النبوة عند السلفية والوهابية

من إمامةبيديا

مفهوم النبوة

المعنى اللغوي

الأصل في كلمة النبوة أنها مأخوذة من مادة (نبأ)، والنون والباء والهمزة قياسه الإتيان من مكان إلى مكان، يقال للذي ينبأ من أرض إلى أرض نابئ؛ لأنه يأتي من مكان إلى مكان، والفعل نبأته، وأنبأته، واستنبأته، والنبي: الذي يأتي بالأنباء عن الله عز وجل[١]، فأخباره هي ما أمره الله أن يخبرنا بها؛ فهي تأتينا من فوق العرش. والجمع: الأنبياء، والنبيون.

وقيل: إنها مشتقة من النبوة والنباوة، وهي الارتفاع، أي: إنه أشرف على سائر الخلق، وأنه مفضل على سائر الناس برفع منزلته[٢]، والنبيء: الطريق الواضح[٣].

وقيل: من النبأ: الخبر، والمنبئ: المخبر، ومنه قراءة نافع: (النبيئين) و(الأنبئاء) و(النبيئون)[٤]، ومفردها النبيء على وزن فعيل بمعنى فاعل للمبالغة؛ لأنه أنبأ عن الله تعالى، أي: أخبر، ويجوز فيه تحقيق الهمز وتخفيفه، والاسم منها النبوءة، التي هي الإخبار عن الله جل جلاله [٥].

وهذه المعاني الثلاثة تجتمع في النبي، يقول الإمام الخطابي: «وإنما سمي الأنبياء؛ لأنهم قد ارتفعت منزلتهم، واستعلت درجتهم على سائر الخلق، والنبي: الطريق، وسمي رسل الله أنبياء لأنهم الطرق إلى الله»[٦].[٧]

المعنى الاصطلاحي

النبي في الاصطلاح: «من أوحي إليه وحياً خاصًّا من الله بتكليم الله جل جلاله له، أو بتوسط ملك، أو بإلهام في قلبه، أو بالرؤيا الصالحة، وقد ختمت النبوة، وانقطع الوحي بخاتم الأنبياء محمد (ص)»[٨].

النبوة في الاستعمال القرآني

وردت مادة (نبأ) في القرآن الكريم (١٦٠) مرة، يخص موضوع البحث منها (٨٠) مرة[٩].

وجاءت النبوة في القرآن بمعنى: السفارة بين الله والخلق؛ لإزاحة عللهم في أمر معادهم ومعاشهم، وهي إما من الفعل (نبا)، وهو: ما ارتفع من الأرض؛ لأن النبوة شرف على سائر الخلق، فهو على هذا المعنى فعيل بمعنى مفعول. أو من الفعل (نبأ) و(نبَّأ) و(أنبأ) بالهمز، من الإخبار،؛لأنه مُنَبَّأٌ ومُخْبَرُ من الله، فهو على هذا المعنى فعيل بمعنى مفعول أيضاً، أو لأنه منبئٌ ومخبر عن الله، فهو على هذا المعنى فعيل بمعنى فاعل[١٠].[١١]

الألفاظ ذات الصلة

الوحي

الوحي لغة: إلقاء علم من طرف لآخر في خفاء[١٢].

الوحي اصطلاحاً: المعنى المبثوث إلى من أريد به في خفاء، لتنفيذه بحسب ما يقتضيه المعنى.

الفرق بين النبوة والوحي: النبوة هي درجة يكرم الله بها من شاء من عباده، ولا تكون إلا بالوحي بمعناه الأخص، وهي أن يرسل الله للنبي بالرسول الملكي، وهو جبريل (ع)، وقد ختمت النبوة بمبعث النبي محمد (ص)، إلا ما يكون من مبعث عيسى (ع) في آخر الزمان، أما الوحي فقد بقيت صورة من صوره وهي الرؤيا الصالحة.[١٣]

الرسالة

الرسالة لغة: العبارات المؤلفة، والمعاني المدونة، المبعوثة من شخص لآخر بواسطة ناقل[١٤].

الرسالة اصطلاحاً: هي الشريعة التي يبعث الله بها من شاء من عباده إلى قومه أو الناس كافة، وهي متضمنة لأحكام يكلف الله بها عباده، وأخبار وجب عليهم تصديقها.

الفرق بين النبوة والرسالة: النبوة هي وحي من الله تبارك وتعالى لعبد من عباده في أمة كان الله قد بعث فيها رسولاً بشريعة، وبعث هذا النبي لتجديد هذه الشريعة، أما الرسالة فهي وحي من الله جل جلاله لعبد من عباده بشرع جديد، يتضمن أحكاماً مغايرة لمن سبقه من الرسل، وهذه الأحكام في باب الأوامر والنواهي، وليس في باب العقائد والأخبار، وبذلك تكون الرسالة رتبة أعلى من النبوة؛ فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً.[١٥]

الصديقية

الصديقية لغة: التصديق بكل أمر أخبر به النبي (ص) عن ربه، لا يتخالج قلب الصديق شكٌّ في شيء منه.

الصديقية اصطلاحاً: وصف يطلق على من يأتي بعد الأنبياء في قوة الإيمان، وحسن الطاعة[١٦].

الفرق بين النبوة والصديقية: النبوة هي أعلى درجات الكمال البشري، ويأتي بعدها في الرتبة درجة الصديقية؛ وهي درجة من أعلى درجات الولاية، وأدنى درجات النبوة[١٧]، ولا واسطة بينها وبين النبوة، فمن جاوزها وقع في النبوة بفضل الله تعالى في الزمان الأول، وذلك أن الصديق يؤمن بما جاء به الرسول دون أن يطلب على ذلك برهان؛ بل يقبله بما أكرمه الله به من صحيح الفطرة وسلامتها من الانحراف، فيصدقه ويناصره، فيكون الواسطة في الأخبار بين الله وبين النبي الوحي، بينما الصديق واسطته في ذلك النبي، ويطلق على الصديق أيضاً الحواري.[١٨]

الولاية

الولاية لغة: النصرة والمحبة[١٩].

الولاية اصطلاحاً: درجة وكرامة من الله جل جلاله ينالها العبد بسبب إيمانه بالله، وتقربه له، وطاعته إياه.

الفرق بين النبوة والولاية: الولاية صفة عامة لكل من آمن بالله وأطاعه واتقاه، وهي درجات أعلاها النبوة، ويأتي بعد النبوة في الرتبة الصديقية كما سبق بيانه، ولكن بينها جميعاً عموم وخصوص، وعلى ذلك تكون كالإسلام مع الإيمان؛ إذا اجتمعت اختلفت، وإذا افترقت اتفقت، وتكون الولاية بذلك رتبة ثالثة بعد الصديقية[٢٠].[٢١]

وجوب الإيمان بالأنبياء

الإيمان بالأنبياء أصل عظيم من أصول الإسلام، ولا يصح للعبد إيمان ولا تتحقق له نجاة حتى يؤمن بأنبياء الله ورسله جميعاً، ولا يفرق بين أحد منهم في أصل الإيمان بأنهم جميعاً من عند الله، وأنهم سفراء الله إلى خلقه، وحملة رسالاته إليهم، وأنهم جاؤوا بالهدى والحق المبين الذي من حاد عنه فقد ضل، ومن التزم به هدي إلى صراط مستقيم، وأنهم قد بلغوا هذا الحق إلى الناس على الوجه الأكمل كما أمرهم الله.

والواجب على العبد المسلم أن يؤمن بالأنبياء والمرسلين جملة وتفصيلاً، فيؤمن إجمالاً بكل نبي أو رسول من عند الله جل جلاله، وإن كان لا يعرف أسماء بعضهم أو صفاتهم، أو ما كان بينهم وبين أقوامهم.

ويؤمن تفصيلاً بمن سمى الله في كتابه منهم، على النحو الذي أخبر الله به عنهم.[٢٢]

الأنبياء الذين ذكروا بأسمائهم

والأنبياء الذين سمى الله لنا أسماءهم في كتابه خمسة وعشرون نبيًّا، وهم: إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ونوح، وداوود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى، وهارون، وزكريا، ويحيي، وعيسى، وإلياس، وإسماعيل، واليسع، ويونس، ولوط، وآدم، وهود، وصالح، وشعيب، وإدريس، وذو الكفل، ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين.

وقد ذكر من هؤلاء الأنبياء ثمانية عشر نبيًّا في موضع واحد، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ[٢٣].

وذكر السبعة الباقين وهم آدم، وهود، وصالح، وشعيب، وإدريس، وذو الكفل، ومحمد عليهم صلوات الله أجمعين في مواضع متفرقة من كتابه:

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ[٢٤].

وقال: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً[٢٥].

﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً[٢٦].

وقال: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً[٢٧].

﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ[٢٨].

﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ[٢٩].

وهؤلاء الأنبياء والمرسلون المذكورون بأسمائهم في كتاب الله «علينا أن نؤمن بهم تفصيلاً كما أخبرنا الله عنهم.

وأما من عدا هؤلاء من الرسل والأنبياء فنؤمن بهم إجمالاً على معنى الاعتقاد بنبوتهم ورسالتهم، دون أن نكلف أنفسنا البحث عن عدتهم وأسمائهم، فإن ذلك مما اختص الله بعلمه؛ قال تعالى: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ[٣٠].[٣١].[٣٢]

من اختلف في نبوتهم

الأنبياء السالف ذكرهم أثبت الله عز وجل لهم النبوة في كتابه، وهناك من اختلف العلماء في نبوتهم، هل هم من الأنبياء أم من الصالحين؟ ومنهم:

الخضر

اختلف العلماء في الخضر هل هو نبي، أم ولي، أم ملك؟

قال القرطبي: «الخضر نبي عند الجمهور. وقيل: هو عبد صالح غير نبي. وقيل: كان ملكاً أمر الله موسى أن يأخذ عنه»[٣٣].

ومَرَدُّ اختلاف العلماء إلى دلالات الآيات المذكورة في حديث موسى مع الخضر في سورة الكهف، كقوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً[٣٤].

وكقوله تعالى في شأنه: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً[٣٥].

وقوله تعالى حكاية عن الخضر: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي[٣٦].

والراجح قول الجمهور: أنه كان نبيًّا، والدليل عليه ما يلي:

  1. أن الآيات في سورة الكهف تشهد بنبوته؛ لأن بواطن أفعاله لا تكون إلا بوحي من الله.
  2. أن موسى (ع) تبعه ليتعلم منه، والإنسان لا يتعلم ولا يتبع إلا من فوقه، وليس ولا يجوز أن يكون فوق النبي من ليس بنبي.
  3. يفهم من قوله تعالى: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً[٣٧].

أن هذه الرحمة المذكورة هنا رحمة نبوة، وأن هذا العلم اللدني علم وحي[٣٨].[٣٩]

ذو القرنين

اختلف العلماء في ذي القرنين: منهم من قال: كان عبداً صالحاً. ومنهم من قال: كان نبيًّا. ومنهم من قال: كان ملكاً من الملائكة.

قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً[٤٠].

«يستدل بهذا من يزعم أنه كان نبياً، فإن الله خاطبه بالوحي، ومن قال: إنه لم يكن نبيًّا أوله بالإلهام، ويحتمل أن يكون الخطاب على لسان نبي غيره»[٤١].

وفي هذه الآية اختلف العلماء: هل هذا الخطاب كان خطاباً من الله له أم كان بواسطة نبي معه؟

فمن قال: كان خطاباً من الله له أثبت له النبوة، ومن قال: كان بواسطة نبي معه نفى عنه النبوة.[٤٢]

تبع

ورد ذكر تبع في القرآن الكريم.

قال تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ[٤٣].

وقال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ[٤٤].

فهل كان نبيًّا مرسلاً إلى قومه فكذبوه فأهلكهم الله؟ الله أعلم بذلك[٤٥].[٤٦]

الأسباط

فالأسباط: جمع سبط؛ قيل: إنهم أولاد يعقوب، ومنهم يوسف. وقيل: هم الأنبياء الذين بعثوا في أسباط بني إسرائيل الذين لم يذكروا بأسمائهم، وقيل غير ذلك.

قال ابن حجر: «اختلف في نبوتهم، فقيل: كانوا أنبياء. وقيل: لم يكن فيهم نبي، وإنما المراد بالأسباط قبائل من بني إسرائيل، فقد كان فيهم من الأنبياء عدد كثير»[٤٧].

وممن صرح بنفي نبوتهم القاضي عياض حيث قال: «وأما قصة يوسف وإخوته فليس على يوسف منها تعقب، وأما إخوته فلم تثبت نبوتهم، فيلزم الكلام على أفعالهم، وذكر الأسباط وعدهم في القرآن عند ذكر الأنبياء قال المفسرون: «يريد من نُبِّىءَ من أبناء الأسباط»[٤٨].

وقد قال تعالى في شأنهم: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ[٤٩].

وقال: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى[٥٠].[٥١]

عدد الأنبياء والمرسلين وحكم من فرق بينهم

اقتضت حكمة الله تعالى ألا يعذب أمة إلا بعد إرسال الرسول لها مبلغاً ومنذراً.

قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً[٥٢].

وهذا يدلنا على كثرة الأنبياء والمرسلين إلى الأمم، فكل أمة لها رسول من لدن آدم (ع) إلى نبينا محمد (ص).

والله تعالى قال: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً[٥٣].[٥٤]

عدد الأنبياء

«عدد الأنبياء لا يحصى؛ إذ يزيد عددهم على ما جاء في بعض الآثار مائة وعشرين ألفاً، أما الرسل فهم قلة، والذين ذكروا في القرآن الكريم يجب الإيمان بهم تفصيلاً، وهم خمسة وعشرون، وهم من الرسل، وهم كالآتي: آدم، نوح، إبراهيم، إسماعيل، إسحق، يعقوب، داوود، سليمان، أيوب، يوسف، موسى، هارون، زكريا، يحيي، إدريس، يونس، هود، شعيب، صالح، لوط، إلياس، اليسع، ذو الكفل، عيسى، محمد -صلوات الله عليهم أجمعين-»[٥٥].

فهؤلاء هم المذكورون في القرآن الكريم بأسمائهم.

وهناك أنبياء ومرسلون لا نعرف أسماءهم، ولم يقص الله علينا من أخبارهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً[٥٦].

وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ[٥٧].

فليس في القرآن حصر لعدد الأنبياء والمرسلين، لكن الواضح من القرآن أنهم كانوا أعداداً كبيرة، يدلنا على هذا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ[٥٨].

وقوله جل جلاله: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ[٥٩].

حيث تبين هاتان الآيتان أن كل الأمم وكل القرى التي أخذها الله تعالى كان لها منذرون من قبل الله جل جلاله، وهذا إن دل فإنما يدل على أن عدد الأنبياء والمرسلين كان غفيراً.

ويؤيد هذا بعض الآثار التي جاءت عن النبي (ص)، ففي المعجم الكبير أن أبا ذر سأل النبي (ص) فقال: قلت: يا نبي الله كم وفاء عدة الأنبياء؟ قال: «مِائَةُ أَلْفٍ وَ أَرْبَعَةُ وَ عِشْرُونَ أَلْفاً، الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَ خَمْسَةَ عَشَرَ جُمّاً غفيراً»[٦٠].

وأياً ما كان الأمر فإننا نقول: إن الواجب على المسلم -كما مر معنا- أن يؤمن إجمالاً بكل الأنبياء والمرسلين دون أن يفرق بين أحد منهم، وأن يؤمن تفصيلاً بمن ذكر الله منهم، ونص عليهم بأسمائهم في كتابه الكريم.[٦١]

حكم من فرق بينهم

دين الله واحد وإن اختلفت أحكام الشرائع، وأنبياء الله إخوة، كما في الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): «وَ الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةً لعلاتٍ، أُمَّهَاتِهِمْ شَتَّى، وَ دِينُهُمُ وَاحِدٍ»[٦٢].

فالواجب علينا أن نؤمن بجميع الأنبياء؛ لأن جميعهم جاء بالإيمان بالله، ولا نفرق بين أحد منهم، فلا نؤمن ببعض، ونكفر ببعض.

قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً[٦٣].

فهذه الآيات تدلنا على أن «من كفر بنبي واحد فقد كفر بالأنبياء كلهم، ولم ينفعه إيمانه به»[٦٤].

«وأن الكفر برسل الله هو كفر بالله»[٦٥].

وما ذلك إلا لأن الإيمان بالله «يقتضي الاعتقاد بصحة كل ما جاء من عند الله، وصدق كل الرسل الذين يبعثهم الله، ووحدة الأصل الذي تقوم عليه رسالتهم، وتتضمنه الكتب التي نزلت عليهم، ومن ثم لا تقوم التفرقة بين الرسل في ضمير المسلم»[٦٦].

وقد أكد الله كفرهم فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا[٦٧].

فتعريف جزأي الجملة، والإتيان بضمير الفصل يفيد «قصر صفة الكفر عليهم»[٦٨].

وهذا يظهر شدة كفرهم؛ لئلا «يتوهم أن مرتبتهم متوسطة بين الإيمان والكفر»[٦٩].

ومما يؤكد كفر من فرق بين الرسل قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ[٧٠].

فهاهنا تبين الآية أن المؤمنين ديدنهم هو عدم التفريق بين الرسل أبداً، وبالتالي فهي تقطع بأن «من آمن برسول من رسل الله ولم يؤمن بجميع الرسل فليس من المؤمنين، ومن تمسَّكَ بكتاب وكفر بما سواه من كتب الله فهو من الكافرين»[٧١].

وكذا جاء نفس الأمر في قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ[٧٢].

وهكذا يظهر لنا أن من فرق بين رسل الله عز وجل فآمن ببعضهم، وكفر بالبعض الآخر فهو كافر قطعاً «وهذا لا يمنع المفاضلة بينهم؛ إذ المقصود عدم التفرقة بين الأنبياء في الإيمان ببعضهم»[٧٣]. أو إذا كان ذلك على سبيل العصبية والاستنقاص.[٧٤]

التفاضل بين الأنبياء

لله تعالى أن يصطفي من يشاء من عباده، والرسل عليهم أفضل الصلاة وأتم السلام هم ممن اصطفاهم الله لحمل الرسالة، وإبلاغ الهداية إلى الناس، فجعلهم سفراءه إلى خلقه بالرحمة والهدى، وهؤلاء الرسل-على علو مقامهم وشريف منزلتهم- درجات عند الله في الفضل، بعضهم أفضل من بعض.

يقول تعالى: ﴿ِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً[٧٥].

وكذا قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ[٧٦].

ففي هذه الآية يخبر المولى جل جلاله أنه «فضل بعض الرسل على بعض بما خصهم من بين سائر الناس بإيحائه وإرسالهم إلى الناس، ودعائهم الخلق إلى الله، ثم فضل بعضهم على بعض بما أودع فيهم من الأوصاف الحميدة، والأفعال السديدة، والنفع العام»[٧٧].[٧٨]

أولو العزم من الرسل هم أفضل الرسل

إذا كان الرب جل وعلا فضل بعض الرسل على بعض، فإن أفضل الرسل هم أولو العزم.

قال تعالى لنبيه: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ[٧٩].

فـ «أولو العزم من المرسلين سادات الخلق أولو العزائم والهمم العالية الذين عظم صبرهم، وتم يقينهم، فهم أحق الخلق بالأسوة بهم، والقفو لآثارهم، والاهتداء بمنارهم»[٨٠].

وقد اختلف العلماء في تعداد أولي العزم على أقوال «وأشهرها، أنهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وخاتم الأنبياء كلهم محمد (ص)»[٨١].

وقد ذكرهم الله في كتابه في أكثر من موضع، فقال جل جلاله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ[٨٢].

وقال أيضاً: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ[٨٣].

وتخصيص الخمسة المذكورين في الآية مع اندراجهم مع النبيين «للإيذان بمزيد مزيتهم وفضلهم، وكونهم من مشاهير أرباب الشرائع، وأساطين أولي العزم من الرسل»[٨٤].[٨٥]

أسباب التفضيل

أسباب التفضيل بين الرسل وأسرار تفاوت الرتب بينهم لا يعلمها إلا الله عز وجل «غير أنها ترجع إلى ما جرى على أيديهم من الخيرات المصلحة للبشر، ومن نصر الحق، وما لقوه من الأذى في سبيل ذلك، وما أيدوا به من الشرائع العظيمة المتفاوتة في هدى البشر، وفي عموم ذلك الهدى ودوامه»[٨٦].

كذلك يتعلق التفضيل «بالفضائل والخصائص الراجعة إلى ما مَنَّ به عليهم من الأوصاف الممدوحة، والأخلاق المرضية، والأعمال الصالحة، وكثرة الأتباع، ونزول الكتب على بعضهم المشتملة على الأحكام الشرعية، والعقائد المرضية»[٨٧].

