه، ولم يكن لأحد مشاهدته تعالى، ولا يتيسر لأحد مشافهته، فمن الحكمة الإلهية أن يبعث الله تعالى نبياً يهدي الإنسان إلى طريقه الموصل إلى كماله، ويأخذ بيده إلى مقصده الحقيقي.

ولا يخفى أنّ هذا الدليل على بعثة الأنبياء من باب اللطف الإلهي، وإلا فلا يوجد لأيّ مخلوقٍ حقّ على الله تعالى؛ لأنّ الكلّ وما يملكون هم ملك لله تعالى[١٥].[١٦]

الدليل الثاني: إقامة العدل

قال الإمام الحسين(ع): «لعَمري، ما الإمام إلا العامل بالكتابِ، والآخذ بالقسط، والدائن بالحقّ، والحابس نفسه على ذات اللهِ»[١٧].

لكي يتضح هذا الدليل ينبغي تقديم الأُمور الآتية:

الأمر الأول: المراد من الإمام ما يشمل الأنبياء والمرسلين

الإمامة: هي قيادة البشرية بتنصيب من الله تعالى.
والإمام: هو القائد، وهو مَن يقوم بتدبير الأُمّة وسياستها والدفاع عنها، وإقامة العدالة في أوساطها.

والإمام يشترك مع النبيّ والرسول في هذه الخصوصية، فيقوم النبيّ والرسول بتدبير الأُمّة، فلا يكون نبيّ أو رسول إلا وهو إمام، نعم قد تقتضي المصلحة والحكمة الإلهية أن يبعث الله تعالى نبياً من الأنبياء لإبلاغ الخلق ما فيه مصلحتهم، ولا يكلّفه بالقيام بأعباء الأُمّة وقيادتها.

إذاً، المراد من الإمام في كلامه(ع) المتقدم: «فَلَعَمري مَا الإِمامُ إلَا العامِلُ بِالكِتابِ...». ما يشمل النبي والرسول.

الأمر الثاني: الفطرة تدفع الإنسان إلى استخدام الآخرين من الواضح أنّ الإنسان مفطور على حبّ ذاته، وحبّ كمالاته؛ لذا فالإنسان يندفع من تلقاء فطرته إلى استخدام كلّ ما يؤمّن له حاجاته وكمالاته، ولهذا لا يمكن أن يعيش الإنسان منعزلاً عن الآخرين من أبناء جنسه؛ لأنّه لا يتمكن من تكميل نقصه المادي والمعنوي، وتحقيق منافعه بمفرده، فهو بحاجة إلى الاشتراك مع بقية أفراد البشر في ممارسة الحياة، وهذا هو معنى أنّ الإنسان مدني بالطبع، أي: إنّ الإنسان بحاجة إلى أبناء جنسه، وإنّ حياته لا تتكامل، لا في الجانب المادي، ولا المعنوي، إلا من خلال العيش مع الآخرين.

الأمر الثالث: حصول التزاحم والاختلاف في تحقيق المنافع لمّا كان الإنسان مندفعاً لتحقيق النفع لنفسه، وهذه النزعة مركوزة عند كلّ أفراد البشر مما يُفضي إلى وقوع الاختلاف بين أفراد الإنسان؛ لأنّ كلّ إنسان يريد أن يجلب المنفعة الأكثر لنفسه، وهذه هي غريزة الأنانية، وهي غريزة فُطِر عليها الإنسان، ولا يمكن زوالها من النفس الإنسانية، ومن الواضح أنّ هذا التزاحم في الرغبات والمنافع يُفضي إلى حصول الاختلاف والانحراف، فيستفيد القوي من الضعيف، وينتفع الغالب من المغلوب، ويقابله الضعيف المغلوب بالحيلة والمكيدة والخدعة، فإذا قوي وغلب قابلَ ظالمه بأشدّ الانتقام، ومن الواضح أنّ هذا الاختلاف والنزاع يؤدي إلى الهرج والمرج، وتاريخ الإنسانية يشهد لهذا النحو من الاختلاف والنزاع.

النتيجة: إنّ نزعة حبّ الكمال والنفع المركوزة لدى الإنسان تؤدي إلى تزاحم الرغبات والمصالح، مما يتسبب في حصول الاختلاف بين البشر، وحصول الفساد في الحياة الاجتماعية، ومقتضى العناية الإلهية إيصال الإنسان إلى سعادته في الدنيا والآخرة، ومن الواضح أنّ سعادة الإنسان، لا سيما في دار الدنيا لا تتحقق إلا بقانون عادل، يلتقي عليه كلّ أفراد البشر؛ لأجل استقرار المجتمع بنحو ينال كلّ ذي حقٍّ حقّه، وإقامة العدل الاجتماعي الذي ينهض بمهمة إيجاد التوازن المطلوب لدوام الحياة الإنسانية، ويحقق السعادة للإنسان في الدنيا والآخرة، ومهمة تطبيق قانون العدل في دار الدنيا هي مهمة الأنبياء والرسل والأئمة، وهذا ما أشار إليه الإمام الحسين(ع) بقوله: «فَلَعَمري مَا الإِمامُ إلَا العامِلُ بِالكِتابِ، وَالآخِذُ بِالقِسطِ، وَالدّائِنُ بِالحَقِّ، وَالحابِسُ نَفسَهُ عَلى ذاتِ الله». قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ[١٨]، حيث تُصرّح الآية المباركة بأنّ الوظيفة الأولى للأنبياء هي بيان الأحكام: (وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ)، بمعنى زوّدناهم بتشريعات شاملة، وبيان الأحكام؛ لأجل إقامة العدل: (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)، ومن الواضح أنّ إقامة القسط والعدل لا تتحقق إلا من خلال إقامة حكومة قوية؛ لكي يتمكن الأنبياء من خلالها من إقامة العدالة الاجتماعية، لذا تقول الآية المباركة: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ[١٩]، والحاكم والمنفّذ هو النبيّ، أو الرسول، أو الإمام، وهذا يكشف عن ضرورة إرسال الأنبياء من قِبل الله تعالى[٢٠] .

إن قيل: إنّ العقل قادرٌ على إيجاد قوانين اجتماعية عادلة، مضافاً إلى أنّ العقل يدعو إلى اتباع الحقّ والفضيلة، ونبذ الشرّ والفساد، وهذا يعني إمكان الاكتفاء بالعقل والاستغناء به عن النبوة.

والجواب: إنّ العقل الإنساني يستطيع أن يكتشف بعض القوانين الاجتماعية في دار الدنيا، كقانون الضمان الاجتماعي، وقانون الحرية والديمقراطية والمساواة، لكن هذه القوانين ليست هي الهدف الأصيل للإنسان، بل الهدف الأساس والرئيس للإنسان هو السعادة في الدنيا والآخرة التي هي القرب الإلهي، والعقل الإنساني يعجز عن اكتشاف القوانين الاجتماعية التي تكون نتائجها إيجابية في النشأة الآخرة، وذلك لجهله بنتائج وقوانين تلك النشأة، وعاجز كذلك عن إيجاد الروابط التكوينية بين الأعمال في دار الدنيا والجزاء في دار الآخرة، والسبب في عجز العقل الإنساني عن اكتشاف القوانين التي تسعد الإنسان في الحياة الدنيا والآخرة هو أنّ قوانين الآخرة وربطها بقوانين الدنيا هي غيب من الغيوب، وليس للعقل البشري مجال للحديث عن الغيب، ليحكم فيها أو يتنبأ عنها؛ لأنّ الغيب خارج عن مساحة وحدود العقل البشري.

وبهذا يتضح أنّ العقل البشري عاجزٌ عن اكتشاف القوانين الاجتماعية _ التي تضع الدنيا بما توافق الكمال الأخروي والقرب الإلهي _ إلا من خلال الدين والنبوة. فالنبوة حالة إلهية تهدي الإنسان إلى حياة إنسانية، وتوصله إلى كماله الذي خُلق لأجله.

إشكالية (استقرار المجتمعات كاشفة عن الاستغناء عن دور النبوة) وحاصل هذه الإشكالية: إننا حتى لو سلمنا عدم قدرة العقل البشري على حل الاختلاف بين أفراد المجتمع، لكنَّ هذا الاختلاف والتفاعل بين أفراد المجتمع يؤدي بهم في نهاية الأمر إلى إيجاد مجتمع صالح، مناسب لمحيط الحياة الاجتماعية، ويضمن سعادة المجتمع، ومما يشهد لذلك هو ما نلمسه واضحاً في كثير من المجتمعات الإنسانية، لا سيما المعاصرة منها كما في بعض الدول التي وصلت إلى سعادة مجتمعاتها وصلاحها.

وحاصل الإجابة: إن ميل الطبيعة الإنسانية إلى الكمال والسعادة، هو أمر مما لا خلاف ولا شك فيه، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المجتمع الصالح الذي تدعو إليه هذه الطبيعة الإنسانية، لكن الأمر الذي ينبغي الالتفات إليه هو أن هذه المجتمعات سواء المنقرضة أو المعاصرة، تتوجه صوب السعادة والكمال الجسمي المادي، وليس إلى الكمال الحقيقي للإنسان، وهو القرب الإلهي الذي من خلاله يتحقق الكمال والسعادة في الحياة الدنيا والآخرة، ومن الواضح أن الكمال الجسماني ليس هو الكمال والسعادة الحقيقية للإنسان.

