التقوى في نهج البلاغة

التمهيد

قال (ع): «اَلتُّقَى رَئِيسُ اَلْأَخْلاَقِ» [١] .

من مميزات لغة القرآن إعجازه المتمثل في أسلوبه (جوامع الكلم وفصل الخطاب) فتختزن الكلمة المفردة والقول الوجيز المعاني الكبار وتكتنز في مادتها وهيئتها جم الشؤون.

ف (الاستقامة) مفردة جامعة واسعة تمتد فتستوعب شؤون الخالق تعالى تكويناً وتشريعاً وعللاً وآثاراً في ضروب من البلاغة والبراعة والإيجاز والإعجاز.

﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ[٢]

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ[٣]

﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ[٤]

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ[٥]

﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً[٦].

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[٧].

وبعد فهي الكلمة المقدسة مقياس الحق وعنوانه، وغاية هدي الدين ومقاصده، جمعت فأوعت وتمّت وعمّت.

و(التقوى) من ذلكم المعدن جارية على ذلك المنهج لاتجد فيه عوجاً ولا أمتاً تمد (الإنسان) روحاً تنفذ فتستبطن شغاف قلبه وتلافيف فكره، وخلجات نفسه، وتتجلى من مكنون الجوانح مهيمنة على كافة الجوارح فلا ينطق لسان ولا تمتد يد ولا تخطو رجل ولا تتحرك جارحة إلا بهدي من سناها وإيحاء من سماها.

«فَاتَّقُوا اَللَّهَ عِبَادَ اَللَّهِ تَقِيَّةَ ذِي لُبٍّ شَغَلَ اَلتَّفَكُّرُ قَلْبَهُ» [٨] .

التقوى عند الإمام علي

ولقد أفاض في حديث التقوى فيما أفصح به لسانه أو خطه بنانه تعريفاً وتوصيفاً ودوراً وأثراً. وفيما يلي نماذج من تلكم المواطن:

التقوى الحقيقية

  1. «فَاتَّقُوا اللهَ تَقِيَّةَ مَنْ سَمِعَ فَخَشَعَ، وَاقْتَرَفَ فَاعْتَرَفَ، وَوَجِلَ فَعَمِلَ، وَحَاذَرَ فَبَادَرَ، وَأَيْقَنَ فَأَحْسَنَ، وَعُبَّرَ فَاعْتَبَرَ، وَحُذَّرَ فَحَذِرَ، وَزُجِرَ فَازْدَجَرَ، وَأَجَابَ فأَنَابَ، وَرَاجَعَ فَتَابَ، وَاقْتَدَى فَاحْتَذَى، وَأُرِيَ فَرَأَى، فَأَسْرَعَ طَالِباً، وَنَجَا هَارِباً، فَأَفَادَ ذَخِیرَةً، وَأَطَابَ سَرِيرَةً، وَعَمَّرَ مَعَاداً، وَاسْتَظْهَرَ زَاداً لِيَوْمِ رَحِيلِهِ وَوَجْهِ سَبِيلِهِ، وَحَالِ حَاجَتِهِ، وَمَوْطِنِ فَاقَتِهِ، وَقَدَّمَ أَمَامَهُ لِدَارِ مُقَامِهِ. فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ جِهَةَ مَا خَلَقَكُمْ لَهُ، وَاحْذَرُوا مِنْهُ كُنْهَ مَا حَذَّرَكُمْ مِنْ نَفْسِهِ، وَاسْتَحِقُّوا مِنْهُ مَا أَعَدَّ لَكُمْ بِالتَّنَجُّزِ لِصِدْقِ مِيعَادِهِ، وَالَحَذَرِ مِنْ هَوْلِ مَعَادِهِ» [٩].
  2. «أُوصِيكُمْ، عِبَادَ اللهِ، بَتَقْوَى اللهِ الَّتي هِيَ الزَّادُ وَبِهَا المَعَاذُ: زَادٌ مُبْلِغٌ وَمَعَاذٌ مُنْجِحٌ، دَعَا إِلَيْهَا أَسْمَعُ دَاع، وَوَعَاهَا خَیْرُ وَاع، فَأَسْمَعَ دَاعِيهَا، وَفَازَ وَاعِيهَا. عِبَادَ اللهِ، إِنَّ تَقْوَى اللهِ حَمَتْ أوْلِيَاءَ اللهِ مَحَارِمَهُ، وَأَلْزَمَتْ قُلُوبَهُمْ مَخَافَتَهُ، حَتَّى أَسهَرَتْ لَيَالِيَهُمْ، وَأَظْمَأَتْ هَوَاجِرَهُمْ؛ فَأَخَذُوا الرَّاحَةَ بِالنَّصَبِ، وَالرِّيَّ بِالظَّمَإِ، وَاسْتَقْرَبُوا الاْجَلَ فَبَادَرُوا الْعَمَلَ، وَكَذَّبُوا الاْمَلَ فَلاَحَظُوا الاْجَلَ»[١٠].