وقد ذكر الله في كتابه مزايا كثيرة لبعض الأنبياء فيها إظهار لمزيد فضلهم، وعظيم شرفهم، وفيما يلي عرض لهذه المزايا:

آدم (ع)

هو أبو البشرية، وقد ذكر القرآن له عدداً من الخصائص:

  1. أن الله خلقه بيديه وسواه ونفخ فيه من روحه: وهذه من الفضائل العظيمة التي خصَّ بها سيدنا آدم (ع)، فقد قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ[٨٨]. وهنا يخبر المولى جل جلاله عن خلقه المباشر لسيدنا آدم (ع)، وهذه خصيصة عظيمة لآدم حيث خلقه الله بيديه مباشرة، فلم يكن له أب ولا أم، وفي هذا «إيماء إلى شرف آدم (ع)، وعظم مكانته»[٨٩].
  2. تعليم الله له: وهذه من الخصائص العالية القدر التي ذكرت لآدم (ع)، فهي تدل على عظيم رعاية الرب له، وشريف عنايته به. قال الله عز وجل: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ[٩٠]. ففي هذه الآيات يظهر المولى جل وعلا فضل آدم (ع) من جهة أن علمه مستمد من تعليم الله له، فإن إمداد الله له بالعلم يدل على أنه محاط منه برعاية ضافية، ثم إن العلم الذي يحصل عن طريق النظر والفكر قد يعتريه الخلل، ويحوم حوله الخطأ، فيقع صاحبه في الإفساد من حيث إنه يريد الإصلاح، بخلاف العلم الذي يتلقاه الإنسان من تعليم الله، فإنه علم مطابق للواقع قطعاً، ولا يخشى من صاحبه أن يحيد عن سبيل الإصلاح[٩١].
  3. سجود الملائكة له: وهذا من المواقف العظيمة التي ذكرها القرآن في غير ما موضع والتي تشي بعظيم فضل آدم (ع). قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ[٩٢]. وفي حديث الشفاعة الطويل: (فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك)[٩٣]. فأَمْرُ الملائكة بالسجود لآدم - لاشك - يدل على مدى رفعة هذا النبي وعلو مقامه، وفي هذا «كرامة عظيمة من الله تعالى لآدم (ع)»[٩٤].[٩٥]

نوح عليه (ع)

هو من الرسل الكرام، بل هو من أولي العزم الذين فضلهم الله على بقية الأنبياء والرسل، وقد ورد ذكره في القرآن كثيراً، ومن المزايا التي ذكرها القرآن له أنه:

  1. أول الرسل إلى أهل الأرض: وهذا من المزايا الرفيعة التي اختص بها سيدنا نوح.

قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ[٩٦].

فإنه بدأ بذكر نوح (ع) «لأن نوحاً أول رسول أرسله الله إلى الناس»[٩٧].

وفي حديث الشفاعة يأتي بعض الخلق (فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض)[٩٨].

فالرسل موكب كريم شريف القدر عالي المقام، وأن يكون نوح (ع) هو مفتتح هذا الركب الميمون، فهذا تشريف كبير له.[٩٩]

إبراهيم (ع)

إبراهيم (ع) من الأنبياء الكبار أصحاب الفضل العظيم، والمقام الرفيع، وقد حفل القرآن بكثير من مزاياه وخصائصه، وفيما يلي عرض لأبرزها:

  1. النبي الإمام: وهذه مرتبة رفيعة، ومزية جليلة اختص بها سيدنا إبراهيم (ع). قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ[١٠٠]. وهاهنا يخبر الرب الجليل أنه ابتلى نبيه إبراهيم «ببعض الأوامر والنواهي، فأداها خير الأداء، وأتى بها على وجه الكمال»[١٠١]. فجعله الله إماماً للناس «يتخذونه قدوة، ويقودهم إلى الله، ويقدمهم إلى الخير، ويكونون له تبعاً، وتكون له فيهم قيادة»[١٠٢]. وبذلك يحصل له الثناء الدائم، والتعظيم المستمر، والأجر الذي لا ينقطع.
  2. النبي الخليل: وهذه من الدرجات الرفيعة، ومن المزايا الجليلة التي ذكرها القرآن لإبراهيم. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً[١٠٣]. فالخلة «تتضمن كمال المحبة ونهايتها، بحيث لا يبقى في القلب سعة لغير محبوبه، وهي منصب لا يقبل المشاركة بوجه ما»[١٠٤]. ولشريف هذا المنصب فإنه لم يختص به إلا إبراهيم ومحمد -(ع)ما-، كما قال (ص): «إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ اتَّخَذَنِي خَلِيلاً، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً»[١٠٥]. ومنزلة الخلة هذه تُظْهِرُ -ولا شك- ما لإبراهيم عند الله من مكانة، فهي «منزلة عليا من منازل القرب من الله، لا تكاد تدانيها منزلة»[١٠٦].
  3. جعل النبوة والكتاب في ذريته: النبوة شرف ما بعده شرف، فالأنبياء والرسل هم منارات الهدى للبشر، وأدلاء الناس على طريق خالقهم، فأن يكونوا في ذرية إبراهيم فـ«هذه خلعة سنية عظيمة»[١٠٧]. تدل على علو قدره. قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ[١٠٨].

فهذه الآية تبين كيف أن شرف النبوة قد انحصر في سلالة إبراهيم (ع) «فلم يأت بعده نبي إلا من ذريته، ولا نزل كتاب إلا على ذريته، حتى ختموا بالنبي محمد (ص)»[١٠٩]. وأن تكون مواد الهداية والخير «والرحمة والسعادة والفلاح في ذريته، وعلى أيديهم اهتدى المهتدون، وآمن المؤمنون، وصلح الصالحون، فهذا من أعظم المناقب والمفاخر التي أكرم الله بها هذا النبي عليه الصلاة والسلام»[١١٠].[١١١]

موسى (ع)

هو من الأنبياء الذين توسع القرآن في ذكر خبرهم، وما كان من شأنهم مع أقوامهم، ومن مزاياه التي أشار إليها القرآن:

  1. تكليم الله له: وهذه من المزايا العظيمة التي أكرم الله بها موسى (ع)، وقد ذكرها القرآن في أكثر من موضع.

قال تعالى: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً[١١٢].

فتكليم الله لموسى «تشريف لموسى (ع) بهذه الصفة؛ ولهذا يقال له: الكليم»[١١٣].

وهذه خصيصة انفرد بها موسى (ع) دون غيره من الأنبياء والرسل وهي -حتماً- تدل على مدى عظمة هذا النبي، وعلو قدره عند ربه؛ إذ «وقف في أكرم موقف يلقاه إنسان»[١١٤].[١١٥]

عيسى (ع)

احتفى القرآن بذكر عيسى (ع)، وعدد له الكثير من المزايا والخصائص، وفيما يلي عرض لها:

  1. رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم: الأنبياء جميعاً -عدا آدم (ع) - لهم آباء وأمهات، ولكن سيدنا عيسى اختص بميلاد عجيب، حيث إن ميلاده جعله الله آية، فقد ولد بغير أب. قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ[١١٦]. فقد سمي بكلمة الله «لأنه كان بالكلمة من الله؛ لأن حالته خارجة عن الأسباب، وجعله الله من آياته، وعجائب مخلوقاته» [١١٧]. وهذه مزية عظيمة لعيسى (ع). ومن الآيات التي ذكرت هذا أيضاً قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً[١١٨]. وهاهنا يؤكد القرآن على كون عيسى خلق خلقاً مغايراً لما تجري عليه الأسباب؛ فقد كان بكلمة الله التي «أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ». أي: «أوصلها إليها، وحصلها فيها بنفخ جبريل (ع) (ٹ ڤڤ) أي: بتخليقه وتكوينه كسائر الأرواح المخلوقة» [١١٩].
  2. الكلام في المهد: وهذه من الخصائص التي أكرم الله بها نبيه عيسى (ع). قال تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ[١٢٠]. أي: إن عيسى (ع) سيدعو إلى عبادة الله وحده «في حال صغره، معجزة وآية، وفي حال كهولته حين يوحي الله إليه بذلك»[١٢١]. وقد قال النبي (ص): «لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةً: عِيسَى ...»[١٢٢]. وخص تكليمه في حال كونه في المهد وحال كونه كهلاً مع أنه يتكلم فيما بينهما «لأن لذينك الحالين مزيد اختصاص بتشريف الله إياه، فأما تكليمه الناس في المهد؛ فلأنه خارق عادة إرهاصاً لنبوءته، وأما تكليمهم كهلاً فمراد به دعوته الناس إلى الشريعة»[١٢٣].
  3. رفعه إلى السماء ونزوله في آخر الزمان: وهذه من المزايا التي تفرد بها هذا النبي الكريم، قال جل جلاله: ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ[١٢٤].

ذهب جمهور أهل السنة والجماعة إلى أن عيسى (ع) رفع بجسده وروحه.

قال ابن تيمية: «عيسى (ع) حي، وقد ثبت عن النبي (ص) أنه قال: (والذي نفسي بيده، ليوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عادلاً، وإماماً مقسطاً، يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحدٌ)[١٢٥].

وثبت في الصحيح عنه أنه ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق، وأنه يقتل الدجال[١٢٦]. ومن فارقت روحه جسده لم ينزل جسده من السماء، وإذا أحيي فإنه يقوم من قبره.

وأما قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ[١٢٧].

فهذا دليل على أنه لم يعن بذلك الموت؛ إذ لو أراد بذلك الموت لكان عيسى في ذلك كسائر المؤمنين؛ فإن الله يقبض أرواحهم، ويعرج بها إلى السماء، فعلم أن ليس في ذلك خاصية، وكذلك قوله: «وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا» ولو كان قد فارقت روحه جسده لكان بدنه في الأرض كبدن سائر الأنبياء.

وقد قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً[١٢٨].

فقوله هنا: «بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ» يبين أنه رفع بدنه وروحه، كما ثبت في الصحيح أنه ينزل ببدنه وروحه؛ إذ لو أريد موته لقال: وما قتلوه وما صلبوه بل مات[١٢٩].[١٣٠]

محمد (ص)

نبينا محمد (ص) له الكثير من الفضائل والمزايا التي ذكرها الله في كتابه، وفيما يلي عرض لها:

  1. خاتم النبيين: وهذه من الفضائل العظيمة التي كانت من نصيب محمد (ص)، فالنبوة سلسلة رفيعة القدر، فأن يكون هو خاتمها وحلقتها الأخيرة فهذا يدل على عظيم قدره. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً[١٣١].

فكونه النبي الخاتم يدل على أنه (ص) «وارث النبيين جميعاً، والمهيمن برسالته على رسالات الرسل كلهم، فلا رسول بعده إلى يوم الدين؛ لقد ختمت به رسالات السماء، وأضيفت شعاعاتها كلها إلى شمس شريعته، فأصبحت تلك الشعاعات مضموناً من مضامينها، وقبساً من أقباسها، فلا هدى بعد هذا إلا من هداها، ولا نوراً إلا من نورها ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ[١٣٢].[١٣٣].[١٣٤]

  1. أرسل للناس عامة: وهذه من المناقب العظيمة التي أكرم الله بها نبيه محمد (ص)، فرسالته هي «الرسالة الأخيرة، فهي الرسالة الشاملة التي لا تختص بقوم ولا أرض ولا جيل، ولقد كانت الرسالات قبلها رسالات محلية قومية، محدودة بفترة من الزمان»[١٣٥]. وكان النبي في السابق يرسل لقومه خاصة، ولكنه (ص) بعث للناس عامة، قال (ص): «وَ كَانَ النَّبِيُّ يَبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَ بَعَثَتْ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[١٣٦]. فهو المبعوث للثقلين للإنس والجن، قال عز وجل: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً[١٣٧]. أي: إن النبي بعث «إلى كافة الإنس وكافة الجن»[١٣٨]. وأن يكون النبي رسولاً للعالمين، فهذا يدل على علو مقامه عند ربه»وهو مقام لا يطاول، ومنزلة لا تنال، قد انفرد بها (ص) من بين رسل الله وأنبيائه جميعاً، فهو رسول الإنسانية كلها، والشمس التي تملأ آفاقها، وتدخل كل مكان فيها»[١٣٩].
  2. صاحب المقام المحمود: وهذا مقام عظيم أشار إليه القرآن بقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً[١٤٠]. وكلمة ﴿عَسَى في كلام العرب تفيد التوقع، أما في كلام الله فإنها تفيد الوجوب والقطع، قال الإمام الرازي: «اتفق المفسرون على أن كلمة (عسى) من الله واجبة؛ لأن لفظة (عسى) تفيد الإطماع، ومن أطمع إنساناً في شيء ثم حرمه كان عاراً، والله تعالى أكرم من أن يطمع أحداً في شيء، ثم لا يعطيه ذلك»[١٤١]. فالله عز وجل يقول لنبيه: داوم على ما أمرت به من العبادة: «لنقيمك يوم القيامة مقاماً يحسدك فيه الخلائق كلهم»[١٤٢]. قال ابن جرير: «أكثر أهل العلم على أن المقام المحمود هو ذلك المقام الذي يقومه (ص) يوم القيامة للشفاعة للناس؛ ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم»[١٤٣]. وهذا مقام عظيم يوم القيامة يشي بعظم شأن النبي (ص) عند خالقه.
  3. قسم الله به: قال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ[١٤٤]. ففي هذه الآية «شرف لمحمد (ص)؛ لأن الله تعالى أقسم بحياته، ولم يفعل ذلك مع بشر سواه»[١٤٥]. وقسم الله بحياة نبيه يدل على «تشريف عظيم، ومقام رفيع، وجاه عريض»[١٤٦].
  4. لم يخاطبه الرب باسمه المجرد: خاطب الله أنبياءه بأسمائهم المجردة، فقال: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي[١٤٧]. ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ[١٤٨]. ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا[١٤٩]. ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ[١٥٠]. ولكن لم يناد الله عز وجل نبيه باسمه المجرد أبداً، وما ناداه إلا بـ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ[١٥١]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ[١٥٢]. فكون النبي لا يخاطب باسمه المجرد، فهذا -لا شك- يشير «إلى المحبة والقرب من ربه، الذي يخلع عليه ما يخلع من أوصاف التكريم، ويناديه بها، حتى لكأنها علم عليه وحده»[١٥٣].
  5. الثناء عليه بجميع خلقه: إن الله عز وجل أثنى على أنبيائه كثيراً، ولكنه كان يمدحهم ومدحهم ببعض أخلاقهم، فقال عن إبراهيم (ع): ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ[١٥٤]. ووصف موسى (ع) بأنه ﴿كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا[١٥٥]. وأثنى على إسماعيل بأنه ﴿كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا[١٥٦]. ولكنه لمَّا أثنى على محمد (ص) أثنى عليه بجميع خلقه، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ[١٥٧]. وتأمل كيف أنه عبر بـ (على) التي هي «للاستعلاء المجازي، المراد به التمكن»[١٥٨]. وهذا يشعر بمدى تمكن النبي ورسوخه في كل خلق كريم، «وحسب رسول الله شرفاً وعزًّا بهذا الوصف الكريم من الله تعالى حسبه بهذا، حيث توجه ربه عز وجل بتاج الكمال كله؛ إذ ليس بعد حسن الخلق حلية تتحلى بها النفوس، أو تاج تتوج به الرؤوس»[١٥٩].
  6. صلاة الله وملائكته عليه: وهذه وحدها مزية عظيمة جليلة، تدل على قدر النبي عليه الصلاة السلام عند خالقه. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً[١٦٠]. وصلاة الله على النبي تعني «ذكره بالثناء في الملأ الأعلى، وصلاة ملائكته دعاؤهم له عند الله تعالى»[١٦١]. وهذه الآية «شرف الله بها رسوله (ص) حياته وموته، وذكر منزلته منه»[١٦٢]. فيا لها من منزلة كريمة.
  7. اختصاصه بمعجزة القرآن: الأنبياء السابقون آتاهم الله عز وجل عدداً من المعجزات، ولكنها كانت مخصوصة بزمنهم، وموقوتة بحياتهم، ولكن المولى تبارك وتعالى اختص حبيبه ومصطفاه بمعجزته الكبرى، والتي ستبقى خالدة على امتداد الزمان. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ[١٦٣].

وهنا يمتن الحق سبحانه على رسوله «بأنه يكفيه أن أنزل عليه القرآن الكتاب المعجزة، والمنهج الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، فالقرآن يضم كمالات الحق التي لا تنتهي»[١٦٤].

إن معجزة القرآن معجزة لها خصوصيتها وتفردها عن كل ما تقدمها من معجزات، فهي معجزة «مفتوحة للأجيال، وليست كالخوارق المادية التي تنقضي في جيل واحد، ولا يتأثر بها إلا الذين يرونها من ذلك الجيل»[١٦٥]. فأن يختص بها النبي محمد (ص) فهذه -لا شك- مزية عظيمة.[١٦٦]

النصوص التي تنهى عن التفضيل بين الأنبياء

قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ[١٦٧].

وهذه الآية تقطع بوجود التفاضل بين الأنبياء والرسل، ولكن هناك أحاديث ثابتة تنهى عن التفضيل، ومن ذلك قوله: «لا تخيروني عَلَى مُوسى»[١٦٨]، و«لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللهُ»[١٦٩] أي: لا تقولوا: فلان خير من فلان، ولا فلان أفضل من فلان؛ ولكن هذه الأحاديث لا تعارض بينها وبين الآية.

قال الإمام [[القرطبي]: يمكن الجمع بين الآية والأحاديث من وجوه:

  1. أن هذا كان قبل أن يوحى إليه بالتفضيل، وقبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم، وأن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل.
  2. أو أن قوله هذا من باب الهضم والتواضع.
  3. أو أن المراد النهي عن الخوض في ذلك؛ لأن الخوض في ذلك ذريعة إلى الجدال، والجدال قد يؤدي إلى أن يذكر بعضهم بما لا ينبغي أن يذكر به، وقد يؤدي إلى قلة احترامهم، والعصبية المقيتة لبعضهم.

ثم قال: وأحسن من هذا القول من قال: إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة، لا تفاضل فيها، وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والمعجزات، وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل، وإنما تتفاضل بأمور أخرى زائدة عليها؛ ولذلك فهم رسل وأولو عزم، ومنهم من كلمه الله، فالقول بتفضيل بعضهم على بعض إنما هو بما منح من الفضائل، وأعطي من الوسائل؛ وبذلك نكون قد جمعنا بين الآية والأحاديث من غير نسخ[١٧٠].[١٧١]

شروط النبوة

لمرتبة النبوة شروط نتناولها في النقاط الآتية:

الصدق

لما كانت النبوة هي أداء رسالة، وتبليغ شريعة، وتوجيه للناس نحو الخير، كان من أهم شروط هذه الوظيفة العظيمة الصدق؛ لأن النبي مبلغ عن الله، أمين على وحيه، والكذب في حقه عظيم؛ لأنه كذبٌ على الله، وافتراء عليه، وتضليل للناس: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ[١٧٢].

ثم إن النبي قدوة للناس، وأنموذج حي لتعاليم الله في الأرض؛ لذا اشترط فيه أن يكون صادقاً فيما يقوله أو يبلغه حتى يهتدي الناس به.

لذا كان الصدق من أخص صفات الأنبياء، ومن أهم الشروط التي جعلها الله فيمن اصطفاه لهذا المقام الكريم، ومن جعل القرآن نصب عينيه بانت له أمارات صدقهم في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم.

فهذا موسى (ع) يبين التزامه بالصدق خلقاً ومقاماً وحالاً لا يتجاوزه، فيقول: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ[١٧٣]. أي: «جدير بأن لا أقول على الله إلا الحق، وحريٌ بي أن ألتزمه»[١٧٤].

والمعنى: «أن الرسول لا يقول إلا الحق، فصار نظم الكلام كأنه قال: أنا رسول الله، ورسول الله لا يقول إلا الحق»[١٧٥].

فرسول الله خليق بألا يقول على الله إلا الحق والصدق.

وأثنى الله على إسماعيل (ع) بصدق الوعد.

قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا[١٧٦].

ففي هذه الآية «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص): واذكر يا محمد في الكتاب إسماعيل بن إبراهيم، فاقصص خبره إنه كان لا يكذب وعده، ولا يخلف، ولكنه كان إذا وعد ربه أو عبداً من عباده وعداً وفَّى به»[١٧٧].

وبالصدق الكثير وصف الله نبيه إبراهيم (ع) فقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا[١٧٨].

«كان من أهل الصدق في حديثه وأخباره ومواعيده لا يكذب»[١٧٩].

وصدِّيقٌ لفظ فيه «مبالغة في كونه صادقاً، وهو الذي يكون عادته الصدق؛ لأن هذا البناء ينبئ عن ذلك، يقال: رجل خمير وسكير للمولع بهذه الأفعال» [١٨٠]. فالصديق: كثير الصدق.