وعلى هذا الأساس؛ لا بد أن يكون قانون العدل الإلهي هو الجهة الإلهية التي اقتضت حكمتها إرسال الأنبياء؛ لإرشاد الناس إلى كمالهم الذي خُلقوا لأجله، وإقامة العدالة الاجتماعية في دار الدنيا.[٢١]

اصطفاء الأنبياء في كلمات الإمام الحسين (ع)

قال الإمام الحسين (ع): «إنَّ الله َ اصطَفى مُحَمَّداً (ص) عَلى خَلقِهِ، وَأكرَمَهُ بِنُبُوَّتِهِ، واختارَهُ لِرِسالَتِهِ»[٢٢]. وقرأ (ع) قوله تعالى - حينما برز على الأكبر إلى الميدان[٢٣] -: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[٢٤].

قال الفراهيدي: «الصفو نقيض الكدر، وصفوه كل شيء خالصه وخيرته... والاصطفاء: الاختيار، افتعال من الصفوة، ومنه النبي المصطفى، والأنبياء المصطفون»[٢٥].

وقال الراغب في المفردات: «الاصطفاء: تناول صفو الشيء، كما أن الاختيار: تناول خيرته... واصطفاء الله بعض عباده قد يكون بإيجاده تعالى إياه صافيا عن الشوب الموجود في غيره... قال تعالى: ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ[٢٦]، والصفي والصفية: ما يصطفيه الرئيس لنفسه»[٢٧].

التعريف اللغوي

فالمعنى اللغوي للاصطفاء يتضمن المعاني الآتية:

  1. خلوص وصفاء المصطفين من كل شائبة وكدر، فيكون المصطفى في أعلى رتبة من النزاهة والكمال ذهنيا وسلوكيا.
  2. إن الاصطفاء قريب من معنى الاختيار، والفرق بينهما هو أن الاختيار: أخذ الشيء من بين الأشياء، بما أن ذلك الشيء هو خيرها. أما الاصطفاء: فهو أخذ الشيء من بين الأشياء، بما أنه صفوته وخالصته.
  3. إن الاصطفاء ملازم لمعنى الامتياز والتقدم على الآخرين؛ ليكون المصطفى أُنموذجاً وقدوةً يُقتفى ويُهتدى به في طريق الخير والصلاح.

التعريف الاصطلاحي

أما الاصطفاء في الاصطلاح:

فهو عين المعنى اللغوي، وهو اختيار الأفضل، وقد حظي مفهوم الاصطفاء بعناية فائقة في النصوص القرآنية في موارد عديدة، لتسجل حقيقة قرآنية مهمة، وهي أن الله تعالى قد اصطفى واختار أفراداً من خلقه وعباده، وهذه الحقيقة القرآنية يعكس مضمونها عدة من الآيات القرآنية، منها: الآية التي ذكرناها في بداية البحث والتي قرأها الإمام الحسين (ع)، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ[٢٨]،﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[٢٩]

فالإمام (ع) حينما قرأ هذه الآية يريد أن يشير إلى حقيقة، وهي أن الله تعالى قد اصطفى بعضاً من ذرية إبراهيم (ع) لا جميع ذريته، ولا جميع ذرية بني إسرائيل كذلك، وإن كان الله عز وجل قد فضل بني إسرائيل على العالمين، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ[٣٠]، لكنَّ تفضيلهم على العالمين من جهة لا ينافي تفضيل غيرهم عليهم من جهات أخرى. فإن الله تعالى يصطفي أنبياءه وأولياءه، ويوفر لهم ما يحتاجونه في كل مواقع المسؤولية في الحياة، سواء في النبوة أم في الإمامة، وهذا ما يمكن استيحاؤه من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً...[٣١].[٣٢]

فلسفة الاصطفاء

قال الإمام الحسين (ع): «إنَّ الله َ اصطَفى مُحَمَّداً صَلّى الله ُعليهِ وَآلهِ عَلى خَلقِهِ، وأكرَمَهُ بِنُبُوَّتِهِ، واختارَهُ لِرِسالَتِهِ»[٣٣].

انطلاقاً من قول الإمام الحسين (ع) المتقدم، يتضح أن الاصطفاء الإلهي ليس غاية في ذاته، بل يُنبئ عن إرادة ربانية في اختيار الأمثل من البشر؛ لأجل حمل مسؤولية الرسالات الإلهية، وهذا ما يشير إليه قوله (ع) آنف الذكر، فيختار الله عز وجل أنبياءه ورسله، لما يجده فيهم من مقومات عظيمة ومؤهلات عالية، ولما يراه مناسباً لقومهم، وملائماً لعصرهم وزمانهم، فهو تعالى الذي يختار ويجتبي صفوته من خلقه، فيستخلصهم لنفسه، ويولي عنايته الخاصة بهم وينقيهم من كل شوب ودنس وكدرة؛ كل ذلك لأجل النهوض بأعباء ومسؤوليات النبوة والإمامة.

ثم إن هناك أسباباً ومناشئ لهذا النحو من الاصطفاء، أصولها العلم، والعدل، والحكمة، فإن الله تعالى لو علم باستعداد إنسان لكمالات معينة، فإنه تعالى بمقتضى حكمته وعدله سوف يهيئ له ما يوصله إلى ما استعد له.

وعلى هذا الضوء؛ لما علم[٣٤] الله تعالى منذ الأزل باستعداد هذه المجموعة من البشر _ وهم الأنبياء والأوصياء _ لتحمل مقامات الرسالة والولاية، فإن الله تعالى قد اصطفاهم واختارهم، وهيأ لهم ما يمكنهم من وصولهم إلى ما استعدوا له.[٣٥]

عصمة الأنبیاء في کلمات الإمام الحسین(علیه السّلام)

قال الإمام الحسين(ع): «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى مُحَمَّداً (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) عَلَى خَلْقِهِ، وَأَكْرَمَهُ بِنُبُوَّتِهِ، وَاخْتَارَهُ لِرِسَالَتِهِ»[٣٦].

وقرأ الإمام الحسين(ع) قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[٣٧][٣٨].[٣٩]

التعريف اللغوي

ولكي يتضح معنى العصمة في كلمات الإمام(ع) ينبغي بيان المراد من العصمة أولا؛ فالعصمة في لغة العرب بمعنى المنع»[٤٠]. عصم، يعصم من باب ضرب: حفظ ووقى[٤١]، والعاصم: المانع الحامي[٤٢].[٤٣]

التعريف الاصطلاحي

وأما العصمة اصطلاحا: «فهي لطف يفعله الله تعالى بالمكلف، بحيث تمنع منه وقوع المعصية، وترك الطاعة، مع قدرته عليهما»[٤٤].

وعرفت العصمة بتعريف آخر: بأنها ملكة نفسانية لا يصدر عن صاحبها معها المعاصي، وهذا هو كلام علماء الإمامية في تعريف العصمة باختصار.

ولا نريد الخوض في أدلة العصمة وتفاصيلها إلا بقدر ما أشار إليه الإمام الحسين(ع)، فقد ذكر أن الله تعالى قد اصطفى الأنبياء كما تقدم، ومن الواضح أن الاصطفاء يتضمن في أحشائه العصمة لمن يصطفيه، فكل من يصطفيه الله تعالى فهو معصوم؛ حيث تقدم أن معنى الاصطفاء هو خلوص الشيء من الشوب، وأنه الخالص من كل شيء، والنقاء من الكدورة، ومن جميع الصفات الذميمة، ومن كل دنس، ومن الواضح أن هذه المعاني تعني العصمة، فالمصطفون معصومون منزهون من القبائح؛ لأن الله تعالى استخلصهم ونقاهم وصفاهم من كل دنس وشوب، ومن عليهم بالخصال الحميدة السامية، والخصائص الروحانية والجسدانية، والعلوم النافعة والكمالات المتنوعة، وطهرهم، وألزمهم بما اختصهم به من العناية الخاصة، واختارهم لدينه، وهذا هو معنى العصمة، وبعد أن كرمهم وطهرهم ومن عليهم بما خصهم من الحفظ والعناية الخاصة جعلهم أنبياء ورسلا وخلفاء في أرضه، فاصطفاهم لدينه واختارهم وبعثهم لهداية خلقه.[٤٥]

النبوة الخاصة في كلمات الإمام الحسين (عليه السلام)

قال الإمام الحسين(ع): «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى مُحَمَّدًا(صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) عَلَى خَلْقِهِ، وَأَكْرَمَهُ بِنُبُوَّتِهِ، وَاخْتَارَهُ لِرِسَالَتِهِ»[٤٦].

يقع البحث حول النبوة الخاصة، وهي نبوة نبينا(ص) في كلمات الإمام الحسين(ع)، وكانت ولادة النبي(ص) في سنة (٥٧٠م) في بيت جده عبد المطلب، الذي كان معروفاً بالكرم والجود، والسخاء والعفاف.

وقد نشأ(ص) يتيم الأبوين، بكفالة جده عبد المطلب، وبعد مضي ثمان سنوات من عمر النبي(ص)، توفي جده عبد المطلب، وحينئذ تكفله عمه أبو طالب(ع)، واعتنى به أشد اعتناء.

وقد كان(ص) منذ نعومة أظفاره هادئ الطباع، كثير التأمل والتفكير والتدبر فيما تناله حواسه من مظاهر الإبداع في الطبيعة، وما فيها من آيات العظمة، وفيما يراه من ظلم وجور وفساد قومه.

