عبد الله بن مسعود في كتب الرجال والتراجم
نبذة
عبد الله بن مسعود[١] ابن «غافل الهُذَلي المكي»، «أبو عبد الرحمن»، حليف بني زُهرة.
كان أبوه مسعود قد حالف في الجاهلية عبد بن الحارث ابن زهرة. أسلم ابن مسعود قديماً. وهو أوّل من جهر بالقرآن بمكة فيما قيل.
هاجر إلى الحبشة الهجرة الأولى، وقدم إلى مكة على رسول الله (ص) ثمّ هاجر إلى المدينة.
آخى رسول الله (ص) بينه وبين الزبير بن العوام بمكة في المؤاخاة الأولى، وآخى بينه وبين معاذ بن جبل بالمدينة بعد الهجرة في المؤاخاة الثانية.
شهد بدراً وأُحداً وبيعة الرضوان وسائر المشاهد مع رسول الله (ص)، وهو الذي أجهز على أبي جهل في وقعة بدر.
روى عن رسول الله (ص).
روى عنه: أبو سعيد الخدري، و عمران بن حُصين، و أبو هريرة، و جابر بن عبد الله الأنصاري، و زرّ بن حُبيش، وآخرون.
وهو أحد رواة حديث الغدير من الصحابة، وقد أخرج الحافظ ابن مردويه[٢] باسناده عنه نزول آية التبليغ في علي(ع) يوم الغدير[٣] ورواه عنه السيوطي في «الدر المنثور [٤]»[٥].
روي أنّ ابن مسعود شهد الصلاة على فاطمة سيدة النساء (ع) ودفنها.
بعثه عمر بن الخطاب إلى الكوفة ليعلمهم أُمور دينهم وبعث عمار بن ياسر أميراً، وكتب إليهم: انّهما من النجباء من أصحاب محمّد (ص) من أهل بدر فاقتدوا بهما وأطيعوا واسمعوا قولهما.
روي انّ رسول الله (ص) قال: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقْرَأَ اَلْقُرْآنَ غَضّاً كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ اِبْنِ أُمِّ عَبْدٍ».
وكان ابن مسعود يُعرف باسم أُمّه أُمّ عبد بنت عبد ودّ.
أخرج الحاكم عن حَبّة العُرني أنّ ناساً أتوْا علياً فأثنوا على عبد الله بن مسعود فقال: أقول فيه مثل ما قالوا وأفضل: مَن قرأ القرآن، وأحلّ حلاله وحرّم حرامه، فقيه في الدين، عالم بالسنّة.
وأخرج ابن سعد عن زيد بن وهب أنّ عمر بن الخطاب قال فيه: كُنَيف مُلىَ علماً[٦].
عن أبي وائل قال: خطبنا ابن مسعود، فقال: كيف تأمروني أقرأ على قراءة زيد بن ثابت بعد ما قرأت من فيّ رسول الله (ص) بضعاً وسبعين سورة، وإنّ زيداً مع الغلمان له ذؤابتان؟!
وكان ابن مسعود من الناقمين على عثمان، وقد امتنع أن يمنح للوليد بن عقبة من بيت مال الكوفة يوم كان عليه، وألقى مفاتيح بيت المال، وكان يتكلّم بكلام لا يدعه وهو: إنّ أصدق القول كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمّد (ص)، وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدَث بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. فكتب الوليد في حقه إلى عثمان، فكتب إليه يأمره بإشخاصه، فأخذه عثمان أخذاً شديداً وهجره ومنعه عطاءه، وأَمر به فأُخرج من مسجد رسول الله (ص) إخراجاً عنيفاً[٧]
وقد شهد ابن مسعود في رهط من أهل العراق عُمّـاراً جنازة أبي ذر الغفاري بالربذة ـ وكان عثمان قد نفاه إليها ـ فاستهل عبد الله يبكي ويقول: صدق رسول الله: «تَمْشِي وَحْدَكَ، وَ تَمُوتُ وَحْدَكَ، وَ تُبْعَثُ وَحْدَكَ»[٨]
عُدّ من المكثرين من الصحابة فيما روي عنه من الفتيا. ونقل عنه الشيخ الطوسي في «الخلاف» خمساً وأربعين ومائة فتوى.
وهو من القائلين ببقاء المتعة على إباحتها[٩]
وكان هو وعمر يوجبان الوضوء بمسّ المرأة ولا يريان للجنب أن يتيمّم[١٠]
روى ابن سعد باسناده عن زرّ عن عبد الله انّه كان يصوم الاثنين والخميس.