وبذات الوصف ذكر الله نبيه إدريس أيضاً، فقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا[١٨١].

وجاء في آخر سورة المائدة قول عيسى (ع) لربه: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ[١٨٢].

وهو واضح جدًّا في التزام عيسى (ع) بما أمره الله به فقط، لم يزد عليه شيئًا، ولم ينقص منه شيئًا، وإنما هو الصدق في التبليغ، والامتثال في الأداء.

وكذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان بن حرب -قبل إسلامه- عن أمر محمد (ص) وقال له: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فرد عليه: ما جربنا عليه كذباً قط[١٨٣]. وهذه وهذا النص يظهر أنها صفة أصيلة في الرسل حتى قبل مبعثهم.

ولقد بين سبحانه وعيد من كذب على الله من أنبيائه أو تَقَوَّلَ عليه ما لم يأمر به، فقال في وعيد شديد: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ[١٨٤].

والتَّقوُّلُ: «أن يقول الإنسان عن آخر أنه قال شيئًا لم يقله»[١٨٥].

و«لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ» أي: «بالقوة والقدرة، أي: لأخذناه بالقوة»[١٨٦].

والوتين: «نياط القلب، وهو حبل الوريد: إذا قطع مات صاحبه»[١٨٧].

والمعنى: «ولو ادعى علينا شيئًا لم نقله لقتلناه صبراً[١٨٨]، كما يفعل الملوك بمن يكذب عليهم معاجلة بالسخط والانتقام، فصور قتل الصبر بصورته ليكون أهول: وهو أن يؤخذ بيده، وتضرب رقبته»[١٨٩].

وما دامت هذه العقوبة لم تقع بأحد منهم، فهذا يبين أنهم كانوا صادقين فيما بلغوه عن الله تعالى، وأن أحداً منهم لم يفتر على الله كذباً.[١٩٠]

الأمانة

وهذه صفة قرينة لصفة الصدق التي سبقت، فلا يكون الكاذب أميناً، كما أن الخائن يستحيل أن يكون صادقاً؛ لذا يلزم أن يكون الصادق أميناً والأمين صادقاً، ومن ثم كانت هذه من الصفات الواجب توافرها في الأنبياء.

وأن يكون النبي أميناً، فهذا يعني أنه «يبلغ أوامر ربه ونواهيه إلى العباد دون زيادة أو نقص، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً[١٩١].[١٩٢]

والأنبياء جميعاً مؤتمنون على الوحي، يبلغون أوامر الله كما أنزلها إليهم، ولا يمكن لهم أن تجري عليهم الخيانة أبداً «فهل يليق بنبي أن يكتم أمانته، فلا ينصح الأمة، ولا يبلغ رسالة الله»[١٩٣].

وهذا تجده واضحاً فيما جاء على لسان أغلب الرسل في القرآن الكريم، فكل واحد منهم قال لقومه: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ[١٩٤].

فها هو نوح (ع) يقول لقومه: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ[١٩٥].

وتأمل كيف أنه استخدم حرف التوكيد (ي) مع أن أحداً لم ينكر عليه أمانته «لأنه توقع حدوث الإنكار، فاستدل عليهم بتجربة أمانته قبل تبليغ الرسالة»[١٩٦]؛ لأنها دليل الصدق، فالأمانة «تقتضي ألا يكذب على الله، فيدعي عليه الرسالة وهو لم يرسله، وتقتضي الأمانة فيما يخبرهم، ومع الأمانة الرعاية والمحبة والإخلاص لهم، والبر بهم»[١٩٧].

وها هو صالح (ع) يقول لقومه أيضاً: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ[١٩٨].

وكذا قالها لوط وهود وشعيب وغيرهم.

وأن تكون هذه مقالة الأنبياء لأقوامهم، فهذا يبين أن الله «لا يبعث الرسول إلا إذا كان معروفاً بالأمانة، وحسن الخلق قبل الرسالة»[١٩٩] إذ لو كان الرسول خائناً «لغير في الشرائع الإلهية، ولأفسد في الأحكام التي يتلقاها عن الله تعالى، فيضيع بذلك الغرض من رسالته، وهو الصلاح والعمل بأوامر الله -تعالى وحده-، والله تعالى لا يحب المفسدين، ولا يؤيد الخائنين، فكيف يؤيد من خانه وينصره ويظهره؟! فلا بد إذاً أن رسل الله تعالى قد كانوا جميعاً أمناء في تبليغ ما حملوا، ومن كمال صفة الأنبياء تبليغهم كل ما أرسلهم الله تعالى به، وأداء رسالتهم ووظيفتهم المتمثلة في ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ[٢٠٠].[٢٠١]

نماذج عملية من أمانة النبي (ص)

من صور الأمانة النبوية ما جاء ذكره في القرآن من عتابه تعالى لنبيه.

قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ[٢٠٢].

تقول السيدة عائشة: (لو كان محمدٌ (ص) كاتماً شيئًا مما أنزل عليه لكتم هذه الآية)[٢٠٣].

ولكتم أيضاً عتاب الله له في قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[٢٠٤].

وفي قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءَهُ الأَعْمَى[٢٠٥].

فعدم كتمانه لشيء يدل على شدة أمانته.

وهكذا يظهر لنا كيف أن الأمانة من الشروط التي يجب توافرها في الرسل والأنبياء «لتظل النفس مطمئنة إلى سلامة الوحي، وإلى كل ما جاء به النبي إنما هو أنه من عند الله، وصدق الله إذ يقول عن نبيه محمد (ص): ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى[٢٠٦]»[٢٠٧].[٢٠٨]

التبليغ عدم الكتمان

وهذه صفة عظيمة من صفات الرسل الكرام ويقصد بها «أن يبلغ الرسل أحكام الله، ويبلغوا الوحي الذي نزل عليهم من السماء، فلا يكتموا شيئًا مما أوحاه الله إليهم، حتى ولو كان في تبليغه للناس إيذاء عظيم لهم، أو شر مستطير يلحقهم من الأشرار والفجار»[٢٠٩].

وقد أخبرنا تعالى أن نوحاً (ع) قال لقومه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ[٢١٠].

فها هنا نلحظ كيف أن نوحاً (ع) بعد أن نفى عن نفسه الضلالة «وصف نفسه بأربع صفات كريمة»[٢١١]، كانت الثانية بعد إخباره أنه رسول هي أنه مبلغ لرسالات ربه عز وجل.

وقد وردت هذه الصفة في أكثر من حوار للرسل مع أقوامهم.

فنبي الله صالح (ع) قال: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ[٢١٢].

وكذا شعيب (ع) قال: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ[٢١٣].

ومما يظهر شدة وضوح هذه الصفة عند الرسل هو ما نلحظه من بدء بعض السور بـ (قل) كسورة الجن والكافرون والفلق والناس، فهي «أمر موجه للنبي (ص) ليبلغه لأمته»[٢١٤]، فأن يقول ذلك دونما زيادة أو نقص مما يدل على شدة الحرص على البلاغ وعدم الكتمان.

قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ[٢١٥].

وقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ[٢١٦].

لقد كان بوسع النبي (ص) أن يقول: «أعوذ برب الفلق، أعوذ برب الناس» دون اللفظة التي خوطب بها، ولكن تبليغه العبارات كما هي يظهر شدة الحرص على البلاغ.

عن زر بن حبيش قال: (سألت أبي بن كعب عن المعوذتين؟ فقال: سألت رسول الله (ص) فقال: (قيل لي فقلت) فنحن نقول كما قال رسول الله (ص))»[٢١٧].

وقد مر بنا قول عائشة: (لو كان محمدٌ (ص) كاتماً شيئًا مما أنزل عليه لكتم هذه الآية ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ[٢١٨].[٢١٩]

ومما يظهر أيضاً شدة الحرص على البلاغ، أن النبي برغم ما كان يخشى في بدايات الدعوة من المواجهات الشديدة مع أهل قريش إلا أنه ما أن أنزل الله عليه قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ[٢٢٠].

حتى (صعد النبي (ص) على الصفا، فجعل ينادي: يا بني فهرٍ، يا بني عديٍ -لبطون قريشٍ- حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو، فجاء أبو لهبٍ وقريشٌ، فقال: (أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟) قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقاً، قال: (فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذابٌ شديدٌ) فقال أبو لهبٍ: تبًّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ[٢٢١].[٢٢٢] وهكذا يظهر لنا أن التبليغ وعدم الكتمان من صفات الرسل.[٢٢٣]

العصمة

ومن الشروط التي ذكرها الله للأنبياء العصمة؛ ولهذه العصمة في حياة الأنبياء وجوه كثيرة، منها ما يلي:

العصمة في التبليغ

الشرع والعقل يلزمان بعصمة الأنبياء في التبليغ؛ لأن القول بعدم عصمة الأنبياء يفضي إلى القدح في تبليغهم الرسالة، حيث يمكن نسبة الكذب أو الخطأ أو الزيادة أو النقص في التشريع، وهذا غير ممكن في حقهم؛ لأن الله قد عصمهم من ذلك.

فهم معصومون في تحمل الوحي، وفيما يخبرون عن الله تعالى، فقد اتفقت الأمة أن الرسل معصومون في تحمل الرسالة[٢٢٤]، فلا ينسون شيئًا مما أوحاه الله إليهم إلا شيئًا قد نسخ، وقد تكفل الله لرسوله بأن يقرئه فلا ينسى شيئًا مما أوحاه الله إليه، إلا شيئًا أراد الله أن ينسيه إياه.

قال تعالى: ﴿سَنُقْرِؤُكَ فَلا تَنسَى إِلاَّ مَا شَاء اللهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى[٢٢٥].

وتكفل بأن يجمعه له في صدره فقال: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ[٢٢٦].

وهم أيضاً معصومون في التبليغ، فالرسل لا يكتمون شيئًا مما أوحاه الله إليهم؛ وذلك لأن الكتمان خيانة، والرسل يستحيل أن يكونوا كذلك.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ[٢٢٧].

ولو حدث شيء من الكتمان أو التغيير فإن عقاب الله يحل بهذا الكاتم المغير، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ[٢٢٨].

ومما يدل على العصمة في التبليغ، قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى[٢٢٩].

ومن عصمته عصمتهم في هذا الشأن فعصمته عصمتهم من الكذب مطلقاً في أي حال من الأحوال سواء في تبليغ الرسالة، أو في غيره من أخباره وأخبارهم وأحواله وأحوالهم الدنيوية قبل البعثة وبعدها.

ويدل على هذا مبادرة الصحابة إلى تصديق الرسول في جميع أقواله، والثقة بجميع أخباره دون تردد أو توقف، بل قد أقرت قريش بصدقه عندما دعاهم في الصفا، كما جاء في حديث ابن عباس قال: (لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ[٢٣٠]. خرج رسول الله (ص) حتى صعد الصفا، فهتف: (يا صباحاه). فقالوا من هذا؟ فاجتمعوا إليه، فقال: (أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلاً تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟) قالوا: ما جربنا عليك كذباً، قال: (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)[٢٣١].

وقد قال أبو جهل للنبي (ص): إنا لا نكذبك ولكن نكذب ما جئت به، فأنزل الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ[٢٣٢].[٢٣٣]

وكذلك حين سأل الأخنس بن شريق أبا جهل: «يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس هاهنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا! فقال أبو جهل: ويحك، والله إن محمداً لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟»[٢٣٤].

ومما يدل على ذلك قول أبي سفيان لهرقل عندما سأله عن النبي (ص) وكان مما سأل عنه: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، فقال هرقل: لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله[٢٣٥]. وقوله لخديجة بعد أن لقيه جبريل في حراء: (قد خشيت على نفسي). فقالت له: كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتصدق في الحديث)[٢٣٦].

ويكفيه في هذا الباب شهادة الله له بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ[٢٣٧].

فإنه متصف بكل خلق فاضل من الصدق والأمانة وصلة الرحم والجود وغيرها، فقد جمع الله له خصائل الخير كلها، فلم يدع إلا بالصادق الأمين.

قال القاضي عياض: «وأما أقواله الدنيوية من إخباره عن أحواله وأحوال غيره، وما يفعله أو فعله، فقد قدمنا أن الخلف فيها ممتنع عليه في كل حال وعلى أي وجه، من عمد أو سهو أو صحة أو مرض أو رضا أو غضب، وأنه معصوم منه (ص)»[٢٣٨].

وهذا الحكم فيما طريقه الخبر المحض مما يدخله الصدق والكذب، فأما المعاريض الموهم ظاهرها خلاف باطنها فجائز ورودها منه في الأمور الدنيوية، لا سيما لقصد المصلحة كتوريته عن وجه مغازيه؛ لئلا يأخذ العدو حذره، وكممازحته ومداعبته لبعض أصحابه؛ لكي يطيب قلوبهم، ويدخل المحبة والمسرة إلى نفوسهم.

ومن هذا قوله لأحد أصحابه: (إني حاملك على ولد الناقة). فقال: يا رسول الله، ما أصنع بولد الناقة؟ فقال رسول الله (ص): (وهل تلد الإبل إلا النوق؟)[٢٣٩].

أما النسيان في غير البلاغ وفي غير أمور التشريع فهي من الأغراض البشرية الجبلية التي تجوز على الأنبياء ولا تنافي العصمة في التحمل والتبليغ، ومن ذلك:

نسيان آدم وجحوده، كما قال عليه الصلاة والسلام: (لما خلق الله آدم (ع) مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصاً من نور، ثم عرضهم على آدم فقال: أي رب من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلاً منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: أي رب من هذا؟ فقال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك، يقال له: داوود، فقال: رب كم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة، قال: أي رب زده من عمري أربعين سنة، فلما قضي عمر آدم جاءه ملك الموت، فقال: أولم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أولم تعطها ابنك داوود؟ قال: فجحد آدم فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطئ آدم فخطئت ذريته)[٢٤٠].

وكما وقع لنبينا محمد (ص) في حديث ذي اليدين الذي رواه البخاري ومسلم حيث سلم النبي (ص) من ركعتين في صلاة الظهر[٢٤١].

وقد صرح الرسول (ص) بطروء النسيان عليه كعادة البشر، ففي حديث ابن مسعود عن النبي (ص) قال: «وَ لَكِنَّ إِنَّما أَنَا بَشَرُ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتَ فذكروني»[٢٤٢]، قال هذا بعد نسيانه في إحدى الصلوات.

أما حديث: «إِنِّي لَا أَنْسَى، وَ لَكِنَّ أَنْسَى لأسن»[٢٤٣] فلا يعارض به الحديث السابق؛ لأن هذا الحديث كما يقول ابن حجر: «لا أصل له، فإنه من بلاغات مالك التي لم توجد موصولة بعد البحث الشديد» [٢٤٤].

وخلاصة القول في هذه المسألة: أن من الأمور الجائزة على الأنبياء السهو والنسيان فيما ليس طريقه البلاغ مطلقاً، وفيما طريقه البلاغ بشرطين:

  1. أن ذلك يقع منه بعد تبليغه لا قبل التبليغ.
  2. أنه لا يستمر على نسيانه، بل يحصل له التذكر إما بنفسه وإما بغيره.

وفائدة جواز السهو والنسيان في حقه (ص) بيان الحكم الشرعي فيما وقع فيه النسيان إذا وقع مثله لغيره.

العصمة من تسلط الناس عليهم وتسلط السحرة:

وهذا النوع من العصمة قد وعد الله به أنبياءه ورسله.[٢٤٥]

العصمة من تسلط الناس

ونعني بهذا عصمتهم من تسلط الناس عليهم بالقتل.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ[٢٤٦].

ففي هذه الآية يقول الله لنبيه: «بلغ أنت رسالتي، وأنا حافظك وناصرك ومؤيدك على أعدائك ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن، فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك»[٢٤٧].

يقول أبو بكر الجصاص: «قد دل قوله تعالى: «وَاللهُ يَعْصِمُكَ» على صحة نبوة النبي (ص)؛ إذ كان من أخبار الغيوب التي وجد مخبرها على ما أخبر به؛ لأنه لم يصل إليه أحد بقتل ولا قهر ولا أسرٍ مع كثرة أعدائه»[٢٤٨].

فالمراد إذاً عصمة النبي «من القتل أو الإهلاك»[٢٤٩]؛ لأن ذلك هو الذي كان يهم النبي (ص)، «إذ لو حصل ذلك لتعطل الهدى الذي كان يحبه النبي للناس؛ إذ كان حريصاً على هدايتهم»[٢٥٠].

وأما ما هو سوى ذلك من الإيذاء والضرر فذلك مما نال الرسول «ليكون ممن أوذي في الله، فقد رماه المشركون بالحجارة حتى أدموه، وشج وجهه»[٢٥١].

ومما يؤيد ذلك ما رواه أنس أن امرأةً يهوديةً أتت رسول الله (ص) بشاةٍ مسمومةٍ، فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله (ص)، فسألها عن ذلك؟ فقالت: أردت لأقتلك، قال: (ما كان الله ليسلطك على ذاك) قالوا -أو قال عليٌّ-: ألا نقتلها؟ قال: (لا) قال: (فما زلت أعرفها في لهوات[٢٥٢] رسول الله (ص))[٢٥٣].

فهاهنا يظهر كيف أن الله عصم رسوله من تسلط هذه المرأة عليه بالقتل.

وكذلك تظهر عصمة الله لرسوله من القتل فيما جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ[٢٥٤].

فهذه الآية تشير إلى ما كان من تشاور قريش بمكة في شأن النبي (ص)؛ وذلك بعد أن رأوا أمره قد اشتهر، وأن غيرهم قد آمن به، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق، وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال: بعضهم بل أخرجوه، وكيف أنهم في النهاية اتفقوا على قتله، ولكن الله نجاه وعصمه من تسلطهم عليه بالقتل[٢٥٥].

وتظهر عصمة الله لرسله من تسلط الناس عليهم من تتبع ما جاء عن الرسل وأقوامهم في القرآن.

قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ[٢٥٦].

«فها هنا يخبر الرب الجليل كيف أنه لما تمادت الأمم في الكفر، وتوعدوا الرسل بأخذهم بالشدة، والإيقاع بهم أوحى الله إليهم بإهلاك من كفر بهم، ووعدهم بالنصر والغلب على أعدائهم» [٢٥٧].

وكذلك حدثنا القرآن عن عصمته لنبيه نوح (ع) من القتل لما توعده قومه ﴿قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ[٢٥٨].

والأمر نفسه مع نبي الله صالح (ع) حين تآمر عليه تسعة من المفسدين ليقتلوه، فأهلكهم الله وقومهم أجمعين، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ[٢٥٩].

وكذلك نجَّى الله عيسى (ع) من اليهود، ومنعهم من قتله، ورفعه تعالى إليه، كما قال عز وجل: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ[٢٦٠].

وهكذا يظهر لنا كيف أن الله يعصم رسله، ويمنعهم من تسلط الناس عليهم[٢٦١].[٢٦٢]

العصمة من تسلط السحرة

وقبل أن نوضح هذا نحب أن نوضح مذهب أهل السنة في مسألة السحر وحقيقته:

ذهب أهل السنة أن للسحر حقيقة وأثراً ثابتاً بالكتاب والسنة، قال النووي: «مذهب أهل السنة وجمهور علماء الأمة على إثبات السحر، وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة»[٢٦٣].

وقال القرطبي: «ذهب أهل السنة إلى أن السحر ثابت وله حقيقة»[٢٦٤]. وقال أيضاً: «وعندنا أنه حق، وله حقيقة يخلق الله عندها ما يشاء»[٢٦٥]. وقال الإمام ابن القيم: «وقد دل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ[٢٦٦].

وحديث عائشة على تأثير السحر، وأن له حقيقة»[٢٦٧].[٢٦٨]

العصمة من تسلط السحرة عليهم

وقد عصم الله رسله وأنبياءه من أن تتسلط عليهم السحرة فتتلاعب بهم، فيكون في ذلك ما يكون من إعراض الناس عنهم، وتشككهم في حقيقة وحيهم، وما يبلغونه عن رب العزة.

قال الليث: كتب إلي هشامٌ أنه سمعه ووعاه عن أبيه عن عائشة قالت: (سحر النبي (ص) حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، حتى كان ذات يومٍ دعا ودعا، ثم قال: (أشعرت أن الله أفتاني فيما فيه شفائي، أتاني رجلان: فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما للآخر: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوبٌ، قال: ومن طبه؟ قال لبيد بن الأعصم، قال: في ماذا؟ قال: في مشطٍ ومشاقةٍ، وجف طلعةٍ ذكرٍ، قال فأين هو؟ قال: في بئر ذروان) فخرج إليها النبي (ص)، ثم رجع فقال لعائشة حين رجع: (نخلها كأنه رؤوس الشياطين). فقلت: استخرجته؟ فقال: (لا، أما أنا فقد شفاني الله، وخشيت أن يثير ذلك على الناس شرًّا) ثم دفنت البئر)[٢٦٩].