وفي سنة (٦٠٩م) بعث الله تعالى نبينا بعد قرون ستة من بعثة النبي عيسى(ع) إلى بني إسرائيل، وكان موضع بعثته(ص) في شبه الجزيرة العربية في مكة المكرمة، فجاء إلى قومه ليخبرهم بما أوحى الله تعالى إليه، وبما جاء به من شريعة لهدايتهم وصلاحهم، وتحقيق سعادتهم في الدنيا والآخرة، لكن المؤسف أن الناس لم يؤمنوا إلا قليلاً، بل أخذ قومه بإيذائه وعناده ومحاصرته، وكادوا أن يقتلوه إلا أن الله تعالى حفظه من كيدهم، فهاجر إلى المدينة واستقر فيها، ونشر الرسالة الإسلامية بين الناس، وقام أيضا بإرسال الوفود إلى القبائل العربية، والدول المجاورة للجزيرة العربية؛ ليدعوهم إلى الدخول في الإسلام.[٤٧]

الأدلة على بعثة النبي

الدليل الأول: بشائر العهدين بالنبي(ص)

روى الإمام الحسين(ع) عن جده(ص)، أنه قال: «إِنَّ أَوَّلَ مَا فِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوبٌ (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ)... ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ[٤٨]، ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ[٤٩]»[٥٠].

لا يخفى أن (التوراة والإنجيل) الموجودين حالياً بأيدي اليهود والنصارى، ليستا من الكتب السماوية المنزلة على النبيين الإلهيين العظيمين (موسى، وعيسى)(عليهما السلام)؛ لأنهما من الكتب التي ألفت وجمعت من قبل بعض أصحابهم، أو ممن جاء بعدهم.

والإنسان يكتشف هذه الحقيقة بمجرد الاطلاع الإجمالي على هذين الكتابين، بالإضافة إلى أن اليهود والمسيحيين أنفسهم لا ينكرون ذلك، بل يقرون به؛ وعلى هذا الأساس لا يمكن اعتبار صحة وقبول جميع ما ورد في العهد القديم (التوراة، والكتب الأخرى المتعلقة به)، وكذلك العهد الجديد (الإنجيل وما يرتبط به)، كما لا يمكن رفض وإنكار جميع ما ورد فيها أيضا، والموقف المناسب مما ورد فيهما هو اعتبار ما جاء فيهما من التعاليم خليطاً من تعاليم النبيين (موسى، وعيسى)(عليهما السلام)، وأفكار أتباعهما الآخرين.

وعلى كل حال، فقد وجدت عبارات متعددة تفصح عن البشارة بظهور رجل عظيم، لا تنطبق أوصافه وعلاماته إلا على نبي الإسلام الكريم(ص).

ويصرح القرآن الكريم بأن أهل الكتاب كانوا يعرفون النبي(ص) كما يعرفون أبناءهم، ويصرح أيضاً بأن اليهود يجدون اسم النبي(ص) مكتوباً عندهم في التوراة، وقد آمن كثير من اليهود والنصارى بنبوة النبي الخاتم في حياته وبعد مماته؛ لصراحة التباشير الواردة في العهدين.

ويؤكد القرآن الكريم أيضاً على أن أهل الكتاب كانوا ينتظرون النبي(ص): ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ[٥١]

وفي آية أخرى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ[٥٢]. ولكن الأحبار والرهبان أخفوا ذلك وأنكروه؛ لمصالح شخصية، أو لغير ذلك، مما وجدوا فيه مبرراً للإقدام على خداع أنفسهم، وخداع غيرهم[٥٣].

ولا يخفى أن الاعتماد على هذا الطريق، وهو بشائر العهدين بالنبي(ص) للاستدلال على نبوة نبينا(ص) في عصرنا هذا، يتوقف على جمع البشائر الواردة في العهدين وضمها إلى بعضها، حتى يخرج الإنسان بنتيجة قطعية على أن المراد من النبي المبشر به فيهما هو النبي الخاتم. وقد قام بهذا المجهود لفيف من العلماء وألفوا فيه كتباً.[٥٤]

الدليل الثاني: المعجزة

روى الإمام الحسين عن أبيه(عليهما السلام) بأن النبي(ص)، أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسيرة شهر، وعرج به في ملكوت السماوات مسيرة خمسين ألف عام، في أقل من ثلث ليلة، حتى انتهى إلى ساق العرش، فدنا بالعلم فتدلى من الجنة رفرف أخضر، وغشي النور بصره، فرأى عظمة ربه عز وجل بفؤاده، ولم يرها بعينه، فكان قاب قوسين بينه وبينها أو أدنى، فأوحى الله إلى عبده ما أوحى، وكان فيما أوحى إليه، الآية التي في سورة البقرة قوله: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[٥٥].

لا يخفى أن مدعي النبوة لا تقبل دعوته إلا بعد أن يعززها بالأدلة، والبينة الدالة على نبوته، وتقدم أن من دلائل نبوة نبينا(ص) هو بشارة العهدين. والدليل الثاني: وهو الأهم هو المعجزة.

والمعجزة: هي آية خارقة للعادة، لم يعهد مثلها ولا يمكن أن يغلب عليها شيء، وهي وإن كانت غير معهودة، لكنها لا تكون غير معقولة، بأن لا تكون لها علة، بل لها علة إلا أن علتها غير قابلة للاطلاع عليها ومعرفتها، بخلاف السحر والطلسم والشعبذة، الذي هو وإن كان خارقاً للعادة لكنه قابل للتعليم والتعلم.

وطريق المعجزة[٥٦] هو طريق إلهي وهو من العلوم اللدنية، أي: من لدن الله تعالى، ولا طريق فيها للتعلم والتعليم، وإنما هي كشف يفيضه الله تعالى لأوليائه، ولا يمكن أن يغلب بالأقوى منه عند التحدي[٥٧].[٥٨]

أقسام المعجزات

يمكن تقسيم المعجزات التي صدرت عن النبيّ(ص) على قسمين:

القسم الأول: المعجزات الحسية

  1. إسراء النبيّ(ص) ومعراجه: وهي الرواية التي ذكرناها آنفاً التي تبيّن أنّ النبيّ(ص)، أُسري به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وكما يقول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[٥٩]. ومعنى هذه المعجزة هو أنّ هذه المسافة الشاسعة وهي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهي مسيرة أربعين ليلة، قطعها النبيّ(ص) في زمن قصير جداً وهو بعض من الليل، ولذلك جاء الليل بصورة نكرة في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً[٦٠] للدلالة على تقليل مدة الإسراء، أي: بعض الليل، فالنبيّ(ص) قطع هذه المسافة الطويلة في زمن قصير جداً، وفي ظرف لم تتوفر فيه وسائل النقل السريعة. وقد كان القصد من هذا السفر الليلي الإعجازي؛ ليريه الله تعالى من آياته، كما يُشير إليه قوله تعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا[٦١] وهو بيان غاية الإسراء، وهي إراءته بعض الآيات الإلهية. والمشهور بين الأعلام أنّ رسول الله(ص) حينما كان في مكة، أسري به الله تبارك وتعالى بقدرته من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ومن المسجد الأقصى صعد به إلى السماء (المعراج)؛ لأجل إراءته آثار العظمة الربانية، وآيات الله الكبرى في فضاء السماوات، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً[٦٢]، ثمّ عاد(ص) في نفس الليلة إلى مكة المكرمة. والمشهور كذلك أنّ سفر النبيّ(ص) في الإسراء والمعراج، قد تمّ بجسم رسول الله(ص) وروحه معاً. ولا نريد الخوض في تفاصيل الإسراء والمعراج إلا بمقدار ما أشار إليه الإمام الحسين(ع)، وأنّه من المعجزات التي حصلت للنبيّ(ص).
  2. النور الذي كان مع النبيّ(ص): روى الإمام الحسين(ع) أنّ يهودياً سأل أباه(ع)، فقال: إنّ موسى قد أُعطِيَ اليد البيضاء، فهل فُعل بمحمد(ص) شيءٌ من ذلك؟ فأجابه(ع): «لَقَدْ كَانَ كَذَلِكَ وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ أُعْطِيَ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا إِنَّ نُوراً كَانَ يُضِيءُ عَنْ يَمِينِهِ حَيْثُمَا جَلَسَ وَ عَنْ يَسَارِهِ أَيْنَمَا جَلَسَ وَكَانَ يَرَاهُ اَلنَّاسُ كُلُّهُمْ»[٦٣] . ومن الواضح أنّ هذا الأمر من الأمور الخارقة للعادة، وهي من كراماته التي مَنَّ الله تعالى بها عليه.
  3. عبوره(ص) وأصحابه من الوادي العميق: وفي الرواية ذاتها أنّ اليهودي سأل أمير المؤمنين(ع) بأنّ موسى قد ضُرب له طريق في البحر، فهل فُعل بمحمد شيءٌ من هذا؟ قال له علي(ع): «لَقَدْ كَانَ كَذَلِكَ وَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أُعْطِيَ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا خَرَجْنَا مَعَهُ إِلَى حُنَيْنٍ فَإِذَا نَحْنُ بِوَادٍ يَشْخُبُ فَقَدَّرْنَاهُ فَإِذَا هُوَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ قَامَةً فَقَالُوا يَا رَسُولَ اَللهِ اَلْعَدُوُّ مِنْ وَرَائِنَا وَ اَلْوَادِي أَمَامَنَا كَمَا قٰالَ أَصْحٰابُ مُوسىٰ ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ[٦٤]، فَنَزَلَ رَسُولُ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ثُمَّ قَالَ اَللهُمَّ إِنَّكَ جَعَلْتَ لِكُلِّ مُرْسَلٍ دَلاَلَةً فَأَرِنِي قُدْرَتَكَ وَ رَكِبَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَعَبَرَتِ اَلْخَيْلُ لاَ تَنْدَى حَوَافِرُهَا وَ اَلْإِبِلُ لاَ تَنْدَى أَخْفَافُهَا فَرَجَعْنَا فَكَانَ فَتْحُنَا فَتْحاً»[٦٥] . ومن الواضح أنّ عبور النبي وأصحابه هذا الوادي العميق الذي يصل إلى أربعة عشر قامة، يعدُّ من معجزات النبي(ص).
  4. نبوع الماء بين أصابعه: في تلك الرواية أيضاً سأل اليهودي أمير المؤمنين(ع)، بأنّ موسى(ع) قد أُعطي الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً. قال علي(ع): «لَقَدْ كَانَ كَذَلِكَ وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لَمَّا نَزَلَ اَلْحُدَيْبِيَةَ وَحَاصَرَهُ أَهْلُ مَكَّةَ قَدْ أُعْطِيَ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ وَذَلِكَ أَنَّ أَصْحَابَهُ شَكَوْا إِلَيْهِ اَلظَّمَأَ وَأَصَابَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى اِلْتَفَّتْ خَوَاصِرُ اَلْخَيْلِ فَذَكَرُوا لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ذَلِكَ فَدَعَا بِرَكْوَةٍ يَمَانِيَّةٍ ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ اَلْمُبَارَكَةَ فِيهَا فَتَفَجَّرَتْ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ عُيُونُ اَلْمَاءِ فَصَدَرْنَا وَصَدَرَتِ اَلْخَيْلُ رِوَاءً وَ مَلَأْنَا كُلَّ مَزَادَةٍ وَسِقَاءٍ وَلَقَدْ كُنَّا مَعَهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَإِذَا ثَمَّ قَلِيبٌ جَافَّةٌ فَأَخْرَجَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ سَهْماً مِنْ كِنَانَتِهِ فَنَاوَلَهُ اَلْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ فَقَالَ لَهُ اِذْهَبْ بِهَذَا اَلسَّهْمِ إِلَى تِلْكَ اَلْقَلِيبِ اَلْجَافَّةِ فَاغْرِسْهُ فِيهَا فَفَعَلَ ذَلِكَ فَتَفَجَّرَتْ مِنْهُ اِثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً مِنْ تَحْتِ اَلسَّهْمِ وَلَقَدْ كَانَ يَوْمُ اَلْمِيضَاةِ[٦٦] عبرة وعلامة للمنكرين لنبوته، كحجر موسى، حيث دعا بالميضأة، فنصب يده فيها، فغاضت بالماء وارتفع حتى توضأ منه ثمانية آلاف رجل، فشربوا حاجتهم، وسقوا دوابهم، وحملوا ما أرادوا»[٦٧].
  5. هلاك المنكرين له: أيضاً سأل ذلك اليهودي علياً(ع)، قائلاً: لقد انتقم الله عزو جلّ لموسى من فرعون؟ فقال(ع): «لَقَدْ كَانَ كَذَلِكَ وَ لَقَدِ اِنْتَقَمَ اَللهُ جَلَّ اِسْمُهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ مِنَ اَلْفَرَاعِنَةِ فَأَمَّا اَلْمُسْتَهْزِءُونَ فَقَدْ قَالَ اَللهُ تَعَالَى ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ[٦٨] فَقَتَلَ اَللهُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِغَيْرِ قِتْلَةِ صَاحِبِهِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَأَمَّا اَلْوَلِيدُ بْنُ اَلْمُغِيرَةِ فَمَرَّ بِنَبْلٍ لِرَجُلٍ مِنْ خُزَاعَةَ قَدْ رَاشَهُ[٦٩] وَ وَضَعَهُ فِي اَلطَّرِيقِ فَأَصَابَهُ شَظِيَّةٌ[٧٠] مِنْهُ، فَانْقَطَعَ أَكْحَلُهُ حَتَّى أَدْمَاهُ فَمَاتَ وَ هُوَ يَقُولُ قَتَلَنِي رَبُّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ أَمَّا اَلْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ فَإِنَّهُ خَرَجَ فِي حَاجَةٍ لَهُ إِلَى مَوْضِعٍ فَتَدَهْدَهَ[٧١] تَحْتَهُ حَجَرٌ فَسَقَطَ فَتَقَطَّعَ قِطْعَةً قِطْعَةً فَمَاتَ وَهُوَ يَقُولُ قَتَلَنِي رَبُّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَأَمَّا اَلْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ فَإِنَّهُ خَرَجَ يَسْتَقْبِلُ اِبْنَهُ زَمْعَةَ فَاسْتَظَلَّ بِشَجَرَةٍ فَأَتَاهُ جَبْرَئِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَأَخَذَ رَأْسَهُ فَنَطَحَ بِهِ اَلشَّجَرَةَ فَقَالَ لِغُلاَمِهِ اِمْنَعْ عَنِّي هَذَا فَقَالَ مَا أَرَى أَحَداً يَصْنَعُ بِكَ شَيْئاً إِلاَّ نَفْسَكَ فَقَتَلَهُ وَهُوَ يَقُولُ قَتَلَنِي رَبُّ مُحَمَّدٍ وَأَمَّا اَلْأَسْوَدُ بْنُ اَلْمُطَّلِبِ فَإِنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ دَعَا عَلَيْهِ أَنْ يُعْمِيَ اَللَّهُ بَصَرَهُ وَأَنْ يُثْكِلَهُ وُلْدَهُ فَلَمَّا كَانَ فِي ذَلِكَ اَلْيَوْمِ خَرَجَ حَتَّى صَارَ إِلَى مَوْضِعٍ فَأَتَاهُ جَبْرَئِيلُ بِوَرَقَةٍ خَضْرَاءَ فَضَرَبَ بِهَا وَجْهَهُ فَعَمِيَ وَبَقِيَ حَتَّى أَثْكَلَهُ اَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وُلْدَهُ وَأَمَّا اَلْحَارِثُ بْنُ اَلطَّلاَطِلَةِ فَإِنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ فِي اَلسَّمُومِ فَتَحَوَّلَ حَبَشِيّاً فَرَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ أَنَا اَلْحَارِثُ فَغَضِبُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَهُوَ يَقُولُ قَتَلَنِي رَبُّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ. وَرُوِيَ أَنَّ اَلْأَسْوَدَ بْنَ اَلْحَارِثِ أَكَلَ حُوتاً مَالِحاً فَأَصَابَهُ اَلْعَطَشُ فَلَمْ يَزَلْ يَشْرَبُ اَلْمَاءَ حَتَّى اِنْشَقَّ بَطْنُهُ فَمَاتَ وَهُوَ يَقُولُ قَتَلَنِي رَبُّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ»[٧٢].
  6. إطاعة الصخور له: روى الحسين عن أبيه(عليهما السلام)، قال: «إِنَّهُ لَيَّنَ اَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ اَلصُّمَّ اَلصُّخُورَ اَلصِّلاَبَ وَجَعَلَهَا غَاراً وَلَقَدْ غَارَتِ اَلصَّخْرَةُ تَحْتَ يَدِهِ بِبَيْتِ اَلْمَقْدِسِ لِينَةً حَتَّى صَارَتْ كَهَيْئَةِ اَلْعَجِينِ قَدْ رَأَيْنَا ذَلِكَ وَاِلْتَمَسْنَاهُ تَحْتَ رَايَتِهِ»[٧٣].

إلى غير ذلك من المعجزات التي نقلتها الروايات المتواترة من قبيل انشقاق القمر[٧٤]، وحنين الجذع[٧٥]، وكلام البهائم، وسجود الشجر[٧٦]، ونطق الحجر والمدر، وتسبيح الحصى في كفه[٧٧]، وإشباع الخلق الكثير من طعام قليل[٧٨]، والإخبار بالمغيبات، وإحياء الموتى، وغير ذلك حتى نقلوا له ألف معجزة، بل قال صاحب البحار: «إن للمصطفى(ص) ألف معجزة، أو ألفي معجزة، بل يزيد ذلك عند الإحصاء على الألوف»[٧٩].[٨٠]

القسم الثاني: المعجزات التي لا تُدرك إلا بالعقل قال الحسين(ع): «كِتَابُ اَللَّهِ، فِيهِ تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ، لاٰ يَأْتِيهِ اَلْبٰاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاٰ مِنْ خَلْفِهِ»[٨١].

المعجزات التي لا تُدرك إلا بالعقل، هي التي لا يمكن الاطلاع عليها من خلال أدوات الحس، فلا يمكن رؤيتها عياناً، من قبيل الإخبار بالغيب، أو الإتيان بعلوم حقيقية من غير تعلّم، والصفة التي تتميز بها هذه المعجزات، هي أن تكون دائمة لكل زمان، فالمعاصرون لها وغير المعاصرين يمكن أن يطلعوا على جهة إعجازها من خلال العقل.