وعن ابن سيرين انّ ابن مسعود كان يقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة في كل ركعة وفي الأخريين فاتحة الكتاب[١١]
ومن كلمات ابن مسعود قال: إنّكم في ممرّ الليل والنهار في آجال منقوصة، وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة، من زرع خيراً يوشِكُ أن يحصُدَ رغبة، ومن زرع شرّاً يوشك أن يحصدَ ندامة، ولكل زارع مِثلُ ما زرع، لا يُسبقُ بطيء بحظّه، ولا يُدرِكُ حريصٌ ما لم يُقدَّرْ له، فمن أُعطي خيراً فالله أعطاه، ومن وُقي شرّاً، فالله وقاه، المتقون سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة.
وقال: جاهدوا المنافقين بأيديكم، فإن لم تستطيعوا فبألسنتكم، فإن لم تستطيعوا إلاّ أن تكفهِرّوا في وجوههم، فافعلوا.
قال ابن كثير: ثمّ قدم ـ أي ابن مسعود ـ إلى المدينة فمرض بها فجاءه عثمان بن عفان عائداً، فيروى أنّه قال له: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي، قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربّي، قال: ألا آمر لك بطبيب؟ فقال: الطبيب أمرضني، قال: ألا آمر لك بعطائك؟ ـ وكان قد تركه سنتين ـ فقال: لا حاجة لي فيه، فقال: يكون لبناتك من بعدك، فقال: أتخشى على بناتي الفقر؟ إنّي أمرت بناتي أن يقرأن كل ليلة سورة الواقعة، وإنّي سمعت رسول الله (ص) يقول: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ اَلْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَداً»[١٢]
توفّي سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: ثلاث وثلاثين، وكان أوصى إلى الزبير بن العوام فصلّى عليه، وقد قيل إنّ عمار بن ياسر صلّى عليه، ودُفن بالبقيع ليلاً.[١٣]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ الطبقات الكبرى لابن سعد ٣: ١٥٠، المعارف ١٤٤، الجرح والتعديل ٥: ١٤٩، اختيار معرفة الرجال ٣٨ برقم ٧٨، مشاهير علماء الأمصار ٢٩ برقم ٢١، الثقات لابن حبّان ٣: ٢٠٨ ـ ٢٠٩، المستدرك للحاكم ٣: ٣١٢، حلية الأولياء ١: ١٤٤، أصحاب الفتيا من الصحابة والتابعين ٤٢ برقم ٤، رجال الطوسي ٢٣ برقم ٨، الخلاف للطوسي ٩٦، و١١٠ و١١٢ و...، الشافي للسيد المرتضى ٤: ٢١٢، تاريخ بغداد ١: ١٤٧، الاستيعاب ٢: ٣٠٨، طبقات الفقهاء للشيرازي ٤٣، أسد الغابة ٣: ٢٥٦، الكامل في التاريخ ٣: ١٣٦، تهذيب الأسماء واللغات ١: ٢٨٨، رجال ابن داوود ١٢٣ برقم ٩٠٦، تهذيب الكمال ١٦: ١٢١، العبر للذهبي ١: ٢٤، سير أعلام النبلاء ١: ٤٦١، تاريخ الإسلام للذهبي (سنة ٣٢هـ) ٣٧٩، الوافي بالوفيات ١٧: ٦٠٤، مرآة الجنان ١: ٨٧، الجواهر المضيئة ٢: ٤١٥، غاية النهاية ١: ٤٥٨ برقم ١٩١٤، النجوم الزاهرة ١: ٨٩، الاصابة ٢: ٣٦٠، تهذيب التهذيب ٦: ٢٧، طبقات الحفّاظ ١٤، كنز العمال ١٣: ٤٦٠، شذرات الذهب ١: ٣٨، مجمع الرجال ٤: ٥١، جامع الرواة ١: ٥٠٧، تنقيح المقال ٢: ٢١٥ برقم ٧٠٧٢، الغدير ٨: ٩٩ و١١٧، معجم رجال الحديث ١٠: ٣٢٢ برقم ٧١٦٠.
- ↑ وهو أحمد بن موسى بن مردويه الاصبهاني المتوفّى ٤١٠ هـ. قال فيه الذهبي في «تذكرة الحفاظ»: ٣: ١٠٥٠: الحافظ الثبت العلامة، وعمل المستخرج على صحيح البخاري وكان قيماً بمعرفة هذا الشأن بصيراً بالرجال طويل الباع مليح التصانيف.
