تعيين الإمام في علم الكلام
تمهيد
تُمثّل مسألة تعيين الإمام من خلال النص الإلهي، أو بواسطة اختيار الناس وانتخابهم أهمّ مواضع الاختلاف بين الإمامية ومخالفيهم؛ فهل يجب تعيين مصداق الإمام بنصّ من عند الله جل وعلا، أم أنّ هذا الأمر موكول لاختيار البشر؟ وهل يوجد نصّ جليّ أو خفيّ يُثبت الإمامة؟
يرى علماء الإمامية - ومنهم: الشيخ الطوسي[١]، والعلّامة الحلي[٢]، والفاضل المقداد[٣]؛ - أنّ الله عز وجل ونبيّه الأكرم(ص) قد بيّنا إثبات إمامة أمير المؤمنين عليّ (ع) من خلال مجموعة كبيرة من النصوص. لكنّ علماء أهل السنة تعرّضوا لهذه النصوص بالنقد والتأويل، وأنكروا شرط النص الإلهي على الإمام.
وقد دفعت أهميّة هذا البحث بعلماء الفريقين إلى أن يُفردوا فصلاً مستقلّاً يدرس طرق تعيين الإمام؛ منهم من علماء الإمامية: المحقق الطوسي[٤]، والسيّد المرتضى[٥] والمحقّق الحلي[٦]، وابن ميثم البحراني[٧]، وأبو الصلاح الحلبي[٨].
وينقسم مصطلح «النصّ» في كلام العلماء بعدة لحاظات؛ أهمّها درجة صراحة النص، فقُسّم النص بهذا اللحاظ إلى «نصّ جليّ»، و«نصّ خفيّ»: فالنصّ الجلي: هو «ما علم سامعوه من الرسول (ص) مراده منه باضطرار»، وهو «النصّ الذي في ظاهره ولفظه الصريح بالإمامة والخلافة»، وينتفي فيه احتمال الخلاف[٩].
ومن أمثلة النص الجلي على إمامة الإمام عليّ (ع) قوله: «سَلِّمُوا عَلَى عَلِيٍّ بِإِمْرَةِ اَلْمُؤْمِنِينَ»[١٠].
«خَلِيفَتِي فِيكُمْ مِنْ بَعْدِي فَاسْمَعُوا لَهُ وأَطِيعُوهُ»[١١].
وأمّا النص الخفي فهو: ما «لا نقطع على أنّ سامعيه من الرسول (ص) علموا النص بالإمامة منه اضطراراً، ولا يمتنع عندنا أن يكونوا علموه استدلالاً من حيث اعتبار دلالة اللفظ. ومن أمثلته عند البعض[١٢] قول النبي (ص): «مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ»[١٣]. «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى»[١٤].
وذهب بعض الإمامية الاثني عشريّة والكيسانيّة إلى أنّ المثبت للإمامة هو النص الجلي فقط[١٥]، وعدّوا كلاً من حديث الغدير «مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ»، وحديث المنزلة «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى» من زمرة النصوص الجلية[١٦].
أما أهل السنة فقد تأسّى قلّة منهم بما ذهب إليه الحسن البصري؛ فزعموا صدور نصّ خفيّ من الرسول(ص) ينصّ على إمامة أبي بكر[١٧]. ورأى الفخر الرازي في مبحث طرق تعيين الإمام أنّ نظريّة «كفاية وجود النص لتعيين الإمام» ممّا انعقد عليه إجماع المسلمين، بخلاف غيرها من الطرق؛ فكلّها مختلف عليها.
وذهبت الزيدية بقطعيّة إمامة كلّ فرد فاطميّ، عالم، زاهد، يخرج بالسيف، ويدعو الناس إلى إمامته.
