بشير بن عمرو بن محصن الأنصاري

من إمامةبيديا

نبذة

أبو عمرة بشير بن عمرو بن محصن الأنصاري من صحابة الإمام المخلصين المنافحين عن مبادئه، والذائدين عن الاسلام وشرعته، لقد كان أبو عمرة من كبار أنصار رسول الله اشترك في معركة بدر أولى معارك الاسلام، وكان أبو عمرة يومئذ شاباً قوي الساعد شديد النكاية في العدو، لقد اشترك أبو عمرة إلى جانب رسول الله، وإلى جانب ابن عمه الإمام أمير المؤمنين (ع) في المعارك الدائرة بين الاسلام والجاهلية المنتفخة المتعجرفة حباً في الجهاد في سبيل الله، وحبا في القضاء على التقاليد الجاهلية البالية، وأعرافها المتدهورة، ووثنيتها الطاغية، وفي احدى هذه المعارك يلقي صاحب الترجمة أبو عمرة بعض الأضواء على الملابسات التي كان يعيشها جيش الاسلام، والظروف الصعبة التي كان يحتملها الجيش بصمود وقوة، وفي نفس الوقت كانت هناك اليد الربانية الحانية على هذه الثلة المباركة التي ناصرت رسول الله، وساندت دينه عن رغبة عاشقة.

أبو عمرة يلقي الأضواء على التفاعل بين المسلمين لارادة الله تعالى ولشريعته المستقيمة، وبين الله تعالى في مده يد العون والمعونة والنصر المؤزر لرسول الله، وجنوده خرج ركب رسول الله في جيشه الهادر باتجاه معركة من المعارك وفي ثنايا الطريق قعد بالجيش الجوع، كانت الموارد الغذائية قليلة شحيحة، ورغم شح الطعام كان الجيش يواصل جهاده ومعاركه، ولكن في هذه المرة استولى الجوع على الجيش، فجاء نفر من أصحاب رسول الله إلى خبائه واستأذنوه في أدب جم، وعطف كريم، ومشاعر جياشة أن ينحروا بعض الابل لمد الجيش بالطعام، سكت النفر ليصغوا إلى تعاليم القائد الأعلى للجيش الرباني، ولكن رسول الله لم يأذن في نحر الابل حيث إنّ هذه الابل كانت من الوسائل الهامة لتنقلات الجيش وتحركاته، فإذا نقصت هذه الوسائل وحتماً إنّها ستتناقص باستمرار إذا ما اعتاد الجيش على هذا الطعام، وهو - أي الجيش - يعيش حالة سغب شديدة، وبتناقص أعداد وسائل النقل – وهي الابل - سيجمد الجيش نشاطاته وتحركاته، أراد أم لم يرد ومن هذا المنطلق ومن اعتبارات أخرى، لم يأذن رسول الله في مد الجيش بالطعام عن طريق نحر الابل، ولكن عرض رسول الله على النفر وعلى الجيش كله طريقة أخرى لاغاثة الجيش، طريقة غير معتادة، طريقة نابعة من صميم النبوة من صميم الرسالة الربانية، انّها طريقة المعجزة ان الرسول الكريم عرض على الجيش أن يحملوا ببقايا طعامهم وزادهم من شعير أو تمر أو غيرهما من الزاد الشحيح.

قال أبو عمرة وهو يحدثنا عن ذكرياته في هذه الرحلة: «فجعل الناس يجيئون بالحثية من الطعام وفوق ذلك»، حتى إذا تراكمت هذه المواد الشحيحة من الطعام نهض رسول الله وتوجه إلى الله تعالى مبتهلاً وداعياً، وبعد أن فرغ رسول الله صلّى الله عليه وآله من الدعاء والابتهال دعا الجيش أن يأتوا بأوعيتهم وآنيتهم، وأمرهم أن يحثوا من المواد الغذائية المتراكمة والتي حملوها إليه منذ قليل جاء ارتال الناس ومعهم أوعيتهم وآنيتهم في انتظام دقيق وطفقوا يملئون آنيتهم وأوعيتهم من ذلك الطعام المتراكم، قال أبو عمرة وهو الشاهد لمسار قصة الاعجاز: «فما بقي في الجيش وعاء الّا ملؤه وبقي مثله»، ويعني هذا أنّ الجيش شبع من الطعام وأفعمت أوعيتهم وآنيتهم بالطعام، ومع هذا كانت المواد الغذائية لا تزال بحالها متراكمة.

