أبو أيوب الأنصاري في التاريخ الإسلامي

من إمامةبيديا

نبذة

أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري، ابن «كليب بن ثعلبة بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن نجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج الأكبر الأنصاري الخزرجي»، وأُمه هند بنت سعيد بن عمرو بن امرئ القيس بن مالك، وخالد هذا مشهور بكنيته[١].

شهد العقبة وبدراً وأُحداً والمشاهد كلها مع رسول الله(ص)، ولما قدم رسول الله(ص) المدينة مهاجراً نزل عليه وأقام عنده، حتى بنى حجره ومسجده وانتقل إليهما[٢].

آخى رسول الله(ص) بينه وبين مصعب بن عمير.

وعن ابن إسحاق قال: فأقام رسول الله(ص) بين ظهرانيهم خمساً، يعني بني عمرو بن عوف، و بنو عمرو يزعمون أنه أقام أكثر من ذلك، وخرج رسول الله إلى المدينة فاعترضه بنو سالم بن عوف فقالوا: يا رسول الله، هلم إلى العدد والعدة والقوة، انزل بين أظهرنا، فقال رسول الله(ص): «خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ » ثم مر بـ بني بياضة، فاعترضوه فقال مثل ذلك، ثم مر بـ بني ساعدة فقالوا مثل ذلك فقال: «خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ»، ثم مر بأخواله بني عدي بن نجار فقالوا: هلم إلينا، أخوالك، فقال مثل ذلك، فمر بـ بني مالك بن النجار، فبركت على باب مسجده.

ثم التفتت، ثم انبعثت ثم كرّت[٣] إلى مبركها الذي انبعثت منه فبركت فيه، ثم تحلحلت[٤] في مناخها ورزمت[٥]، فنزل رسول الله(ص) عنها، فاحتمل أبو أيوب خالد بن زيد رحله فأدخله بيته، وأمر رسول الله(ص) ببناء المسجد.

وعن أبي رهم السماعي، أنّ أبا أيوب حدثهم أن النبي(ص) نزل في بيته الأسفل، وكنت في الغرفة فأهريق ماء من الغرفة، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا نتتبع الماء شفقاً أن يخلص إلى رسول الله(ص)، فنزلت إلى رسول الله(ص) وأنا مشفق فقلت: يا رسول الله، إنه ليس ينبغي أن نكون فوقك فانتقل إلى الغرفة، فأمر رسول الله(ص) بمتاعه فنقل، فقلت: يا رسول الله، كنت ترسل إليّ بالطعام فأنظر فإذا رأيت أثر أصابعك وضعت فيه يدي، حتى كان هذا الطعام الذي أرسلت به إليّ، فنظرت فلم أر أثر أصابعك؟! فقال رسول الله(ص): «أجل، إن فيه بصلا فكرهت أن آكل من أجل الملك[٦]، وأما أنتم فكلوا».

وقد روي أن الطعام كان فيه ثوم، وهو الأكثر.

وروى حبيب بن ثابت، عن ابن عباس، أن أبا أيوب أتاه ابن عباس فقال له: يا أبا أيوب، إني أريد أن أخرج لك عن مسكني كما خرجت لرسول الله(ص) عن مسكنك، وأمر أهله فخرجوا، وأعطاه كل شيء أغلق عليه بابه، فلما كان خلافة علي(ع) قال: «ما حاجتك؟» قال: حاجتي عطائي وثمانية أعبد يعملون في أرضي، وكان عطاؤه أربعة آلاف فأضعفها له خمس مرات، فأعطاه عشرين ألفا وأربعين عبداً.

وكان أبو أيوب ممن شهد مع علي(ع) حروبه كلها، ولزم الجهاد، وقال: قال الله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا[٧] فلا أجدني إلا خفيفاً أو ثقيلاً.

ولم يتخلف عن الجهاد إلا عاماً واحداً، فإنه استعمل على الجيش رجل شاب فقعد ذلك العام، فجعل بعد ذلك يتلهف ويقول: وما عليَّ من استعمل عليَّ.

روى عنه من الصحابة ابن عباس و ابن عمر و البراء بن عازب و أبو أسامة و زيد بن خالد الجهني و المقدام بن معدي كرب و أنس بن مالك و جابر بن سمرة و عبد الله بن يزيد الخطمي. ومن التابعين: سعيد بن المسيب وعروة و سالم بن عبد الله و أبو سلمة و عطاء بن يسار و عطاء بن يزيد وغيرهم.

وتوفي أبو أيوب مجاهداً سنة خمسين، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل: اثنتين وخمسين، وهو الأكثر.

وكان في جيش، وأمير ذلك الجيش يزيد بن معاوية، فمرض أبو أيوب فعاده يزيد، فدخل عليه يعوده فقال: ما حاجتك؟ قال: حاجتي إذا أنا مت فاركب ثم اسع في أرض العدو، وما وجدت مساغاً فادفني ثم ارجع، فتوفي ففعل الجيش ذلك. ودفنوه بالقرب من القسطنطنية، وقبره بها يستسقون به[٨].

وعده الشيخ من أصحاب النبي(ص) و أمير المؤمنين(ع)[٩]، وجعله في الخلاصة في القسم الأول الممدوحين[١٠].

وقال المامقاني: وستسمع من الكشي ما يدل على قوة دينه وجلالته، ثم قال: وروى الكشي في ترجمة خالد بن زيد أبي أيوب الأنصاري، عن الحارث بن نصير الأزدي، عن أبي صادق، عن محمد بن سليمان قال: قدم علينا أبو أيوب فنزل ضيعتنا يعلف خيلاً له، فأتيناه فأهدينا له، قال: وقعدنا عنده فقلنا: يا أبا أيوب، قاتلت المشركين بسيفك هذا مع رسول الله، ثم جئت تقاتل المسلمين؟ فقال: إن النبي(ص) أمرني بقتال القاسطين والمارقين والناكثين، فقد قاتلت الناكثين، وقاتلت القاسطين، وإنا نقاتل إن شاء الله بالسعفات[١١]، بالطرقات بالنهروانات، وما أدري أنّى هي!

ثم قال الكشي: وسئل الفضل بن شاذان عن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري وقتاله مع معاوية المشركين، فقال: كان ذلك منه قلة فقه وغفلة، ظن أنه إنما يعمل عملاً لنفسه يقوي به الإسلام ويوهي به الشرك، وليس عليه من معاوية شيء كان معه أو لم يكن.

وقال أيضاً: قال الفضل بن شاذان: إنّ من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين: أبو الهيثم بن التيهان و أبو أيوب الأنصاري و خزيمة بن ثابت و جابر بن عبد الله، و زيد بن أرقم و أبو سعيد الخدري و سهل بن حنيف و البراء بن مالك و عثمان بن حنيف و عبادة بن الصامت، ثم ممن دونهم قيس بن سعد بن عبادة و عدي بن حاتم و عمرو بن الحمق، و عمران بن الحصين و بريدة الأسلمي و بشر بن كثير[١٢].