وفي هذين النصين الجليلين مبنى ومعنى تركيز على حقائق ثلاث:

  1. التفاعل الصادق: فالإنسان ملؤه جوارح ومشاعر وأهواء وعواطف تختلف فتتخالف، فتتنازع فتتصارع، تضطرب فلا تستقر على حال. وهي مع شدّة صخبها ليست مجبورة ولا مضطرة فيما تمارس وتهوى، فالقادر على الفعل مختار في الترك، والهابط في دركات الخطيئة يقوى على إرتقاء درجات الطاعة. إذن فهو في مختبر دقيق يتجلى فيه الجوهر، وتتمايز فيه القوى.
  2. خير داع ومجيب: وذلكم شأن الكمالات العالية، يبثها المربي الرؤوف، ويدأب على تعميقها الراعي الرحيم خیر حكمة ممن (له دعوة الحق) ليحيا العباد على هدي قويم وأدب رفيع فيسمعها الفرد والأمة في الندي والمجمع والجامع فكأنها لم تقل ولم تسمع فلم تمر حتى تقر، وتتمكن من أسماع، وتقر في قلوب فقد وافت موطنها وألفت مقرها (فالقلوب أوعية وخيرها أوعاها).
  3. عناء وعاقبة نعيم: فالتقوى حصن حصین وسياج منيع، صان المتزودون بها أنفسهم عن ارتكاب محارم واكتساب مآثم، أهمتهم (التقوى) فأستولت على جوانحهم وجوارحهم، فقلوبهم من ربهم خائفة، وعيونهم ساهرة باكية، وبطونهم صائمة، وأبدانهم بالعبادة قائمة، على هذا عمرهم فنالوا بذلك الراحة بعد النصب، والهناء بعد العناء ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[١١].

التقوى نصح النفس

«فَاتَّقَىْ عَبْدٌ رَبِّهُ، نَصَحَ نَفْسَهُ، قَدَّمَ تَوْبَتَهُ، وغَلَبَ شَهْوَتَهُ»[١٢].

إن أحب شيء وأعزه على الإنسان نفسه، يوفر لها الكرامة، ويأبى عليها المهانة والهوان باذلاً في ذلك وسعه وجهده.

والإمام (ع) يهدي إلى السر الذي اذا وقف عليه المرء وكشفه وأخذ به حقق لذاته السعادة التي يكدح ويشقى لنيلها أو طرف منها.

ألا وإن السر العميق والمحور الدقيق هو: (نصحه لنفسه).

ونصحه الواقعي هو ما شرحه الإمام في بقية كلامه فليتأمل فيه بما يستحقه.

وبذلك يصدق وصف (العبودية) لمن اتخذه ربّاً.

إذن فمدار التقوى على محبة المرء لنفسه متجلياً في نصحه لها، وجوهر ذلك خالص العبودية، والدينونة بالربوبية للهِ تعالى وإلا فهو التمرد والأباق وأفضع ما يسيء به الإنسان لذاته، ويجر به البلاء والشقاء لنفسه.

نعم المخرج من المحرج

  1. «وَلَوْ أَنَّ السَّماَوَاتِ وَالاْرَضِینَ كَانَتَا عَلَى عَبْد رَتْقاً، ثُمَّ اتَّقَى اللهَ، لَجَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْهُمَاَ مَخْرَجاً» [١٣] .
  2. «وَاعْلَمُوا أَنَّهُ ﴿مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً[١٤] مِنَ الْفِتَنِ، وَنُوراً مِنَ الظُّلَمِ، وَيُخَلَّدْهُ فِيَما اشْتَهَتْ نَفْسُهُ، وَيُنْزِلْهُ مَنْزِلَ الْكَرَامَةِ عِنْدَهُ، فِي دَار اصْطَنَعَهَا لِنَفْسِهِ، ظِلُّهَا عَرْشُهُ، وَنُورُهَا بَهْجَتَهُ، وَزُوَّارُهَا مَلاَئِكَتُهُ، وَرُفَقَاؤُهَا رُسُلُهُ»[١٥].

وقال الإمام علي (ع) مقولته الأولى لأبي ذر لما أُخرج كرهاً إلى نائي الديار في الربذة في حمأة المواقف العصيبة والخطوب التي عصفت بالأمة الإسلامية وكان رجل الصدق وبطل الحق أبوذر الغفاري فقد جهر بما يرضي الله ويغضب الحاكمین فشردوا به طريداً بن الشام وأميرها والمدينة وحاكمها حتى مات غريباً وحيداً بأرض قفراء بعيدة المدى قليلة الزوار فبعین الله ما لقي حتى يبعث ويحشر أمة وحده كما قال النبي المصطفى (ص) وسلم وقد بقيت سیرته وتاريخه خیر أحدوثة ومقتدى ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ[١٦].

وجماع الأمر هو ما قاله الإمام: «إِنَّكَ غَضِبْتَ للهِ، فارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ، إِنَّ القَومَ خَافُوكَ على دُنْياهُمْ، وخِفْتَهُمْ على دِينِكَ،... فاتْرُكْ في أَيْدِيهِمْ ما خَافُوكَ عَليهِ، واهْرُبْ مِنْهُمْ بِما خِفْتَهُمْ عَليهِ، فما أَحْوَجَهُمْ إلى ما مَنَعْتَهُمْ، وما أَغْناكَ عمَّا مَنَعُوكَ، وسَتَعْلَمُ مَنِ الرَّابِحُ غَداً، والأَكْثَرُ حُسَّداً»[١٧].

هذا وكما قال الله- سبحانه-: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[١٨].

ويؤكد الإمام في النص الثاني ما تكفل الله- جلت عظمته- لمن إتقاه من فتح المخرج في مدلهمات النوازل فيأمن المتقي من لوابس الفتن ومعترك الظلم فالمتعلق بحبل الله لا يكبو، ونور الله لا يخبو، فمن أستضاء به هداه إلى جنان الخلود ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ[١٩].

صنائع تقي المصارع

«وَصَنَائِعُ المَعْرُوفِ فَإِنَّهَا تَقِي مَصَارعَ الْهَوَانِ» [٢٠] .