أمّا الأشاعرة والمعتزلة فقد عدّوا البيعة سبباً في تعيين الإمام في حين أنكر الشيعة الاثناعشرية هذا الطريق[١٨]. وكتب المحقق الطوسي: ومن الظاهر أنّ أصحاب النبي(ص) بعد وفاته أجمعوا على طاعة إمام بعده، فذهب بعضهم إلى أنّه (ص) نصّ على عليّ (ع). وبعضهم قالوا إنّا ننصب إماماً، ونصبوا أبا بكر، وبايعوه جميعاً... ولو لم يكن نصب إمام واجباً لخالفهم من الأمة أحد في ذلك. ثمّ أجمعوا على عمر بنصّ أبي بكر، ثمّ على عثمان بسبب الشورى، ثمّ على عليّ (ع) لإجماع أكثر أهل الحل والعقد عليه. وعرف من ذلك أنّ الإمام يُنصب إمّا بنصّ من الذي قبله، وإمّا باختيار أهل الحل والعقد إيَّاه، وهذا هو العمدة عند أهل السنة[١٩].
وقال المحقق الطوسي بخصوص نصب الإمام في موضع آخر: وأما القائلون بوجوبه من الله [تعالى] فهم الشيعة القائلون بإمامة عليّ بن أبي طالب (ع) بعد النبي (ص) واختلفوا في طريق معرفة الإمام (ع) بعد أن اتّفقوا على أنّه نصّ من الله تعالى أو ممّن هو منصوص [عليه] من قبل الله تعالى لا غير، فقالت الاثنا عشرية والكيسانيّة أنّه إنّما يحصل بالنصّ الجلي؛ لا غير. وقالت الزيدية أنّه يحصل بالنصّ الخفى أيضاً»[٢٠].
هذا، وقد عدّ الفخر الرازي البيعة سبباً في حصول الإمامة[٢١].
وقد ذكر كلّ من الإيجي و الجرجاني أنّ تعيين مصداق الإمام يتمّ بأحد ثلاثة طرق: إمّا بنصّ النبي (ص)، وإمّا بنصّ الإمام السابق، وإمّا من خلال بيعة أهل الحل والعقد[٢٢]. والدليل على الطريق الثالث عندهم هو إمامة أبي بكر[٢٣].
وأمّا سعد الدين التفتازاني فقد أضاف إلى الطرق الثلاثة السابقة طريقاً رابعاً؛ وهو الغلبة والقهر بالسيف؛ فقال: والثالث[٢٤]: القهر والاستيلاء؛ فإذا مات الإمام وتصدّى للإمامة من يستجمع شرائطها من غير بيعة واستخلاف وقهر الناس بشوكته؛ انعقدت الخلافة له، وكذا إذا كان فاسقاً أو جاهلاً على الأظهر، إلّا أنّه يعصى بما فعل ولا يُعتبر الشخص إماماً بتفرده بشروط الإمامة، ويجب طاعة الإمام ما لم يخالف حكم الشرع؛ سواء كان عادلاً أو جابراً ولا يجوز نصب إمامين في وقت واحد على الأظهر وإذا ثبت الإمام بالقهر والغلبة ثمّ جاء آخر فقهره؛ انعزل وصار القاهر إماماً[٢٥].
والملاحظ هنا أنّ نظريّات أهل السنة فيما يتعلّق بطرق تعيين الإمام تعاني بأسرها مشكلة «المصادرة على المطلوب» [٢٦]؛ فهي تبيّن طرقاً لتعيين الإمام على أساس تبرير من الوضع الموجود، وإضفاء حالة من الشرعية على خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وغيرهم من الحكام.
ويكمن أحد أهمّ الإشكالات التي ترد على نظرية البيعة في ارتكازها على الإجماع؛ وليس السبب في ذلك اختلاف الرأي الواقع بين أهل السنة أنفسهم في تحقّق هذا الإجماع، وعدد الأشخاص الذين انعقد بهم وحسب؛ بل إنّ هذا الإجماع فاقد للحجيّة والمشروعيّة، ولن يكتسبهما مطلقاً. ذلك لأنّهم إذا سُئلوا عن إثبات حقّانيّة إمامة أبي بكر، لأجابوا بأنّها ثبتت ببيعة واحد، أو مجموعة من أهل الحل والعقد، ثمّ إذا سُئلوا عن مشروعيّة البيعة في نفسها، لأجابوا بأنّ خليفتهم الأول عُيّن بهذه الطريقة، فيصبح من المعلوم أنّ هذه الطريقة مشروعة! وهذا الاستدلال ليس إلّا دوراً صريحاً؛ والدور باطل[٢٧].