وروى الكشي:«عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي مَرْيَمَ اَلْأَنْصَارِيِّ عَنِ اَلْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ[١٣] قَالَ: خَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مِنَ اَلْقَصْرِ فَاسْتَقْبَلَهُ رُكْبَانٌ مُتَقَلِّدُونَ بِالسُّيُوفِ عَلَيْهِمُ اَلْعَمَائِمُ فَقَالُوا اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ رَحْمَةُ اَللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا مَوْلاَنَا فَقَالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مَنْ هَاهُنَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَقَامَ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ أَبُو أَيُّوبَ وَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ ذُو اَلشَّهَادَتَيْنِ وَ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَ عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ فَشَهِدُوا جَمِيعاً أَنَّهُمْ سَمِعُوا رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَقُولُ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ فَقَالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَ اَلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تَقُومَا فَتَشْهَدَا فَقَدْ سَمِعْتُمَا كَمَا سَمِعَ اَلْقَوْمُ ثُمَّ قَالَ اَللَّهُمَّ إِنْ كَانَا كَتَمَاهَا مُعَانَدَةً فَابْتَلِهِمَا فَعَمِيَ اَلْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَ بَرِصَ قَدَمَا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَأَمَّا أَنَسٌ فَحَلَفَ أَنْ لاَ يَكْتُمَ مَنْقَبَةً لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ لاَ فَضْلاً أَبَداً وَ أَمَّا اَلْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ فَكَانَ يُسْأَلُ عَنْ مَنْزِلِهِ فَيُقَالُ هُوَ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَ كَذَا فَيَقُولُ كَيْفَ يَرْشُدُ مَنْ أَصَابَتْهُ اَلدَّعْوَةُ»[١٤].

وقال المامقاني: وعن المؤالف والمخالف، أن أول جمعة رقي فيها أبو بكر منبر النبي(ص) قام إليه اثنا عشر رجلاً من الصحابة، ستة من المهاجرين وستة من الأنصار، وخوفوه الله سبحانه ووعظوه وأغلظوا له في الكلام، منهم أبو أيوب، وهو آخر من قام منهم، قال - بعد أن حمد الله وأثنى عليه-: معاشر قريش، أما سمعتم قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا[١٥]، وقال جل من قائل: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا[١٦] فإياكم وقول الناس في غد: بالأمس سمعوا قول نبيهم واليوم أغضبوا أهل بيته، ثم جلس[١٧].