فللمؤمن تكريم وكرامة عند ربه، وفي ذاته، فيربأ به المذلة ومساقط الهنات والهوان، وخیر ما يقيه الانزلاق في تلكم المداحض اصطناع الخیر والبر فيسمو به ذلك إلى أوج العز والكرامة.

اللسان والتقوى

«وَلْيَخْتَزِنَ الرَّجُلُ لِسَانَهُ، فَإنَّ هذَا اللِّسَانَ جَمُوحٌ بِصَاحِبِهِ، وَاللهِ مَا أَرَى عَبْداً يَتَّقِي تَقْوَى تَنْفَعُهُ حَتَّى يَخْتَزِنَ لِسَانَهُ»[٢١].

إن لكل جارحة تقواها، وكلما عظم دورها وأشتد خطرها أضطرت إلى سياج منيع ورباط وثيق.

وقد اعتدها الإمام في تشبيهه البليغ بالخيل الجموح يدور بصاحبه ويأبى عليه حتى يطرحه هالكاً.

وفي بقية كلامه- عليه صلوات الله وسلامه- منهج التفكیر السليم الذي يتجه بسالكه إلى بسط اللسان في موطنه وقبضه في محله فيستقيم القول والصمت.

الخصومة والتقوى

«مَنْ بَالَغَ في الخُصُومَةِ أَثِمَ، ومَنْ قَصَّرَ فيها ظَلَمَ، ولا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَّقِي اللهَ مَنْ خَاصَمَ»[٢٢] .

الحق مركب صعب، وحب الغلبة والاستثار جبّلة في النفوس، فمن خاض غمار الخصومة فقد أرتطم، وعبثت به الأهواء، فا يذعن للحق، ولا يركن إلى الأنصاف ولا يرضى بالصلح، بل ينغمس في إشباع النفس بالإختلاق واليمین الغموس والشهادة الزور، وكل هذه الشؤون تقتضيها طبيعة الخصومة والنزاع ولا يسلم من آفاتها وبلائها إلا من عصم الله وسدد، ومن ثمّ قال الإمام (ع): «ولا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَّقِي اللهَ مَنْ خَاصَمَ».

المراقبة الدائمة

«اتَّقِ اللهَ فِي كُلِّ صَبَاح وَمَسَاءٍ، وَخَفْ عَلَى نَفْسِكَ الدُّنْيَا الْغَرُورَ، وَلاَ تَأْمَنْهَا عَلَى حَالٍ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنْ لَمْ تَرْدَعْ نَفْسَكَ عَنْ كَثِیرٍ مِمَّا تُحِبُّ، مَخَافَةَ مَكْرُوهِهٍ، سَمَتْ بِكَ الْأَهْوَاءُ إلى كَثِیرٍ مِنَ الضَّرَرِ. فَكُنْ لِنَفْسِكَ مَانِعاً رَادِعاً، وَلِنَزْوَتِكَ عِنْدَ الَحَفِيظَةِ وَاقِماً قَامِعاً» [٢٣].

فالوصية وإن كانت لشريح بن هانئ لما جعله على مقدمته إلى الشام إلا أنها عامة شاملة فخصوص المورد لا يخصص الوارد.

إن الدنيا مسرح الحياة، وفيها مواطن الإثارة وبواعث الإغترار، والنفس بطبيعتها ميالة لا يشبع نهمها متع الحياة وإن توافرت، فمالم يحد من غلوائها ويكبح من جماحها بشديد المراقبة ودقيق المحاسبة سمت به الأهواء وعصفت وألقت من أخلد إليها في مهوى سحيق، ولا منجا من ذلك ولا معتصم إلا بتقوى الله على كل حال وفي كل آن.

التقوى عند تواتر النعم

«فَاتَّقُوا سَكَرَاتِ اَلنِّعْمَةِ» [٢٤] .

فللملك سكر، وللنر شهوة وزهو، والمال مادة الشهوات، والشباب شعبة من الجنون، فمن رفل في نعيم نسي ماسواه من ماضيه وعمي عن حاضره ولم يفكر في مستقبله، لا يحيا إلا لذته، ولا يعيش إلا ساعته غیر ملتفت لتبدل الأحوال وتقلب الأمور، وصروف الدهور، فحذار من سكرات النعمة فربما جرّت إلى النقمة، فتذهب اللذة وتبقى التبعة.

التقوى في البلاد والعباد

«اتَّقُوا اللهَ فِي عِبَادِهِ وَبِلاَدِهِ، فَإنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ حَتَّى عَنِ الْبِقَاعِ وَالْبَهَائِمِ»[٢٥] .

ولئن نص الإمام في قول سابق على عموم التقوى في الزمان فهو ينص هنا على العموم من الأعيان إنساناً وحيواناً وجماداً وسواها، فجمع بذلك ما للتقوى من آفاق، وقرر واقعية التعامل وجميل التفاعل مع كافة أطراف الحياة ومرافقها، وهو- سلام الله عليه- يكشف في مقولته هذه أبعاداً مهمة من رؤى الدين وتغلغله في شؤون ما يحياه الإنسان ويعايشه.

ولقد أفصحت النصوص الشرعية وشرحت ما يجب القيام به إزاء تلكم الموارد ونظائرها.

رابطة التقوى بين الله وعباده

«أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى اللهِ، فَإِنَّهَا حَقُّ اللهِ عَلَيْكُمْ، وَالمُوجِبَةُ عَلَى اللهِ حَقَّكُمْ، وَأَنْ تَسْتَعِينُوا عَلَيْهَا بِاللهِ، وَتَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى اللهِ، فَإِنَّ الْتَّقْوَى فِي الْيَوْمِ الْحِرْزُ وَالُجُنَّةُ، وَفِي غَد الطَّرِيقُ إلى الَجَنَّةِ» [٢٦] .

