الأئمة الاثنا عشر في الحديث
في الحديث النبوي
إنّ من تصفّح مصنّفات الحديث النبوي الشريف يجد أنّ هناك روايات تحدِّد وتعيِّن عدد الأئمة بعد الرسول وسماتهم، من دون ذكر لأسمائهم، وهي أحاديث الأئمة الاثني عشر التي رواها أصحاب الصحاح والمسانيد، وهي على وجه لا ينطبق إلاّ على من عيّنهم الرسول للخلافة والزعامة ولذلك نذكرها في عداد أدلّة التنصيص على الخلافة، والإمعان فيها يرشد القارى إلى الحق، ويأخذ بيده حتّى يرسي مركبه على شاطىَ الامان والحقيقة.
ويطيب لي أن أذكر مجموع هذه النصوص؛ فإنّها تؤكّد بعضها بعضاً، وإليك البيان.
- روى البخاري عن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: «يَكُونَ اِثْنَا عَشَرَ أَمِيراً» فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: أنّه قال: «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ»[١]
- روى مسلم عنه أيضاً، قال: دخلت مع أبي على النبي (ص) فسمعته يقول: «إِنَّ هَذَا اَلْأَمْرَ لاَ يَنْقَضِي حَتَّى يَمْضِيَ فِيهِمُ اِثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً». قال: ثم تكلّم بكلام خفي عليّ، قال: فقلت لأبي: ما قال؟ قال: «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ».
- وروى عنه أيضاً، قال: سمعت النبي (ص) يقول: «لاَ يَزَالُ أَمْرُ اَلنَّاسِ مَاضِياً مَا وَلِيَهُمْ اِثْنَا عَشَرَ رَجُلاً» ثمّ تكلّم النبي (ص) بكلمة خفيت عليّ، فسألت أبي: ماذا قال رسول الله (ص)؟ فقال: قال: «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ».
- وروى عنه أيضاً نفس الحديث إلاّ أنّه لم يذكر: «لاَ يَزَالُ أَمْرُ اَلنَّاسِ مَاضِياً».
- وروى مسلم عنه أيضاً قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: «لاَ يَزَالُ اَلْإِسْلاَمُ عَزِيزاً إِلَى اِثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً» ثمّ قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي: ما قال؟ فقال: قال: «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ»[٢]
- وروى مسلم عنه أيضاً، قال: انطلقت إلى رسول الله (ص) ومعي أبي فسمعته يقول: «لاَ يَزَالُ هَذَا اَلدِّينُ عَزِيزاً مَنِيعاً إِلَى اِثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً» فقال كلمة صمّنيها الناس، فقلت لأبي: ما قال؟ فقال: قال: «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ».
- وروى مسلم عنه أيضاً قال: سمعت رسول الله (ص) يوم جمعة عشية رجم الأسلمي يقول: «لاَ يَزَالُ اَلدِّينُ قَائِماً حَتَّى تَقُومَ اَلسَّاعَةُ أَوْ يَكُونَ عَلَيْكُمْ اِثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ»[٣]
- روى أبو داوود عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: «لاَ يَزَالُ هَذَا اَلدِّينُ عَزِيزاً مَنِيعاً إِلَى اِثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً» فكبّر الناس وضجّوا، ثمّ قال كلمة خفيّة، قلت لأبي: يا أبتِ ما قال؟ فقال: قال: «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ»[٤]
- روى الترمذي عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله (ص): «يَكُونُ مِنْ بَعْدِي اِثْنَا عَشَرَ أَمِيراً» ثمّ تكلّم بشيء لم أفهمه فسألت الذي يليني، فقال: قال: «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن جابر، ثمّ ذكر طريقاً آخر إلى جابر[٥]
- روى أحمد في مسنده عن جابر بن سمرة، قال: سمعت النبي (ص) يقول: «يَكُونُ لِهَذِهِ اَلْأُمَّةِ اِثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةٍ» ورواه عن ٣٤ طريقاً[٦]
- روى الحاكم في المستدرك على الصحيحين في كتاب معرفة الصحابة عن عون بن جحيفة عن أبيه، قال: كنت مع عمّي عند النبي (ص) فقال: «لاَ يَزَالُ أَمْرُ أُمَّتِي صَالِحاً حَتَّى يَمْضِيَ اِثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً» ثمّ قال كلمة وخفض بها صوته، فقلت لعمّي ـ وكان أمامي ـ: ما قال يا عمّ؟ قال: يا بني قال: «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ»[٧]
- وروى أيضاً بسنده عن جرير عن المغيرة عن الشعبي عن جابر، قال: كنت عند رسول الله (ص) فسمعته يقول: «لاَ يَزَالُ أَمْرُ هَذِهِ اَلاَّمَّةِ ظَاهِراً حَتَّى يَقُومَ اِثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً» وقال كلمة خفيت عليّ، وكان أبي أدنى إليه مجلساً منّي فقلت: ما قال؟ فقال: «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ».