وهنا سرّ رسول الله في ابتهالاته المستجابة، والمد الإلهي الذي أغاث جيشه في أشد لحظات الحاجة إلى هذا الامداد الغيبي، قال أبو عمرة وهو يعبر عن فرحة رسول الله الطافحة: «فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه»[١].

وكان أبو عمرة يتمتع بخصائص نفسية محببة جعلته موضع تكريم الإمام وإكباره وتقديره، وحينما ألقت الدولة مقاليدها للامام أنضوى أبو عمرة تحت راية الإمام، وهو الذي شاهد الإمام عن كتب، ورأى روعة مؤهلاته الكبرى تماماً كما سمع كثيراً من رسول الله آيات الثناء يشيد بها بالإمام، ويثني على خصائصه ونشاطاته في سبيل إرساء دعائم الاسلام وفي نفس الوقت، فإن أبا عمرة قد ارتبط بأسرة الإمام بوشائج المصاهرة حيث إنّه تزوج بابنة المقوم بن عبدالمطلب، أي انّ أبا عمرة كان زوج بنت عم الإمام، فان المقوم هو عم الإمام كما أن المقوم هو عم رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن منطلق الوشائج والروابط النفسية التي ربطت بين أبي عمرة وبين الإمام سعى أبو عمرة لتثبيت دعائم دولة الإمام ومساندة دعوته الهادفة.

وحينما سار الإمام لخوض معركة الجمل كان أبو عمرة في الطليعة المجاهدة المكافحة، ولقد سعى أبو عمرة بسيفه وبلسانه وبتحركاته الهادقة لاخماد الحركة المعادية لدولة الإمام، ثم أنّ أبا عمرة رافق الإمام الى عاصمته، وفي العاصمة كان أبو عمرة أحد وزراء الدولة، وأحد معاضديها ومسانديها في الكلمة الموجهة والدعوة المقنعة المبرهنة.

ولما أن أزفت وقعة صفين سار أبو عمرة في صفوف جيش الإمام باتجاه المعركة، وقبل أن يصل الجيش إلى ساحة المعركة اجتاح الشك نفس أبي عمرة، شك مثبط، شك من المسيرة، شك من القتال، بل وشك من أن يكون قتاله في هذه المعركة على أساس عروض الحياة، لا القتال في سبيل الله، والجهاد في سبيل المبادئ المثلي، لقد همس أبو عمرة في نفسه مناجياً لها: «والله ما أدري علام اُقتال»، هكذا ألقى الشيطان في روعه هذه الكلمة:

علام يقاتل ولماذا هذه المعركة تندلع، كان أبو عمرة يسبح في شكه، وفي غمرة من نتائج هذا الشك بدت ساحة صفين وأوشكت أن تطالعه بحروبها ومعاركها، وعندئذ لا مفر له من دخول المعركة مكرها، والشك يتغلغل في خلايا نفسه الأمر الذي كان يترصد فرصة للإنفلات من مسيرة الجيش، للإنفلات من التحرك، أستشعرت نفسه أنها تحتاج إلى جو هادئ، إلى مناخ هادئ إلى تفكير لا يعكر صفوه ضوضاء الجيش وجلبته وحركته، ولكن من له بالإنفلات وهو المشار إليه في صفوف الجيش.

أليس هو من شيوخ أصحاب الإمام؟ أليس تربطه بالإمام وشائج المصاهرة؟ أليس رافق الإمام أكثر من ثلاثين عاماً؟ ثم كيف له بالإنفلات أو الفرار من الجيش، وهو الرجل الذي خاض الحروب ضد الجاهلية المقيتة، أليس إذا انفلت من الجيش، أو اختفى عن أعين الناس، فإن ظنون الجيش ستعمل في اتجاه معاكس لنواياه، سيقول الناس إنه جبن عن مواجهة المعركة، أو عن أن يصطدم بالحرب الدموية، ثم ماله ولإثارة الظنون تحوم حوله، وهو الذي يجب عليه أن يبقى في جيش الإمام ليكون المثل الذي يحتذى به، والقدوة الحسنة للجنود.