فها هنا يظهر كيف أن الله عصم نبيه من تسلط السحرة عليه، وكيف أن السحر الذي أصيب به (ص) إنما كان متسلطاً على جسده وظواهر جوارحه فقط، لا على عقله وقلبه واعتقاده، فمعاناته من آثاره كمعاناته من آثار أي مرض من الأمراض التي يتعرض لها الجسم البشري لأي سبب كان، وقد سبق أن عصمة الرسول (ص) لا تستلزم سلامته من الأمراض والأعراض البشرية المختلفة.

قال القاضي عياض: «وأما ما ورد من أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولا يفعله، فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من تبليغه أو شريعته، أو يقدح في صدقه؛ لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا[٢٧٠].

وإنما هذا فيما يجوز طروؤه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث بسببها، ولا فضل من أجلها، وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أن يخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له، ثم ينجلي عنه كما كان»[٢٧١].

ووقوع السحر للأنبياء لا يتعارض أبداً مع حماية الله لهم «فإنه سبحانه كما يحميهم ويصونهم ويحفظهم ويتولاهم، فيبتليهم بما شاء من أذى الكفار لهم ليستوجبوا كمال كرامته، وليتسلى بهم من بعدهم من أممهم وخلفائهم إذا أوذوا من الناس، فرأوا ما جرى على الرسل والأنبياء، صبروا ورضوا، وتأسوا بهم، ولتمتلئ صاع الكفار، فيستوجبون ما أعد لهم من النكال العاجل، والعقوبة الآجلة، فيمحقهم بسبب بغيهم وعدوانهم، فيعجل تطهير الأرض منهم، فهذا من بعض حكمته تعالى في ابتلاء أنبيائه ورسله بإيذاء قومهم، وله الحكمة البالغة، والنعمة السابغة لا إله غيره، ولا رب سواه»[٢٧٢].

وهكذا يظهر لنا عصمة الله لرسله وحمايته لهم من تسلط الناس والسحرة عليهم.[٢٧٣]

العصمة من الذنوب

الذنوب منها صغائر وكبائر، وفيما يلي عرض لعصمة الأنبياء في كل منهما:

  1. العصمة من الكبائر: الرسل معصومون من الكبائر باتفاق[٢٧٤].
  2. العصمة من الصغائر: ذهب أكثر علماء الإسلام إلى أن الأنبياء ليسوا معصومين من الصغائر.

يقول ابن تيمية: «القول بأن الأنبياء معصومون من الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام، وجميع الطوائف، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام، كما ذكر أبو الحسن الآمدي أن هذا قول أكثر الأشعرية، وهو أيضاً قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول»[٢٧٥].

وللعلماء عدد كبير من الأدلة على ذلك منها ما يلي:

  1. معصية آدم بأكله من الشجرة التي نهي عنها: وهذه معصية لآدم (ع) صرح بها القرآن، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لّا يَبْلَى فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى[٢٧٦]. فقوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى يوضح «تعمد آدم مخالفة نهي الله تعالى إياه عن الأكل من تلك الشجرة»[٢٧٧].
  2. تسرع داوود (ع) في الحكم: أخبر القرآن عن أن داوود (ع) أتاه خصمان، ولكنه تسرع في الحكم قبل سماع حجة الخصم الآخر، فسارع إلى التوبة والاستغفار ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ[٢٧٨].
  3. خروج يونس (ع) من قومه بدون إذن ربه. وهذا مما حدثنا القرآن عنه، فقال: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ[٢٧٩]. أي: أنه ظن «أن الله لن يضيق عليه ويؤاخذه بهذه المخالفة»[٢٨٠]. وهذا يقتضي أنه «خرج خروجاً غير مأذون له فيه من الله»[٢٨١].

وكذلك ذكر القرآن عتاب الرب جل جلاله لمحمد عليه الصلاة السلام في أمور، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ[٢٨٢].

وقوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءَهُ الأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى[٢٨٣].

وهكذا يظهر لنا جواز وقوع الصغائر من الأنبياء والرسل، وهذا لا شك لا يزري أبداً بمناصبهم، ولا يحط من أقدارهم، ولا يقدح في رتبتهم، فهم لا يصرون على معصية، ويبادرون إلى التوبة والاستغفار، وهم بعد التوبة أكمل منهم قبلها.[٢٨٤]

العصمة من الآفات والأمراض المنفرة

وهذه من خصائص الرسل الكرام، فإنه لا يمكن أن تصيبهم الأمراض والآفات التي تجعل الناس ينفرون من مجالستهم والاجتماع بهم، فهم وإن كانوا بشراً «تصيبهم العوارض التي تصيب البشر إلا أن الله عز وجل قد صانهم من العيوب المنفرة، وسلمهم من الأمراض الشائنة التي تجعل النفوس تنفر منهم»[٢٨٥].

وذلك لأن وظيفة الرسل تقوم على الاختلاط بالناس وملاقاتهم؛ ولذا كانوا على أكمل الصور وأحسنها، وقد وصف رسول الله (ص) موسى (ع) بقوله: «لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رَأَيْتُ مُوسَى وَ إِذَا هُوَ رَجُلٍ ضَرَبَ رَجُلٍ [٢٨٦]، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شنوءة»[٢٨٧]. [٢٨٨]، وكذلك وصف عيسى (ع) بأنه «رَجُلُ ربعةٌ[٢٨٩] أَحْمَرَ، كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ ديماسٍ»[٢٩٠].[٢٩١].

وقد جاء وصف الرسول (ص) في كتب السنة والسيرة فلم يرد فيها شيء مما ينفر، فقد كان سوي الخلقة، حسن الصورة، بأكمل ما يكون[٢٩٢].

وقد أخبر القرآن أن النسوة لما رأين يوسف (ع) قلن: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ[٢٩٣].

ومن هذا يظهر أن ما يذكر عن الرسل (ع) أو ما ينسب إليهم من عيوب إنما هو كذب مفترى؛ لذلك أنكر الله جل جلاله على الذين آذوا موسى (ع)، ونسبوا إليه بعض العيوب.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً[٢٩٤]

وهذه الأذية المشار إليها «هي قول بني إسرائيل لموسى لما رأوا شدة حيائه، وتستره عنهم: إنه ما يمنعه من ذلك إلا أنه آدر» أي: كبير الخصيتين، واشتهر ذلك عندهم، فأراد الله أن يبرئه منهم، فاغتسل يوماً، ووضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، فأهوى موسى (ع) في طلبه، فمر به على مجالس بني إسرائيل، فرأوه أحسن خلق الله، فزال عنه ما رموه به»[٢٩٥]. [٢٩٦]. وبذلك يظهر كيف أن «الأنبياء في خلقهم وخلقهم على غاية الكمال»[٢٩٧].

وكون الأنبياء على غاية الكمال في خلقتهم فهذا لا يمنع أبداً من أنهم يمرضون ويصحون، ويشعرون بما يشعر به البشر من أوجاع عارضة كالصداع والحمى.

فعن أبي سعيدٍ الخدري قال: (دخلت على النبي (ص) وهو يوعك، فوضعت يدي عليه فوجدت حره بين يدي فوق اللحاف، فقلت: يا رسول الله ما أشدها عليك! قال: (إنا كذلك يضعف لنا البلاء، ويضعف لنا الأجر) قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاءً؟ قال: (الأنبياء) قلت: يا رسول الله ثم من؟ قال: (ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة يحوبها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء)[٢٩٨].

وهكذا يظهر لنا كيف أن الأنبياء مبرؤون ومعصومون من الأمراض المنفرة، وهذا لا يمنع تعرضهم للأمراض و«لكن بمرض غير منفر»[٢٩٩].[٣٠٠]

الذكورة

الذكورة من شروط الأنبياء والمرسلين، فلا يكون النبي إلا رجلاً، وقد أشار القرآن إلى هذا في غير ما موضع.

قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ[٣٠١].

وقال أيضاً: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ[٣٠٢].

ففي هذه الآية «يخبر تعالى أنه إنما أرسل رسله من الرجال لا من النساء، وهذا قول جمهور العلماء، كما دل عليه سياق هذه الآية الكريمة أن الله تعالى لم يوح إلى امرأة من بنات بني آدم وحي تشريع»[٣٠٣].

وهذا يدل على أن الذكورة شرط للرسالة.

قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ[٣٠٤].

فقوله: ﴿إِلَّا رِجَالاً يقتضي «أن ليس في النساء رسلاً، وهذا مجمع عليه»[٣٠٥].[٣٠٦]

الحكمة من كون النبوة في الذكور

أن يكون كون الرسل ذكوراً فهذا لأسباب له حكم كثيرة، منها:

  1. الرسالة كثيرة الأعباء والمهمات، وتقتضي مقابلة الناس في مختلف الأوقات، والتنقل في أماكن عدة، ومجادلة أهل العناد والتكذيب، وكذا إعداد الجيوش وقيادة الجند، وكل هذا يناسب الرجال دون النساء.
  2. المرأة يطرأ عليها ما يقطعها، ويعطلها عن كثير من الوظائف والمهمات، كالحيض والحمل والولادة والنفاس، وكل هذا لا شك يمنع من القيام بأعباء الرسالة على الوجه الأكمل، والنحو الأمثل.

وقد ذهب بعض العلماء إلى نبوة بعض النساء ومن هؤلاء أبو الحسن الأشعري، والقرطبي، وابن حزم[٣٠٧].

وقد رد جماهير العلماء هذه الأدلة بعدد من الوجوه، منها:

  1. القول بنبوة كل من خاطبته الملائكة غير مسلم، ففي الحديث أن الله أرسل ملكاً لرجل يزور أخاً له في الله في قرية أخرى، فسأله عن سبب زيارته له، فلما أخبره أنه يحبه في الله، أعلمه أن الله قد بعثه إليه ليخبره أنه يحبه[٣٠٨]، وقصة الأقرع والأبرص والأعمى معروفة[٣٠٩].
  2. الرسول (ص) توقف في نبوة ذي القرنين مع إخبار القرآن بأن الله أوحى إليه ﴿قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً[٣١٠].[٣١١].
  3. اصطفاء الله لمريم لا يقطع بنبوتها، فالله قد صرح بأنه اصطفى غير الأنبياء: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ[٣١٢] وكذلك اصطفى الله آل إبراهيم وآل عمران على العالمين ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ[٣١٣] ومن آلهما من ليس بنبي جزماً.
  4. الكمال الوارد في الحديث الذي احتجوا به لا يلزم منه النبوة؛ لأنه يطلق لتمام الشيء، وتناهيه في بابه، فالمراد بلوغ النساء الكاملات النهاية في جميع الفضائل التي للنساء، وعلى ذلك فالكمال هنا غير كمال الأنبياء وقد ورد في بعض الأحاديث النص على أن خديجة من الكاملات[٣١٤] وهذا يبين أن الكمال هنا ليس كمال النبوة.
  5. وقال رسول الله (ص): «فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ اَلْجَنَّةِ إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ»[٣١٥]، فكون السيدة فاطمة كذلك، يبطل القول بنبوة من عدا مريم كأم موسى وآسية؛ لأن فاطمة ليست بنبية جزماً، وقد نص الحديث على أنها أفضل من غيرها، فلو كانت أم موسى وآسية نبيتين لكانتا أفضل من فاطمة.
  6. وصف مريم بأنها صديقة في مقام الثناء عليها والإخبار بفضلها. قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ[٣١٦]. فلو كان هنا وصف أعلى من ذلك لوصفها به، ولم يأت في نص قرآني ولا في حديث نبوي صحيح فيه إخبار بنبوة واحدة من النساء[٣١٧].

وقد نقل عن جمهور الفقهاء أن مريم ليست بنبية، وذكر النووي في (الأذكار)[٣١٨] عن إمام الحرمين أنه نقل الإجماع على أن مريم ليست نبية، وجاء عن الحسن البصري: ليس في النساء نبية ولا في الجن[٣١٩].

وهكذا يظهر أن الذكورة شرط لتحمل الرسالة، وأن الرسل ما كانوا إلا ذكوراً.[٣٢٠]

مهمات النبوة

للنبوة مهمات عظيمة نتناولها في النقاط الآتية:

الدعوة إلى التوحيد

من أعظم مهمات الأنبياء التي كلفهم الله بها الدعوة إلى توحيد الله، وإفراده بالعبادة.

قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ[٣٢١].

أي: فكل الرسل الذين من قبلك مع كتبهم، زبدة رسالتهم وأصلها، الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وبيان أنه الإله الحق المعبود، وأن عبادة ما سواه باطلة[٣٢٢].

فهذه الآية دالة على إجماع الرسل عليهم الصلاة والسلام على الدعوة إلى التوحيد، وأنهم أرسلوا به جميعاً، فهو مهمة جميع الرسل من نوح (ع) إلى رسولنا محمد (ص)، فكل واحد من الأنبياء والرسل (ع) جاء يقول لقومه: ﴿ِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ[٣٢٣].

فهذه هي الغاية التي بعث الأنبياء والرسل من أجلها، والشرائع كلها تدعو إلى هذه الغاية العظيمة، وهي أعظم غاية من أجلها خلق الخلق، وأوجدت الكائنات؛ وقام عليها أمر السموات والأرض، وخلقت من أجلها الجنة والنار، وبعث لأجلها رسل الله عليهم الصلاة والسلام.

والآيات الدالة على أن إرسال الرسل، وإنزال الكتب لأجل أن يعبد الله وحده كثيرة جداً، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ[٣٢٤].

إلى غير ذلك من الآيات.

يقول سيد: «والواقع أن تلك القضية الكبرى هي قضية القرآن كله، وقضية القرآن المكي بصفة خاصة، فتعريف الألوهية الحقة، وبيان خصائصها من الربوبية والقوامة والحاكمية، وتعريف العبودية وحدودها التي لا تتعداها والوصول من هذا كله إلى تعبيد الناس لإلههم الحق، واعترافهم بالربوبية والقوامة والحاكمية له وحده، هذا هو الموضوع الرئيس للقرآن كله، وما وراءه إن هو إلا بيان لمقتضيات هذه الحقيقة الكبيرة في حياة البشر بكل جوانبها، وهذه الحقيقة الكبيرة تستحق -عند التأمل العميق- كل هذا البيان الذي هو موضوع هذا القرآن، تستحق أن يرسل الله من أجلها رسله جميعاً، وأن ينزل بها كتبه جميعاً»[٣٢٥].[٣٢٦]

البشارة والنذارة

من أشرف المهمات التي كلف بها الرسل هي البشارة والنذارة، وكثيراً ما نلحظ في الآيات أن الله يجمع بين مهمة النذارة والبشارة، فيقول: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ[٣٢٧].

﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ[٣٢٨].

وفي هذا إشارة إلى أن الجمع بينهما هو خير أنواع الحث والحض؛ وما ذلك إلا لأن «النفس الإنسانية مطبوعة على طلب الخير لذاتها، ودفع الشر عنها، فإذا بصر الرسل النفوس بالخير العظيم الذي يحصلونه من وراء الإيمان والأعمال الصالحة؛ فإن النفوس تشتاق إلى تحصيل ذلك الخير، وعندما تبين لها الأضرار العظيمة التي تصيب الإنسان من وراء الكفر والضلال؛ فإن النفوس تهرب من هذه الأعمال»[٣٢٩].

فالرسل إذاً مبشرون برحمة الله، وبما أعده الله لأهل الإيمان من السعادة في الدنيا، وعند الموت، وفي القبر وفي أرض الحشر، وفي دار السعداء في جنةٍ عرضها السماوات والأرض.

قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ[٣٣٠].

وقال أيضاً: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ[٣٣١].

﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ[٣٣٢].

ففي هذه الآيات يظهر لنا كيف أن «المقصود من بعثة الأنبياء أن يبشروا الخلق على اشتغالهم بعبودية الله»[٣٣٣] يبشروا «من أطاع الله بثمرات الطاعات من الرزق، والقوة في البدن والقلب، والحياة الطيبة، وأعلى ذلك، الفوز برضوان الله والجنة»[٣٣٤].

والبشارة هي «الإخبار بما يسر قبل أن يقع»[٣٣٥]. ولما كان الأنبياء والرسل يأتون بما يخالف الأهواء وتأباه النفوس فلا غرو كان حاجتهم شديدة للبشارة، وما ذلك إلا لأنها تهيئ السامع بما تحويه من ترغيب، فيبادر إلى التنفيذ والامتثال بكل عزمه وطاقته.

وتأمل كيف أن الإنسان شديد الحرص على المال ولنفسه تعلق كبير به، ولكنه حينما تأتيه بشارة كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ[٣٣٦].

حينما يسمع مثل هذه البشارة العظيمة والتي تعده بمضاعفة الأجر وزيادته، فلاشك أن أصابعه ستنبسط للعطاء، وسيقبل عليه بنفس منشرحة [٣٣٧].

وعن عبد الله بن مسعود قال: (لما نزلت هذه الآية: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ[٣٣٨]. (قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله، وإن الله ليريد منا القرض؟ قال: (نعم يا أبا الدحداح). قال: أرني يدك يا رسول الله، قال: فناوله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي، وله حائط فيه ستمائة نخلة، وأم الدحداح فيه وعيالها، قال: فجاء أبو الدحداح فناداها: يا أم الدحداح، قالت: لبيك، قال: اخرجي فقد أقرضته ربي عز وجل. وفي رواية أنها قالت له: ربح بيعك يا أبا الدحداح، ونقلت منه متاعها وصبيانها، فقال (ص): (كم من عذقٍ رداح في الجنة لأبي الدحداح). وفي لفظ: (رب نخلة مدلاة عروقها در وياقوت لأبي الدحداح في الجنة)[٣٣٩].

وهكذا تفعل البشارة في القلوب؛ ولذا كان النبي دوماً يوصي أصحابه بالتبشير؛ لأنه أعون على جذب القلوب فعن أبي موسى قال: (كان رسول الله (ص) إذا بعث أحداً من أصحابه في بعض أمره، قال: (بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا)[٣٤٠].

والذي يتأمل في دعوات الرسل لأقوامهم يدرك حضور البشارة دوماً في ثنايا كلامهم.

فهذا نوح (ع) يقول لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً[٣٤١].

وهذا هود (ع) يقول لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ[٣٤٢].

والنبي (ص) في بيعة العقبة الثانية حيث بايع الأنصار على حرب الأحمر والأسود، نلحظ كيف أنه لما اشترط عليهم أن يمنعوه ويقاتلوا دونه، بشرهم بأن الجنة هي جزاء الوفاء[٣٤٣].

وهكذا يظهر لنا كيف أن التبشير مهمة أصيلة من مهام الرسل.

وكذلك النذارة فهي من أعظم مهمات الأنبياء التي كلفهم الله بها، أن يقوموا بإنذار الناس ما أعده الله من العذاب لمن خالف أمره وعصاه.

قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ[٣٤٤].

وقال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ[٣٤٥].

والإنذار: «هو الإعلام المقترن بتهديد وتخويف، وكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذاراً»[٣٤٦].

والنذارة من أعظم وظائف الأنبياء، وهي من مظاهر رحمة الله بخلقه؛ إذ جعل أنبيائه منذرين عقوبته لمن عصاه؛ حتى يتلافى الإنسان أسباب الهلاك والخسارة.

قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ[٣٤٧].

وقال تعالى عن نبيه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ[٣٤٨].

وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً[٣٤٩].

ونلحظ في هذه الآية أنه قال: ﴿تَبَارَكَ و«هو من البركة»[٣٥٠].

ثم بين في ختام الآية أن عبده محمداً (ص) نذير، والإنذار -كما سبق- فيه تخويف، فكيف يجتمعان؟!

هذا ما أجاب عنه الرازي بقوله: «أن الإنذار يجري مجرى تأديب الولد، وكما أنه كلما كانت المبالغة في تأديب الولد أكثر كان الإحسان إليه أكثر؛ لما أن ذاك يؤدي في المستقبل إلى المنافع العظيمة، فكذا هاهنا كلما كان الإنذار كثيراً كان رجوع الخلق إلى الله أكثر، فكانت السعادة الأخروية أتم وأكثر»[٣٥١].

فالمقصود أن هذا الإنذار المكلف به الرسل إنما هو من رحمة الله بخلقه وعنايته بهم.

ولما كان الرسل يأتون الناس بأوامر ونواهي تكبح جماح النفس، وتروضها كان لابد لهم في ذلك من البشارة -كما مر- ولكن أيضاً يحتاجون كذلك وبشدة إلى النذارة، فبعض الناس يكفيه التبشير، وبعضهم لا يستجيب إلا بالتخويف والترهيب، من أجل ذلك كانت النذارة من صلب مهمات الرسل، حتى نجد القرآن قصر في بعض آياته مهمتهم عليه.

يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ[٣٥٢].