ومعجزة الرسالة المحمدية، وهي القرآن الكريم من هذا القسم، وقد ذكر الإمام الحسين(ع) أنّ من جهات إعجاز القرآن هو كونه مُصاناً من الانحراف، وأنّ أيدي الشرك والنفاق والكفر والعناد غير قادرة على النيل منه، فـ: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ[٨٢] سواء كان بالإتيان بمثله[٨٣]، أو تحريفه وتزويره[٨٤]، فعلى الرغم مما حظي به المشركون في بداية الدعوة، من مؤهلات استثنائية رفيعة في مجال الفصاحة والبلاغة، فإنّ القرآن الكريم قد تحداهم في مضمار قوتهم هذه، وقد كانت بداية التحدي بطرح فكرة الإتيان بمثل القرآن من دون أن يحدد عدد السور والآيات، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً[٨٥]، ثمّ بدأ عملية تدريجية للتحدي، فألقى عليهم فكرة الإتيان بعشر سور مثله مفترَيات، مهما كان حجم السور وبساطتها، كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ[٨٦]، ثمّ تحداهم بأن يأتوا بسورة واحدة مثل سور القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ[٨٧].

وعلى هذا الأساس؛ نجد أنّ الله تعالى لم يترك لهم عذراً فيما إذا أرادوا أن يتلمسوا الأعذار، ولا نريد التوسع في هذه النقطة، لكنّ الشيء الذي نتوخى الإشارة إليه هو أنّ الإمام الحسين(ع) أشار في كلمته السابقة إلى أنّ تحدي القرآن الكريم يبقى مستمراً وخالداً بخلود القرآن الكريم، مهما امتدّ الزمان، ولمختلف طبقات الناس، وهذا هو معنى كونه معجزة خالدة.

ولا يخفى أنّ هذه المعجزة _ وهي القرآن الكريم الذي يتحدى جميع البشر في الإتيان بمثله، وأنه مصان من الانحراف _ هي من المعجزات التي اختصت بها الرسالة المحمدية، بخلاف باقي الشرائع التي تعرضت كُتبها إلى الانحراف، مما جعلها غير قادرة على حفظ الميراث العلمي لتلك الشرائع، كما هو واضح. وتتميز معجزة القرآن الكريم بكونها معجزة فكرية عقلية، بخلاف معجزات الأنبياء السابقين الذين كانت معجزاتهم حسية محدودة في الناس المعاصرين لها.

ولا يخفى أنّ السبب في كون معجزات الأنبياء السابقين هي معجزات حسية منحصرة بالناس الذين عاصروها، هو عدم بلوغ البشرية آنذاك إلى مرحلة الرشد الإنساني، والقدرة الفكرية، التي تمكنهم من استيعاب هذا النوع من المعجزات الفكرية كالقرآن الكريم، كما هو واضح بالنسبة لبني إسرائيل الذين كانوا يعيشون حالة الحس والاستئناس بالمحسوسات أكثر من حالة الفكر والعقل، وهذا ما نلمسه واضحاً فيما يذكره القرآن الكريم من مطالب بني إسرائيل للنبي موسى(ع) بالمعجزات الحسية، كما في قوله تعالى: ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً[٨٨]، أو ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً[٨٩]، وغيرها من الشواهد التي تكشف عن استئناسهم وتأثرهم بالمحسوسات أكثر من الأمور الفكرية والعقلية، بل نجد هذا الصنف من المعجزات الحسية في بعض ما جاء به نبينا(ص)، فعلى الرغم من إتيانه بالمعجزة الفكرية، وهي القرآن الكريم، إلا أنه كانت لديه معجزات حسية، لتأثيرها في بعض الناس.

فالمعجزة الفكرية التي تمثلت بالقرآن الكريم، لها القابلية على الاستمرار والبقاء على مدى العصور والأزمان، وكلما ارتفع الإنسان من الناحية الفكرية يلمس عظمته بشكل أكثر[٩٠] .

ومن جهات الإعجاز الأخرى هي كونه تفصيل لكل شيء، كما قال الإمام(ع): «كتابِ اللهِ تبارك وتعالى، فِيهِ تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ»[٩١]، ووجه الإعجاز في ذلك، هو أن القرآن الكريم يحتوي على جميع ما تحتاجه البشرية في حاضرها ومستقبلها، من أمور دينها ودنيها، من الأحكام والأوامر العلمية والعملية.

نعم، القرآن الكريم يقتصر على بيان القواعد الكلية، من دون الدخول في الجزئيات والتفاصيل؛ حيث أحال التفاصيل التي لم ترد في القرآن الكريم إلى السنة النبوية، وإلى

الأئمة الأطهار(ع)، كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا[٩٢]، فشمولية القرآن الكريم لا تعني بالضرورة بيان تفاصيل كل مسألة، فحينما نأتي إلى الفرائض مثلاً _ كالصلاة، والصيام، ونحوها من العبادات _ فلا نجد تعرض القرآن الكريم إلى تفاصيلها وجزئياتها من عدد ركعاتها، أو تفصيلات أحكام الصوم، والحج، والزكاة...[٩٣]

خاتمية الرسالة المحمدية في كلمات الإمام الحسين (عليه السلام)

قال الإمام الحسين(ع) في دعاء عرفة: «وَصَلَّى الله ُ عَلى خِيَرَتِهِ مِن خَلقِهِ مُحَمَّدٍ خاتَمِ النَّبِيّينَ، وآلِهِ الطّاهِرينَ المُخلَصينَ». وروي الإمام الحسين، عن أبيه، عن جده أنه قال: «أنَا خاتَمُ النَّبِيّينَ، ولكِن يَكونُ بَعدي أئِمَّةٌ مِن ذُرِّيَّتي، قَوّامونَ بِالقِسطِ...»[٩٤] . أشار الإمام الحسين(ع) إلى أن النبي محمد(ص) هو خاتم النبيين، فلا نبي بعده وبه تُختم الشرائع والرسل.

ومعنى الخاتم (بفتح التاء) في لغة العرب: هو الشيء الذي تُزيَّن به الأصابع، وقد سُمي بالخاتم؛ لأن الرسائل كانت تختم به، أو كان يُطبع الختم على الشمع؛ لكي لا يُتلاعب به، فالخاتم ما تختتم به الشيء، وعلى هذا فإن معنى الخاتم في تعبير الإمام(ع) هو أن النبوة اختتمت بالنبي محمد(ص)، فلا نبي بعده.

ولقائل يقول: إن الإمام(ع) قال: «خاتَمُ النَّبِيّينَ» ولم يقل خاتم الرسل، وعلى هذا يمكن أن يبعث الله رسولاً بعد النبي(ص) لوجود فرق بين النبي والرسول؟

والجواب عن ذلك: إن النبي والرسول وإن كانا مختلفين مفهوماً، لكن النسبة بينهما هي العموم والخصوص من حيث المصداق، بمعنى أن النبي أعم من الرسول، فلا رسول إلا وهو نبي؛ لأن الرسول هو الذي يحمل رسالة من الله تعالى إلى الناس، أما النبي فهو الذي يحمل نبأ الغيب، الذي هو الدين وحقائقه، ولازم ذلك أن الرسالة ترتفع بارتفاع النبوة؛ لأن الرسالة من أنباء الغيب، فإذا انقطعت النبوة انقطعت الرسالة. وعلى هذا الأساس؛ فإن كون النبي(ص) خاتم النبيين يستلزم أن يكون خاتماً للرسل أيضاً.[٩٥]

شمولية الرسالة المحمدية وجامعيتها

لا يخفى أنَّ كلمة الإمام الحسين(ع) المتقدمة، التي أشار فيها إلى أن النبي(ص) خاتم النبيين، تُفيد أن الرسالة المحمدية هي رسالة شاملة، فعلى أساس مبدأ الخاتمية، وأن الرسول(ص) هو خاتم الأنبياء ولا نبوة بعده، فلا بد من أن تكون أحكام الرسالة الخاتمة شاملة وعامة لكل ما تحتاجه البشرية، وعلى المستويات والأبعاد الإنسانية كافة، ولا بد أن تضم بين دفتيها كل البرامج الضرورية التي تتضمن التفاصيل والجزئيات والحلول، لكل ما يتعرض له الإنسان في حياته على مر العصور والأزمان.

والسبب في ذلك هو أن النبوة الخاتمة تعني أن كل ما ينبغي للقرآن بيانه فقد بيَّنه؛ لأنه تبيان لكل شيء ولم يُفرَّط فيه بشيء، وإلا استلزم الحاجة لنبوة أخرى، وهو خلاف كون هذه النبوة هي الخاتمة، وهذه الحقيقة يُقررها الطباطبائي في تفسيره، حيث يقول: «إن الدين لا يزال يُستكمل حتى يستوعب قوانينه جهات الاحتياج في الحياة، فإذا استوعبها خُتِمَ ختماً، فلا دين بعده، وبالعكس إذا كان دين من الأديان خاتماً كان مستوعباً لرفع جميع جهات الاحتياج»[٩٦] .

ولا يخفى أن شمولية الرسالة لا تعني أن القرآن تعرض لبيان الجزئيات والتفاصيل، وإن كان هو الذي نعت نفسه بأنه: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ[٩٧]، بل القرآن الكريم اعتنى ببيان الأمور الكلية والقواعد العامة، أما بيان الجزئيات والتفاصيل التي لم ترد في القرآن الكريم، فقد كفلتها السنة النبوية؛ ولذا حينما نأتي إلى الفرائض كالصلاة، والصوم، وغيرهما من العبادات، لا نجد القرآن الكريم قد تعرض لتفاصيلها، فلا يتحدث عن عدد ركعات الصلاة وتفصيلات فروع أحكام الصوم، والحج، والزكاة، فضلاً عن الجانب المرتبط بغير العبادة، وبناءً على هذا ينهض النبي(ص) وأهل بيته الأطهار بدور أساس في بيان القرآن وتفصيله إلى الناس، لا سيما في بيان تفاصيل الأحكام ومنهج الاستنباط[٩٨].[٩٩]

أفضلية نبيّنا الأكرم (ص)

قال الإمام الحسين(ع): «وَصَلَّى الله ُ عَلى خِيَرَتِهِ مِن خَلقِهِ مُحَمَّدٍ خاتَمِ النَّبِيّينَ، وآلِهِ الطّاهِرينَ المُخلَصينَ»[١٠٠]. وروي الإمام الحسين(ع) أن النبي موسى(ع)، قال: «يَا رَبِّ لَقَدْ أَكْرَمْتَنِي بِكَرَامَةٍ لَمْ تُكْرِمْ بِهَا أَحَداً قَبْلِي فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ يَا مُوسَى أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ مُحَمَّداً عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ مَلَائِكَتِي وَجَمِيعِ خَلْقِ»[١٠١].

أشار الإمام الحسين(ع) في هذه الكلمات الشريفة إلى أفضلية نبينا(ص) على جميع الخلق، بل على سائر الأنبياء بما فيهم أنبياء أولي العزم، ويمكن أن يُستدل لذلك أيضاً بما رواه الإمام الحسين(ع) عن جده(ص)، أنه قال: «إِنَّ أَوَّلَ مَا فِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوبٌ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ... ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ[١٠٢]، ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ[١٠٣]»[١٠٤]. ومحل الشاهد في الاستدلال هو البُشرى برسول الله كما في الآية الشريفة، فإن التعبير بالبشارة لا يصدق إلا على الخبر الذي يُسَرّ المُبَشَّر، ولا تتحقق البُشرى إلا بالشيء الذي يفقده المُبَشَّر؛ وعلى هذا الأساس فإن النبي عيسى(ع) لما بشَّر بظهور الإسلام، وبمجيء نبي بعده اسمه أحمد، يكشف عن أن ما عند نبينا(ص) لو كان أقل مما عند السابقين أو مساوياً لما صدقت البُشرى.

وهذه الحقيقة يقررها الطباطبائي في ذيل قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ[١٠٥]، حيث يقول: «ومن المعلوم أن البُشرى هي الخبر الذي يسرّ المُبَشَّر ويُفرحه، ولا يكون إلا بشيء من الخير يوافيه ويعود إليه، والخير المترقب من بعثة النبي ودعوته، هو انفتاح باب من الرحمة الإلهية على الناس، فيه سعادة دنياهم وعقباهم، من عقيدةٍ حقّة، أو عملٍ صالح، أو كليهما، والبُشرى بالنبي بعد النبي، وبالدعوة الجديدة بعد حلول دعوة سابقة، واستقرارها والدعوة الإلهية واحدة، لا تبطل بمرور الدهور، وتقضي الأزمنة، واختلاف الأيام والليالي، إنما تُتصور إذا كانت الدعوة الجديدة أرقى فيما تشتمل عليه، من العقائد الحقّة، والشرائع المعدّلة لأعمال المجتمع، وأشمل لسعادة الإنسان في دنياه وعقباه. وبهذا البيان يظهر أن معنى قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي[١٠٦]، يُفيد كونه ما أتى به النبي أحمد(ص) أرقى وأكمل مما تضمنته التوراة، وبُعث به عيسى(ع)، وهو(ع) متوسط رابط بين الدعوتين»[١٠٧].

فالبشارة من النبي عيسى(ع) واضحة، في أن الرسالة المحمدية من أكمل الرسالات الإلهية السابقة، وليست أفضليتها بخصوص الفروع وبيان الشريعة، وإنما هي الأفضل على مستوى المعرفة بالأصول من التوحيد الكامل، والمعاد، والنبوة، والإمامة، ونحوها من المعارف الدينية؛ لأن هذه المعارف في الرسالات السابقة لم تكن بالنحو الذي تميزت به الرسالة المحمدية؛ ولذا كان حامل هذه الرسالة _ وهو النبي(ص) _ هو الأفضل.

ومن الجدير بالذكر أن البشارة بالنبي محمد(ص) لم تقتصر على بشارة النبي عيسى(ع)، بل إن الله تعالى أخذ ميثاقاً وعهداً شديداً من الأنبياء السابقين على التبشير بالنبي محمد(ص)، كما يُصرّح بذلك القرآن الكريم، حيث يقول تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ[١٠٨]، وهذا الارتباط بين الرسالات والنبوّات، واتصال بعضها ببعض، يكشف عن أن النبوة تسير سيراً تدريجياً نحو التكامل، الذي تمثل في أرقى مراتبه في الرسالة الخاتمة وحاملها، وهو النبي محمد الذي اجتاز جميع المراحل الكمالية، وأرقى مراتب العبودية، لا مجال فيها لمرتبة أخرى ونبي آخر. فالنبي(ص) ليس أكمل البشرية والأنبياء السابقين فحسب، بل لا يمكن أن يأتي إنسان بعده يكون أكمل منه.

وإذا كان النبي(ص) أفضل وأكمل الأنبياء، فلا شك ينتج أنه(ص) أعلم الأنبياء؛ لأن من تطبيقات الأفضلية والأكملية، هو أن يكون(ص) أعلم الأنبياء؛ لأنه لا يكون النبي أفضل ما لم يكن أعلم، هذا مضافاً إلى أن القرآن الكريم حيث إنه تبيان لكل شيء بخلاف الكتب السماوية السابقة التي لم يكن فيها تفاصيل لكثير من الأحكام، وحيث إن كتاب كل نبي يمثل الدرجة الوجودية والعلمية لكل نبي؛ لذا يكون نبينا(ص) أعلم الأنبياء.[١٠٩]