فبین الألوهية المقدسة والعبودية رباط وثيق، والله تعالى الكمال المطلق، ومن كماله وجلاله ما أوجبه على نفسه من الرحمة ومحبته لخلقه، والعبد فقیر مطلق، وإذا صدقت العبودية بحق إرتبطت بمولاها، وسر الصدق يتمحور في انقياد مطلق من العبد لمولاه ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[٢٧].

وحيث أن السر دقيق وشأنه عميق فهو لا ينفك عمّا يوجبه ويبقيه والركيزة هي إستعانة العبد الفقیر بالله الغني والناقص بالكامل.

وبفضل ذلك يقوى العبد على نيل مرضاة الرب، فالخیر من الله وإليه يعود، والتقوى في ذلك سعادة في الدنيا وفوز في الآخرة، وللخطبة الشريفة تتمة مهمة تأتي في موضعها.

التقوى ميزان التفاضل

«وَلاَ تَضَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ التَّقْوَى، وَلاَ تَرْفَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ الدُّنْيَا» [٢٨].

ولعمر الحق إنه ميزان الحق، ومقياس العدل، منهج الله في قرآنه، ميّز فيه عباده وفاضل بينهم ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ[٢٩] فلا أنساب ولا ألوان ولا أموال ولا جاه ولا دنيا، وإنما بالتقوى شرف من تحلى بها وامتاز عن سواه وفضل من عداه وإن أعتد وضيعاً مهيناً تقتحمه العيون وتحتقره الرجال ويضيق به أهل الدنيا.

الصحة والتقوى

«وَأشدُّ مِنْ مَرَضِ الْبَدَنِ مَرَضُ الْقَلْبِ. أَلاَ وإِنَّ مِنْ صِحَّةِ الْبَدَنِ تَقْوَى الْقَلْبِ» [٣٠] .

وقد عرض الإمام (ع) أولاً في صدر حكمته صوراً من البلاء والعناء، وتفاوت شدتها فقال: «أَلاَ وإِنَّ مِنَ الْبَلاَءِ الْفَاقَةَ وَأَشَدُّ مِنَ الْفَاقَةِ مَرَضُ الْبَدَنِ».

والقلب يمثل مركز الحياة ومحور البقاء سواء أريد بالقلب العضو الصنوبري فهو يمد البدن بالقدرة والحركة، أو أريد به العقل فمرضه مرض صاحبه وحامله وتعطيل حيويته وموت نشاطه وإن عد في الأحياء.

الصلاة والتقوى

«الصَّلاَةُ قُرْبَانُ كُلِّ تَقِيٍّ»[٣١] .

فالعبادات تعني خضوع العبد الذليل للرب الجليل، وكل من أصنافها يمثل دوراً مهماً له شأنه وخاصيته.

والصلاة عبادة مميزة يتجلّى أسمى خضوع وانقياد، وفكر واعتقاد، في مفتتحها وختامها وما بينهما من تلاوة قرآن، وقراءة أذكار وأفعال وحركات.

وهي وجه الإسلام ومعراج المؤمن، وخیر موضوع وأفضل ما يتقرب به المتقربون إلى الله تعالى فلا غرو لو كانت قربان كل تقي فهي ﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ[٣٢].

ولو بعض التقى

«اتَّقِ اللهَ بَعْضَ التُّقَى وَإِنْ قَلَّ، وَاجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللهِ سِتْراً وَإِنْ رَقَّ» [٣٣] .

ولاشك أن التقوى حقيقة تامة وكلٌ لا يتجزئ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[٣٤]، إلا أن وميض النور يمكن أن ينبعث فيشعّ نوراًفي قلب حامله ووجدانه فيرجى خیره، ويستدرك ما فرط من تقصیره ويتوب ويؤوب ويستأنف العمل بعدما يخالطه الوجل فينتقل إلى خیر مرتحل فهو مدعاة للخیر ورجاء الإيمان وأمل الالتزام ومعقد الحياء والتراجع.

وإذا ما هتك السر وجاهر بالمعاندة فقد تعرض للسخط والطرد من حمى الرب وأستولى اليأس وذلك هو الخسران والكفر المبین وبالله المستجار وبه المعاذ.

التقوى المجسمة

ونورد من كلمات الإمام (ع) وخطبه ما يجسّد التقوى ويحيط بأطرافها وكافة جوانبها المتمثلة في الجوانح والجوارح، وكذا ما يقابلها من خلود إلى الدنيا وإنغماس في لذاتها وشهواتها، ومدى فعلها وتأثيرها في القلوب الواعية والنفوس الزاكية.

نورد من حكمه الجم نصین لنرى دور التربية الإلهية التي كان الإمام يتولى ريادتها والقيام بشؤونها وحمله الخلق على جادة الحق.