وقال الله لنبيه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ[٣٥٣].

وقال نوح (ع): ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ[٣٥٤].

وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ[٣٥٥].

فاقتصر سبحانه على الإنذار «لأن أبرز جانب في حياة الرسل هو الجانب الإنذاري، حيث كانت حياتهم جهاداً متصلاً لأهل الكفر والضلال»[٣٥٦].

والمقصود أن البشارة والنذارة من أعظم مهمات الأنبياء، وأبرز جوانب حياتهم.[٣٥٧]

الحكم بما أنزل الله

الحكم بما أنزل الله ليس بالأمر الهين فهو من المقاصد العظيمة، والغايات الكبيرة التي تحتاج في سبيلها بذل الغالي والثمين والنفس والنفيس؛ وذلك لأنها تلقى معارضة شديدة من «الكبراء والطغاة وأصحاب السلطان الموروث؛ ذلك أنه سينزع عنهم رداء الألوهية الذي يدعونه، ويرد الألوهية لله خالصة، حين ينزع عنهم حق الحاكمية والتشريع والحكم بما يشرعونه هم للناس مما لم يأذن به الله، وستواجهه معارضة أصحاب المصالح المادية القائمة على الاستغلال والظلم والسحت؛ ذلك أن شريعة الله العادلة لن تبقي على مصالحهم الظالمة، وستواجهه معارضة ذوي الشهوات والأهواء والمتاع الفاجر والانحلال؛ ذلك أن دين الله سيأخذهم بالتطهر منها، وسيأخذهم بالعقوبة عليها، وستواجهه معارضة جهات شتى غير هذه وتيك وتلك ممن لا يرضون أن يسود الخير والعدل والصلاح في الأرض»[٣٥٨] فهي إذاً مهمة لا يقوى عليها إلا النفوس الكبيرة، والقلوب العظيمة؛ ولذا جعلها الله من مهمات رسله وأنبيائه الكرام.

قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ[٣٥٩].

ففي هذه الآية يخبرنا المولى جل جلاله كيف أنه أنزل التوراة فيها هدى ونور، وكيف أنه قد «حكم بها النبيون -الذين انقادوا لحكم الله، وأقروا به- بين اليهود، ولم يخرجوا عن حكمها ولم يحرفوها»[٣٦٠]. وهذا يبين شدة التزام الرسل والأنبياء، وفرط عنايتهم بهذا الأمر.

وقال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ[٣٦١].

وفي هذه الآية يظهر كيف أن الله جعل داوود (ع) خليفة، وعرفه أن مهمته هي الحكم بما أنزل الله ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ أي: «فاحكم بينهم بالعدل وبشريعة الله التي أنزلها عليك»[٣٦٢] وتفريع أمره بالحكم بين الناس بالحق على جعله خليفة «للدلالة على أن ذلك واجبه»[٣٦٣]. وهذا يوضح أن قضية الحكم بما أنزل الله من المهمات التي حملها الله لرسله.

وقد جاءت آيات كثيرة تأمر النبي (ع) بالحكم بما أنزل، ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ[٣٦٤].

أي: فاحكم يا محمد «بما أنزل الله إليك في هذا الكتاب العظيم»[٣٦٥] ومهمة الرسول في الحكم بما أنزل الحكم بما أنزل الله ليست لبعض الناس دون بعض، وإنما هي لعموم الناس، وتأمل كيف أنه قدم «بَيْنَهُمْ».

للاعتناء ببيان تعميم الحكم لهم[٣٦٦].

ومما يدل على شدة خطورة هذه المهمة إظهار لفظ الجلالة ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللهُ.

فهذا الإظهار «لتربية المهابة»[٣٦٧] وكذا تحذير النبي من اتباع أهواء من يتحاكمون إليه، وفي هذا لاشك دلالة على أهمية هذه المهمة، وأنها لا تقبل التفريط فيها بحال.

وبعد هذه الآية مباشرة جاء التأكيد على النبي في وجوب التزامه في أحكامه بما أنزل الله مرة أخرى ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ[٣٦٨].

وذلك لتأكيد هذا الأمر «لأن اليهود كانوا لا يكفون عن محاولتهم فتنته (ص)»[٣٦٩].

أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: «قال كعب بن أسد وابن صوريا وشاس بن قيس بعضهم لبعضٍ: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه! فأتوه. فقالوا: يا محمد إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وأنا إن اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا، وأن بيننا وبين قومنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن لك ونصدقك! فأبى رسول الله (ص)، فأنزل الله فيهم ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ.إلى قوله: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ[٣٧٠]»[٣٧١].

يريد بذلك بيان أن الحكمة في إنزال هذه الآية «إقرار النبي على ما فعل، والأمر بالثبات على ما سار عليه من التزام حكم الله، وعدم الانخداع لليهود»[٣٧٢].

وهناك نماذج عملية كثيرة ذكرها القرآن لحكم نبيه محمد (ص) بما أنزل الله تعالى، منها الآتي:

روى الإمام مسلم عن البراء بن عازب قال: (مر على النبي (ص) بيهوديٍ محمماً مجلوداً، فدعاهم (ص)، فقال: (هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟) قالوا: نعم، فدعا رجلاً من علمائهم، فقال: (أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟) قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيءٍ نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، فقال رسول الله (ص): (اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه) فأمر به فرجم، فأنزل الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ[٣٧٣]. يقول: ائتوا محمداً (ص)، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ[٣٧٤].

﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[٣٧٥].

﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[٣٧٦] في الكفار كلها[٣٧٧].

وروى الإمام أحمد عن خولة بنت ثعلبة قالت: (في -والله- وفي أوس بن صامتٍ أنزل الله جل جلاله صدر سورة المجادلة، قالت: كنت عنده وكان شيخاً كبيراً قد ساء خلقه وضجر، قالت: فدخل علي يوماً فراجعته بشيءٍ فغضب، فقال: أنت علي كظهر أمي، قالت: ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعةً، ثم دخل علي، فإذا هو يريدني على نفسي، قالت: فقلت: كلا والذي نفس خويلة بيده، لا تخلص إلي وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه، قالت: فواثبني وامتنعت منه، فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف، فألقيته عني، قالت: ثم خرجت إلى بعض جاراتي فاستعرت منها ثيابها، ثم خرجت حتى جئت رسول الله (ص) فجلست بين يديه، فذكرت له ما لقيت منه، فجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه، قالت: فجعل رسول الله (ص) يقول: (يا خويلة ابن عمك شيخٌ كبيرٌ فاتقي الله فيه). قالت: فوالله ما برحت حتى نزل في القرآن، فتغشى رسول الله (ص) ما كان يتغشاه، ثم سري عنه، فقال لي: (يا خويلة، قد أنزل الله فيك وفي صاحبك) ثم قرأ علي: ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ[٣٧٨]. إلى قوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ[٣٧٩]. فقال لي رسول الله (ص): (مريه فليعتق رقبةً). قالت: فقلت: والله يا رسول الله ما عنده ما يعتق، قال: (فليصم شهرين متتابعين). قالت: فقلت: والله يا رسول الله إنه شيخٌ كبيرٌ ما به من صيامٍ، قال: (فليطعم ستين مسكيناً، وسقاً من تمرٍ). قالت: فقلت: والله يا رسول الله ما ذاك عنده، قالت: فقال رسول الله (ص): (فإنا سنعينه بعرقٍ من تمرٍ). قالت: فقلت: وأنا يا رسول الله سأعينه بعرقٍ آخر، قال: (قد أصبت وأحسنت، فاذهبي فتصدقي عنه، ثم استوصي بابن عمك خيراً). قالت: ففعلت)[٣٨٠].

وبذلك يظهر كيف أن الحكم بما أنزل الله من مهمات الرسل العظيمة التي قام بها الرسل والتزموها، نسأل الله أن يوفقنا لحسن التزام أحكامه.[٣٨١]

الشهادة على الأمة

من مهمات الأنبياء الجليلة والخطيرة في آنٍ الشهادة على أممهم؛ وذلك يوم القيامة، يوم يجمع الله الأولين والآخرين في موقف عظيم مهيب، فيشهد الأنبياء والمرسلون بأنهم بلغوا أممهم رسالات الله، ويشهدوا بما كان من أممهم من إيمان وكفر، وتصديق وتكذيب.

قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ[٣٨٢].

«وشاهد كل أمة نبيها، يشهد عليها بتصديقها وتكذيبها»[٣٨٣].

وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ[٣٨٤].

قال القرطبي: «هم الأنبياء شهداء على أممهم يوم القيامة بأنهم قد بلغوا الرسالة، ودعوهم إلى الإيمان»[٣٨٥].

فإذا شهد الأنبياء بما بلغوا به أقوامهم، وبما كان من أقوامهم من تصديق وتكذيب؛ سقطت كل حجة للمكذبين، وبطل كل عذر، وفضحوا على رؤوس الأشهاد؛ ولذا قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ[٣٨٦].

فقوله: «﴿لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا في الاعتذار؛ لأن اعتذارهم بعدما علم يقيناً بطلان ما هم عليه اعتذار كاذب لا يفيدهم شيئًا ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ وإن طلبوا أيضاً الرجوع إلى الدنيا ليستدركوا لم يجابوا ولم يعتبوا، بل يبادرهم العذاب الشديد الذي لا يخفف عنهم من غير إنظار ولا إمهال من حين يرونه»[٣٨٧].

ويقول صاحب الظلال: «الذين كفروا واقفون لا يؤذن لهم في حجة ولا استشفاع، ولا يطلب منهم أن يسترضوا ربهم بعمل أو قول، فقد فات أوان العتاب والاسترضاء، وجاء وقت الحساب والعقاب»[٣٨٨].

ولأجل هذا المعنى بكى رسول الله (ص)، فقد جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: (قال لي النبي (ص): (اقرأ علي) قلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: (نعم). فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيداً[٣٨٩]. قال: (حسبك الآن) فالتفت إليه، فإذا عيناه تذرفان[٣٩٠].

فالنبي -لما أودع الله في قلبه من الرحمة- يبكي؛ لأنه يعلم أن بشهادته وشهادة إخوانه من الأنبياء يهلك كل من كذب وكفر.

فكل نبي من الأنبياء شهيد على أمته، يشهد بين يدي ربه يوم القيامة بأنه بلغ قومه، وأدى رسالة ربه، فلا يجد المكذبون يومئذٍ مفراً ولا مهرباً.

ومن خصائص الأمة المحمدية أن الله جعلها ونبيها (ص) شهداء على الناس يوم القيامة، وشهداء للرسل صلوات الله عليهم وتسليماته.

وبشهادتهم يضيق على المكذبين كل سبيل للإنكار، ويزدادون إحراجاً وتبكيتاً.

وقد جاء هذا في بعض آيات القرآن الحكيم، وفي بعض الآثار المروية عن رسول الله (ص).

قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً[٣٩١].

«فمعنى ذلك: وكذلك جعلناكم أمة وسطاً عدولاً؛ لتكونوا شهداء لأنبيائي ورسلي على أممها بالبلاغ، أنها قد بلغت ما أمرت ببلاغه من رسالاتي إلى أممها، ويكون رسولي محمد (ص) شهيداً عليكم، بإيمانكم به، وبما جاءكم به من عندي»[٣٩٢].

وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (ص): (يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، وأكثر من ذلك، فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا، فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فيقال له: من يشهد لك؟ فيقول: محمدٌ وأمته، فيدعى وأمته، فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم، فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاءنا نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا، فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً قال: يقول: عدلاً ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً.[٣٩٣].

«فإذا قال قائل: كيف تشهد وهي لم تر؟ نقول: لكنها سمعت عمن خبره أصدق من المعاينة (ص)»[٣٩٤].

«فإن قيل: كيف يقبل حكمهم على غيرهم والحال أن كل مختصمين غير مقبول قول بعضهم على بعض؟ قيل: إنما لم يقبل قول أحد المتخاصمين لوجود التهمة، فأما إذا انتفت التهمة وحصلت العدالة التامة، كما في هذه الأمة فإنما المقصود الحكم بالعدل والحق، وشرط ذلك العلم والعدل وهما موجودان في هذه الأمة، فقبل قولها، فإن شك شاك في فضلها وطلب مزكياً لها فهو أكمل الخلق نبيهم (ص)، فلهذا قال تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً»[٣٩٥].

وجاء في أكثر من آية -كما مر معنا- أن الأنبياء يشهدون يوم القيامة على أممهم، كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ[٣٩٦].

وكقوله: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلَاءِ[٣٩٧].

ولكن هناك آية قد توهم خلاف هذا، وهي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ[٣٩٨].

ففي قولهم: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ.

ما يوهم التعارض بين هذه الآية وما ذكر قبلها من الآيات الدالة على إثبات الشهادة لهم.

وقد أجاب العلماء رحمهم الله عن هذا الاستشكال بأجوبة كثيرة، فقالوا:

  1. لم يكن ذلك من الرسل إنكاراً أن يكونوا عالمين بما عملت أممهم، ولكنهم ذهلوا عن الجواب من هول ذلك اليوم، ثم أجابوا بعد أن ثابت إليهم عقولهم بالشهادة على أممهم، وهذا القول حكاه الطبري عن السدي والحسن ومجاهد[٣٩٩].
  2. «قيل: يعلمون أن الغرض بالسؤال توبيخ أعدائهم، فيكلون الأمر إلى علمه وإحاطته بما منوا به منهم، وكابدوا من سوء إجابتهم، إظهاراً للتشكي واللجأ إلى ربهم في الانتقام منهم؛ وذلك أعظم على الكفرة، وأفت في أعضادهم، وأجلب لحسرتهم وسقوطهم في أيديهم، إذا اجتمع توبيخ الله، وتشكي أنبيائه عليهم»[٤٠٠].
  3. قيل: معنى قوله: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ. ماذا عملوا بعدكم؟ قالوا: ﴿لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ. ويشبه هذا حديث النبي (ص) أنه قال: (يرد علي أقوام الحوض فيختلجون، فأقول: أمتي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)[٤٠١]. [٤٠٢].
  4. قيل: معنى الآية: لا علم لنا إلا علماً أنت أعلم به منا. وهو محكي عن ابن عباس[٤٠٣]. وقال الطبري معلقاً: «وقول ابن عباس أصوب هذه المناحي؛ لأنه يتخرج على التسليم لله تعالى، ورد الأمر إليه، إذ قوله: (پ پپ) علم عندهم في جوابه إلا بما شوفهوا به مدة حياتهم، وينقصهم ما في قلوب المشافهين من نفاق ونحوه، وما ينقصهم ما كان بعدهم من أمتهم، والله تعالى يعلم جميع ذلك على التفصيل والكمال» [٤٠٤].[٤٠٥]

سنة الله في النبوة

لله تعالى سنن في اصطفاء من يصلح لمقام النبوة نتناولها فيما يلي:

أن يكونوا من البشر

مما اقتضته سنة الله تعالى في أنبيائه المبعوثين إلى خلقه أن يكونوا بشراً، قال جل جلاله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ[٤٠٦].

وقال تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ[٤٠٧].

وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ[٤٠٨].

فكل الظروف التي تحيط بنا تحيط بالرسل، وكل الضغوط يتحملونها، والبيئات يعيشونها، والملابسات يمرون بها، فلذلك حينما ينتصرون على أنفسهم يكون الأنبياء حجة علينا، ولا يقنع الإنسان أن يكون النبي ملكاً، فلا بد من أن يكون من بني البشر، يشتهي كما نشتهي، ويحب كما نحب، ويغضب كما نغضب، ولكنه انتصر على نفسه وسار على منهج الله، ودعا إلى الله. فالأنبياء ما هم إلا خلق من خلق الله، اصطفاهم الله لرسالاته، وأيدهم بوحيه، ورفعهم على خلقه بهذا الاصطفاء، لكنهم بشر يأكلون ويشربون وينكحون، ويصيبهم ما يصيب البشر من الأمراض، ويجري عليهم من أمر الموت ما يجري على البشر جميعاً.

ولما كان الأنبياء بشراً كسائر البشر نجد أنهم كانت تعتريهم أمور من مقتضيات البشرية التي كتبها الله على بني البشر، ومن هذه الأمور:

١. أنهم يجوعون ويأكلون: فالبشر جميعاً يجوعون ويأكلون فطرةً، وقد أخبر الله تعالى في أكثر من آية أن الأنبياء كانوا كذلك، يجوعون فيأكلون.

قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ[٤٠٩].

وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ[٤١٠].

وقال: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً[٤١١].

وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً[٤١٢].

٢. يتزوجون: قال تعالى مبيناً أن الزواج سنة الأنبياء والمرسلين من قبل النبي محمد (ص): ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ[٤١٣].

يقول الطبري في تفسير الآية: «يقول تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا يا محمد ﴿رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ إلى أمم قد خلت من قبل أمتك، فجعلناهم بشراً مثلك، لهم أزواج ينكحون، وذرية أنسلوهم، ولم نجعلهم ملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون، فنجعل الرسول إلى قومك من الملائكة مثلهم، ولكن أرسلنا إليهم بشراً مثلهم، كما أرسلنا إلى من قبلهم من سائر الأمم بشراً مثلهم»[٤١٤].

وقال تعالى عن زكريا: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ[٤١٥].

وقال عن أيوب: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ[٤١٦].

وقال الرجل الصالح لموسى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ[٤١٧].

وقال الله أيضاً عن موسى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ[٤١٨].

وقال عن نبيه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ[٤١٩].

فهذه الآيات جميعاً تبين أن الأنبياء كانوا يتزوجون وينكحون النساء كسائر البشر.

٣. يقومون بأعمال بشرية: الأنبياء بشر، كانوا يعملون كسائر البشر، ويزاولون ما كان البشر يزاولونه من أعمال.

فموسى (ع) يستأجره الرجل الصالح ليعمل معه فيما عنده من أعمال: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ[٤٢٠].

وداوود يصنع دروعاً لتحمي المحاربين في ساحات المعارك من وقع الأسلحة عليهم.

قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ[٤٢١].

ونوح يصنع الفلك بنفسه، قال تعالى عنه: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا[٤٢٢].

وبينت السنة أن ما من أحد من الأنبياء إلا ورعى الغنم، قال النبي (ص): (ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم) فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: (نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)[٤٢٣].

وهكذا كان الأنبياء يقومون بأعمال بشرية كسائر البشر.

٤. يتعرضون للبلاء: فإن الأنبياء كسائر الخلق يتعرضون للبلاء، وينالهم الأذى أحياناً، بل إن أكثر الناس بلاء هم الأنبياء، قال (ص): «إِنَّ مِنْ أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»[٤٢٤].

وذكر القرآن الكثير من بلاءات الرسل، فيوسف (ع) سجن، قال تعالى عنه: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ[٤٢٥].

ويعقوب (ع) ذهب بصره، قال تعالى عنه: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ[٤٢٦].

وبيع ولده يوسف بعد خطفه.

وإبراهيم (ع) ألقي في النار المؤججة.

قال تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ[٤٢٧].

ويونس (ع) التقمه الحوت، فلبث في بطنه ما شاء الله له، قال تعالى عنه: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ[٤٢٨].

وأيوب (ع) ابتلي بالمرض.

قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ[٤٢٩].

ومحمد (ع) أخرج من أحب البلاد إليه، قال تعالى عن نبيه محمد: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا[٤٣٠].

إلى غير هذا مما هو معروف ومشهور في القرآن والسنة.

٥. يموتون: قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ[٤٣١].

وقال سبحانه لنبيه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ[٤٣٢].

وقال مخاطباً نبيه أيضاً: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ[٤٣٣].

وقد مات كل الأنبياء عليهم صلوات الله وتسليماته غير أن أجسادهم لا تبلى كما أخبر رسول الله (ص) [٤٣٤].[٤٣٥]

الحكمة من جعل الرسل من البشر

ولقد اعترض أعداء الرسل وخصومهم على كون الرسل بشراً، وكان هذا من أعظم ما صد الناس عن الإيمان واتباع هدى الله.

قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولاً[٤٣٦].

بل إنهم جعلوا من بشرية الرسل سبباً لتقبيح السير وراءهم أو اتباع هديهم ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخَاسِرُونَ[٤٣٧].

﴿فَقَالُوا أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ[٤٣٨].

وقد اقترح أعداء الرسل أن يكون الرسل الذين يبعثون إليهم من الملائكة يعاينونهم ويشاهدونهم، أو على الأقل يبعث مع الرسول البشري رسولاً من الملائكة ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا[٤٣٩].

﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً[٤٤٠].

لكن حكمة الله شاءت أن يكون أنبياؤه بشراً، وليسوا ملائكة، وجعل لهذه الحكمة العديد من الفوائد لمن تأمل نصوص الكتاب العزيز، ومن هذه الفوائد ما يلي:

١. يسهل اتباعهم والأخذ عنهم: فمن لطف الله ورحمته بعباده أن جعل الأنبياء المبعوثين إليهم رسلاً؛ لأنه لو جعل الأنبياء ملائكة مثلاً لما تيسر للبشر أن يأخذوا عنهم العلم والإيمان، ولما تمكنوا من فهمهم ومواجهتهم لاختلاف الجنس.

يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ[٤٤١]: «يقول تعالى منبهاً على لطفه ورحمته بعباده: إنه يبعث إليهم الرسول من جنسهم؛ ليفقهوا عنه ويفهموا منه، لتمكنهم من مخاطبته ومكالمته، ولو بعث إلى البشر رسولاً من الملائكة لما استطاعوا مواجهته، ولا الأخذ عنه، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ[٤٤٢]؛ ولهذا قال ها هنا: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ[٤٤٣].

أي: كما أنتم فيها ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَسُولاً[٤٤٤] أي: من جنسهم، ولما كنتم أنتم بشراً، بعثنا فيكم رسلنا منكم لطفاً ورحمة» [٤٤٥].

«فمن رحمة الله عز وجل بخلقه أنه يرسل إلى كل صنف من الخلائق رسلاً منهم؛ ليدعو بعضهم بعضاً، وليمكن بعضهم أن ينتفع ببعض في المخاطبة والسؤال، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ[٤٤٦]».[٤٤٧]

٢. قدرة البشر على القيادة والتوجيه: فمن حكم جعل الأنبياء بشراً وليس ملائكة أن البشر أقدر على القيادة والتوجيه، وهم الأصلح ليكونوا قدوة وأسوة.

يقول سيد قطب في هذا: «وإنها لحكمة تبدو في رسالة واحد من البشر إلى البشر، واحد من البشر يحس بإحساسهم، ويتذوق مواجدهم، ويعاني تجاربهم، ويدرك آلامهم وآمالهم، ويعرف نوازعهم وأشواقهم، ويعلم ضروراتهم وأثقالهم، ومن ثم يعطف على ضعفهم ونقصهم، ويرجو في قوتهم واستعلائهم، ويسير بهم خطوة خطوة، وهو يفهم بواعثهم وتأثراتهم واستجاباتهم؛ لأنه في النهاية واحد منهم، يرتاد بهم الطريق إلى الله بوحي من الله وعون منه على وعثاء الطريق.

وهم من جانبهم يجدون فيه القدرة الممكنة؛ لأنه بشر مثلهم، يتسامى بهم رويداً رويداً، ويعيش فيهم بالأخلاق والأعمال والتكاليف التي يبلغهم أن الله قد فرضها عليهم، وأرادها منهم، فيكون بشخصه ترجمة حية للعقيدة التي يحملها إليهم، وتكون حياته وحركاته وأعماله صفحة معروضة لهم، ينقلونها سطراً سطراً، ويحققونها معنى معنى، وهم يرونها بينهم، فتهفوا نفوسهم إلى تقليدها؛ لأنها ممثلة في إنسان»[٤٤٨].

٣. صعوبة رؤية الملائكة: لقد مر بنا كيف أن الكفار اقترحوا أن يكون الرسل إليهم ملائكة؛ وذلك لأنهم لا يدركون طبيعة الملائكة، ولا يعلمون مدى المشقة والعناء الذي سيلحق بهم من جراء ذلك.

فالاتصال بالملائكة ورؤيتهم أمر ليس بسهل أبداً، فالرسول (ص) مع كونه أفضل الخلق، وهو على جانب عظيم من القوة الجسمية والنفسية عندما رأى جبريل على صورته أصابه هول عظيم[٤٤٩]، وقد كان (ص) يعاني من اتصال الوحي به شدة[٤٥٠]، ولذلك قال تعالى في الرد عليهم: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً[٤٥١].

«ذلك أن الكفار لا يرون الملائكة إلا حين الموت أو حين نزول العذاب، فلو قدر أنهم رأوا الملائكة لكان ذلك اليوم يوم هلاكهم»[٤٥٢].

٤. أقوى في إقامة الحجة: إذ لو قدر أن كان الأنبياء ملائكة لأمكن للناس أن يحتجوا بعدم قدرتهم على اتباعهم، وتقليدهم لاختلاف جنسهم عن جنس الملائكة، ولقالوا هذا ملك له قدرات وطاقات تختلف عن طاقاتنا وقدراتنا، فالله عز وجل لو جعل أنبياءه ملائكة لسقطت الحجة، فلحكمة أرادها الله جعل أنبياءه ورسله من بني البشر، ولولا أن النبي بشرٌ يعاني ما يعانيه البشر، وتجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر، ولما كان حجة أمامنا، لو أن النبي ملك لا يشتهي، لا يتألم، لا يخاف، كيف يكون قدوة لنا؟ فلا بد من أن يكون هذا الرسول أو ذاك النبي من بني البشر، يعاني ما يعانيه البشر.

٥. أبلغ في التحدي: من حكمة جعل الله أنبياءه بشراً أن يكون ذلك أكثر تحدياً للناس، فمن المعروف أن الأنبياء يأتون أقوامهم بآيات ومعجزات، وأنباء من الغيب يطلعهم الله عليها أحياناً، فلو قدر أن كان الأنبياء ملائكة لكان ذلك أقل تحدياً للناس، لكن كونهم بشراً لهم قدرات البشر وإمكاناتهم، ثم يأتون بما يعجز البشر عن الإتيان بمثله، فهذا دليل، ولاشك على أنهم رسل الله الموحى إليهم من قبله.

يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ[٤٥٣]: «فمن زعم أني كاذب فليأت بمثل ما جئت به، فإني لا أعلم الغيب فيما أخبرتكم به من الماضي، عما سألتم من قصة أصحاب الكهف، وخبر ذي القرنين، مما هو مطابق في نفس الأمر، لولا ما أطلعني الله عليه»[٤٥٤].

هذا على أنه يجدر بنا أن نبين ختاماً أن الأنبياء مع طبيعتهم البشرية الخالصة إلا أنهم «يعدون إعداداً خاصاً لتحمل النبوة والرسالة، ويصنعون صنعاً فريداً ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي[٤٥٥].

واعتبر في هذا بحال نبينا محمد (ص) كيف رعاه الله وحاطه بعنايته على الرغم من يتمه وفقره (﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى[٤٥٦]».[٤٥٧].[٤٥٨]

أن يكونوا بلسان قومهم

جرت سنة الله تعالى في خلقه ألا يبعث نبياً ولا رسولاً إلا بلسان قومه.

قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ[٤٥٩].

بلسان قومه: أي: بلغتهم[٤٦٠].

وهذا من تمام منة الله وفضله على عباده «أنه ما أرسل رسولاً ﴿إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ما يحتاجون إليه، ويتمكنون من تعلم ما أتى به، بخلاف ما لو كانوا على غير لسانهم، فإنهم يحتاجون إلى أن يتعلموا تلك اللغة التي يتكلم بها، ثم يفهمون عنه، فإذا بين لهم الرسول ما أمروا به ونهوا عنه وقامت عليهم حجة الله ﴿فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ[٤٦١] ممن لم ينقد للهدى ﴿وَيَهْدِي مَن يَشَاء[٤٦٢] ممن اختصه برحمته»[٤٦٣].

فمن لوازم سنة الله في الأنبياء والمرسلين أن يكونوا بلسان قومهم؛ لأن المقصود من إرسالهم هداية الناس وإرشادهم إلى الحق والخير، وهذا لا يتأتى لهم على الوجه الأكمل والنحو الأفضل إلا إذا كانوا موافقين لأقوامهم في لغتهم.

«وهذه نعمة شاملة للبشر في كل رسالة، فلكي يتمكن الرسول من إخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، لم يكن بد من أن يرسل بلغتهم؛ ليبين لهم وليفهموا عنه، فتتم الغاية من الرسالة»[٤٦٤].

وهذا من تمام رحمة الله بخلقه -كما بينا- وهو كذلك من تمام الرسالة، وكمال حجة الله على خلقه، ومن تأمل كتاب الله يجد أن الأنبياء والمرسلين كثيراً ما وصفوا أو وصفت معجزاتهم أو كتبهم بالبيان والوضوح والظهور، قال تعالى في حق الكتاب: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ[٤٦٥].

وقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ[٤٦٦].

وقال: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ[٤٦٧].

وقال عن نبيه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ[٤٦٨].

وقال في عصا موسى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ[٤٦٩].

فقد جعل الله تعالى كتابه مبيناً، وآياته مبينة، ووصف نبيه بأنه مبين، ولاشك أن من أهم أدوات البيان اللغة، فهي أهم أدوات التواصل بين البشر؛ ولذا اقتضت سنة الله في رسله وأنبيائه أن يكونوا بلسان قومهم؛ ليكونوا في أعلى درجات البيان.

فـ «كل رسول لله جل ثناؤه أرسله إلى قوم فإنما أرسله بلسان من أرسله إليه، وكل كتاب أنزله على نبي، ورسالة أرسلها إلى أمة فإنما أنزله بلسان من أنزله أو أرسله إليه»[٤٧٠].

وإرسال الرسل بلسان أقوامهم «أبلغ في الحجة وأقطع للعذر، فربما كانوا يقولون عند اختلاف الألسنة: لا نفهم عنهم؛ إذ قالوا ذلك مع اتفاق اللغات، فقد قال قوم شعيب (ع): ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ[٤٧١].

هذا وهو يخاطبهم بلسانهم، فكيف لو كان على خلاف ذلك؟!»[٤٧٢].

يقول ابن القيم: فـ«لم يرسل الله رسولاً إلا بلسان قومه ليبين لهم، فتقوم عليهم الحجة بما فهموه من خطابه لهم» [٤٧٣].

كما أن إرسالهم بلسان قومهم أدعى للفهم وأعون عليه؛ لذا ما أرسل رسول «إلى أمة من الأمم إلا بلغة قومه الذين أرسل إليهم، ليفهمهم ما أرسل به بسهولة ويسر»[٤٧٤].

استشكال ودفعه:

من المعلوم أن الأنبياء قبل محمد (ص) كانوا يبعثون إلى قومهم خاصة، وأما رسول الله (ص) فقد بعث إلى الخلق عامة، لكن رسالته جاءت بلسان قومه الذين بعث فيهم وهم العرب، فكان القرآن بلسان عربي مبين، وهنا قد يظن البعض أن لغير العرب حجة أو عذراً في ترك الاهتداء بالقرآن لأنهم لا يفهمونه؟

وقد أجاب على هذه الشبهة القاسمي فقال: «لا يخلو إما أن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد منها، فلا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة؛ لأن الترجمة تنوب عن ذلك، وتكفي التطويل، فبقي أن ينزل بلسان واحد، فكان أولى الألسنة لسان قوم الرسول؛ لأنهم أقرب إليه، فإذا فهموا عنه وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر، قامت التراجم ببيانه وتفهيمه، كما ترى الحال وتشاهدها من نيابة التراجم في كل أمة من أمم العجم، مع ما في ذلك من اتفاق أهل البلاد المتباعدة والأقطار المتنازحة والأمم المختلفة والأجيال المتفاوتة على كتاب واحد، واجتهادهم في تعلم لفظه وتعلم معانيه، وما يتشعب من ذلك من جلائل الفوائد، وما يتكاثر في إتعاب النفوس وكد القرائح فيه من القرب والطاعات المفضية إلى جزيل الثواب؛ ولأنه أبعد من التحريف والتبديل وأسلم من التنازع والاختلاف؛ ولأنه لو نزل بألسنة الثقلين كلها مع اختلافها وكثرتها، وكان مستقلاً بصفة الإعجاز في كل واحد منها، وكلم الرسول العربي كل أمة بلسانها، كما كلم أمته التي هو منها - يتلوه عليهم معجزاً- لكان ذلك أمراً قريباً من الإلجاء»[٤٧٥]. [٤٧٦].[٤٧٧]

تزويدهم بالآيات

لما كان الأنبياء سفراء الله إلى خلقه يدعون الناس إلى الإيمان بهم وتصديقهم فيما يخبرونهم عنه، ويسألونهم طاعتهم فيما يأمرون به وفيما ينهون عنه؛ ولما كان الأنبياء يأتون أقوامهم بما يخالف عادتهم، كان لزاماً أن يقيموا الأدلة والبراهين على صدق نبوتهم وبعثتهم من قبل الله تعالى؛ حتى يقطعوا عن الناس الشك والريب في أمرهم، وحتى تكون هذه الأدلة والبراهين دليلاً واضحاً على صدق نبوتهم، وأيضاً خطاً فاصلاً بين النبي حقاً ومن يدعي النبوة.

لهذه الأسباب وغيرها كان تأييد الله تعالى لأنبيائه بالآيات الواضحات التي تثبت لدى كل منصف صدقهم في دعوتهم.

قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ[٤٧٨].

﴿بِالْبَيِّنَاتِ أي: «بالحجج والبراهين القاطعة على صحة ما يدعون إليه»[٤٧٩].

وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ[٤٨٠].

﴿بِالْبَيِّنَاتِ يعني: «بالواضحات من الحجج على صدقهم، وأنهم لله رسل»[٤٨١].

فالله تعالى قد جعل «دلائل الأنبياء وأعلامهم الدالة على صدقهم كثيرة متنوعة، كما أن دلائل كذب المتنبئين كثيرة متنوعة»[٤٨٢] وما ذلك إلا لأنه أبلغ في إقامة الحجة على الناس بأن هؤلاء الأنبياء هم رسل الله إلى خلقه وأنهم صادقون فيما يبلغون عنه، وفيما يظهرونه من أمر الوحي.

والآية في اللغة هي: «العلامة، والجميع: الآي»[٤٨٣]. وقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ[٤٨٤].

قال الزجاج: «معناه: نريهم الأعلام التي تدل على التوحيد في الآفاق»[٤٨٥].

وقد عرفت الآية في الاصطلاح بأنها: «أعلام ودلائل يؤيد بها الله -تبارك اسمه- عباده الأنبياء (ع)؛ ليدل بها على صدقهم، ولا يمكن لأحد من المكلفين أن يعارضها معارضة حقيقية، أو أن يأتي بمثلها عن طريق التعلم والتدرب للوصول إلى ذلك؛ إذ هي أمور خارقة تفوق قدرة المكلفين»[٤٨٦].

وكثيراً ما كان يطلق بعض العلماء على الآية لفظ المعجزة فيستعملهما بمعنى واحد، أو يعبر عن آيات الأنبياء بالمعجزات، غير أن هذه الكلمة -المعجزة-لم يرد ذكرها لا في الكتاب ولا في السنة. يقول ابن تيمية: «ليس في الكتاب والسنة لفظ المعجزة، وليس في الكتاب والسنة تعليق الحكم بهذا الوصف، وإنما فيه آيات وبراهين» [٤٨٧].

١. آية كل رسول: جعل الله تعالى لكل نبي من أنبيائه ما يدل على صدقه، ويرغم الناس على الاستسلام له ولما جاء به، وقد سمى الله ما آتاه أنبياءه مما يدل على صدقهم: آية، وفي بعض المواطن: بينة، وفي البعض الآخر: برهان.

فمما جاء بلفظ الآية قوله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ[٤٨٨].

أي: «دلالة ومعجزة وحجة، من الدلالات على وحدانية الرب عز وجل، وصدق رسله الكرام، فإنهم يعرضون عنها، فلا ينظرون فيها ولا يبالون بها»[٤٨٩].

وأما ما جاء بلفظ البينة فكثير، منه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ[٤٩٠].

وقوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ «يريد بالمعجزات، وهي بينة في أنفسها»[٤٩١].

ومما ورد بلفظ البرهان قوله تعالى: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ[٤٩٢].

ونلاحظ أن الله عز وجل أحياناً يعين لنا آية النبي، وأحياناً لا يعينها لنا.

وما عينه الله من ذلك فكثير مشهور كمعجزة نبي الله إبراهيم، ومعجزة نبيه صالح، ومعجزة نبيه موسى، ومعجزة نبيه عيسى، ومعجزة نبيه محمد صلوات الله عليهم أجمعين.

فهؤلاء الأنبياء قد ذكر الله لنا بعض الآيات التي أجراها على أيديهم ونص لنا عليها.

ومن الأنبياء من لم يعين الله لنا آيته أو معجزته، كنبي الله هود، فإن الله ذكر أن له بينة، لكنه لم يذكر ماذا كانت؟ ولا كيف كانت؟ قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ[٤٩٣].

﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ[٤٩٤].

حتماً أظهر الله لهود آية دالة على صدقه كحال غيره من الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ[٤٩٥].

ففي هذه الآية ذكر الله قوم عاد -الذين هم قوم هود (ع) من جملة الأقوام الذين أخبر الله عنهم بقوله: ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فهذا يعني أن هوداً أتى قومه ببينة أو معجزة، لكن الله لم ينص عليها ولم يعينها.

وكذا الحال في شعيب (ع) وقومه منصوص عليهم في الآية السابقة أيضاً، وهم أصحاب مدين، لكن الله أيضاً لم يعين لنا البينة التي أتى بها قومه.

وقد قال الله عنه: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ[٤٩٦].

يقول الزمخشري: «فإن قلت: ما كانت معجزته؟ قلت: قد وقع العلم بأنه كانت له معجزة، لقوله: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ولأنه لابد لمدعي النبوة من معجزة تشهد له وتصدقه، وإلا لم تصح دعواه، وكان متنبئًا لا نبياً، غير أن معجزته لم تذكر في القرآن كما لم تذكر أكثر معجزات نبينا (ص) فيه»[٤٩٧].

والمقصود أن من الأنبياء من عين الله لنا آيته التي جاء بها قومه، ونص عليها في القرآن، ومنهم لم يعين الله لنا آيته.

٢. أنواع الآيات: «إذا استقرأنا الآيات والمعجزات التي أعطاها الله لرسله وأنبيائه نجدها تندرج تحت ثلاثة أمور: العلم والقدرة والغنى.

فالإخبار بالمغيبات الماضية والآتية كإخبار عيسى قومه بما يأكلونه وما يدخرونه في بيوتهم، وإخبار رسولنا (ص) بأخبار الأمم السابقة، وإخباره بالفتن وأشراط الساعة التي ستأتي في المستقبل كل ذلك من باب العلم.

وتحويل العصا أفعى، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، وشق القمر وما أشبه هذا من باب القدرة.

وعصمة الله لرسوله (ص) من الناس، وحمايته له ممن أراد به سوءًا، ومواصلته للصيام مع عدم تأثير ذلك على حيويته ونشاطه من باب الغنى.

وهذه الأمور الثلاثة: العلم، والقدرة، والغنى، التي ترجع إليها المعجزات لا ينبغي أن تكون على وجه الكمال إلا لله تعالى، ولذلك أمر الله رسوله (ص) بالبراءة من دعوى هذه الأمور ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ[٤٩٨]».[٤٩٩]

وقد كان من سنة الله في رسله عادة أن يظهر على أيديهم آيات من جنس ما برع فيه أقوامهم؛ ليكون أقوى في التحدي، وأظهر في الحجة، قال رسول الله (ص): «مَا مِنِ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٍّ إِلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلَهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبِشْرِ، وَ إِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتَ وَحْياً أوحاه اللهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرُهُمْ تَابِعاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[٥٠٠].

يقول ابن حجر معلقاً: «كانت معجزة كل نبي تقع مناسبة لحال قومه كما كان السحر فاشياً عند فرعون، فجاءه موسى بالعصا على صورة ما يصنع السحرة، لكنها تلقفت ما صنعوا ولم يقع ذلك بعينه لغيره، وكذلك إحياء عيسى الموتى وإبراء الأكمه والأبرص لكون الأطباء والحكماء كانوا في ذلك الزمان في غاية الظهور فأتاهم من جنس عملهم بما لم تصل قدرتهم إليه؛ ولهذا لما كان العرب الذين بعث فيهم النبي (ص) في الغاية من البلاغة جاءهم بالقرآن الذي تحداهم أن يأتوا بسورة مثله، فلم يقدروا على ذلك»[٥٠١].