- قال ابن حجر في الصواعق: أخرج الطبراني عن جابر بن سمرة أنّ النبي (ص) قال: «يَكُونُ بَعْدِي اِثْنَا عَشَرَ أَمِيراً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ»[٨] كما أنّ رسول الله (ص) قد شبَّه عدّة خلفائه بعدّة نقباء بني إسرائيل.
- فقد روى أحمد بسنده عن مسروق، قال: كنّا جلوساً عند عبد الله بن مسعود وهو يقرؤنا القرآن، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، هل سألتم رسول الله كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله بن مسعود: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك، ثمّ قال: نعم، ولقد سألنا رسول الله (ص) فقال: «اِثْنَا عَشَرَ كَعِدَّةِ نُقَبَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ»[٩]
- ورواه الخطيب في تاريخه بسنده عن جابر بن سمرة[١٠]
- وأورده المتقي الهندي في منتخب كنز العمال عن أحمد والطبراني في المعجم الكبير، والحاكم في المستدرك [١١]
- قال السيوطي في تاريخ الخلفاء بسند حسن عن ابن مسعود: أنّه سئل كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال: سألنا عنها رسول الله (ص) فقال: «اِثْنَا عَشَرَ كَعِدَّةِ نُقَبَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ»[١٢]
إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على أنّ الأئمة بعد النبي الاكرم (ص) اثناعشر، وقد جاء فيها سماتهم وصفاتهم وعددهم، غير أنّ المهم هو تعيين مصاديقها والإشارة إلى أعيانها وأشخاصها، ولا تعلم إلاّ باستقصاء وحصر السمات الواردة في هذه الأحاديث، وهذا ما يمكن إجماله بما يلي:
- لا يزال الإسلام عزيزاً.
- لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً.
- لا يزال الدين قائماً.
- لا يزال أمر الأمة صالحاً.
- لا يزال أمر هذه الأمة ظاهراً.
- كلّ ذلك حتّى يمضي فيهم اثنا عشر أميراً من قريش.
- وحتى يليهم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش.
- وإنّ عددهم كعدد نقباء بني إسرائيل.
وهذه السمات والخصوصيات لا تتمثّل مجتمعة إلاّ في الأئمة الأثني عشر المعروفين عند الفريقين، وهذه الأحاديث من أنباء الغيب ومعجزات النبي الأكرم (ص)، خصوصاً إذا ضُمّت إليها أحاديث الثقلين والسفينة وكون أهل بيت النبي أماناً لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء.
فالأئمّة الأثنا عشر المعروفون بين المسلمين، والذين ينادي بإمامتهم الشيعة الإمامية، والذين أوّلهم علي أمير المؤمنين وآخرهم المهدي تنطبق عليهم تلك العلائم، ومن وقف على حياتهم العلمية والاجتماعية والسياسية يقف على أنّهم هم المثل الأعلى في الأخلاق، والقمّة السامقة في العلم والعمل والتقوى والإحاطة بالقرآن والسنّة، وبهم حفظ الله تعالى دينه وأعزّ رسالته.
وأمّا ما ورد في بعض هذه الطرق أنّ: «كُلُّهُمْ تَجْتَمِعُ عَلَيْهِمُ اَلْأُمَّةُ» فهو على فرض الصحة، فالمراد منه تجتمع على الاقرار بإمامتهم جميعاً وقت ظهور آخرهم، وـ على فرض الإبهام ـ لا تمنع عن الأخذ بمضامين الحديث.[١٣]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ صحيح البخاري ٩: ١٠١، كتاب الاحكام، الباب ٥١ (باب الاستخلاف).
- ↑ صحيح مسلم ٦: ٣.
- ↑ صحيح مسلم ٦: ٣ ـ ٤.
- ↑ سنن أبي داوود ٢: ٢٠٧ كتاب المهدي ط مصر. وروى أيضاً نحوه بطريقين آخرين.
- ↑ صحيح الترمذي ٢: ٤٥ ط سنة ١٣٤٢هـ.
- ↑ مسند أحمد ٥: ٨٦ ـ ١٠٨.
- ↑ المستدرك على الصحيحين (كتاب معرفة الصحابة) ٣: ٦١٧ ـ ٦١٨ (ط الهند).
- ↑ الصواعق: ١٨٩.
- ↑ مسند أحمد ١: ٣٩٨.
- ↑ تاريخ بغداد ١٤ \ ٣٥٣ برقم ٧٦٧٣.
- ↑ منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ٥: ٣١٢.
- ↑ تاريخ الخلفاء: ص١٠.
- ↑ جعفر السبحاني، الأئمة الاثناعشر، ص ٨-١٤.