النص الأول:

«أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى اللهِ، فَإِنَّهَا حَقُّ اللهِ عَلَيْكُمْ، وَالمُوجِبَةُ عَلَى اللهِ حَقَّكُمْ، وَأَنْ تَسْتَعِينُوا عَلَيْهَا بِاللهِ، وَتَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى اللهِ، فَإِنَّ الْتَّقْوَى فِي الْيَوْمِ الْحِرْزُ وَالْجُنَّةُ، وَفِي غَد الطَّرِيقُ إلى الْجَنَّةِ، مَسْلَكُهَا وَاضِحٌ، وَسَالِكُهَا رَابحٌ، وَمُسْتَوْدَعُهَا حَافِظٌ، لَمْ تَبْرْحْ عَارِضَةً نَفْسَهَا عَلَى الاْمَمِ المَاضِینَ وَالْغَابِرينَ لَحَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا غَداً، إِذَا أَعَادَ اللهُ مَا أَبْدَى، وَأَخَذَ مَا أَعْطَى، وَسَأَلَ عَمَّا أَسْدَى. فَمَا أَقَلَّ مَنْ قَبِلَهَا، وَحَمَلَهَا حَقَّ حَمْلِهَا! أُولئِكَ الاْقَلُّونَ عَدَداً، وَهُمْ أَهْلُ صِفَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ إِذْ يَقُولُ: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ[٣٥]، فَأَهْطِعُوا بِأَسْمَاعِكُمْ إِلَيْهَا، وأكظّوا بِجِدِّكُمْ عَلَيْهَا، وَاعْتَاضُوهَا مِنْ كُلِّ سَلَف خَلَفاً، وَمِنْ كُلِّ مُخَالِف مُوَافِقاً. أَيْقِظُوا بِهَا نَوْمَكُمْ، واقْطَعُوا بِهَا يَوْمَكُمْ، وَأَشْعِرُوهَا قُلُوبَكُمْ، وَارْحَضُوا بِهَا ذُنُوبَكُمْ، وَدَاوُوا بِهَا الاْسْقَامَ، وَبَادِرُوا بِهَا الْحِمَامَ، وَاعْتَبِرُوا بِمَنْ أَضَاعَهَا، وَلاَ يَعْتَبِرَنَّ بِكُمْ مَنْ أَطَاعَهَا. أَلاَ وصُونُوهَا وَتَصَوَّنُوا بِهَا، وَكُونُو عَنِ الدُّنْيَا نُزَّاهاً، وَإِلَی الاْخِرَةِ وُلاَّهاً. وَلاَ تَضَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ التَّقْوَى، وَلاَ تَرْفَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ الدُّنْيَا، وَلاَ تَشِيمُوا بَارِقَهَا، وَلاَ تَسْمَعُوا نَاطِقَهَا، وَلاَ تُحِيبُوا نَاعِقَهَا، وَلاَ تَسْتَضِيئُوا بِإِشْرَاقِهَا، وَلاَ تُفْتَنُوا بِأَعْلاَقِهَا، فَإِنَّ بَرْقهَا خَالِبٌ، وَنُطْقَهَا كَاذِبٌ، وَأَمْوَالَهَا مَحْرُوبةٌ، وَأَعْلاَقَهَا مَسْلُوبَةٌ. أَلاَ وَهِيَ المُتَصَدِّيَةُ الْعَنُونُ، وَالَجَامِحَةُ الْحَرُونُ، وَالمَائِنَةُ الْخَؤُون، وَالْجَحُودُ الْكَنُودُ، وَالْعَنُودُ الصَّدُودُ، وَالْحَيُودُ المَيُودُ. حَالُهَا انْتِقَالٌ، وَوَطْأَتُهَا زِلْزَالٌ، وَعِزُّهَا ذُلٌّ، وَجِدُّهَا هَزْلٌ، وَعُلْوُهَا سُفْلٌ، دَارُ حَرَب وَسَلَب، وَنَهْب وَعَطَب، أَهْلُهَا عَلَى سَاق وَسِيَاق، وَلَحَاق وَفِرَاق.قَدْ تَحَیَّرَتْ مَذَاهِبُهَا، وَأَعْجَزَتْ مَهَارِبُهَا، وَخَابَتْ مَطَالِبُهَا، فَأَسْلَمَتْهُمُ المَعَاقِلُ، وَلَفَظَتْهُمُ المَنَازِلُ، وَأَعْيَتْهُمُ المَحَاوِلُ: فَمِنْ نَاج مَعْقُور، وَلَحم مَجْزُور، وَشِلْو مَذْبُوح، وَدَم مَسْفُوح، وَعَاضّ عَلَى يَدَيْهِ، وَصَافِق لِكَفَّيْهِ، وَمُرْتَفِق بِخَدَّيْهِ، وَزَار عَلَى رَأْيِهِ، وَرَاجِع عَنْ عَزْمِهِ، وَقَدْ أَدْبَرَتِ الْحِيلَةُ، وَأَقْبَلَتِ الْغِيلَةُ، ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ[٣٦]. هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ! قَدْ فَاتَ مَا فَاتَ، وَذَهَبَ مَا ذَهَبَ، ومَضَتِ الدُّنْيَا لِحَالِ بَالِهَا، ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ[٣٧]». [٣٨]

النص الثاني:

«رُوِيَ: أَنْ صَاحِباً لِأَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ يُقَالُ لَهُ هَمَّامٌ وَ كَانَ رَجُلاً عَابِداً فَقَامَ إِلَيْهِ وَ قَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ صِفْ لِيَ اَلْمُتَّقِينَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ فَتَثَاقَلَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ عَنْ جَوَابِهِ ثُمَّ قَالَ يَا هَمَّامُ اِتَّقِ اَللَّهَ وَ أَحْسِنْ فَ ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ[٣٩] فَلَمْ يَقْنَعْ هَمَّامٌ بِذَلِكَ اَلْقَوْلِ حَتَّى عَزَمَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَكْرَمَكَ وَ خَصَّكَ وَ حَبَاكَ وَ فَضَّلَكَ بِمَا آتَاكَ لَمَّا وَصَفْتَهُمْ لِي فَقَامَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ فَحَمِدَ اَللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ اَلْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً عَنْ مَعْصِيَتِهِمْ لِأَنَّهُ لاَ يَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ مِنْهُمْ وَ لاَ يَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ مِنْهُمْ فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ وَ وَضَعَهُمْ فِي اَلدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ اَلْفَضَائِلِ مَنْطِقُهُمُ اَلصَّوَابُ وَ مَلْبَسُهُمُ اَلاِقْتِصَادُ وَ مَشْيُهُمُ اَلتَّوَاضُعُ خَصُّوا اَللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ بِالطَّاعَةِ فَخُصُّوا غَاضِّينَ أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَاقِفِينَ أَسْمَاعَهُمْ عَلَى اَلْعِلْمِ اَلنَّافِعِ لَهُمْ نَزَلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي اَلْبَلاَءِ كَالَّذِي نَزَلَ فِي اَلرَّخَاءِ رِضاً عَنِ اَللَّهِ بِالْقَضَاءِ [وَ] لَوْ لاَ اَلْآجَالُ اَلَّتِي كَتَبَ اَللَّهُ لَهُمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ شَوْقاً إِلَى اَلثَّوَابِ وَ خَوْفاً مِنَ اَلْعِقَابِ عَظُمَ اَلْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ فَهُمْ وَ اَلْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ وَ هُمْ وَ اَلنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ وَ شُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ وَ أَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ وَ حَوَائِجُهُمْ خَفِيفَةٌ وَ أَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ وَ مَعُونَتُهُمْ فِي اَلْإِسْلاَمِ عَظِيمَةٌ صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً وَ تِجَارَةٌ مُرْبِحَةٌ يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبٌّ كَرِيمٌ أَرَادَتْهُمُ اَلدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا وَ طَلَبَتْهُمْ فَأَعْجَزُوهَا وَ أَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا أَمَّا اَللَّيْلُ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ تَالِينَ لِأَجْزَاءِ اَلْقُرْآنِ يُرَتِّلُون بِهِ تَرْتِيلاً يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَ يَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ وَ يُهَيِّجُ أَحْزَانَهُمْ بُكَاءً عَلَى ذُنُوبِهِمْ وَ وَجَعِ كُلُومِ حَوَائِجِهِمْ فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً وَ تَطَلَّعَتْ إِلَيْهَا أَنْفُسُهُمْ شَوْقاً وَ ظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ وَ إِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ وَ أَبْصَارَهُمْ وَ اِقْشَعَرَّتْ مِنْهَا جُلُودُهُمْ وَ وَجِلَتْ مِنْهَا قُلُوبُهُمْ وَ ظَنُّوا أَنَّ صَهِيلَ جَهَنَّمَ وَ زَفِيرَهَا وَ شَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ يُمَجِّدُونَ جَبَّاراً عَظِيماً مُفْتَرِشُونَ جِبَاهَهُمْ وَ أَكُفَّهُمْ وَ رُكَبَهُمْ وَ أَطْرَافَ أَقْدَامِهِمْ تَجْرِي دُمُوعُهُمْ عَلَى خُدُودِهِمْ يَجْأَرُونَ إِلَى اَللَّهِ فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ وَ أَمَّا اَلنَّهَارُ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ بَرَرَةٌ أَتْقِيَاءُ قَدْ بَرَاهُمُ اَلْخَوْفُ بَرْيَ اَلْقِدَاحِ يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ اَلنَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى وَ مَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ وَ يَقُولُ قَدْ خُولِطُوا وَ لَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ إِذَا هُمْ ذَكَرُوا عَظَمَةَ اَللَّهِ وَ شِدَّةَ سُلْطَانِهِ مَعَ مَا يُخَالِطُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اَلْمَوْتِ وَ أَهْوَالِ اَلْقِيَامَةِ فَوَضَّحَ ذَلِكَ قُلُوبَهُمْ وَ طَاشَتْ لَهُ حُلُومُهُمْ وَ ذَهِلَتْ عَنْهُ عُقُولُهُمْ وَ اِقْشَعَرَّتْ مِنْهَا جُلُودُهُمْ وَ إِذَا اِسْتَقَالُوا مِنْ ذَلِكَ بَادَرُوا إِلَى اَللَّهِ بِالْأَعْمَالِ اَلزَّاكِيَةِ لاَ يَرْضَوْنَ لِلَّهِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ بِالْقَلِيلِ وَ لاَ يَسْتَكْثِرُونَ لَهُ اَلْجَزِيلَ فَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ وَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ إِنْ زُكِّيَ أَحَدُهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي وَ رَبِّي أَعْلَمُ مِنِّي بِنَفْسِي اَللَّهُمَّ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ وَ اِجْعَلْنِي خَيْراً