٣. نماذج من آيات الأنبياء: في القرآن كثير من الآيات التي تبين تأييد الله تعالى لأنبيائه بالآيات والمعجزات، وفيما يلي عرض لبعضها:

  1. آية إبراهيم (ع): أيد إبراهيم (ع) ببعض الآيات التي بينت صدق نبوته وصحة بعثته من قبل الله، وكان من أعظم آياته (ص) ما كان من إنجاء الله له من النار التي ألقاه قومه فيها؛ وذلك بعد أن حطم إبراهيم أصنامهم إلا كبيراً لهم، فعزم قومه على إحراقه في النار العظيمة فنجاه الله منها. قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ[٥٠٢]. وقال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ[٥٠٣].
  2. آية صالح (ع): لما دعا صالح (ع) ثمود إلى عبادة الله وحده، ونبذ ما عداه كذبه قومه وقالوا له: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ[٥٠٤]. فلما طلبوا منه آية تثبت صحة دعواه آتاه الله الناقة آية مبصرة بينة، شاهدة بصدق نبوته. قال تعالى: ﴿َ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا[٥٠٥]. وذكر بعض المفسرين أن ثمود اجتمعوا يوماً في ناديهم، فلما جاءهم صالح (ع) يعظهم طلبوا منه آية على صدق نبوته، فدعا صالح ربه فأخرج لهم الناقة من الصخرة[٥٠٦].
  3. آية موسى (ع): تعددت الآيات التي أرسل الله بها موسى إلى بني إسرائيل. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ[٥٠٧]. وهذه الآيات التسع هي: العصا: وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى[٥٠٨]. تلألؤ يده إذا أدخلها في جيبه ثم نزعها: وذلك قوله تعالى: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى[٥٠٩]. إصابة بني إسرائيل بما يلي: السنين ونقص الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وقد ورد ذكر هذه الآيات في آيتين من سورة الأعراف، قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ[٥١٠]. وقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ[٥١١]. على أن أعظم الآيات التي آتاها الله موسى (ع) هي آية العصا التي انقلبت حية فآمن على إثرها السحرة. قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُم مُّوسَى أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ[٥١٢]. وقد كانت هذه الآية على مرأى ومسمع من بني إسرائيل وفي مقام التحدي لفرعون وملئه، فأظهر الله بها موسى عليهم، وخر السحرة ساجدين.
  4. آية عيسى (ع): ورد في القرآن العديد من الآيات التي أيد الله بها نبيه عيسى (ع) على قومه؛ لتبرهن على صدق نبوته وصحة بعثته، ومن هذا ما يلي:
    1. يخلق من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيجعله طيراً بإذن الله.
    2. يبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله.
    3. يحيي الموتى بإذن الله. وهذه الآيات كلها يجمعها قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ[٥١٣].
    4. إنزال المائدة من السماء: وذلك حين طلب منه بنو إسرائيل ذلك؛ إذ قالوا: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ[٥١٤]. فدعا عيسى (ع) ربه فأجابه ربه، وأنزل عليهم مائدة من السماء ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ قَالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ[٥١٥].
  5. آية نبي الله محمد (ص): أما رسول الله (ص) فقد تعددت آيات نبوته بقدر قدره الكريم وقيمة الرسالة المبعوث بها.
    1. القرآن أعظم الآيات: القرآن الكريم كتاب عظيم أوحي به إلى رسول الله (ص)، وهذا الكتاب العظيم يحمل بين دفتيه عدداً كبيراً من التشريعات التي تكفل للإنسانية حياة طيبة رضية إن التزمها الناس وعملوا بها، وقد جعل الله تعالى هذا الكتاب وحياً على الناس الإيمان به والعمل بما فيه، وفي الوقت نفسه جعله آية عظيمة، فلا يحتاج إلى آية من خارجه، فهو في نفسه آية، ولما طلب الكفار آية على صدق ما جاء به النبي بقولهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ[٥١٦]. كان الجواب: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ[٥١٧]. «وفي هذا الرد إنكار عليهم أن يطلبوا آيات مع هذه الآيات التي تتلى عليهم، إنها آيات لا تغرب شمسها، ولا يخبو ضوؤها أبد الدهر»[٥١٨]. «وقوله: (ڭ ۇ) عبارة تنبئ عن كون القرآن آية فوق الكفاية؛ وذلك لأن القائل إذا قال: أما يكفي للمسيء أن لا يضرب حتى يتوقع الإكرام ينبئ عن أن ترك الضرب في حقه كثير، فكذلك قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ وهذا لأن القرآن معجزة أتم من كل معجزة تقدمتها»[٥١٩]. فالقرآن أعظم الآيات وأظهر المعجزات لا يحتاج إلى آية، وإنما هو الآية التي عجز الفصحاء والبلغاء من أساطين البلاغة والبيان عن معارضته أو مشابهته حين تحداهم الله بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ[٥٢٠]. ولما عجزوا عن هذا كان عجزهم دليلاً على صدقه، وبرهاناً على حقيقة نبوته. و«شاء الله تعالى أن تكون معجزة محمد (ص) نمطاً مخالفاً لمعجزات الرسل، وكان الله قادراً على أن ينزل معجزة حسية تذهل من يراها: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ[٥٢١]. فلو شاء الله تعالى لأنزل من السماء آية قاهرة لا يملكون معها جدالاً ولا انصرافاً عن الإيمان، ويصور خضوعهم لهذه الآية في صورة حسية: (ٹ ٹ ٹ ٹ) ملوية محنية، حتى لكأن هذه هيئة لهم لا تفارقهم، فهم عليها مقيمون، ولكنه تعالى شاء أن يجعل معجزة هذه الرسالة الأخيرة آية غير قاهرة، لقد جعل آيتها القرآن، منهاج حياة كاملة، معجزاً في كل ناحية، معجزاً في بنائه التعبيري، وتنسيقه الفني، معجزاً في بنائه الداخلي، وتناسق أجزائه وتكاملها، معجزاً في يسر مداخله إلى القلوب والنفوس، ولمس مفاتيحها، وفتح مغاليقها، واستجاشة مواضع التأثر والاستجابة فيها، وعلاجه لعقدها ومشكلاتها في بساطة ويسر عجيبين، وفي تربيتها وتصريفها وفق منهجه بأيسر اللمسات، دون تعقيد ولا التواء ولا مغالطة»[٥٢٢]. أيضاً «فإن القرآن معجزة أتم من كل معجزة تقدمتها لوجوه:
      1. أن تلك المعجزات وجدت وما دامت، فإن قلب العصا ثعباناً مثلاً، وإحياء الميت لم يبق لنا منه أثر، فلو لم يكن واحد يؤمن بكتب الله ويكذب بوجود هذه الأشياء لا يمكن إثباتها معه بدون الكتاب، وأما القرآن فهو باقٍ لو أنكره واحد فنقول له: فأت بآية من مثله.
      2. هو أن قلب العصا ثعباناً كان في مكان واحد ولم يره من لم يكن في ذلك المكان، وأما القرآن فقد وصل إلى المشرق والمغرب وسمعه كل أحد»[٥٢٣].
    2. الإسراء والمعراج: من الآيات الشاهدة على صدق نبينا محمد (ص) الوارد ذكرها في القرآن آية الإسراء والمعراج، وإليها الإشارة في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[٥٢٤]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَاناً كَبِيراً[٥٢٥]. وفي هذه الرحلة أسرى الله بنبيه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به منه إلى السموات العلا، حيث رأى من آيات ربه الكبرى وإلى ذلك الإشارة في الآيات: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى[٥٢٦]. وأخبار الرحلة مشهورة في كتب الأحاديث.
    3. انشقاق القمر: مما أظهره الله تعالى من الآيات العظيمة التي تبين صدق نبيه في دعواه آية «انشقاق القمر» وإليه الإشارة بقوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ[٥٢٧].

وفي هذه الآية شق الله تعالى لنبيه القمر شقين حتى رأى بعض الصحابة جبل حراء بينهما، (فعن أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول الله (ص) أن يريهم آيةً، فأراهم القمر شقتين، حتى رأوا حراءً بينهما)[٥٢٨].

وعن عبد الله بن مسعود قال: (انشق القمر على عهد رسول الله (ص) شقتين، فقال النبي (ص): اشهدوا)[٥٢٩].

وهكذا يتضح لنا كيف أن الله جل جلاله يؤيد رسله بالآيات الكثيرة التي تدلل على نبوتهم وصدقهم فيما يدعون الناس إليه.[٥٣٠]