ومما يشهد بأنه ما بايع واعترض على أبي بكر، ما نقل في كتاب خصال الصدوق قال: «حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ اَلْبَرْقِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّهِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ اَلْبَرْقِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي اَلنَّهِيكِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ خَلَفُ بْنُ سَالِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ اَلْمُغِيرَةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: كَانَ اَلَّذِينَ أَنْكَرُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ جُلُوسَهُ فِي اَلْخِلاَفَةِ وَ تَقَدُّمَهُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ اِثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً مِنَ اَلْمُهَاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصَارِ وَ كَانَ مِنَ اَلْمُهَاجِرِينَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ اَلْعَاصِ وَ اَلْمِقْدَادُ بْنُ اَلْأَسْوَدِ وَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَ أَبُو ذَرٍّ اَلْغِفَارِيُّ وَ سَلْمَانُ اَلْفَارِسِيُّ وَ عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَ بُرَيْدَةُ اَلْأَسْلَمِيُّ وَ كَانَ مِنَ اَلْأَنْصَارِ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ ذُو اَلشَّهَادَتَيْنِ وَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَ أَبُو أَيُّوبَ اَلْأَنْصَارِيُّ وَ أَبُو اَلْهَيْثَمِ بْنُ اَلتَّيِّهَانِ وَ غَيْرُهُمْ فَلَمَّا صَعِدَ اَلْمِنْبَرَ تَشَاوَرُوا بَيْنَهُمْ فِي أَمْرِهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ هَلاَّ نَأْتِيهِ فَنُنَزِّلَهُ عَنْ مِنْبَرِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ قَالَ آخَرُونَ إِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ أَعَنْتُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَ قَالَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ[١٨] وَ لَكِنِ اِمْضُوا بِنَا إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ نَسْتَشِيرُهُ وَ نَسْتَطْلِعُ أَمْرَهُ فَأَتَوْا عَلِيّاً عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالُوا يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ ضَيَّعْتَ نَفْسَكَ وَ تَرَكْتَ حَقّاً أَنْتَ أَوْلَى بِهِ وَ قَدْ أَرَدْنَا أَنْ نَأْتِيَ اَلرَّجُلَ فَنُنْزِلَهُ عَنْ مِنْبَرِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَإِنَّ اَلْحَقَّ حَقُّكَ وَ أَنْتَ أَوْلَى بِالْأَمْرِ مِنْهُ فَكَرِهْنَا أَنْ نُنْزِلَهُ مِنْ دُونِ مُشَاوَرَتِكَ فَقَالَ لَهُمْ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لَوْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ مَا كُنْتُمْ إِلاَّ حَرْباً لَهُمْ وَ لاَ كُنْتُمْ إِلاَّ كَالْكُحْلِ فِي اَلْعَيْنِ أَوْ كَالْمِلْحِ فِي اَلزَّادِ وَ قَدِ اِتَّفَقَتْ عَلَيْهِ اَلْأُمَّةُ اَلتَّارِكَةُ لِقَوْلِ نَبِيِّهَا وَ اَلْكَاذِبَةُ عَلَى رَبِّهَا وَ لَقَدْ شَاوَرْتُ فِي ذَلِكَ أَهْلَ بَيْتِي فَأَبَوْا إِلاَّ اَلسُّكُوتَ لِمَا تَعْلَمُونَ مِنْ وَغْرِ[١٩] صُدُورِ اَلْقَوْمِ وَ بُغْضِهِمْ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ وَ إِنَّهُمْ يُطَالِبُونَ بِثَارَاتِ اَلْجَاهِلِيَّةِ وَ اَللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ لَشَهَرُوا سُيُوفَهُمْ مُسْتَعِدِّينَ لِلْحَرْبِ وَ اَلْقِتَالِ كَمَا فَعَلُوا ذَلِكَ حَتَّى قَهَرُونِي وَ غَلَبُونِي عَلَى نَفْسِي وَ لَبَّبُونِي[٢٠] وَ قَالُوا لِي بَايِعْ وَ إِلاَّ قَتَلْنَاكَ فَلَمْ أَجِدْ حِيلَةً إِلاَّ أَنْ أَدْفَعَ اَلْقَوْمَ عَنْ نَفْسِي وَ ذَاكَ أَنِّي ذَكَرْتُ قَوْلَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَا عَلِيُّ إِنَّ اَلْقَوْمَ نَقَضُوا أَمْرَكَ وَ اِسْتَبَدُّوا بِهَا دُونَكَ وَ عَصَوْنِي فِيكَ فَعَلَيْكَ بِالصَّبْرِ حَتَّى يَنْزِلَ اَلْأَمْرُ أَلاَ وَ إِنَّهُمْ سَيَغْدِرُونَ بِكَ لاَ مَحَالَةَ فَلاَ تَجْعَلْ لَهُمْ سَبِيلاً إِلَى إِذْلاَلِكَ وَ سَفْكِ دَمِكَ فَإِنَّ اَلْأُمَّةَ سَتَغْدِرُ بِكَ بَعْدِي كَذَلِكَ أَخْبَرَنِي جَبْرَئِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَنْ رَبِّي تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَ لَكِنِ اِئْتُوا اَلرَّجُلَ فَأَخْبِرُوهُ بِمَا سَمِعْتُمْ مِنْ نَبِيِّكُمْ وَ لاَ تَجْعَلُوهُ فِي اَلشُّبْهَةِ مِنْ أَمْرِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَعْظَمَ لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِ وَ أَزْيَدَ وَ أَبْلَغَ فِي عُقُوبَتِهِ إِذَا أَتَى رَبَّهُ وَ قَدْ عَصَى نَبِيَّهُ وَ خَالَفَ أَمْرَهُ قَالَ فَانْطَلَقُوا حَتَّى حَفُّوا بِمِنْبَرِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَقَالُوا لِلْمُهَاجِرِينَ إِنَّ اَللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ بَدَأَ بِكُمْ فِي اَلْقُرْآنِ فَقَالَ ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ[٢١] فَبِكُمْ بَدَأَ وَ كَانَ أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ وَ قَامَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ اَلْعَاصِ بِإِدْلاَلِهِ بِبَنِي أُمَيَّةَ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ اِتَّقِ اَللَّهَ فَقَدْ عَلِمْتَ مَا تَقَدَّمَ لِعَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أَ لاَ تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَالَ لَنَا وَ نَحْنُ مُحْتَوِشُوهُ[٢٢] فِي يَوْمِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَ قَدْ أَقْبَلَ عَلَى رِجَالٍ مِنَّا ذَوِي قَدْرٍ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ اَلْمُهَاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصَارِ أُوصِيكُمْ بِوَصِيَّةٍ فَاحْفَظُوهَا وَ إِنِّي مُؤَدٍّ إِلَيْكُمْ أَمْراً فَاقْبَلُوهُ أَلاَ إِنَّ عَلِيّاً أَمِيرُكُمْ مِنْ بَعْدِي وَ خَلِيفَتِي فِيكُمْ أَوْصَانِي بِذَلِكَ رَبِّي وَ إِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَحْفَظُوا وَصِيَّتِي فِيهِ وَ تُؤْوُوهُ وَ تَنْصُرُوهُ اِخْتَلَفْتُمْ فِي أَحْكَامِكُمْ وَ اِضْطَرَبَ عَلَيْكُمْ أَمْرُ دِينِكُمْ وَ وَلِيَ عَلَيْكُمُ اَلْأَمْرَ شِرَارُكُمْ أَلاَ وَ إِنَّ أَهْلَ بَيْتِي هُمُ اَلْوَارِثُونَ أَمْرِي اَلْقَائِلُونَ بِأَمْرِ أُمَّتِي اَللَّهُمَّ فَمَنْ حَفِظَ فِيهِمْ وَصِيَّتِي فَاحْشُرْهُ فِي زُمْرَتِي وَ اِجْعَلْ لَهُ مِنْ مُرَافَقَتِي نَصِيباً يُدْرِكُ بِهِ فَوْزَ اَلْآخِرَةِ اَللَّهُمَّ وَ مَنْ أَسَاءَ خِلاَفَتِي فِي أَهْلِ بَيْتِي فَاحْرِمْهُ اَلْجَنَّةَ اَلَّتِي ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ[٢٣] فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ اَلْخَطَّابِ اُسْكُتْ يَا خَالِدُ فَلَسْتَ مِنْ أَهْلِ اَلْمَشُورَةِ وَ لاَ مِمَّنْ يُرْضَى بِقَوْلِهِ فَقَالَ خَالِدٌ بَلِ اُسْكُتْ أَنْتَ يَا اِبْنَ اَلْخَطَّابِ فَوَ اَللَّهِ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْطِقُ بِغَيْرِ لِسَانِكَ وَ تَعْتَصِمُ بِغَيْرِ أَرْكَانِكَ وَ اَللَّهِ إِنَّ قُرَيْشاً لَتَعْلَمُ أَنِّي أَعْلاَهَا حَسَباً وَ أَقْوَاهَا أَدَباً وَ أَجْمَلَهَا ذِكْراً وَ أَقَلَّهَا غِنًى مِنَ اَللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِنَّكَ أَلْأَمُهَا حَسَباً وَ أَقَلُّهَا عَدَداً وَ أَخْمَلُهَا ذِكْراً وَ أَقَلُّهَا مِنَ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ مِنْ رَسُولِهِ وَ إِنَّكَ لَجَبَانٌ عِنْدَ اَلْحَرْبِ بَخِيلٌ فِي اَلْجَدْبِ لَئِيمُ اَلْعُنْصُرِ مَا لَكَ فِي قُرَيْشٍ مَفْخَرٌ قَالَ فَأَسْكَتَهُ خَالِدٌ فَجَلَسَ ثُمَّ قَامَ أَبُو ذَرٍّ رَحْمَةُ اَللَّهِ عَلَيْهِ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اَللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ أَمَّا بَعْدُ يَا مَعْشَرَ اَلْمُهَاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصَارِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ وَ عَلِمَ خِيَارُكُمْ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَالَ اَلْأَمْرُ لِعَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بَعْدِي ثُمَّ لِلْحَسَنِ وَ اَلْحُسَيْنِ عَلَيْهِمُا السَّلاَمُ ثُمَّ فِي أَهْلِ بَيْتِي مِنْ وُلْدِ اَلْحُسَيْنِ فَاطَّرَحْتُمْ قَوْلَ نَبِيِّكُمْ وَ تَنَاسَيْتُمْ مَا أَوْعَزَ إِلَيْكُمْ وَ اِتَّبَعْتُمُ اَلدُّنْيَا وَ تَرَكْتُمْ نَعِيمَ اَلْآخِرَةِ اَلْبَاقِيَةِ اَلَّتِي لاَ تُهْدَمُ بُنْيَانُهَا وَ لاَ يَزُولُ نَعِيمُهَا وَ لاَ يَحْزَنُ أَهْلُهَا وَ لاَ يَمُوتُ سُكَّانُهَا وَ كَذَلِكَ اَلْأُمَمُ اَلَّتِي كَفَرَتْ بَعْدَ أَنْبِيَائِهَا بُدِّلَتْ وَ غُيِّرَتْ فَحَاذَيْتُمُوهَا حَذْوَ اَلْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ وَ اَلنَّعْلِ بِالنَّعْلِ فَعَمَّا قَلِيلٍ تَذُوقُونَ وَبَالَ أَمْرِكُمْ وَ مَا اَللَّهُ ﴿بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ[٢٤] ثُمَّ قَالَ ثُمَّ قَامَ سَلْمَانُ اَلْفَارِسِيُّ رَحِمَهُ اَللَّهُ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ إِلَى مَنْ تَسْتَنِدُ أَمْرَكَ إِذَا نَزَلَ بِكَ اَلْقَضَاءُ وَ إِلَى مَنْ تَفْزَعُ إِذَا سُئِلْتَ عَمَّا لاَ تَعْلَمُ وَ فِي اَلْقَوْمِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ وَ أَكْثَرُ فِي اَلْخَيْرِ أَعْلاَماً وَ مَنَاقِبَ مِنْكَ وَ أَقْرَبُ مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَرَابَةً وَ قِدْمَةً فِي حَيَاتِهِ قَدْ أَوْعَزَ إِلَيْكُمْ فَتَرَكْتُمْ قَوْلَهُ وَ تَنَاسَيْتُمْ وَصِيَّتَهُ فَعَمَّا قَلِيلٍ يَصْفُوا لَكُمُ اَلْأَمْرُ حِينَ تَزُورُوا اَلْقُبُورَ وَ قَدْ أَثْقَلَتْ ظَهْرَكَ مِنَ اَلْأَوْزَارِ لَوْ حُمِلْتَ إِلَى قَبْرِكَ لَقَدِمْتَ عَلَى مَا قَدَّمْتَ فَلَوْ رَاجَعْتَ إِلَى اَلْحَقِّ وَ أَنْصَفْتَ أَهْلَهُ لَكَانَ ذَلِكَ نَجَاةً لَكَ يَوْمَ تَحْتَاجُ إِلَى عَمَلِكَ وَ تَفْرَدُ فِي حُفْرَتِكَ بِذُنُوبِكَ عَمَّا أَنْتَ لَهُ فَاعِلٌ وَ قَدْ سَمِعْتَ كَمَا سَمِعْنَا وَ رَأَيْتَ كَمَا رَأَيْنَا فَلَمْ يُرَوِّعْكَ ذَلِكَ عَمَّا أَنْتَ لَهُ فَاعِلٌ فَاللَّهَ اَللَّهَ فِي نَفْسِكَ فَقَدْ أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ[٢٥] ثُمَّ قَامَ اَلْمِقْدَادُ بْنُ اَلْأَسْوَدِ رَحْمَةُ اَللَّهِ عَلَيْهِ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ اِرْبَعْ عَلَى نَفْسِكَ[٢٦] وَ قِسْ شِبْرَكَ بِفَتْرِكَ وَ اِلْزَمْ بَيْتَكَ وَ اِبْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ أَسْلَمُ لَكَ فِي حَيَاتِكَ وَ مَمَاتِكَ وَ رُدَّ هَذَا اَلْأَمْرَ إِلَى حَيْثُ جَعَلَهُ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ رَسُولُهُ وَ لاَ تَرْكَنْ إِلَى اَلدُّنْيَا وَ لاَ يَغُرَّنَّكَ مَنْ قَدْ تَرَى مِنْ أَوْغَادِهَا فَعَمَّا قَلِيلٍ تَضْمَحِلُّ عَنْكَ دُنْيَاكَ ثُمَّ تَصِيرُ إِلَى رَبِّكَ فَيَجْزِيكَ بِعَمَلِكَ وَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ هَذَا اَلْأَمْرَ لِعَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ هُوَ صَاحِبُهُ بَعْدَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ قَدْ نَصَحْتُكَ إِنْ قَبِلْتَ نُصْحِي ثُمَّ قَامَ بُرَيْدَةُ اَلْأَسْلَمِيُّ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ نَسِيتَ أَمْ تَنَاسَيْتَ أَمْ خَادَعَتْكَ نَفْسُكَ أَ مَا تَذْكُرُ إِذْ أَمَرَنَا رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَسَلَّمْنَا عَلَى عَلِيٍّ بِإِمْرَةِ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَاتَّقِ اَللَّهَ رَبَّكَ وَ أَدْرِكْ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ لاَ تُدْرِكَهَا وَ أَنْقِذْهَا مِنْ هَلَكَتِهَا وَ دَعْ هَذَا اَلْأَمْرَ وَ وَكِّلْهُ إِلَى مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْكَ وَ لاَ تُمَادِ فِي غَيِّكَ وَ اِرْجِعْ وَ أَنْتَ تَسْتَطِيعُ اَلرُّجُوعَ فَقَدْ نَصَحْتُكَ نُصْحِي وَ بَذَلْتُ لَكَ مَا عِنْدِي فَإِنْ قَبِلْتَ وُفِّقْتَ وَ رَشِدْتَ ثُمَّ قَامَ عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قَدْ عَلِمْتُمْ وَ عَلِمَ خِيَارُكُمْ أَنَّ أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِم أَقْرَبُ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ مِنْكُمْ وَ إِنْ كُنْتُمْ إِنَّمَا تَدَّعُونَ هَذَا اَلْأَمْرَ بِقَرَابَةِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ تَقُولُونَ إِنَّ اَلسَّابِقَةَ لَنَا فَأَهْلُ نَبِيِّكُمْ أَقْرَبُ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ مِنْكُمْ وَ أَقْدَمُ سَابِقَةً مِنْكُمْ وَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ صَاحِبُ هَذَا اَلْأَمْرِ بَعْدَ نَبِيِّكُمْ فَأَعْطُوهُ مَا جَعَلَهُ اَللَّهُ لَهُ وَ لاَ تَرْتَدُّوا ﴿عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ[٢٧] ثُمَّ قَامَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ لاَ تَجْعَلْ لِنَفْسِكَ حَقّاً جَعَلَهُ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِغَيْرِكَ وَ لاَ تَكُنْ أَوَّلَ مَنْ عَصَى رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ خَالَفَهُ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَ اُرْدُدِ اَلْحَقَّ إِلَى أَهْلِهِ تَخِفُّ ظَهْرُكَ وَ تَقِلُّ وِزْرُكَ وَ تَلْقَى رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ هُوَ عَنْكَ رَاضٍ ثُمَّ تَصِيرُ إِلَى اَلرَّحْمَنِ فَيُحَاسِبُكَ بِعَمَلِكَ وَ يَسْأَلُكَ عَمَّا فَعَلْتَ ثُمَّ قَامَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ ذُو اَلشَّهَادَتَيْنِ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَبِلَ شَهَادَتِي وَحْدِي وَ لَمْ يُرِدْ مَعِي غَيْرِي قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَقُولُ أَهْلُ بَيْتِي يَفْرُقُونَ بَيْنَ اَلْحَقِّ وَ اَلْبَاطِلِ وَ هُمُ اَلْأَئِمَّةُ اَلَّذِينَ يُقْتَدَى بِهِمْ ثُمَّ قَامَ أَبُو اَلْهَيْثَمِ بْنُ اَلتَّيِّهَانِ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَنَا أَشْهَدُ عَلَى اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أَنَّهُ أَقَامَ عَلِيّاً فَقَالَتِ اَلْأَنْصَارُ مَا أَقَامَهُ إِلاَّ لِلْخِلاَفَةِ وَ قَالَ بَعْضُهُمْ مَا أَقَامَهُ إِلاَّ لِيَعْلَمَ اَلنَّاسُ أَنَّهُ وَلِيُّ مَنْ كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ مَوْلاَهُ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِنَّ أَهْلَ بَيْتِي نُجُومُ أَهْلِ اَلْأَرْضِ فَقَدِّمُوهُمْ وَ لاَ تَقَدَّمُوهُمْ ثُمَّ قَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَالَ عَلَى اَلْمِنْبَرِ إِمَامُكُمْ مِنْ بَعْدِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ هُوَ أَنْصَحُ اَلنَّاسِ لِأُمَّتِي ثُمَّ قَامَ أَبُو أَيُّوبَ اَلْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ اِتَّقُوا اَللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ وَ رُدُّوا هَذَا اَلْأَمْرَ إِلَيْهِمْ فَقَدْ سَمِعْتُمْ كَمَا سَمِعْنَا فِي مَقَامٍ بَعْدَ مَقَامٍ مِنْ نَبِيِّ اَللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أَنَّهُمْ أَوْلَى بِهِ مِنْكُمْ ثُمَّ جَلَسَ ثُمَّ قَامَ زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ فَتَكَلَّمَ وَ قَامَ جَمَاعَةٌ مِنْ بَعْدِهِ فَتَكَلَّمُوا بِنَحْوِ هَذَا فَأَخْبَرَ اَلثِّقَةُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَلَسَ فِي بَيْتِهِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فَلَمَّا كَانَ اَلْيَوْمُ اَلثَّالِثُ أَتَاهُ عُمَرُ بْنُ اَلْخَطَّابِ وَ طَلْحَةُ وَ اَلزُّبَيْرُ وَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَ عَبْدُ اَلرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ اَلْجَرَّاحِ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشَرَةُ رِجَالٍ مِنْ عَشَائِرِهِمْ شَاهِرِينَ اَلسُّيُوفَ فَأَخْرَجُوهُ مِنْ مَنْزِلِهِ وَ عَلاَ اَلْمِنْبَرَ وَ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ وَ اَللَّهِ لَئِنْ عَادَ مِنْكُمْ أَحَدٌ فَتَكَلَّمَ بِمِثْلِ اَلَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ لَنَمْلَأَنَّ أَسْيَافَنَا مِنْهُ فَجَلَسُوا فِي مَنَازِلِهِمْ وَ لَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ بَعْدَ ذَلِكَ»[٢٨].