المراجع والمصادر

  1. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني

الهوامش

  1. ابن طاووس، علي بن موسى، إقبال الأعمال: ص٧٨.
  2. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص٢٣٣.
  3. الفيروز آبادي، محمد بن يعقوب، القاموس المحيط: ج١، ص٢٩.
  4. الفيومي، أحمد بن محمد، المصباح المنير: ج٢، ص٥٩٢.
  5. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص٢٣٣.
  6. سورة النساء، الآية ١٦٣.
  7. الطباطبائي، محمد حسين، تفسير الميزان: ج٢، ص١٤٢.
  8. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص٢٣٣.
  9. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص٢٣٥.
  10. الصدوق، محمد بن علي، التوحيد: ص٢٣٨. الصدوق، محمد بن علي، معاني الأخبار: ص٣٨. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج٨٤، ص٢٤. النوري، الميرزا حسين، مستدرك الوسائل: ج٤، ص٦٥.
  11. ابن طاووس، علي بن موسى، مهج الدعوات: ص١١.
  12. الكفعمي، إبراهيم، البلد الأمين: ص٢٥٥، مقطع من دعاء عرفة.
  13. الكفعمي، إبراهيم، البلد الأمين: ص٢٥٥، مقطع من دعاء عرفة.
  14. سورة طه، الآية ٥٠.
  15. هذا الدليل هو الذي ذكره الحكماء والفلاسفة، وهو مأخوذ من كلمات أهل البيت(ع)، كما أشار إليه الإمام الحسين(ع)، وكذلك ورد عن الإمام الصادق(ع)، أنّه قال للزنديق الذي سأله: من أين أثبت الأنبياء والرسل؟ قال: «إنّا لَمّا أثبَتنا أنَّ لَنا خالِقاً صانِعاً مُتَعالِياً عَنّا وعَن جَميعِ ما خَلَقَ، وكَانَ ذلِكَ الصّانِعُ حَكيماً مُتَعالِياً، لَم يَجُز أن يُشاهِدَهُ خَلقُهُ، ولا يُلامِسوهُ، فَيُباشِرَهُم ويُباشِروهُ، ويُحاجَّهُم ويُحاجّوهُ، ثَبَتَ أنَّ لَهُ سُفَراءَ في خَلقِهِ، يُعَبِّرونَ عَنهُ إلى خَلقِهِ وعِبادِهِ، ويَدُلّونَهُم عَلى مَصالِحِهِم ومَنافِعِهِم وما بِهِ بَقاؤُهُم، وفي تَركِهِ فَناؤُهُم. فَثَبَتَ الآمِرونَ وَالنّاهونَ عَنِ الحَكيمِ العَليمِ في خَلقِهِ وَالمُعَبِّرونَ عَنهُ جَلَّ وعَزَّ، وهُمُ الأَنبِياءُ (ع) وصَفوَتُهُ مِن خَلقِهِ، حُكَماءَ مُؤَدَّبينَ بِالحِكمَةِ، مَبعوثينَ بِها، غَيرَ مُشارِكينَ لِلنّاسِ ـ عَلى مُشارَكَتِهِم لَهُم فِي الخَلقِ وَالتَّركيبِ ـ في شَيءٍ مِن أحوالِهِم، مُؤَيَّدينَ مِن عِندِ الحَكيمِ العَليمِ بِالحِكمَةِ، ثُمَّ ثَبَتَ ذلِكَ في كُلِّ دَهرٍ وزَمانٍ مِمّا أتَت بِهِ الرُّسُلُ وَالأَنبِياءُ مِنَ الدَّلائِلِ وَالبَراهينِ، لِكَيلا تَخلُوَ أرضُ اللهِ مِن حُجَّةٍ يَكُونُ مَعَهُ عِلمٌ يَدُلُّ عَلى صِدقِ مَقالَتِهِ وجَوازِ عَدالَتِهِ». الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج١، ص١٦٨؛ ويمكن تقريب ذلك بمقدّمتين: المقدّمة الأولى: إنّ الله خالق الإنسان وهو الربّ القادر العالم، كما ثبت في مباحث التوحيد. المقدّمة الثانية: إنّ الإنسان غير قادر على الوصول إلى كماله في الدنيا والآخرة؛ لمحدودية عقله، فهو محتاج إلى مَن يهديه إلى كماله في الدنيا والآخرة. النتيجة: من الحكمة واللطف الإلهي أن يُرسل إليه مَن يهديه ويدلّه على منافعه ومصالحه، ويزجره عن الظلم وينهاه عن الفواحش.
  16. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص٢٣٥-٢٣٨.
  17. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج٤، ص٢٦٣.
  18. سورة الحديد، الآية ٢٥.
  19. سورة الحديد، الآية ٢٥.
  20. اُنظر: الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن: ج٢، ص١٣١.
  21. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص٢٣٨-٢٤٢.
  22. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك: ج٣، ص٢٨.
  23. انظر: ابن أعثم الكوفي، أحمد، الفتوح: ج٥، ص١٣٠.
  24. سورة آل عمران، الآية ٣٣-٣٤.
  25. الفراهيدي، الخليل بن أحمد، كتاب العين: ج٧، ص١٦٢.
  26. سورة الحج، الآية ٧٥.
  27. الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن: ص٤٨٧-٤٨٨.
  28. سورة آل عمران، الآية ٣٣.
  29. سورة آل عمران، الآية ٣٤.
  30. سورة الجاثية، الآية ١٦.
  31. سورة آل عمران، الآية ٣٣.
  32. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص٢٤٣-٢٤٤.
  33. الطبراني، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك: ج٣، ص٢٨.
  34. قد يقال: إن علم الله بالأشياء قبل خلقها ينافي اختيارية الإنسان. والجواب: لا تنافي بين علم الله تعالى بما يؤول إليه الإنسان وبين الاختيار؛ وذلك لأن العلم الإلهي تعلق بكيفية صدور الفعل عن الإنسان على النحو الاختياري بقيد الاختيار؛ لأنه لو كان صدور الفعل من الإنسان جبراً لتخلف علمه عن الواقع، فالله تعالى شاءت إرادته أن لا يوجد الفعل إلا بعد تحقق شرطه، وهو اختيار الإنسان.
  35. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص٢٤٥.
  36. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك: ج٣، ص٢٨٠. ابن نما الحلي، جعفر بن محمد، مثير الأحزان: ص٢٧. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج٤٤، ص٢٤.
  37. سورة آل عمران، الآية ٣٣-٣٤.
  38. الرازي، محمد بن أبي بكر، مختار الصحاح: ٤٣٧، مادة (عصم).
  39. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص٢٤٧.
  40. الرازي، محمد بن أبي بكر، مختار الصحاح: ٤٣٧، مادة (عصم).
  41. انظر: الفيومي، أحمد بن محمد، المصباح المنير: ص٤١٧، مادة (عصم).
  42. انظر: ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج١٢، ص٤٠٣، مادة (عصم).
  43. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني (كتاب)|أصول العقيدة في النص الحسيني، ص٢٤٧.
  44. المفيد، محمد بن محمد، النكت الاعتقادية: ج١٠، ص٣٧.
  45. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص٢٤٧-٢٤٨.
  46. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك: ج٣، ص٢٨.
  47. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص٢٤٩-٢٥٠.
  48. سورة الأعراف، الآية ١٥٧.
  49. سورة الصف، الآية ٦.
  50. لجنة الحديث في معهد الإمام الباقر(ع)، موسوعة كلمات الإمام الحسين(ع): ص٩٧، ولكن في سائر المصادر الرواية واردة عن الإمام الحسن(ع).
  51. سورة البقرة، الآية ٨٩-٩٠.
  52. سورة الصف، الآية ٦.
  53. في الرواية عن الإمام الباقر(ع)، قال: «عَرَفُوا رَسُولَ اللهِ وَالْوَصِيَّ مِنْ بَعْدِهِ، وَكَتَمُوا مَا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ بَغْيًا وَحَسَدًا...». الصفار، محمد بن الحسن، بصائر الدرجات: ص٤٦٩.
  54. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص٢٥٠-٢٥٢.
  55. سورة البقرة، الآية ٢٨٤.
  56. طرق معرفة النبي متعددة، كما أن معرفة الله تعالى متعددة أيضا، فأحد هذه الطرق هو طريق الصديقين: وهو الذي يعرف الله تعالى به من دون الافتقار إلى الوسيطة. والطريق الآخر: هو معرفته تعالى بواسطة النفس، وهو طريق من يسلك في نفسه ليصل إلى بارئه. والطريق الثالث: هو معرفته تعالى بمعرفة الموجودات الآفاقية، التي هي آيات إلهية، وهو مسلك من يسلك في غيره لينتهي إلى بارئه تعالى. وكذلك معرفة النبي، فهي تقع على وجوه بعضها أتقن من بعض، فالطريق الأول: هو معرفة النبوة بنفس النبوة، بأن يشاهد العارف ما يشاهده النبي ويسمع ما يسمعه، إلا أنه ليس بنبي، كما قال أمير المؤمنين(ع): «وَ لَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ وَ لاَ يَرَاهُ غَيْرِي وَ لَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي اَلْإِسْلاَمِ غَيْرَ رَسُولِ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ خَدِيجَةَ وَ أَنَا ثَالِثُهُمَا أَرَى نُورَ اَلْوَحْيِ وَ اَلرِّسَالَةِ وَ أَشُمُّ رِيحَ اَلنُّبُوَّةِ. وَ لَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ اَلشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ اَلْوَحْيُ عَلَيْهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اَللهِ مَا هَذِهِ اَلرَّنَّةُ فَقَالَ هَذَا اَلشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وَ تَرَى مَا أَرَى إِلاَّ أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ وَ لَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ وَ إِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ» خطبة أمير المؤمنين(ع)، نهج البلاغة: ص٣٠. والطريق الثاني: من يعرف النبوة بمشاهدة الإعجاز في نفسه، بأن يتصرف النبي المأذون من الله تعالى في نفسه، بأن يرفع حجابه ويكشف غطاؤه، حتى يسمع تسبيح الحجارة، أو يتصرف فيها بالإحياء بعد موتها زماناً إلى غير ذلك من الآيات النفسية. والطريق الثالث: من يعرف النبوة بمشاهدة الإعجاز في موجود خارجي، من التصرف في جرم سماوي كالقمر، أو أرضي كالبحر والنار والرياح... حسبما ورد في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، سورة القمر، الآية ١.