المراجع والمصادر

  1. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

الهوامش

  1. انظر: العين، الفراهيدي ٨ /٣٨٢.
  2. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٥/ ٣٨٥، لسان العرب، ابن منظور ١ /١٦٣.
  3. انظر: لسان العرب ١ /١٦٤.
  4. انظر: مجمل اللغة، ابن فارس ص٨٥٣، معاني القراءات، الأزهري ١ /١٥٣.
  5. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٥/ ٣، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص٥٣، القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب ص٣٤٥.
  6. غريب الحديث، الخطابي ٣ /١٩٣.
  7. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  8. معجم لغة الفقهاء ص ٤٧٤.
  9. انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٦٨٥-٦٨٧، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب النون ص١٣٠٣-١٣٠٦.
  10. انظر: عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ٤ /١٣٤-١٣٦، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ٥ /١٤-١٥، المفردات، الراغب الأصفهاني، ص٧٨٨-٧٨٩، مختار الصحاح، الرازي، ص٣٠٣.
  11. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  12. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٦/ ٩٣.
  13. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  14. الكليات، الكفوي ص٤٧٦.
  15. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  16. انظر: الكليات ص٥٥٧.
  17. انظر: الكليات ص٥٥٧.
  18. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  19. انظر: المغرب في ترتيب المعرب، الخوارزمي ص٤٩٦.
  20. انظر: الكليات، الكفوي ص٥٥٧.
  21. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  22. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  23. سورة الأنعام، الآية ٨٣-٨٦.
  24. سورة آل عمران، الآية ٣٣.
  25. سورة الأعراف، الآية ٦٥.
  26. سورة الأعراف، الآية ٧٣.
  27. سورة الأعراف، الآية ٨٥.
  28. سورة الأنبياء، الآية ٨٥.
  29. سورة الفتح، الآية ٢٩.
  30. سورة النساء، الآية ١٦٤.
  31. شرح العقيدة الواسطية، محمد خليل هراس ١ /٦٣-٦٤ بتصرف.
  32. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  33. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١ /١٦.
  34. سورة الكهف، الآية ٦٥.
  35. سورة الكهف، الآية ٦٦.
  36. سورة الكهف، الآية ٨٢.
  37. سورة الكهف، الآية ٦٥.
  38. انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١/ ١٦، المحرر الوجيز، ابن عطية ٣ /٥٢٩، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥ /١٨٧، أضواء البيان، الشنقيطي ٣ /٣٢٢.
  39. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  40. سورة الكهف، الآية ٨٦.
  41. فتح البيان، القنوجي ٨/ ١٠٩.
  42. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  43. سورة الدخان، الآية ٣٧.
  44. سورة ق، الآية ١٢-١٤.
  45. العقيدة في ضوء الكتاب والسنة، الرسل والرسالات، عمر الأشقر ص٢١-٢٢.
  46. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  47. فتح الباري، ابن حجر ٦/ ٤١٩.
  48. الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢/ ٣٧٣.
  49. سورة البقرة، الآية ١٣٦.
  50. سورة البقرة، الآية ١٤٠.
  51. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  52. سورة الإسراء، الآية ١٥.
  53. سورة النساء، الآية ١٦٣-١٦٤.
  54. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  55. النبوة والأنبياء، للصابوني ١/١٣-١٤.
  56. سورة النساء، الآية ١٦٤.
  57. سورة غافر، الآية ٧٨.
  58. سورة فاطر، الآية ٢٤.
  59. سورة الشعراء، الآية ٢٠٨.
  60. أخرجه الطبراني في الكبير ٨ /٢١٧. وصححه الألباني في مشكاة المصابيح ٣ /١٥٩٩، رقم ٥٧٣٧.
  61. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  62. أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب قول الله: (واذكر في الكتاب مريم)، ٤ /١٦٧، رقم ٣٤٤٣.
  63. سورة النساء، الآية ١٥٠-١٥١.
  64. إغاثة اللهفان، ابن القيم ٢ /٣٤٨.
  65. التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ٣ /٩٥٧.
  66. في ظلال القرآن، سيد قطب ١ /٣٤٢.
  67. سورة النساء، الآية ١٥١.
  68. التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦ /١١.
  69. تيسير الكريم الرحمن ص٢١٢.
  70. سورة البقرة، الآية ١٣٦.
  71. التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ١ /١٤٥.
  72. سورة البقرة، الآية ٢٨٥.
  73. التحرير والتنوير، ابن عاشور ١ /٧٣٩ بتصرف.
  74. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  75. سورة الإسراء، الآية ٥٥.
  76. سورة البقرة، الآية ٢٥٣.
  77. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١٠٩.
  78. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  79. سورة الأحقاف، الآية ٣٥.
  80. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٨٤.
  81. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧ /٣٠٥.
  82. سورة الشورى، الآية ١٣.
  83. سورة الأحزاب، الآية ٧.
  84. إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٧ /٩٢.
  85. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  86. التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣ /٦.
  87. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٦٠.
  88. سورة الحجر، الآية ٢٨-٢٩.
  89. تفسير المراغي ١٤ /٢١.
  90. سورة البقرة، الآية ٣١-٣٣.
  91. التفسير الوسيط، طنطاوي ١ /٩٦.
  92. سورة البقرة، الآية ٣٤.
  93. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه)، ٤ /١٣٤، رقم ٣٣٤٠.
  94. محاسن التأويل، القاسمي ١ /٢٨٩.
  95. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  96. سورة الشورى، الآية ١٣.
  97. التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥/٥١.
  98. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه)، ٤ /١٣٥، رقم ٣٣٤٠.
  99. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  100. سورة البقرة، الآية ١٢٤.
  101. تفسير المراغي ١ /٢٠٩.
  102. في ظلال القرآن، سيد قطب ١ /١١٢.
  103. سورة النساء، الآية ١٢٥.
  104. الداء والدواء، ابن القيم ص١٩٠.
  105. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد، على القبور، ١ /٣٧٧، رقم ٥٣٢.
  106. التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٣ /٩١٢.
  107. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦ /٢٧٥.
  108. سورة العنكبوت، الآية ٢٧.
  109. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٣٠.
  110. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٣٠.
  111. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  112. سورة النساء، الآية ١٦٤.
  113. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢ /٤٧٣.
  114. في ظلال القرآن، سيد قطب ٥ /٢٦٩٢.
  115. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  116. سورة آل عمران، الآية ٤٥.
  117. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١٣١.
  118. سورة النساء، الآية ١٧١.
  119. محاسن التأويل، القاسمي ٣ /٤٧٨.
  120. سورة آل عمران، الآية ٤٦.
  121. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢ /٤٣.
  122. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم)، ٤ /١٦٥، رقم ٣٤٣٦.
  123. التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣ /٢٤٧.
  124. سورة آل عمران، الآية ٥٥.
  125. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب قتل الخنزير، ٣ /٨٢، رقم ٢٢٢٢، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب نزول عيسى ابن مريم، ١ /١٣٥، رقم ١٥٥.
  126. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب الدجال وصفته، ٤ /٢٢٥٠، رقم ٢٩٣٧.
  127. سورة آل عمران، الآية ٥٥.
  128. سورة النساء، الآية ١٥٧-١٥٨.
  129. مجموع فتاوى ابن تيمية ٤ /٣٢٢-٣٢٣.
  130. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  131. سورة الأحزاب، الآية ٤٠.
  132. سورة آل عمران، الآية ٨٥.
  133. التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ١١ /٧٢٦.
  134. لا يقدح في كون النبي خاتم النبيين نزول عيسى بعده، لأن معنى ختمه للنبوة أن لا ينبأ أحد بعده، وعيسى ممن نبىء قبله، وحين ينزل إنما ينزل عاملاً بشريعة محمد (ص)، مصلياً إلى قبلته، كأنه بعض أمته. انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٧ /١٠٦ بتصرف.
  135. في ظلال القرآن، سيد قطب ٣ /١٣٧٩.
  136. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التيمم، ١/ ٧٤، رقم ٣٣٥ ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ١ /٣٧٠، رقم ٥٢١.
  137. سورة الأعراف، الآية ١٥٨.
  138. الكشاف، الزمخشري ٢ /١٦٦.
  139. التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ١١ /٨١٢.
  140. سورة الإسراء، الآية ٧٩.
  141. مفاتيح الغيب، الرازي ٢١ /٣٨٧ بحذف يسير.
  142. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥ /١٠٣.
  143. جامع البيان، الطبري ١٧ /٥٢٦ بتصرف.
  144. سورة الحجر، الآية ٧٢.
  145. المحرر الوجيز، ابن عطية ٣ /٣٦٩.
  146. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ /٥٤٢.
  147. سورة الأعراف، الآية ١٤٤.
  148. سورة الصافات، الآية ١٠٤.
  149. سورة آل عمران، الآية ٥٥.
  150. سورة هود، الآية ٤٨.
  151. سورة المائدة، الآية ٦٧.
  152. سورة الأنفال، الآية ٦٤.
  153. التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ١٤ /١٠٠٢.
  154. سورة هود، الآية ٧٥.
  155. سورة مريم، الآية ٥١.
  156. سورة مريم، الآية ٥٤.
  157. سورة القلم، الآية ٤.
  158. التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٩ /٦٣.
  159. التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ١٥ /١٠٨١-١٠٨٢.
  160. سورة الأحزاب، الآية ٥٦.
  161. في ظلال القرآن، سيد قطب ٥ /٢٨٧٩.
  162. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤ /٢٣٢.
  163. سورة الحجر، الآية ٨٧.
  164. تفسير الشعراوي ١٣ /٧٧٦١.
  165. في ظلال القرآن، سيد قطب ٤ /٢٣٧٠.
  166. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  167. سورة البقرة، الآية ٢٥٣.
  168. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الخصومات، باب ما يذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهود، ٣ /١٢٠، رقم ٢٤١١.
  169. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: (وإن يونس لمن المرسلين)، ٤ /١٥٩، رقم٣٤١٤.
  170. انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣ /٢٦١-٢٦٣، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١ /٦٧١، فتح الباري، ابن حجر ٦ /٤٤٦.
  171. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  172. سورة الأنعام، الآية ٢١.
  173. سورة الأعراف، الآية ١٠٥.
  174. التفسير الميسر ص١٦٤.
  175. مفاتيح الغيب، الرازي ١٤/ ٣٢٥.
  176. سورة مريم، الآية ٥٤.
  177. جامع البيان، الطبري ١٨ /٢١١.
  178. سورة مريم، الآية ٤١.
  179. جامع البيان، الطبري ١٨ /٢٠٢.
  180. مفاتيح الغيب، الرازي ٢١ /٥٤٢.
  181. سورة مريم، الآية ٥٦.
  182. سورة المائدة، الآية ١١٧.
  183. انظر: تفصيل القصة في صحيح البخاري في بدء الوحي، كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله (ص)؟ ١ /٨، رقم ٧، وصحيح مسلم، كتاب المغازي، باب كتاب النبي (ص) إلى هرقل، رقم ١٧٧٣.
  184. سورة الحاقة، الآية ٤٤-٤٧.
  185. المحرر الوجيز، ابن عطية ٥ /٣٦٢.
  186. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٨ /٢٧٥.
  187. الكشاف، الزمخشري ٤/ ٦٠٧.
  188. يقال للرجل يقدم فتضرب عنقه: قتل صبراً، يعني أنه أمسك على الموت. انظر: تهذيب اللغة ١٢ /١٢١.
  189. الكشاف، الزمخشري ٤/ ٦٠٧.
  190. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  191. سورة الأحزاب، الآية ٣٩.
  192. النبوة والأنبياء، الصابوني ص٤٤-٤٥.
  193. النبوة والأنبياء، الصابوني ص٤٤-٤٥.
  194. سورة الشعراء، الآية ١٠٧.
  195. سورة الشعراء، الآية ١٠٧-١٠٨.
  196. التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٩ /١٥٨.
  197. زهرة التفاسير، أبو زهرة ١٠ /٥٣٧٧.
  198. سورة الشعراء، الآية ١٤٣-١٤٤.
  199. التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٩ /١٦٤.
  200. سورة النور، الآية ٥٤.
  201. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  202. سورة الأحزاب، الآية ٣٧.
  203. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معنى قول الله عز وجل: (ولقد رآه نزلة أخرى)، ١ /١٦٠، رقم ١٧٧.
  204. سورة الأنفال، الآية ٦٧.
  205. سورة عبس، الآية ١.
  206. سورة النجم، الآية ٣-٤.
  207. النبوة والأنبياء، الصابوني ص٤٥.
  208. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  209. النبوة والأنبياء، الصابوني ص٤٥.
  210. سورة الأعراف، الآية ٥٩-٦٢.
  211. التفسير الوسيط، طنطاوي ٥ /٢٩٨.
  212. سورة الأعراف، الآية ٧٩.
  213. سورة الأعراف، الآية ٩٣.
  214. النبوة والأنبياء، الصابوني ص٤٥.
  215. سورة الفلق، الآية ١.
  216. سورة الناس، الآية ١.
  217. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (الله الصمد)، ٦ /١٨١، رقم ٤٩٧٦.
  218. سورة الأحزاب، الآية ٣٧.
  219. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معنى قول الله عز وجل: (ولقد رآه نزلة أخرى)، ١ /١٦٠، رقم ١٧٧.
  220. سورة الشعراء، الآية ٢١٤.
  221. سورة المسد، الآية ١-٢.
  222. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب (وأنذر عشيرتك الأقربين)، ٦ /١١١، رقم ٤٧٧٠.
  223. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  224. نقل الإجماع على العصمة في هذا أكثر من واحد. انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٠/ ٢٩١، لوامع الأنوار البهية، السفاريني ٢/ ٣٠٤.
  225. سورة الأعلى، الآية ٦-٧.
  226. سورة القيامة، الآية ١٦-١٨.
  227. سورة المائدة، الآية ٦٧.
  228. سورة الحاقة، الآية ٤٤-٤٦.
  229. سورة النجم، الآية ٣-٤.
  230. سورة الشعراء، الآية ٢١٤.
  231. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله: (فسبح بحمد ربك واستغفره)، ٦ /١٧٩، رقم ٤٩٧١، ومسلم في صحيحه، الإيمان، باب في قوله: (وأنذر عشيرتك الأقربين)، ١ /١٩٣، رقم ٢٠٨.
  232. سورة الأنعام، الآية ٣٣.
  233. أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة الأنعام، ٥ /٢٦١، رقم ٣٠٦٤. وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي ص٣٧٤.
  234. جامع البيان، الطبري ١١ /٣٣٣، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣ /٢٥٢.
  235. أخرجه البخاري في بدء الوحي، ١ /٨، رقم ٦، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب كتاب النبي إلى هرقل، ٩ /٢٣٥، رقم ٣٣٢٢.
  236. أخرجه الحاكم في المستدرك، ٤ /١٦٣، رقم ٤٨٣٠.
  237. سورة القلم، الآية ٤.
  238. الشفا ٢ /١٨٧.
  239. أخرجه الترمذي في سننه، أبواب البر والصلة، باب ما جاء في المزاح، ٤ /٣٥٧، رقم ١٩٩١. قال الترمذي: حديث صحيح غريب. وصححه الألباني في تعليقه على المشكاة رقم ٤٨٨٦.
  240. أخرجه الترمذي في سننه، أبواب التفسير، باب ومن سورة الأعراف، ٥ /٢٦٧، رقم ٣٠٧٦. وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٥٢٠٨.
  241. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة، باب إذا سلم في ركعتين، ٢ /٦٨، رقم ١٢٢٧، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، ١ /٤٠٤، رقم ٥٧٣.
  242. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان، ١ /٨٩، رقم ٤٠١، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، ١ /٤٠٤، رقم ٥٧٣.
  243. موطأ مالك ١ /٣٠٢.
  244. فتح الباري ٤ /٢٤٩.
  245. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  246. سورة المائدة، الآية ٦٧.
  247. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣ /١٥١.
  248. أحكام القرآن، الجصاص ٢ /٥٦٢.
  249. التفسير الوسيط، طنطاوي ٤ /٢٢٥.
  250. التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦ /٢٦٣.
  251. التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦ /٢٦٣.
  252. اللهاة من كل ذي حلق: اللحمة المشرفة على الحلق، وقيل: هي ما بين منقطع أصل اللسان إلى منقطع القلب من أعلى الفم. انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٤ /٤٢٤.
  253. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب قبول الهدية من المشركين ٣ /١٦٣-٢٦١٧، ومسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب السلام، ٤ /١٧٢١، رقم ٢١٩٠.
  254. سورة الأنفال، الآية ٣٠.
  255. انظر: السيرة النبوية، ابن هشام ١ /٤٨٠.
  256. سورة إبراهيم، الآية ١٣-١٤.
  257. تفسير المراغي ١٣ /١٣٨.
  258. سورة الشعراء، الآية ١١٦-١١٩.
  259. سورة النمل، الآية ٤٨-٥١.
  260. سورة النساء، الآية ١٥٧.
  261. لا يعكر على هذا قتل بني إسرائيل لبعض الأنبياء، فالعبرة بالأغلب.
  262. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  263. شرح صحيح مسلم، النووي ١٤ /١٧٤.
  264. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢ /٤٤.
  265. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢ /٤٦.
  266. سورة الفلق، الآية ٤.
  267. بدائع الفوائد، ابن القيم ٢ /٢٢٧.
  268. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  269. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، ٤ /١٢٢، رقم ٣٢٦٨.
  270. أي: مما يدخل أي داخلة نقص في تبليغ الشريعة.
  271. الشفا، القاضي عياض ٢ /٤١٢.
  272. بدائع الفوائد، ابن القيم ٢ /٢٢٦.
  273. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  274. انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١ /٣٠٨.
  275. مجموع فتاوى ابن تيمية ٤ /٣١٩.
  276. سورة طه، الآية ١١٦-١٢١.
  277. التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٦ /٣٢٧.
  278. سورة ص، الآية ٢٤-٢٥.
  279. سورة الأنبياء، الآية ٨٧.
  280. التفسير الميسر ص٣٢٩.
  281. التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧ /١٣١.
  282. سورة التحريم، الآية ١.
  283. سورة عبس، الآية ١-٣.
  284. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  285. النبوة والأنبياء، الصابوني ص٥٠.
  286. أي: لم يكن شديد الجعودة ولا شديد السبوطة، بل بينهما. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٢ /٢٠٣.
  287. قبيلةٌ من اليمن. انظر: لسان العرب ابن منظور ١ /١٠٢.
  288. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: (وهل أتاك حديث موسى)، ٤ /١٥٢، رقم ٣٣٩٤ ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله (ص) إلى السماوات، وفرض الصلوات، ١ /١٥١، رقم ١٦٥.
  289. بين الطويل والقصير. انظر: النهاية، ابن الأثير ٢ /١٩٠.
  290. أي: كأنما خرج من حمام.
  291. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: (وهل أتاك حديث موسى)، ٤ /١٥٢، رقم ٣٣٩٤.
  292. انظر: وصف سيدنا أنس له في البخاري في كتاب المناقب، باب صفة النبي (ص)، ٤ /١٨٧، رقم ٣٥٤٧.
  293. سورة يوسف، الآية ٣١.
  294. سورة الأحزاب، الآية ٦٩.
  295. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٧٣.
  296. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الغسل، باب من اغتسل عرياناً وحده في الخلوة، ومن تستر فالتستر أفضل، ١ /٦٤، رقم ٢٧٨.
  297. فتح الباري، ابن حجر ٦ /٤٣٨.
  298. أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، ٢ /١٣٣٤، رقم ٤٠٢٤. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ١ /٢٧٥.
  299. تفسير الشعراوي ١٥ /٩٦١٦.
  300. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  301. سورة النحل، الآية ٤٣.
  302. سورة يوسف، الآية ١٠٩.
  303. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ /٤٢٢.
  304. سورة الأنبياء، الآية ٧.
  305. التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧ /١٨.
  306. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  307. انظر: لوامع الأنوار البهية، السفاريني ٢ /٢٦٦، فتح الباري، ابن حجر ٦ /٤٤٧.
  308. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الحب في الله، ٤ /١٩٨٨، رقم ٢٥٦٧.
  309. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، ٤ /١٧١، رقم ٣٤٦٤.
  310. سورة الكهف، الآية ٨٦.
  311. أخرجه الحاكم في المستدرك، ١ /٩٢، رقم ١٠٤. وصححه الألباني في صحيح الجامع ٢ /٩٦٩.
  312. سورة فاطر، الآية ٣٢.
  313. سورة آل عمران، الآية ٣٣.
  314. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل خديجة أم المؤمنين، ٤ /١٨٨٦، رقم ٢٤٣٠ ولفظه: (خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد). قال: أبو كريب، وأشار وكيع إلى السماء والأرض.
  315. أخرجه أحمد في مسنده، ١٨ /٢٧٩، رقم ١١٧٥٦. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٢ /٧٧١، رقم ٤١٩٠.
  316. سورة المائدة، الآية ٧٥.
  317. انظر: الرسل والرسالات، عمر الأشقر ص٨٧.
  318. الأذكار، النووي ص ١١٩.
  319. انظر: فتح الباري، ابن حجر ٦ /٤٧١.
  320. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  321. سورة الأنبياء، الآية ٢٥.
  322. تيسير الكريم الرحمن ص٥٢١.
  323. سورة الأعراف، الآية ٥٩.
  324. سورة النحل، الآية ٣٦.
  325. في ظلال القرآن ٣/ ١٧٥٣.
  326. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  327. سورة البقرة، الآية ٢١٣.
  328. سورة النساء، الآية ١٦٥.
  329. الرسل والرسالات، عمر الأشقر ص ٤٨ بتصرف.
  330. سورة البقرة، الآية ٢١٣.
  331. سورة النساء، الآية ١٦٥.
  332. سورة الأنعام، الآية ٤٨.
  333. مفاتيح الغيب، الرازي ١١ /٢٦٧.
  334. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٩٥.
  335. تفسير الشعراوي ٦ /٣٦٢٧.
  336. سورة البقرة، الآية ٢٤٥.
  337. انظر: بدائع التفسير ٣ /١٢٨ فقد ذكر في الآية مرغبات عظيمة.
  338. سورة البقرة، الآية ٢٤٥.
  339. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ /٣٧٠.
  340. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير، ٣ /١٣٥٨، رقم ١٧٣٢.
  341. سورة نوح، الآية ١٠-١٢.
  342. سورة هود، الآية ٥٢.
  343. أخرجه أحمد في مسنده، ٢٣ /٢٢، رقم ١٤٦٥٣. وانظر: السيرة النبوية، ابن هشام ١ /٤٥٤.
  344. سورة الأنعام، الآية ٤٨.
  345. سورة النحل، الآية ٢.
  346. أضواء البيان، الشنقيطي ٦ /٣ بتصرف.
  347. سورة فاطر، الآية ٢٤.
  348. سورة سبأ، الآية ٤٦.
  349. سورة الفرقان، الآية ١.
  350. معاني القرآن، الفراء ٢ /٢٦٢.
  351. مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤ /٤٢٩.
  352. سورة الزخرف، الآية ٢٣.
  353. سورة هود، الآية ١٢.
  354. سورة الشعراء، الآية ١١٥.
  355. سورة فاطر، الآية ٢٤.
  356. التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ١١ /٨٧٧ بتصرف.
  357. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  358. في ظلال القرآن، سيد قطب ٢ /٨٩٧.
  359. سورة المائدة، الآية ٤٤.
  360. التفسير الميسر ص١١٥.
  361. سورة ص، الآية ٢٦.
  362. صفوة التفاسير، الصابوني ٣ /٥٠.
  363. التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣ /٢٤٣.
  364. سورة المائدة، الآية ٤٨.
  365. صفوة التفاسير، الصابوني ١ /٣١٩.
  366. روح المعاني، الألوسي ٣ /٣٢٠.
  367. إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٣ /٤٥.
  368. سورة المائدة، الآية ٤٩.
  369. التفسير الوسيط، طنطاوي ٤ /١٨٥.
  370. سورة المائدة، الآية ٥٠.
  371. جامع البيان، الطبري ١٠ /٣٩٣.
  372. تفسير المراغي ٦ /١٣٢.
  373. سورة المائدة، الآية ٤١.
  374. سورة المائدة، الآية ٤٤.
  375. سورة المائدة، الآية ٤٥.
  376. سورة المائدة، الآية ٤٧.
  377. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنا، ٣ /١٣٢٧، ١٧٠٠.
  378. سورة المجادلة، الآية ١.
  379. سورة المجادلة، الآية ٤.
  380. أخرجه أحمد في مسنده، ٤٥ /٣٠٠، رقم ٢٧٣١٩. وحسنه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان.
  381. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  382. سورة النحل، الآية ٨٤.
  383. زاد المسير، ابن الجوزي ٢ /٥٧٧.
  384. سورة النحل، الآية ٨٩.
  385. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠ /١٦٤.
  386. سورة النحل، الآية ٨٤.
  387. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٤٦ بتصرف يسير.
  388. في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ٢١٨٧.
  389. سورة النساء، الآية ٤١.
  390. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب قول المقرئ للقارئ حسبك، ٦ /١٩٦، رقم ٥٠٥٠.
  391. سورة البقرة، الآية ١٤٣.
  392. جامع البيان، الطبري ٣ /١٤٥-١٤٦.
  393. أخرجه أحمد في مسنده، ١٨ /١١٢، رقم ١١٥٥٨. وأصله في صحيحه، البخاري، كتاب تفسير القرآن، في باب قوله تعالى: (ويكون الرسول عليكم شهيداً)، ٦ /٢١، ٤٤٨٧.
  394. تفسير القرآن الكريم، سورتي الفاتحة والبقرة، ابن عثيمين ٢ /١١٦.
  395. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٠.
  396. سورة النحل، الآية ٨٤.
  397. سورة النحل، الآية ٨٩.
  398. سورة المائدة، الآية ١٠٩.
  399. جامع البيان، الطبري ١١ /٢١٠.
  400. الكشاف، الزمخشري ١ /٦٩٠.
  401. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل باب إثبات حوض نبينا (ص) وصفاته، ٤ /١٧٩٤، رقم ٢٢٩٤.
  402. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦ /٣٦١ بتصرف.
  403. انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢ /٢٥٧ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ٢٢٢.
  404. جامع البيان، الطبري ١١ /٢١١.
  405. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  406. سورة الكهف، الآية ١١٠.
  407. سورة إبراهيم، الآية ١١.
  408. سورة الكهف، الآية ١١٠.
  409. سورة المائدة، الآية ٧٥.
  410. سورة الأنبياء، الآية ٧-٨.
  411. سورة الفرقان، الآية ٧.
  412. سورة الفرقان، الآية ٢٠.
  413. سورة الرعد، الآية ٣٨.
  414. جامع البيان، الطبري ١٦ /٤٧٥-٤٧٦.
  415. سورة الأنبياء، الآية ٩٠.
  416. سورة ص، الآية ٤٣.
  417. سورة القصص، الآية ٢٧.
  418. سورة القصص، الآية ٢٩.
  419. سورة الأحزاب، الآية ٥٠.
  420. سورة القصص، الآية ٢٦-٢٧.
  421. سورة الأنبياء، الآية ٨٠.
  422. سورة هود، الآية ٣٧.
  423. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإجارة، باب رعي الغنم على قراريط، ٣ /٨٨، رقم ٢٢٦٢.
  424. أخرجه أحمد في مسنده، ٤٥ /١٠، رقم ٢٧٠٧٨. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، ١ /٢٢٦، رقم ١٤٥.
  425. سورة يوسف، الآية ٤٢.
  426. سورة يوسف، الآية ٨٤.
  427. سورة الصافات، الآية ٩٧.
  428. سورة الصافات، الآية ١٤٢.
  429. سورة الأنبياء، الآية ٨٣.
  430. سورة التوبة، الآية ٤٠.
  431. سورة آل عمران، الآية ١٤٤.
  432. سورة الزمر، الآية ٣٠.
  433. سورة الأنبياء، الآية ٣٤.
  434. أخرجه أحمد في مسنده، ٢٦ /٨٤، رقم ١٦١٦٢، ولفظه: (إن الله عز وجل حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء صلوات الله عليهم). وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١ /٤٤٠، رقم ٢٢١٢.
  435. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  436. سورة الإسراء، الآية ٩٤.
  437. سورة المؤمنون، الآية ٣٤.
  438. سورة القمر، الآية ٢٤.
  439. سورة الفرقان، الآية ٢١.
  440. سورة الفرقان، الآية ٧.
  441. سورة الإسراء، الآية ٩٥.
  442. سورة آل عمران، الآية ١٦٤.
  443. سورة الإسراء، الآية ٩٥.
  444. سورة الإسراء، الآية ٩٥.
  445. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥ /١٢١ بتصرف.
  446. سورة آل عمران، الآية ١٦٤.
  447. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣ /٢٤١-٢٤٢.
  448. في ظلال القرآن ٥ /٢٥٥٣.
  449. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله (ص)؟ ١ /٧، رقم ٤، ولفظه: (بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت فقلت: زملوني زملوني، فأنزل الله تعالى: (قم فأنذر)).
  450. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله (ص)؟ ١ /٦، رقم ٢، ولفظه: (أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول).
  451. سورة الفرقان، الآية ٢٢.
  452. الرسل والرسالات، عمر الأشقر ص٧٢.
  453. سورة الكهف، الآية ١١٠.
  454. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥ /٢٠٥.
  455. سورة طه، الآية ٤١.
  456. سورة الضحى، الآية ٦-٨.
  457. الرسل والرسالات، عمر الأشقر ص٧٠ بتصرف يسير.
  458. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  459. سورة إبراهيم، الآية ٤.
  460. زاد المسير ٢ /٥٠٤.
  461. سورة إبراهيم، الآية ٤.
  462. سورة إبراهيم، الآية ٤.
  463. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٢١.
  464. في ظلال القرآن، سيد قطب ٤ /٢٠٨٧.
  465. سورة النحل، الآية ٨٩.
  466. سورة المائدة، الآية ١٥.
  467. سورة الأنعام، الآية ٥٥.
  468. سورة الأعراف، الآية ١٨٤.
  469. سورة الأعراف، الآية ١٠٧.
  470. جامع البيان، الطبري ١ /١١.
  471. سورة هود، الآية ٩١.
  472. نظم الدرر، البقاعي ١٠ /٣٧٩.
  473. الصواعق المرسلة، ابن القيم ٢ /٧٤٣.
  474. تفسير المراغي ١٣ /١٢٦.
  475. الإلجاء: الإكراه والاضطرار، وقيل: إن الاضطرار أخص من الإلجاء، لاشتراط زوال الاختيار في الأول دون الثاني. انظر: معجم لغة الفقهاء ص ٨٦، الفروق اللغوية ص ٦٧.
  476. محاسن التأويل ٦ /٢٩٨-٢٩٩.
  477. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
  478. سورة الحديد، الآية ٢٥.
  479. محاسن التأويل ٩ /١٥٣.
  480. سورة الروم، الآية ٤٧.
  481. جامع البيان، الطبري ٢٠/ ١١٣.
  482. الجواب الصحيح، ابن تيمية ١ /١٢٩.
  483. العين، الفراهيدي ٨ /٤٤١.
  484. سورة فصلت، الآية ٥٣.
  485. المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ١٠ /٥٩٤.
  486. النبوة والأنبياء بين حقائق الدين وشبهات العلمانيين، محمد حبنكة ص ١٢٤.
  487. النبوات، ابن تيمية ١ /٢١٥ باختصار.
  488. سورة الأنعام، الآية ٤.
  489. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣ /٢٤٠.
  490. سورة التوبة، الآية ٧٠.
  491. المحرر الوجيز، ابن عطية ٣ /٥٨.
  492. سورة القصص، الآية ٣٢.
  493. سورة هود، الآية ٥٠-٥١.
  494. سورة الشعراء، الآية ١٢٣-١٢٧.
  495. سورة التوبة، الآية ٧٠.
  496. سورة الأعراف، الآية ٨٥.
  497. الكشاف، الزمخشري ٢/ ١٢٧.
  498. سورة الأنعام، الآية ٥٠.
  499. الرسل والرسالات، عمر الأشقر ص ١٢٣.
  500. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي وأول ما نزل، ٦ /١٨٢، رقم ٤٩٨١.
  501. فتح الباري ابن حجر ٩ /٦-٧.
  502. سورة الأنبياء، الآية ٦٨-٧٠.
  503. سورة العنكبوت، الآية ٢٤.
  504. سورة الشعراء، الآية ١٥٤.
  505. سورة الإسراء، الآية ٥٩.
  506. انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/ ٣٨٦، الكشاف، الزمخشري ٣ /٣٢٩.
  507. سورة الإسراء، الآية ١٠١.
  508. سورة طه، الآية ١٧-٢٠.
  509. سورة طه، الآية ٢٢.
  510. سورة الأعراف، الآية ١٣٠.
  511. سورة الأعراف، الآية ١٣٣.
  512. سورة الشعراء، الآية ٤٣-٤٨.
  513. سورة المائدة، الآية ١١٠.
  514. سورة المائدة، الآية ١١٢-١١٣.
  515. سورة المائدة، الآية ١١٤-١١٥.
  516. سورة العنكبوت، الآية ٥٠.
  517. سورة العنكبوت، الآية ٥١.
  518. التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ١١ /٤٥٢.
  519. مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥ /٦٥.
  520. سورة البقرة، الآية ٢٣.
  521. سورة الشعراء، الآية ٤.
  522. الرسل والرسالات، عمر الأشقر ص ١٣٢-١٣٣ باختصار.
  523. مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥ /٦٥ بتصرف يسير.
  524. سورة الإسراء، الآية ١.
  525. سورة الإسراء، الآية ٦٠.
  526. سورة النجم، الآية ١١-١٨.
  527. سورة القمر، الآية ١-٢.
  528. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب انشقاق القمر، ٥ /٤٩، رقم ٣٨٦٨.
  529. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب سؤال المشركين أن يريهم النبي (ص) آية، فأراهم انشقاق القمر، ٤/٢٠٦، رقم ٣٦٣٦.
  530. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.