مِمَّا يَظُنُّونَ وَ اِغْفِرْ لِي مَا لاَ يَعْلَمُونَ فَإِنَّكَ عَلاَّمُ اَلْغُيُوبِ وَ سَتَّارُ اَلْعُيُوبِ فَمِنْ عَلاَمَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةً فِي دِينٍ وَ حَزْماً فِي لِينٍ وَ إِيمَاناً فِي يَقِينٍ وَ حِرْصاً فِي عِلْمٍ وَ فَهْماً فِي فِقْهٍ وَ عِلْماً فِي حِلْمٍ وَ شَفَقَةً فِي نَفَقَةٍ وَ كَسْباً فِي رِفْقٍ وَ قَصْداً فِي غِنًى وَ خُشُوعاً فِي عِبَادَةٍ وَ تَجَمُّلاً فِي فَاقَةٍ وَ صَبْراً فِي شِدَّةٍ وَ رَحْمَةً لِلْمَجْهُودِ وَ إِعْطَاءً فِي حَقٍّ وَ رِفْقاً فِي كَسْبٍ وَ طَلَباً فِي حَلاَلٍ وَ نَشَاطاً فِي هُدًى وَ تَحَرُّجاً عَنْ طَمَعٍ وَ بِرّاً فِي اِسْتِقَامَةٍ وَ اِعْتِصَاماً عِنْدَ شَهْوَةٍ لاَ يَغْتَرُّهُ ثَنَاءُ مِنْ جَهِلَهُ وَ لاَ يَدَعُ إِحْصَاءَ عَمَلِهِ مُسْتَبْطِئٌ لِنَفْسِهِ فِي اَلْعَمَلِ يَعْمَلُ اَلْأَعْمَالَ اَلصَّالِحَةَ وَ هُوَ عَلَى وَجَلٍ يُمْسِيَ وَ هَمُّهُ اَلشُّكْرُ وَ يُصْبِحُ وَ شُغْلُهُ اَلذِّكْرُ يَبِيتُ حَذِراً وَ يُصْبِحُ فَرِحاً حَذِراً مِنَ اَلْغَفْلَةِ وَ فَرِحاً لِمَا أَصَابَ مِنَ اَلْفَضْلِ وَ اَلرَّحْمَةِ إِنِ اِسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيمَا يَذْكُرُهُ لَمْ يُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِيمَا يُحِبُّ فَرَحُهُ فِيمَا يَخْلُدُ وَ يَطُولُ وَ قُرَّةُ عَيْنِهِ فِيمَا لاَ يَزُولُ وَ رَغْبَتُهُ فِيمَا يَبْقَى وَ زَهَادَتُهُ فِيمَا يَفْنَى يَمْزُجُ اَلْحِلْمَ بِالْعِلْمِ وَ اَلْعِلْمَ بِالْعَقْلِ وَ اَلْقَوْلَ بِالْعَمَلِ تَرَاهُ بَعِيداً كَسَلُهُ دَائِماً نَشَاطُهُ قَرِيباً أَمَلُهُ قَلِيلاً زَلَلُهُ مُتَوَقِّعاً أَجَلَهُ خَاشِعاً قَلْبُهُ ذَاكِراً رَبَّهُ قَانِعَةً نَفْسُهُ مَنْزُوراً أَكْلُهُ مُسْتَغِيباً جَهْلُهُ سَهْلاً أَمْرُهُ حَرِيزاً دِينُهُ مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ مَكْظُوماً غَيْظُهُ صَافِياً خُلُقُهُ آمِناً فِيهِ جَارُهُ ضَعِيفاً كِبْرُهُ قَانِعاً بِالَّذِي قُدِّرَ لَهُ مَتِيناً صَبْرُهُ مُحْكَماً أَمْرُهُ كَثِيراً ذِكْرُهُ لاَ يُحَدِّثُ بِمَا يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ اَلْأَصْدِقَاءَ وَ لاَ يَكْتُمُ شَهَادَةَ اَلْأَعْدَاءِ وَ لاَ يَعْمَلُ شَيْئاً مِنَ اَلْحَقِّ رِيَاءً وَ لاَ يَتْرُكُهُ حَيَاءً اَلْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ وَ اَلشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ إِنْ كَانَ فِي اَلْغَافِلِينَ كُتِبَ فِي [مِنَ] اَلذَّاكِرِينَ وَ إِنْ كَانَ فِي اَلذَّاكِرِينَ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ اَلْغَافِلِينَ يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ وَ يُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ وَ يَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ لاَ يَعْزُبُ حِلْمُهُ وَ لاَ يُعَجِّلُ فِيمَا يُرِيبُهُ وَ يَصْفَحُ عَمَّا قَدْ تَبَيَّنَ لَهُ بَعِيداً فُحْشُهُ لَيِّناً قَوْلُهُ غَائِباً شَكْوُهُ حَاضِراً مَعْرُوفُهُ صَادِقاً قَوْلُهُ حَسَناً فِعْلُهُ مُقْبِلاً خَيْرُهُ مُدْبِراً شَرُّهُ فَهُوَ فِي اَلزَّلاَزِلِ وَقُورٌ وَ فِي اَلْمَكَارِهِ صَبُورٌ وَ فِي اَلرَّخَاءِ شَكُورٌ لاَ يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ وَ لاَ يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ وَ لاَ يَدَّعِي مَا لَيْسَ لَهُ وَ لاَ يَجْحَدُ حَقّاً هُوَ عَلَيْهِ يَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ بِهِ عَلَيْهِ لاَ يُضِيعُ مَا اُسْتُحْفِظَ وَ لاَ يَنْسَى مَا ذُكِّرَ وَ لاَ يَتَنَابَزُ بِالْأَلْقَابِ وَ لاَ يَبْغِي عَلَى أَحَدٍ وَ لاَ يَهُمُّ بِالْحَسَدِ وَ لاَ يُضَارُّ بِالْجَارِ وَ لاَ يَشْمَتُ بِالْمُصَابِ مُؤَدٍّ لِلْأَمَانَاتِ سَرِيعٌ إِلَى اَلصَّلَوَاتِ بَطِيءٌ عَنِ اَلْمُنْكَرَاتِ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَى عَنِ اَلْمُنْكَرِ لاَ يَدْخُلُ فِي اَلْأُمُورِ بِجَهْلٍ وَ لاَ يَخْرُجُ مِنَ اَلْحَقِّ بِعَجْزٍ إِنْ صَمَتَ لَمْ يَغُمَّهُ اَلصَّمْتُ وَ إِنْ نَطَقَ لَمْ يَقُلْ خَطَأً وَ إِنْ ضَحِكَ لَمْ يَعْلُ صَوْتُهُ قَانِعٌ بِالَّذِي قُدِّرَ لَهُ لاَ يَجْمَعُ بِهِ اَلْغَيْظُ وَ لاَ يَغْلِبُهُ اَلْهَوَى وَ لاَ يَقْهَرُهُ اَلشُّحُّ وَ لاَ يَطْمَعُ فِيمَا لَيْسَ لَهُ يُخَالِطُ اَلنَّاسَ لِيَعْلَمَ وَ يَصْمُتُ لِيَسْلَمَ وَ يَسْأَلُ لِيَفْهَمَ وَ يَتَّجِرُ لِيَغْنَمَ لاَ يَنْتَصِبُ لِلْخَيْرِ لِيَفْخَرَ بِهِ وَ لاَ يَتَكَلَّمُ بِهِ لِيَتَجَبَّرَ عَلَى مَنْ سِوَاهُ نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَ اَلنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ أَتْعَبَ نَفْسَهُ لِآخِرَتِهِ وَ أَرَاحَ اَلنَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ إِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتَّى يَكُونَ اَللَّهُ هُوَ اَلْمُنْتَقِمَ لَهُ بُعْدُهُ عَمَّنْ يَتَبَاعَدُ مِنْهُ زُهْدٌ وَ نَزَاهَةٌ وَ دُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِينٌ وَ رَحْمَةٌ لَيْسَ تَبَاعُدُهُ بِكِبْرٍ وَ لاَ عَظَمَةٍ وَ لاَ دُنُوُّهُ بِمَكْرٍ وَ لاَ خَدِيعَةٍ قَالَ فَصَعِقَ هَمَّامٌ صَعْقَةً كَانَتْ نَفْسُهُ فِيهَا فَقَالَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ أَمَا وَ اَللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا تَصْنَعُ اَلْمَوَاعِظُ اَلْبَالِغَةُ بِأَهْلِهَا»[٤٠]