- ↑ وآية التبليغ هي قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس انّ الله لا يهدي القوم الكافرين) (المائدة: ٦٧). فعن ابن مسعود: بلّغ ما أُنزل اليك من ربّك ـ إنّ علياً مولى المؤمنين. وأخرج ابن مردويه أيضاً عن أبي سعيد الخدري. وابن عباس نزول هذه الآية في الإمام علي (ع). قال: فأخذ ـ أي النبي ص ـ بعضد علي ثم خرج إلى الناس فقال: أيها الناس ألستُ أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: اللهمّ من كنتُ مولاه فعلي مولاه، اللهمّ والِ من والاه، وعاد من عاداه....
- ↑ الدر المنثور، ج٢ ص ٢٩٨
- ↑ انظر «الغدير»: ١: ٥٣، ٢١٦.
- ↑ وفي رواية الحاكم: كيف ملىَ علماً؟ و«كُنَيْف»: تصغير كنف، وهو الوعاء، وهو تصغير تعظيم كقول الحُباب بن المنذر: انا جُذيْلها المُحكّك، وعُذيْقها المُرَجَّب.
- ↑ انظر «أنساب الأشراف» للبلاذري: ٥: ٣٦. وقد نقلناه من «الغدير»: ٩: ٣. وذكر ابن عبد ربّه الأندلسي في رواية عن عبد الله بن سنان، قال: خرج علينا ابن مسعود ونحن في المسجد، وكان على بيت مال الكوفة وأمير الكوفة عقبة بن أبي مُعيط فقال: يا أهل الكوفة فقدت من بيت مالكم الليلة مائة ألف لم يأتني بها كتاب من أمير المؤمنين ولم يكتب لي بها براءة. قال: فكتب الوليد بن عقبة إلى عثمان في ذلك، فنزعه عن بيت المال. ثم قال ابن عبد ربه: وكان الوليد بن عقبة أخا عثمان لأمّه وكان عامله على الكوفة، فصلّـى بهم الصبح ثلاث ركعات وهو سكران، ثم التفت إليهم فقال: إن شئتم زدتكم. العقد الفريد: ٤: ٣٠٦، ٣٠٧ طبع دار الكتاب العربي.
- ↑ أُنظر الطبقات الكبرى لابن سعد: ٤: ٢٣٤ في ترجمة أبي ذر. وروى في ص ٢٣٣ باسناده عن مالك الأشتر أنّه مع النفر الذين كانوا معه شهدوا موته، وأن أبا ذرّ حدّثهم بقول رسول الله ص: ليموتن منكم رجل بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين. كما ذكر السيد المرتضى شهود ابن مسعود لجنازة أبي ذر.
- ↑ انظر شرح الموطأ للزرقاني: ٣: ١٥٤.
- ↑ قال أبو بكر الجصاص الحنفي (ت ٣٧٠) ما ملخّصه: أمّا قوله تعالى: (أو لا مستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمّموا صعيداً) فإنّ السلف قد تنازعوا في معنى الملامسة، قال علي وابن عباس وأبو موسى والحسن... هي كناية عن الجماع وكانوا لا يوجبون الوضوء لمن مسّ امرأته، وقال عمر وعبد الله بن مسعود: المراد اللمس باليد وكانا يوجبان الوضوء بمسّ المرأة ولا يريان للجنب أن يتيمّم. ثمّ أثبتَ عدم نقض الوضوء بمسّ المرأة بالسنة النبوية. ثم قال: ووجه آخر يدل على أنّ المراد منه الجماع وهو أنّ اللمس وإن كان حقيقة للمسّ باليد فانّه لما كان مضافاً إلى النساء وجب أن يكون المراد منه الوطء كما أنّ الوطء حقيقته المشي بالاقدام فإذا أُضيف إلى النساء لم يعقل منه غير الجماع. كذلك هذا ونظيره قوله تعالى: وإن طلقتموهن من قبل أن تمسّوهن. يعني من قبل أن تجامعوهن. وأيضاً فإنّ النبي ص أمر الجنب بالتيمم في أخبار مستفيضة، ومتى ورد عن النبي ص حكم ينتظمه لفظ الآية وجب أن يكون فعله إنّما صدر عن الكتاب كما أنّه قطع السارق وكان في الكتاب لفظ يقتضيه كان قطعه معقولاً بالآية وكسائر الشرائع التي فعلها النبي ص ممّا ينطوي عليه ظاهر الكتاب. «أحكام القرآن»: ٢: ٣٦٩ طبع دار الكتاب العربي ـ بيروت.
- ↑ مجمع الزوائد للهيثمي: ٢: ١١٧.
- ↑ البداية والنهاية: ٧: ١٧٠، ذكر من توفّي من الأعيان سنة (٣٢ هـ).
- ↑ جعفر السبحاني، موسوعة طبقات الفقهاء، ج ١، ص ١٨٥.