وقد نقل الطبرسي في الاحتجاج عن أبان بن تغلب، عن الصادق مثله بأدنى تفاوت في الألفاظ دون المعنى، وقال: وروي أنهم كانوا غُيّباً عن وفاة رسول الله(ص)، فقدموا وقد تولى أبو بكر، وهم يومئذ أعلام مسجد رسول الله(ص)[٢٩].

واحتمل المامقاني أنهم كانوا عند وفاته(ص) في جيش أُسامة[٣٠].

قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: إن أبا أيوب الأنصاري، هو خالد بن زيد بن كعب بن ثعلبة الخزرجي من بني النجار، شهد العقبة وبدراً وسائر المشاهد، وعليه نزل رسول الله(ص) لما خرج من بني عمرو بن عوف، حين قدم المدينة مهاجراً من مكة، فلم يزل عنده حتى بنى المسجد ومساكنه، ثم انتقل إليها، وقال أبو عمرو في الاستيعاب: إن أبا أيوب شهد مع علي مشاهده كلها، وروى ذلك عن الكلبي و ابن إسحاق، قالا: شهد يوم الجمل وصفين وكان على مقدمته يوم النهروان[٣١].

وقال العلامة الطباطبائي: ونقم بعض أصحابنا على أبي أيوب الأنصاري قتاله مع معاوية ودخوله تحت رايته، وأجيب بأنه إنما عمل عملاً لنفسه، قاصداً تقوية الإسلام، وليس عليه من معاوية شيء كان أو لم يكن، قال: وهو كما ترى، والأولى أن يقال: إن الخطأ في الاجتهاد لا ينافي سلامة الأصول[٣٢].

وفي كتاب بشارة المصطفى بإسناده: « عَنِ اَلْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلْقَمَةَ وَ اَلْأَسْوَدِ قَالاَ: أَتَيْنَا أَبَا أَيُّوبَ اَلْأَنْصَارِيُّ فَقُلْنَا يَا أَبَا أَيُّوبَ إِنَّ اَللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَكْرَمَكَ بِنَبِيِّكَ حَيْثُ كَانَ ضَيْفاً لَكَ فَضِيلَةٌ مِنَ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَضَّلَكَ بِهَا فَأَخْبِرْنَا عَنْ مَخْرَجِكَ مَعَ عَلِيٍّ تُقَاتِلُ أَهْلَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ فَإِنِّي أُقْسِمُ لَكُمْ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ مِنِّي فِي اَلْبَيْتِ اَلَّذِي أَنْتُمْ مَعِي فِيهِ وَ مَا فِي اَلْبَيْتِ غَيْرُ رَسُولِ اَللَّهِ مَعِي وَ عَلِيٌّ جَالِسٌ عَنْ يَمِينِهِ وَ أَنَا جَالِسٌ عَنْ يَسَارِهِ وَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيْهِ إِذْ حُرِّكَ اَلْبَابُ فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ يَا أَنَسُ اُنْظُرْ مَنْ بِالْبَابِ فَخَرَجَ أَنَسٌ فَنَظَرَ فَإِذَا هُوَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ اِفْتَحْ لِعَمَّارٍ اَلطَّيِّبِ فَدَخَلَ عَمَّارٌ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اَللَّهِ فَرَحَّبَ بِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ يَا عَمَّارُ سَيَكُونُ بَعْدِي فِي أُمَّتِي هَنَاتٌ حَتَّى يَخْتَلِفَ اَلسَّيْفُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَ حَتَّى يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَ حَتَّى يَتَبَرَّأَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ فَإِذَا رَأَيْتَ ذَلِكَ فَعَلَيْكَ بِهَذَا اَلْأَصْلَعِ عَنْ يَمِينِي يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَإِنْ سَلَكَ اَلنَّاسُ كُلُّهُمْ وَادِياً وَ سَلَكَ عَلِيٌّ وَادِياً فَاسْلُكْ وَادِيَ عَلِيٍّ وَ خَلِّ عَنْ اَلنَّاسِ يَا عَمَّارُ إِنَّ عَلِيّاً لاَ يَرُدُّكَ عَنْ هُدًى وَ لاَ يَدُلُّكَ عَلَى رَدًى يَا عَمَّارُ طَاعَةُ عَلِيٍّ طَاعَتِي وَ طَاعَتِي طَاعَةُ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ »[٣٣].[٣٤]

كتاب معاوية إلى أبي أيوب

وفي كتاب صفين: «قَالَ نَصْرُ بْنُ مُزَاحِمٍ اَلْعَطَّارُ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ اَلْأَعْمَشِ قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ خَالِدِ بْنِ زَيْدٍ اَلْأَنْصَارِيِّ صَاحِبِ مَنْزِلِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ كَانَ سَيِّداً مُعَظَّماً مِنْ سَادَاتِ اَلْأَنْصَارِ وَ كَانَ مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ كِتَاباً وَ كَتَبَ إِلَى زِيَادِ اِبْنِ سُمَيَّةَ وَ كَانَ عَامِلاً لِعَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَلَى بَعْضِ فَارِسَ كِتَاباً فَأَمَّا كِتَابُهُ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ فَكَانَ سَطْراً وَاحِداً لاَ تَنْسَى شَيْبَاءُ أَبَا عُذْرَتِهَا وَ لاَ قَاتِلَ بِكْرِهَا فَلَمْ يَدْرِ أَبُو أَيُّوبَ مَا هُوَ؟ فَأَتَى بِهِ عَلِيّاً وَ قَالَ: يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ إِنَّ مُعَاوِيَةَ اِبْنَ أَكَّالَةِ اَلْأَكْبَادِ وَ كَهْفَ اَلْمُنَافِقِينَ كَتَبَ إِلَيَّ بِكِتَابٍ لاَ أَدْرِي مَا هُوَ؟ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : «وَ أَيْنَ اَلْكِتَابُ؟» فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ فَقَرَأَهُ وَ قَالَ: «نَعَمْ هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ لَكَ يَقُولُ مَا أَنْسَى اَلَّذِي لاَ تَنْسَى اَلشَّيْبَاءُ لاَ تَنْسَى أَبَا عُذْرَتِهَا وَ اَلشَّيْبَاءُ اَلْمَرْأَةُ اَلْبِكْرُ لَيْلَةَ اِفْتِضَاضِهَا لاَ تَنْسَى بَعْلَهَا اَلَّذِي اِفْتَرَعَهَا أَبَداً وَ لاَ تَنْسَى قَاتِلَ بِكْرِهَا وَ هُوَ أَوَّلُ وَلَدِهَا كَذَلِكَ لاَ أَنْسَى أَنَا قَتْلَ عُثْمَانَ »