وقد اتّفق منظّرو الإمامية قاطبة على أنّ العصمة هي إحدى الشروط الواجبة في حقّ الإمام. وعلى هذا الأساس - وكما أشرنا في البحوث السابقة - نجد علماء الإمامية قد أقاموا لإثباتها عدداً من الأدلة العقلية والنقليّة.
وبناءً على هذا، فإنّ الإذعان بضرورة إثبات العصمة للإمام يمحو إمكانيّة الإجابة على السؤال الآتي: بما أنّ معرفة الإمام الواجد للعصمة أمر مشكل - بل قل إنّه مستحيل - فما هو الطريق الذي يجب أن ننتهجه كي نتمكّن من تعيين الإمام المعصوم؟
فههنا تقف البشرية منتظرة العلم الغيبي الذي اختصّ به المولى من دون غيره؛ وذلك من حيث كونه عز وجل الوحيد العالم بخفايا الأمور، والمحيط بما في صدور الناس من أسرار. ومن هذا المنطلق، فإنّ الجهة الوحيدة القادرة على تعيين الإمام واختياره، وتقديمه للبشريّة هي الله، وليس لأحد دونه القدرة على التدخل في هذا الأمر الخطير[٢٨].
يقول المحقق الطوسي في تبيين ضرورة النص وإثباتها من خلال العصمة: «العصمة تقتضي النص»[٢٩]؛ أي إنّ ثبوت العصمة للإمام يقتضي وجود النص على تعيينه. ويقول العلامة الحلي في شرحها: قد بيّنّا أنّه يجب أن يكون الإمام معصوماً؛ والعصمة أمر خفيّ لا يعلمها إلّا الله تعالى، فيجب أن يكون نصبه من قبله تعالى؛ لأنّه العالم بالشرط دون غيره[٣٠].
وقد تمسّك بهذا الدليل بعض علماء الإمامية؛ ومنهم: الفاضل المقداد[٣١]، و الفياض اللاهيجي[٣٢]، و محمد مهدي النراقي[٣٣].[٣٤]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد، ص ١٩٤-١٩٣.
- ↑ نهج المسترشدين، ص ٦٤-٦٣ .مناهج اليقين، ص ٤٥٢ .
- ↑ النافع يوم الحشر، ص ١٠٠ .
- ↑ رسالة الإمامة.
- ↑ الذخيرة في علم الكلام،المرتضى، ص ٤٢٩.
- ↑ المسلك في أصول الدين، ص ١٩٨.
- ↑ النجاة في القيامة،ص ٦٩.
- ↑ تقريب المعارف، ص ١٧٠ .
- ↑ راجع: الشافي ج ٢،ص ٦٧ .نهج الإيمان،ابن جبر، ص ٦٨ -٦٧ .اللوامع الإلهية، ص ٣٣٥ .
- ↑ الكافي، الكليني، ج ١، ص ٢٩٢.
- ↑ الشافي،ج ٢،ص ٦٧ .مسائل،المرتضى، ص ٢٦٢ .
- ↑ راجع: الشافي،ج ٢،ص ٦٨- ٦٧؛ أنوار الملكوت،ص ٢١٩؛ الذخيرة في علم الكلام،المرتضى، ص ٤٦٣؛ مسائل،المرتضى، ص ٢٦٢ .
- ↑ الكافي،الكلينيّ، ج ١، ص ٢٨٧ .
- ↑ الكافي، الكليني، ج ٨، ص ١٠٧.
- ↑ قواعد العقائد،ص ١١٠ . قال فيه: «فقالت الإمامية الاثنا عشريّة والكيسانيّة: إنّه إنّما يحصل بالنصّ الجلي لا غير».