إن التفكير استفحل من كل جانب بصاحبنا، وكان يتربص أن يجد عذراً موضوعياً يعتذر على أساسه عن متابعه المسيرة مع الجيش، ولقد تحقق لأبي عمرة هذا العذر الموضوعي، وذلك إنّ أحد رجالات الجيش يصاب بمرض معوي شديد الألم، فلا يستطيع أن يواصل الحركة، إنّه أكل سمكاً فامرضه واقعده عن مواصلة المسيرة مع الجيش وما أن عرف أصحابه بمرض صاحبهم حتى التقى بعضهم ببعض وتشاوروا في الأمر حتى صدر قرارهم أن ينفصلوا عن الجيش، ويتوفروا على رعاية المريض حتى يبرأ وكانوا حسبوا أن مريضهم مصاب بالطاعون، وعلى هذا الأساس استأذنوا المسؤول عن قياده الفيلق أن يدعهم إلى جانب مريضهم حتى يمرضوه ويرعوا شؤونه، وكان أبو عمرة حاضراً وشاهداً، وهو الحريص أن يجد حلّا لمشكلة الشك التي داهمته الأمر الذي وجد أن الحل ماثل في هذا المريض، فتقدم إلى أصحاب المريض وقال: «أنا أتخلف عليه»، فنظر الأصحاب بعضهم إلى بعض وقبلوا هذا العرض، ووقع العرض أيضاً موقع قبول مسؤول الفيلق، وهكذا تخلف أبو عمرة عن مسيرة الجيش بحجة رعاية شؤون المريض.

توفر أبو عمرة على رعاية المريض وسقاه الدواء ثم تركه ينام، وكان الليل قد أقبل بجحافل الظلام، وكانت السماء صافية قد اشتبكت فيها النجوم في وضوح وجمال معبّر، أرتمى أبو عمرة على كثيب رمل مفكراً في «شكه»، ودوافعه، لقد درس الشك، ودرس أبعاده وحوافزه، ودرس حياته في الإسلام، وبرفقة رسول الاسلام، وشاهد الإمام ومواقفه الرائعة، وفكر في حياة الإمام القائد الأعلى للجيش، والمتجه نحو ساحة المعركة، فكر في حياة الإمام من يوم أن عرفه ورآه في المدينة إلى هذه اللحظة التي هو فيها، فحاول أن يجد في مرحلة من مراحل تلك الحياة العظيمة ثغرة ينفذ فيها، أو عتمة يحاول استكشافها، ولكن محاولاته ذهبت عبثاً، ولم يجد في تلك الحياة العملاقة سوى التفاني في سبيل الاسلام، والتضحية في سبيل رسول الاسلام، لم يجد فيها سوى مراحل مضيئة ساطعة تكاد تخطف بالأبصار، وهكذا أستمر في التفكير حتى نامت عيناه، ولم ينبلج الفجر حتى استيقظ المريض فيجد نفسه معافى سليم البنية ليس به بأس كأنه قد انفلت من عقال نشاطاً، فيقوم ويرتاد صاحبه فيجده في سبات عميق، فيوقظه لأداء فريضة الصلاة، وللّحاق بالجيش.

وما ان يستيقظ أبو عمرة من نومه حتى يستشعر الهدوء النفسي وقد ذهب عنه الشك، يرى مواقع اقدامه في رؤية واضحة مضيئة، وفي بصيرة نافذة. تتحرك القافلة الصغيرة حتى تلتحق بالجيش وتسير مع قائدها الأعلى الإمام علي بن أبي طالب على بصيرة نيرة.

ولم يكد يصل أبو عمرة مع الجيش إلى صفين حتى يشاهد أن جيش العدو قد سيطر على نهر الفرات، ولما ذهبت جماعة من الجيش لتستقي من الماء فإذا بها يتصدى لها جنود العود ويمنعوها من الماء، وما أن علم الجيش العلوي بخطة العدو اللئيمة حتى هاج، وفي حملة خاطفة استطاع جيش الإمام أن يسترد نهر الفرات ولاذت فيالق العدو بالفرار، وكان ابو عمرة - رغم شيخوخته - في ضمن الجنود الذين استردوا شريعة الفرات، ولما ان حازوا الشريعة ارسل أبو عمرة رسولاً إلى فيلقه من أصحابه يبشرهم بالفتح واسترداد ماء الفرات، ويقول أبو عمرة في رسالته إلى أصحابه:

«قد والله جزناهم فهم يقاتلونا ونهر الفرات في أيدينا، ونحن دونه اليهم كما كان في أيديهم قبل أن نقاتلهم» فأرسل العدو بعد أن رأى سيطرة جيش الإمام على النهر وانهزام فيالقه عن شريعة الفرات، فحاول أن يخفف من الانتصار الهجومي على النهر، أن يخفف آثاره السلبية على جيشه، فأرسل إلى جنوده الفارة «لا تقاتلوهم وخلو بينهم وبينه» فقال أبو عمرة ورفاقه لجيش العدو موجهين لهم اللوم الممض والكلمات الساخرة: «قد كنا عرضنا عليكم هذا أول مرة، فأبيتم حتى اعطانا الله وأنتم غير محمودين». قال أبو عمرة: «و لقد رأيت روايانا ورواياهم بعد وخيلنا وخيلهم ترد ذلك الماء جميعاً حتى أرتووا وأرتوينا»[٢].