أَبْلِغْ لَدَيْكَ أَبَا أَيّوبَ مَأْلُكةًأنّا وقومَك مِثْلُ الذّئبِ النَّقَدِ
إمّا قَتَلْتُمْ أميرَ المؤمنينَ فَلاَتَرْجُوا الهَوَادَةَ عندِي آخِرَ الأَبَدِ
إنّ الذي نِلْتُمُوهُ ظَالِمِينَ لَهُأَبْقَتْ حَرارتُهُ صَدْعاً عَلَى كَبِدي
إِنّي حَلفْتُ يميناً غيرَ كاذبةٍلَقَدْ قَتَلْتُمْ إِمَاماً غيرَ ذي أَوَدِ
لا تَحْسَبُوا أَنّنِي أَنْسى مُصِبتَهُوفي البلادِ من الأنصارِ مِن أَحَدِ
أَعْزِز عَلَيّ بِأَمْرٍ لَسْتَ نائِلهُوَاجْهَدْ علينا فلسنا بيضة البَلَدِ
قَدْ أبدلَ اللهُ منكم خَيْرَ ذي كَلَعٍواليَحْصُبِيِّنَ أَهْلَ الحَقّ في الجَنَدِ
إنّ العراقَ لنا فَقْعٌ بِقرْقَرَةٍأو شَحْمَةٌ بَزّها شاوٍ ولم يَكَدِ
والشامُ يَنْزِلها الأبرارُ بَلْدَتُهاأَمْنٌ وَحَوْمَتُها عِرّيسَةُ الأَسَدِ


فلما قرأ الكتاب علي(ع) قال: «لَشَدَّ مَا شَحَذَكُمْ[٣٥] مُعَاوِيَةُ يَا مَعْشَرَ اَلْأَنْصَارِ أَجِيبُوا اَلرَّجُلَ»، فقال أبو أيوب: يا أمير المؤمنين، ما أشاء أن أقول من الشعر شيئاً يعبأ به الرجل إلا قلته، قال: «فَأَنْتَ إِذاً أَنْتَ».

فكتب أبو أيوب إلى معاوية: إنك كتبت: لا تنسى الشيباء أبا عذرها ولا قاتل بكرها، فضربتها مثلا بقتل عثمان، وما نحن وقتل عثمان، إن الذي تربص بعثمان وثبط[٣٦] يزيد بن أسد وأهل الشام في نصرته، لأنت، وإن الذين قتلوه لغير الأنصار.

وكتب في آخر كتابه شعراً:

لاَ تُوعِدَنَّا اِبْنَ حَرْبٍ إِنَّنَا بَشَرٌلاَ نَبْتَغِيَ وُدَّ ذِي اَلْبَغْضَاءِ مِنْ أَحَدٍ
فَاسْعَوْا جَمِيعاً بَنِي اَلْأَحْزَابِ كُلُّكُمْلَسْنَا نُرِيدُ وِلاَكُمْ آخِرَ اَلْأَبَدِ
نَحْنُ اَلَّذِينَ ضَرَبْنَا اَلنَّاسَ كُلَّهُمُحَتَّى اِسْتَقَامُوا وَ كَانُوا عُرْضَةَ اَلْأَوَدِ[٣٧]
وَ اَلْعَامَ قَصْرُكَ مِنَّا أَنْ أَقَمْتَ لَنَاضَرْباً يُزِيلُ بَيْنَ اَلرُّوحِ وَ اَلْجَسَدِ
أَمَّا عَلِيٌّ فَإِنَّا لَنْ نُفَارِقَهُمَا رَقْرَقَ[٣٨] اَلْآلُ فِي اَلدَّاوِيَّةِ[٣٩] اَلْجَرَدِ
إِمَّا تَبَدَّلْتَ مِنَّا بَعْدَ نُصْرَتِنَادِينَ اَلرَّسُولِ أُنَاساً سَاكِنِي اَلْجَنَدِ
لاَ يَعْرِفُونَ أَضَلَّ اَللَّهُ سَعْيَهُمُإِلاَّ اِتَّبَاعَكُمُ يَا رَاعِيَ اَلنَّقَدِ
فَقَدْ بَغَى اَلْحَقَّ هَضْماً شَرُ ذِي كَلَعٍوَ اَلْيَحْصُبِيُّونَ[٤٠] طُرّاً بَيْضَةُ اَلْبَلَدِ


فلما أتى معاوية كتاب أبي أيوب كسره[٤١].

قال ابن سعد في الطبقات: كان لأبي أيوب من الولد عبد الرحمن، وأُمه أم حسن بنت زيد بن ثابت بن الضحاك من بني مالك بن النجار، وقد انقرض ولده فلا نعلم له عقباً.

قال: شهد أبو أيوب العقبة مع السبعين من الأنصار، وآخى رسول الله بينه وبين مصعب بن عمير، ونزل(ص) عليه حين دخل من قباء إلى المدينة وشهد معه بدراً وأُحداً والمشاهد كلها.

ونقل عن شعبة قال: قلت للحكم: ما شهد أبو أيوب من حرب علي(ع)؟ قال: شهد معه حروراء.

ونقل عن الأعمش، عن أبي الظبيان، عن أشياخه، عن أبي أيوب أنه خرج غازياً في زمن معاوية فمرض، فقال لأصحابه: إن أنا متّ فاحملوني، فإذا صاففتم العدو فادفنوني تحت أقدامكم، وسأحدثكم بحديثٍ سمعته من رسول الله(ص) لولا ما حضرني لم أحدثكم؛ سمعت رسول الله(ص) يقول: «مَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئاً دَخَلَ اَلْجَنَّةَ ».

ثم روى عن عاصم بن بهدلة، عن رجلٍ من أهل مكة، أن أبا أيوب قال لـ يزيد بن معاوية حين دخل عليه: اقرأ الناس مني السلام ولينطلقوا بي فليبعدوا ما استطاعوا، فحدث يزيد بما قال أبو أيوب، ففعلوا ما قال.

ونقل عن الواقدي أنه توفي أبو أيوب عام غزا يزيد بن معاوية القسطنطنية في خلافة أبيه سنة اثنتين وخمسين، وصلى عليه يزيد بن معاوية، وقبره بأصل حصن القسطنطنية بأرض الروم، قال: فلقد بلغني أن الروم يتعاهدون قبره ويرمونه ويستسقون به إذا قحطوا[٤٢].[٤٣]

أبو أيوب من الذين أنكروا على أبي بكر

وفي رجال البرقي قال: أسماء المنكرين على أبي بكر، وهم اثنا عشر رجلاً؛ ستة من المهاجرين، وستة من الأنصار.