  57. إن الفرق بين المعجزة وبين غيرها من الأعمال الخارقة كالسحر والشعبذة يمكن تلخيصها بالنقاط الآتية: ١_ إن المعجزة غير قابلة للتعليم والتعلم، أما السحر والشعبذة ونحوهما فهي قابلة للتعلم والتعليم. ٢_ إن المعجزة لا تعارض بالمثل ولا تغلب بالأقوى؛ أما السحر والشعبذة ونحوهما، فهي قابلة للتحدي والإبطال، فيمكن الإتيان بمثلها وبالأقوى منها. ٣_ إن الآتي بالمعجزة يتحدى الآخرين بمعجزته، فيدعوهم إلى معارضته ومقابلته بمثله، في حين لا يفعل السحرة والمرتاضون ذلك؛ لإمكان معارضتهم، ومقابلتهم بمثل ما يأتون به. ٤_ إن الذين يأتون بالمعجزة ذوات نفوس زكية مقربة إلى الله تعالى، وغايتهم الهداية إلى الفلاح، أما السحرة الذين يأتون بالخوارق من الأعمال، فهم من أصحاب النفوس الشريرة غالباً، وهدفهم الحياة الدنيا، وجمع الأموال من خلال إلقاء الفتنة، والتفريق بين المرء وزوجه، والصدّ عن سبيل الله تعالى. ولا نريد الولوج في تفصيل الأمر في خوارق العادات، حيث إن الخارق للعادة ينقسم على أقسام، أولها: المعجزة، وهي للأنبياء. والثاني: الكرامة، وهي للأولياء. والثالث: المعونة، وهي للمؤمن العادي. والرابع: الإهانة، وهي للمتنبي كما نقل عن مسيلمة الكذاب. اُنظر: الفخر الرازي، محمد بن عمر، مفاتيح الغيب: ص٤٨٨ - ٤٨٩.
  58. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص٢٥٢-٢٥٣.
  59. سورة الإسراء، الآية ١.
  60. سورة الإسراء، الآية ١.
  61. سورة الإسراء، الآية ١.
  62. سورة الإسراء، الآية ٦.
  63. الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج١، ص٤٩٧. البحراني، هاشم، البرهان في تفسير القرآن: ج٢، ص٣٥٦. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج١١، ص١٣٩.
  64. سورة الشعراء، الآية ٦١.
  65. الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج١، ص٤٩٧. البحراني، هاشم، البرهان في تفسير القرآن: ج٢، ص٣٥٦. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج١١، ص١٣٩.
  66. الميضأة والميضاءة: الموضع يُتوضأ فيه، المطهرة يُتوضأ منها. اُنظر: الفيروز آبادي، محمد بن يعقوب، القاموس المحيط: ج١، ص٣٢.
  67. الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج١، ص٤٩٨. البحراني، هاشم، البرهان في تفسير القرآن: ج٢، ص٣٥٧. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج١١، ص١٤٠.
  68. سورة الحجر، الآية ٩٥.
  69. راش السهم: ألزق عليه الريش. اُنظر: ابن السكيت، يعقوب، ترتيب إصلاح المنطق: ص١٨٠.
  70. الشظية: الفلقة من العصا ونحوها. اُنظر: الرازي، محمد بن أبي بكر، مختار الصحاح: ص١٧٩.
  71. تدهده: تدحرج. اُنظر: ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج١، ص٦٩.
  72. الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج١، ص٣٢٢.
  73. الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج١، ص٤٩٨. البحراني، هاشم، البرهان في تفسير القرآن: ج٢، ص٣٥٧. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج١١، ص١٤٠.
  74. البحراني، هاشم، البرهان في تفسير القرآن: ص٢١٦.
  75. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج١٧، ص٣٢٦.
  76. الأصبهاني، إسماعيل بن محمد، دلائل النبوة: ج١، ص٣٨٢.
  77. لا يخفى أن لكل شيء نطقاً بحسبه، كما في قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ سورة الحديد، الآية ١.
  78. الراوندي، قطب الدين، الخرائج والجرائح: ج٣، ص١٠٢٩.
  79. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج٨٩، ص١٢٢.
  80. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص٢٥٤-٢٥٩.
  81. ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب: ج٣، ص٢٢٣. الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج٢، ص٢٢.
  82. سورة فصلت، الآية ٤٢.
  83. قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً سورة الإسراء، الآية ٨٨.
  84. لا يخفى أنّ معجزات الأنبياء مختلفة، فكل نبيّ له معجزة خاصة، والسرّ في ذلك هو أنّ معجزة كل نبيّ متناسبة مع ما اشتهر به الناس في عصر كل نبيّ، وهذا ما يشير إليه الإمام الرضا(ع)، حينما سأله ابن السكيت عن سبب اختلاف معجزات الأنبياء، لماذا بعث الله عز وجل موسى بن عمران بالعصا، ويده البيضاء، وآلات السحر، وبعث عيسى بالطب، وبعث محمداً(ص) بالكلام والخطب؟ فقال الإمام الرضا(ع): «إِنَّ اَللَّهَ لَمَّا بَعَثَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ كَانَ اَلْغَالِبُ عَلَى أَهْلِ عَصْرِهِ اَلسِّحْرَ فَأَتَاهُمْ مِنْ عِنْدِ اَللَّهِ بِمَا لَمْ يَكُنْ فِي وُسْعِ اَلْقَوْمِ مِثْلُهُ وَبِمَا أَبْطَلَ بِهِ سِحْرَهُمْ وَأَثْبَتَ بِهِ اَلْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ وَإِنَّ اَللَّهَ بَعَثَ عِيسَى فِي وَقْتٍ قَدْ ظَهَرَتْ فِيهِ اَلزَّمَانَاتُ وَاِحْتَاجَ اَلنَّاسُ إِلَى اَلطِّبِّ فَأَتَاهُمْ مِنْ عِنْدِ اَللَّهِ بِمَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مِثْلُهُ وَبِمَا أَحْيَا لَهُمُ اَلْمَوْتَى وَأَبْرَأَ اَلْأَكْمَهَ وَاَلْأَبْرَصَ بِإِذْنِ اَللَّهِ وَ أَثْبَتَ بِهِ اَلْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ وَإِنَّ اَللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فِي وَقْتٍ كَانَ اَلْأَغْلَبُ عَلَى أَهْلِ عَصْرِهِ اَلْخُطَبَ وَاَلْكَلاَمَ وَأَظُنُّهُ قَالَ وَاَلشِّعْرَ فَأَتَاهُمْ مِنْ عِنْدِ اَللَّهِ مِنْ مَوَاعِظِهِ وَأَحْكَامِهِ مَا أَبْطَلَ بِهِ قَوْلَهُمْ وَأَثْبَتَ بِهِ اَلْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ - قَالَ فَمَا زَالَ اِبْنُ اَلسِّكِّيتِ يَقُولُ لَهُ وَ اَللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِثْلَكَ قَطُّ». الصدوق، محمد بن علي، علل الشرائع: ص١٢١.
  85. سورة الإسراء، الآية ٨٨.
  86. سورة هود، الآية ١٣.
  87. سورة يونس، الآية ٣٨.
  88. سورة النساء، الآية ١٥٣.
  89. سورة الأعراف، الآية ١٣٨.
  90. ولذا يصف أهل البيت(ع) القرآن الكريم بأنه «وَ لاَ تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ...». المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج٥٣، ص٦٩.
  91. ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب: ج٣، ص٢٢٣. الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج٢، ص٢٢.
  92. سورة الحشر، الآية ٧.
  93. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص٢٥٩-٢٦٣.
  94. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج٣٦، ص٣٤٢.
  95. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص٢٦٥-٢٦٦.
  96. الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن: ج٢، ص١٣٠.
  97. سورة النحل، الآية ٨٩. ولسائل أن يسأل: كيف يمكن أن تكون الشريعة التي أُنزلت قبل أربعة عشر قرناً، شاملة ومستوعبة لكل حاجات البشر في العصر الحاضر، مع كل تلك التغيرات والتبدلات في المتطلبات، والحاجات الإنسانية المتجددة؟ والجواب عن ذلك بشكل مختصر: هو أن للإنسان حاجات ثابتة ومتغيرة، والحاجات الثابتة من قبيل الحاجة إلى الطعام واللباس والمسكن ونحو ذلك، كذلك من الحاجات الثابتة هو حاجة الإنسان إلى أصول ومبادئ؛ لعبادة الله تعالى والخوف منه، ويحتاج أيضاً إلى نظام أخلاقي لتهذيب نفسه، وإلى نظام اجتماعي لتوجيه علاقاته مع الله تعالى، ومع أخيه الإنسان، ومع الطبيعة والنبات والحيوان؛ لوجود حقوق متبادلة بين الإنسان وغيره من المخلوقات، فكل هذه الحاجات هي ثابتة ولا تتغير ولا تتبدل من زمان إلى آخر. أما الحاجات المتغيرة فهي تلك الوسائل اللازمة لتأمين تلك الحاجات الثابتة، ومن الواضح أن الوسائل تختلف من عصر إلى آخر؛ لأن هذه الوسائل من إبداع الإنسان نفسه؛ وعلى هذا الأساس سوف تتغير الوسائل التي تؤمن حاجات هذا الإنسان تبعاً للتطورات الحاصلة في كل عصر. فالشريعة الخاتمة قائمة على أساس المرونة والقدرة على البقاء والاستمرار، ومتلائمة مع تطورات العصر، فتناولت في جانب ثابت منها الحاجات الثابتة في حياة الإنسان، وحركته التي لا تتغير مهما تغيرت الظروف، واختلفت المجتمعات، وتبدلت الأزمان، كالعبادة، والعلاقات الاجتماعية، ونحوها، فوضعت لهذه الحاجات أحكاماً ثابتة لا تتغير. كما أن الشريعة تناولت من جانب آخر القضايا المتغيرة في حياة الإنسان والتي تعبر عن جانب التطور والتغير في أساليب حياته، وفي وسائل العيش تبعاً لتغير الظروف والأزمان، فوضعت لهذه الحاجات المتغيرة الحلول المناسبة لها، من دون المساس بالأحكام الثابتة.
  98. هناك عدد من النصوص الروائية الواردة عن أهل البيت(ع) تدل على شمولية الرسالة المحمدية، فعن الإمام الباقر(ع)، قال: «إنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى‌ لَم يَدَع شَيئاً تَحتاجُ إلَيهِ الامَّةُ إلى‌ يَومِ القِيامَةِ إلّا أنزَلَهُ في كِتابِهِ، وبَيَّنَهُ لِرَسولِهِ (ص)،...». الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج٧، ص١٧٦.
  99. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص٢٦٦-٢٦٨.
  100. ابن طاووس، علي بن موسى، إقبال الأعمال: ج٢، ص٧٨.
  101. الصدوق، محمد بن علي، مَن لا يحضره الفقيه: ج٢، ص٣٢٧.
  102. سورة الأعراف، الآية 157.
  103. سورة الصف، الآية 6.
  104. المفيد، محمد بن محمد، الاختصاص: ص٣٣. البحراني، هاشم، البرهان في تفسير القرآن: ج٣، ص٥٩. الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص١٥٧، الصدوق، محمد بن علي، علل الشرائع: ص٣٣٧.
  105. سورة الصف، الآية ٦.
  106. سورة الصف، الآية ٦.
  107. الطباطبائي، محمد حسين، تفسير الميزان: ج١٩، ص٢٥٢.
  108. سورة آل عمران، الآية ٨١.
  109. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص٢٦٩-٢٧١.