وفي أحد أيام صفين خرج أبو عمرة الأنصاري مدججا بالسلاح رغم شيخوخته، ورغم أنه كان في ذلك اليوم صائماً فإنه بارز وقاتل قتالاً مستميتاً دفاعاً عن مبادئ الإمام وذوداً عن مؤسسات الدولة، واستمر القتال إلى قبيل الغروب، وكان أبو عمرة يتلوى عطشاً وضعفاً، فقال لغلام له:

«ترسني واحمني بترسك»، فترسه الغلام وهو يتعجب من سيده، ماذا يا ترى يريد أن يفعل؟ فأخذ الشيخ الجليل قوسه وأخرج من كنانته سهما ثم سدده في نحر العدو، فنزع نزعاً ضعيفاً حتى سدد ثلاثة سهام ورماها رمياً ضعيفاً في صفوف العدو، فرأى أبو عمرة نظرات متسائلة تحوم على تحركه وعلى رميه كأن النظرات تتسائل: إذا كنت بهذه الدرجة من الضعف والانهاك فلم تناولت القوس ورميت هذا الرمي الضعيف الذي لا يكاد السهم يصيب واحداً من جيش العدو ليجرحه، أو تصيب مقتله. إن هذه النظرات المتسائلة هي التي حركت لسانه ليجيب قائلاً: (إني سمعت رسول الله يقول: «من رمى بسهم في سبيل الله فبلغ أو قصر كان ذلك السهم له نور يوم القيامة»).

وهكذا كان هذا الصحابي الجليل والفدائي الشيخ يجالد العدو بسيفه وبقوسه وبلسانه، بسنانه وبيانه حتى أستشهد في ساحة المعركة ووقع صريعاً يسبح في دمه الطاهر قبيل غروب الشمس[٣]

وجزع الإمام لاستشهاد هذا الفدائي النبيل المخلص أبي عمرة الأنصاري[٤].[٥]

نبذة

بشير بن عمرو بن محصن الأنصاري ويكنى بشير بـ «أبي عمرة». من أصحاب أمير المؤمنين(ع)، ومن أصحاب الرأي في الانصار، وكان أمير المؤمنين(ع) يعول عليه في الرسائل إلى أعداء «الرسالة». تثقف بشير بالثقافة العلوية، وتشبعت روحه بالمثل العليا.

انضوى تحت راية أمير المؤمنين(ع)، وأرسله الامام أمير المؤمنين(ع) في وفد أيام المعارك ضد الطلقاء إلى الطليق فقال(ع) يخاطب الوفد: «ائتوا هذا الرجل فادعوه إلى الله وإلى الطاعة والجماعة، واحتجوا عليه وانظروا ما رأيه».

وهذا في مطلع شهر ذي الحجة من عام ٣٦ فسار الوفد إلى فسطاط الرجل ودخلوا عليه، فتقدم بشير صاحب الترجمة وألقى كلمة قيمة فقال: «يا معاوية ان الدنيا عنك زائلة، وإنك راجع إلى الآخرة، وإن الله عز وجل محاسبك بعملك وجازيك بما قدمت يداك، وإني أنشدك الله عزوجل أن تفرق جماعة هذه الامة، وإن تسفك دماءها بينها».

فاستشاط الرجل غيضا على كلمة التقوى هذه وقال في عجرفة: هلا أوصيت بذلك صاحبك.

فقال بشير: ان صاحبي ليس مثلك، صاحبي احق البرية كلها بهذا الأمر في الفضل والدين والسابقة في الإسلام، والقرابة من الرسول(ص). قال: فيقول: ماذا. قال: يأمرك بتقوى الله عزوجل واجابة ابن عمك إلى ما يدعوك إليه من الحق، فإنه أسلم لك في دنياك، وخير لك في عاقبة أمرك[٦].

وهذه الرواية، وهناك رواية ثانية مكملة لهذه الرواية وهي: ان أمير المؤمنين(ع) أرسل وفداً في بدايات معاركه ضد الطلقاء والأحزاب برآسة بشير بن محصن الأنصاري، وكان في الوفد سعيد بن قيس الهمداني، وشبث بن ربعي. ولما أوصى أمير المؤمنين(ع) الوفد بوصيته قال شبث بن ربعي: يا أمير المؤمنين ألا نطمعه في سلطان توليه اياه، ومنزلة يكون له بها أثرة عندك ان هو بايعك.