ورعى الله من أدّى حق النظر والتأمل في كل مفردة وجملة من هذا المقال النفيس والجوهر الفريد الذي أحاط وأفاض دقة وتحليلاً تزهيداً في الدنيا الفانية وترغيباً في الآخرة الباقية وكشفاً لنوازع النفس وبياناً لحقائق الإيمان وصدق العبودية وموجبات رضا الرب وكيف صنعت بمن وعاها ورعاها حق الدراية والرعاية.

ولا غرو فقد صدع بها إمام المتقین ويعسوب الدين والهادي إلى جنات النعيم مولانا أميرالمؤمنین وسيد الموحدين علي- عليه أفضل صلوات المصلّین- وكفى بها برنامجاً ومنهجاً ومصدراً ومرجعاً، وهي أجل من التوصيف وأكمل من التعريف.[٤١]

المراجع والمصادر

  1.   محسن علي المعلم، الأخلاق من نهج البلاغة

الهوامش

  1. الرسالة ٤١٠/ ٥٤٨ الدكتور صبحي الصالح
  2. سورة هود، الآية ٥٦.
  3. سورة الإسراء، الآية ٩.
  4. سورة الشورى، الآية ١٥.
  5. سورة فصلت، الآية ٣٠.
  6. سورة الجن، الآية ١٦.
  7. سورة الأنعام، الآية ١٥٣.
  8. خطبة ٨٣/ ١١١
  9. خطبة ٨٣/ ١٠٩- ١١٠.
  10. خطبة ١١٤/ ١٦٩- ١٧٠.
  11. سورة الأعراف، الآية ١٢٨.
  12. خطبة ٦٥/ ٩٥
  13. خطبة ١٣٠/ ١٨٨
  14. سورة الطلاق، الآية ٢.
  15. خطبة ١٨٣/ ٢٢٦
  16. سورة يوسف، الآية ١١١.
  17. خطبة ١٣٠/ ١٨٨
  18. سورة الأعراف، الآية ١٢٨.
  19. سورة القمر، الآية ٥٤-٥٥.
  20. خطبة ١١٠/ ١٦٣
  21. خطبة ١٧٦/ ٢٥٣
  22. خطبة ٢٩٨/ ٥٢٨.
  23. الكتاب ٥٦/ ٤٤٧
  24. خطبة ١٥١/ ٢١٠
  25. خطبة ١٦٧/ ٢٤٢
  26. خطبة ١٩١/ ٢٨٤
  27. سورة آل عمران، الآية ١٠٢.
  28. خطبة ١٩١/ ٢٨٤
  29. سورة الحجرات، الآية ١٣.
  30. خطبة ٣٨٨/ ٥٤٤- ٥٤٥
  31. خطبة ١٣٦/ ٤٩٤
  32. سورة العنكبوت، الآية ٤٥.
  33. خطبة ٢٤٢/ ٥١١
  34. سورة آل عمران، الآية ١٠٢.
  35. سورة سبأ، الآية ١٣.
  36. سورة ص، الآية ٣.
  37. سورة الدخان، الآية ٢٩.
  38. خطبة ١٩١/ ٢٨٤- ٢٨٥
  39. سورة النحل، الآية ١٢٨.
  40. خطبة ١٩٣/ ٣٠٣- ٣٠٦
  41. محسن علي المعلم، الأخلاق من نهج البلاغة، ص ١٤٧-١٦٣.