من المهاجرين:

  1. أبو ذر الغفاري.
  2. سلمان الفارسي.
  3. خالد بن سعيد بن العاص.
  4. المقداد بن الأسود.
  5. بريدة الأسلمي.
  6. عمار بن ياسر.

ومن الأنصار:

  1. خزيمة بن ثابت.
  2. سهل بن حنيف.
  3. أبو الهيثم بن التيهان.
  4. قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي.
  5. أُبيّ بن كعب.
  6. أبو أيوب الأنصاري.

وكان أول من تكلم يوم الجمعة خالد بن سعيد بن العاص فقال: يا أبا بكر، أذكرك قول رسول الله(ص) يوم قريظة: «يا معشر قريش، احفظوا وصيتي؛ إن علياً إمامكم بعدي، بذلك أنبأني جبرئيل عن ربي عز ذكره، ألا إنكم لو لم تؤتوه أموركم اختلفتم وتولى عليكم أشراركم، ألا إن أهل بيتي هم الوارثون لي والقائمون من أمتي، اللهم من أطاعهم فثبِّته ومن نصرهم فانصره، ومن خالف أمري وأقام إماما لم أُقمه وترك إماما أقمته ونصبته، فاحرمه جنتك، والعنه على لسان أنبيائك».

أتعرف هذا القول يا أبابكر؟ قال: لا.

ثم قال له عمر: اسكت، فلست من أهل المشورة، فقال: بل اسكت أنت يابن الخطاب، فإنك تنطق بغير لسانك، وتفوه بغير فيك، وإنك لجبان في الحرب، ما وجدنا لك في قريش فخراً.

ثم قام أبو ذر فقال: يا معشر قريش، قد علم خياركم أن رسول الله(ص) قال: «هذا الأمر لعلي بعدي، ولولده من بعده» فلم تتركون قوله وتخالفون أمره؟ أنسيتم أم تناسيتم، أم ضللتم واتبعتم الدنيا الفانية، رغبة عن نعيم الآخرة، حذو من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، فعما قليل ترون غب[٤٤] رأيكم، وترون وبال أمركم، وما الله يريد ظلماً للعباد.

ثم قام سلمان الفارسي، فقال: يا أبا بكر، إلى من تسند أمرك إذا الموت نزل بك، وإلى من تفزع إذا سئلت عن أحكام الأمة عما لا تعلم، أتكون إماماً لمن هو أعلم منك؛ قدم من قدمه الله وقدمه رسول الله(ص) في حياته، وأوعز إليه في وقت وفاته، أنسيت قوله وما تقدم من وصيته؟! إنه لا ينفعك إلا عملك، ولا تحصل إلا على ما تقدم، فإن رجعت نجوت، فقد سمعت ما سمعنا وأنكرت وأقررنا، فترد ونرد وما الله بظلام للعبيد.

ثم قام المقداد، فقال: يا أبا بكر، ارجع عن غمك، ويسر يسرك بعسرك، والزم بيتك، واردد الأمر إلى حيث جعله الله ورسوله، وسلِّم الحق إلى صاحبه، فإن ذلك أسلم في آجلك وعاجلك، فقد نصحت وبذلت ما عندي، والسلام.

ثم قام بريدة الأسلمي، فقال: يا أبا بكر، أنسيت أم تناسيت؟! أم خادعتك نفسك؟! فإن الله خادعك. ألم تعلم أن رسول الله(ص) أمرنا فسلمنا عليه بإمرة المؤمنين والرسول فينا؟! فالله الله في نفسك أدركها قبل هلكها، ورد هذا الأمر إلى من هو أحق به منك، ولا تتماد في غيك فتهلك بطغيانك، وما الله بغافل عما قصدت، إلا أننا ننصح لك، ولن نهدي من نحب ولكن الله يهدي من يشاء.

ثم قام عمار بن ياسر فقال: يا أبا بكر، لا تجعل لنفسك حق غيرك، فقد أول من عصى رسول الله(ص)، وأنت تجازى بعملك، فانصح لنفسك أو دع، فكل نفس بما كسبت رهينة.

ثم قام قيس بن سعد بن عبادة فقال: يا معشر قريش، قد علم خياركم أن أهل بيت رسول الله(ص) أحق بمكانه في سبق سابقة وحسن عناء، وقد جعل الله هذا الأمر لعلي بمحضرٍ منك وسماع أذنيك، فلا ترجعوا ضلّالا فتنقلبوا خاسرين.

ثم قام خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين فقال: ألست تعلم يا أبا بكر أن رسول الله(ص) قبل شهادتي وحدي؟ قال: بلى، قال: فإني أشهد بما سمعته منه، وهو قوله: «إمامكم بعدي علي، لأنه الأنصح لأمتي والعالم فيهم».

ثم قام أبو الهيثم بن التيهان فقال: أنا أشهد أن رسول الله(ص) أقام علياً فقال: «إن أهل بيتي يتقدمونكم فلا تتقدموا عليهم» وفي قوله كفاية.

ثم قام سهل بن حنيف فقال: أشهد على رسول الله(ص) أنه قال: «أهل بيتي فرق بين الحق والباطل، وهم الأئمة تقتدي بهم أمتي».

وتكلم أُبي فقال: أشهد أني سمعت رسول الله(ص) يقول: «علي بن أبي طالب إمامكم بعدي، وهو الناصح لأمتي».

ثم قام أبو أيوب الأنصاري فقال: اتقوا الله وردوا الأمر إلى أهل بيت نبيكم، فقد سمعتم ما سمعنا؛ وإن القائم مقام نبينا بعده علي بن أبي طالب(ع)، وإنه لا يبلغ عنه إلا هو، ولا ينصح لأمته غيره.

قال: فنزل أبو بكر من المنبر.

فلما كان يوم الجمعة المقبلة، سل عمر سيفه، ثم قال: لا أسمع رجلا يقول مثل مقالته تلك إلا ضربتُ عنقه. ثم مضى هو وسالم ومعاذ بن جبل وأبو عبيدة شاهرين سيوفهم، حتى أخرجوا أبا بكر وأصعدوه المنبر[٤٥].[٤٦]