- ↑ راجع: تلخيص المحصل،ص ٤١٢ .كشف المراد، ص ٣٧٠-٣٦٧ .
- ↑ لاحظ: أبكار الأفكار،التفتازانيّ، ج ٣،ص ٤٣٤ .شرح المقاصد، ج ٥٢، ص٢٨٣. النجاة في القيامة، ص ٧٩.
- ↑ الأربعين ص ٤٣٨ -٤٣٧ .البراهين في علم الكلام، ج ٢، ص ٢٠٢ -٢٠١.
- ↑ تلخيص المحصل،ص ٤٣٨ -٤٣٧ .قواعد العقائد،ص ١٣٠.
- ↑ قواعد العقائد، ص١١٠.
- ↑ الأربعين في أصول الدين، ص ٤٣٨ . وقد كتب الفخر الرازي في الصفحة ١٤٤ منه؛ ما يلي: «إنّ الدليل دلّ على إمامة أبي بكر رضي الله عنه وما كان لتلك الإمامة سبب إلّا البيعة إذ لو كان منصوصاً عليه لكان توقيفه الأمر على البيعة خطأ عظيماً يقدح في إمامته وذلك باطل، فوجب كون البيعة طريقاً صحيحاً».
- ↑ راجع: المواقف، ج ٦، ص ٥٨٩ .
- ↑ المواقف، ج ٦، ص ٥٩٣ -٥٩٤.
- ↑ قال الثالث - ولم يقل الرابع - لأنّه جمع الأول والثاني في طريق واحد.
- ↑ شرح المقاصد، ج ٥، ص ٢٣٣.
- ↑ المصادرة على المطلوب يعني أن يُجعل المدعى عين الدليل أو جزئه [م] .
- ↑ راجع المسلك في أصول الدين، ص ٢١٣.
- ↑ لاحظ شرح جمل العلم والعمل، ص ١٩٩ . الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد، ص ١٩٤ .تلخيص الشافي، ج ١، ص ٢٧٦ . المصابيح في إثبات الإمامة، ص ١٠٣ .قواعد المرام، ١٨١ .اللوامع الإلهية، ص ٣٣٤ -٣٣٣. أنوار الملكوت، ص ٢٠٨. نهج المسترشدين، ص ٦٤ .مناهج اليقين، ص ٤٥٢ .النافع يوم الحشر، ص ١٠٠ .المنقذ من التقليد، ج ٢، ص ٢٩٦،ص ٢١٠ .أنيس الموحدين، ص ١٤٥ .جوهر المراد(بالفارسية: گوهر مراد)، الفياض اللاهيجي، ص ٤٦٥.
- ↑ كشف المراد، ص ٣٦٦.
- ↑ كشف المراد،ص ٣٦٦ .قال العلامة الحلي موضّحاً هذا الاستدلال: «إنّ النبي(ص) كان أشفق على الناس من الوالد على ولده؛ حتى أنّه (ص) أرشدهم إلى أشياء لا نسبة لها إلى الخليفة بعده،كما أرشدهم في قضاء الحاجة إلى أمور كثيرة مندوبة وغيرها من الوقائع وكان (ص) إذا سافر عن المدينة يوماً أو يومين استخلف فيها من يقوم بأمر المسلمين، ومن هذه حاله كيف يُنسَب إليه إهمال أمّته وعدم إرشادهم في أجلّ الأشياء وأسناها وأعظمها قدراً وأكثرها فائدة وأشدّهم حاجة إليها، وهو المتولي لأمورهم بعده فوجب من سيرته (ص) نصب إمام بعده والنصّ عليه وتعريفهم إياه، وهذا برهان لمّي» . كشف المراد، ص ٣٦٧- ٣٦٦.
- ↑ اللوامع الإلهية، ص ٣٣٤ .
- ↑ جوهر المراد (بالفارسية گوهر مراد)، الفياض اللاهيجي، ص ٤٨٣.
- ↑ أنيس الموحدين، ص ١٤٦-١٤٥.
- ↑ عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٣، ص ١٣٥-١٤٣.