فقال أمير المؤمنين(ع): «ائْتُوهُ الْآنَ فَالْقَوْهُ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ وانْظُرُوا مَا رَأْيُهُ» وهذا في مطلع ذي الحجة من عام ٣٦ه.

فأتى الوفد الرجل ودخلوا عليه في فسطاطه وتكلم بشير بن عمرو بن محصن، ودعا إلى الألفة والجماعة، والانضمام تحت ظل الراية، والبيعة لأمير المؤمنين، وحقن الدماء. ولكن نفسية ابن عمرو ونفسية الرجل كانتا في واديين وجوين مختلفين تماماً كما ان شعاع الوفد من قبل أمير المؤمنين(ع) كان يزيد في ظلام الطليق الأمر الذي أبدى أباءً شديداً.

فحاول الهمداني أن يتكلم، فبادره شبث بن ربعي وقال: «يا معاوية إني قد فهمت ما رددت على ابن محصن، انه والله لا يخفى علينا ما تعزو، وما تطلب إنك لم تجد شيئاً تستغوي به الناس وتستميل أهوائهم وتستخلص به طاعتهم إلا قولك قتل امامكم مظلوماً، فنحن نطلب بدمه، فاستجاب له سفهاء طغام، وقد علمنا ان قد ابطأت عنه بالنصر، واحببت له القتل لهذه المنزلة التي أصبحت تطلب، ورب متمني أمراً وطالبه الله يحول دونه بقدرته، وربما أوتي المتمنى أمنيته وفوق أمنيته، ووالله مالك في واحدة منهما خير لئن اخطأت ما ترجو انك لشر العرب حالاً في ذلك، ولئن أصبت ما تمنى لا تصيبه حتى تستحق من ربك صلي النار، فاتق الله ما أنت عليه ولا تنازع الأمر أهله»[٧].

فقال الرجل: فان أول ما عرفت فيه سفهك وخفة حلمك قطعك على هذا الحسيب الشريف سيد قومه منطقه، ثم عنيت بعد فيما لا علم لك به، فقد كذبت ولؤمت أيها الأعرابي الجلف الجافي في كل ما ذكرت ووصفت. انصرفوا من عندي فإنه ليس بيني وبينكم الا السيف.

وخرج الوفد وشبث يتمتم: أفعلينا تهول بالسيف أقسم بالله ليعجلن بها إليك.

فأتى الوفد أمير المؤمنين(ع) فأخبروه بالذي كان، فأخذ أمير المؤمنين علي(ع) يأمر ذا الشرف مع جماعة من الجند فيذهب إلى ساحة المعركه فيقاتل الطلقاء والأحزاب، وكانت أمور المعركة تسير على مثل هذه الوتيرة، والقادة الذين خرجوا على امتداد الأيام هم:

  1. الأشتر النخعي.
  2. حجر بن عدي الكندي.
  3. خالد بن المعتمر.
  4. زياد بن النضر.
  5. شبث بن ربعي.
  6. زياد بن خصفة.
  7. سعيد بن قيس.
  8. معقل بن قيس الرياحي.
  9. قيس بن سعد.

فكان هؤلاء القادة يخرج مرة هذا، ومرة ذاك، ومرة ذياك جماعة من الجند. وكانت ساحة المعركة يحميها هؤلاء الأشاوس، وكان أكثر القوم خروجاً إلى الأعداء هو الأشتر النخعي، ولقد اشترك بشير بن عمرو صاحب الترجمة في معارك صفين في حماس المؤمن الرائد، وحارب قوى البغي حتى استشهد إلى رضوان الله سبحانه.

وأبو عمرة بشير هذا هو والد عبد الرحمن بن أبي عمرة[٨].[٩]

المراجع والمصادر

  1. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب ج١
  2. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب ج٢

الهوامش

  1. أسد الغابة ٥: ٢٦٣ - ٢٦٤.
  2. صفين ١٨٥.
  3. الاستيعاب ٤: ١٣٤، التراجم الملحق بالطبري (ط ليدن) ١٣: ٢٣١٩، الاشتقاق ٢٦٩.
  4. صفين ٣٥٩.
  5. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٢٩٥ - ٣٠٢.
  6. تاريخ الطبري ٤: ٥٧٤، تحقيق أبي الفضل إبراهيم.
  7. أسد الغابة ١: ١٩٧.
  8. أسد الغابة ١: ٢٠٢.
  9. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج٢، ص ٤١-٤٤.