المراجع والمصادر

  1. محمد علي أحمديان النجف آبادي، الصحابة الكرام ج ١

الهو امش

  1. أُسد الغابة، ج٢، ص٩٤-٩٥، الرقم ١٣٦١؛ الاستيعاب، ج٢، ص٩-١٠، الرقم ٦١٨؛ الإصابة، ج٢، ص٢٠٠، الرقم ٢١٦٨؛ البداية والنهاية، ج٨، ص٥٨.
  2. ويؤيده ما رواه ابن شهر آشوب في المناقب عن سلمان قال: لما قدم النبي(ص) إلى المدينة تعلق الناس بزمام الناقة، فقال النبي(ص): «يا قوم، دعوا الناقة فهي مأمورة، فعلى باب من بركت فأنا عنده» فأطلقوا زمامها وهي تهف في السير حتى دخلت المدينة فبركت على باب أبي أيوب الأنصاري، ولم يكن في المدينة أفقر منه، فانطلقت قلوب الناس حسرة على مفارقة النبي، فنادى أبو أيوب: يا أماه، افتحي الباب، فقد قدم سيد البشر وأكرم ربيعة ومضر محمد(ص) المصطفى والرسول المجتبى، فخرجت وفتحت الباب، وكانت عمياء، فقالت: واحسرتا، ليت كان لي عين أبصر بها وجه سيدي رسول الله(ص) فكان أول معجزة النبي(ص) في المدينة أنه.
  3. ضع كفه على وجه أم أبي أيوب فانفتحت عيناها، أقول: ظاهر الخبر أن سلمان كان حاضراً وقت قدوم النبي(ص) المدينة، ولا منافاة بين هذا وبين ما يدل على إسلامه بعد هذا الوقت إن قلنا به. فراجع: مناقب آل أبي طالب، ج١، ص١٣٣؛ بحار الأنوار، ج١٩، ص١٢١، ح٧. ١.الكَرُّ: الرجوع. لسان العرب، ج٥، ص١٣٥«كرر».
  4. والتَّحلحل: التحرك والذهاب. لسان العرب، ج١١، ص١٧٣ «حلل».
  5. الرَزمة بالتحريك: ضرب من حنين الناقة. لسان العرب، ج١٢، ص٢٣٨ «رزم».
  6. الملك، بالتحريك: أراد به جبرئيل؛ لأنه كان يتنزل عليه ويحادثه.
  7. سورة التوبة، الآية ٤١.
  8. أُسد الغابة، ج٢، ص٩٦، الرقم ١٣٦١؛ وراجع: الاستيعاب، ج٢، ص٤٢٤؛ وج ٤، ص١٦٠٦.
  9. رجال الطوسي، ص٣٨، الرقم٢٢٣ وص٦٢، الرقم٥٤٧.
  10. خلاصة الأقوال، ص١٣٧، الرقم ٣٦٩، وص٣٠١، الرقم١١٣٢؛ وذكره ابن داوود في رجاله، ص١٣٧، الرقم ٥٣٨؛ وقال: إنه مهمل، وقال في ص٣٦٩، الرقم٥ من كتابه: أبو أيوب خالد بن زيد هو الأنصاري عظيم الشأن.
  11. هي أغصان النخيل، النهاية في غريب الحديث والأثر، ج٢، ص٣٦٨ «سعف».
  12. تنقيح المقال، ج٢٥، ص١٠٦-١١١، الرقم ٧٣٥٧؛ اختيار معرفة الرجال، ص٣٨، ح٧٦و٧٨.
  13. قال الشيخ الطوسي: زرّ بن حبيش من أصحاب أمير المؤمنين(ع)، وكان فاضلا، وفي الخلاصة: حُبَيْس بضم الحاءالمهملة وفتح الباء الموحدة وبعدها ياء منقطة تحتها نقطتين، وسين مهملة. أقول: وعن رجال ابن داوود: بالشين المعجمة، وفي كتب العامة أيضاً بالشين، فتدبر. (المؤلّف رحمه الله). راجع: رجال الطوسي، ص٦٤، الرقم ٥٦٩؛ خلاصة الأقوال، ص١٥٢، الرقم ٤٤٠؛ رجال ابن داوود، ص١٥٧، الرقم ٦٢٠؛ وراجع أيضاً: الاستيعاب، ج٢، ص١٣١، الرقم ٨٧٣.
  14. اختيار معرفة الرجال، ص٤٥، ح٩٥.
  15. سورة النساء، الآية ١٠.
  16. سورة الكهف، الآية ٢٩.
  17. تنقيح المقال، ج٢٥، ص١١١-١١٢، الرقم ٧٣٥٧.
  18. سورة البقرة، الآية ١٩٥.
  19. الوَغْر: احتراق الغيظ، ومنه قيل: في صدره عليّ وَغْر بالتسكين، أي ضغن وعداوة. لسان العرب، ج٥، ص٢٨٦«وغر».
  20. لَبَّبَ الرجل: جعل ثيابه في عنقه وصدره في الخصومة، ثم قبضه وجرَّه. لسان العرب، ج١، ص٧٣٣ «لبب».
  21. سورة التوبة، الآية ١١٧.
  22. احتوش القومُ الصيدَ إذا نقّره بعضهم على بعضهم. لسان العرب، ج٦، ص٢٩٠ «حوش».
  23. سورة آل عمران، الآية ١٣٣.
  24. سورة آل عمران، الآية ١٨٢.
  25. مثل في العرب، قال أحمد بن محمد النيشابوري الميداني في كتابه مجمع الأمثال، ج٢، ص٢٩؛ أعذر من أنذر، أي: من حذرك ما يحل بك فقد أعذر إليك، أي صار معذوراً عندك.
  26. مثل أو شبه المثل، بمعنى ارفق على نفسك فيما تحاول، وتوقف ولا تستعجل، فأنت ضعيف، فانته عما لا تطيق ويقصر عنه باعك.
  27. سورة آل عمران، الآية ١٤٩.
  28. الخصال، ص٤٦١-٤٦٥، أبواب الاثني عشر، ح٤.
  29. الاحتجاج، ج١، ص٧٦.
  30. تنقيح المقال، ج١، ص٢٠٠ (الطبعة الحجرية).
  31. شرح نهج البلاغة، ج١٠، ص١١٢.
  32. رجال السيد بحر العلوم (الفوائد الرجالية)، ج٢، ص٣٢٤.
  33. بشارة المصطفى، ص١٤٥.
  34. محمد علي أحمديان النجف آبادي، الصحابة الكرام، ج١، ص ٤٧٦.
  35. شحذ السكين والسيف ونحوهما، يشحذه شحذاً: أحدَّه بالمسن. لسان العرب، ج٣، ص٤٩٣ «شحذ».
  36. ثبطه عن الشيء ثبثيطاً إذا شغله عنه. لسان العرب، ج٧، ص٢٦٧ «ثبط».
  37. الأود: العوج. لسان العرب، ج٣، ص٧٥ «أود».
  38. رقرق: تحرك وتلألأ. لسان العرب، ج١٠، ص١٢٤ «رقق». والآل: السراب، وهو الذي يبدو كأنه ماء جارٍ للناظر من بعيد. لسان العرب، ج١، ص٤٦٥ «سرب».
  39. الدو والدوية والداوية المفازة. لسان العرب، ج١٤، ص٢٧٦ «دوا». والجرد: فضاء لا نبت فيه. لسان العرب، ج٣، ص١١٥«جرد».
  40. يحصب،بالكسر: حيٌّ من اليمن، وإذا نسبت قلت: يَحصبي، بفتح الصاد مثل تغلب وتغلبي. الصحاح، ج١، ص١١٢«حصب».
  41. وقعة صفين، ص٣٦٦-٣٦٨؛ شرح نهج البلاغة، ج٨، ص٤٣.
  42. الطبقات الكبرى، ج٢، ص٣٦٩-٣٧٠.
  43. محمد علي أحمديان النجف آبادي، الصحابة الكرام، ج١، ص ٤٨٧.
  44. غب الأمر ومغبته: آخره. لسان العرب، ج١، ص٦٣٤«غبب».
  45. رجال البرقي، ص٦٣-٦٦.
  46. محمد علي أحمديان النجف آبادي، الصحابة الكرام، ج١، ص ٤٩٠.