الأئمة الاثنا عشر عند أهل السنة
حديث الأئمة الاثني عشر في كتب أهل السنة
هلمّ معي نقرأ ماذا يقول غير الشيعة في حقّ هذه الأحاديث، وكيف يؤوّلونها بالخلفاء القائمين بالأمر بعد النبي الاكرم (ص)، وإليك نصوص كلامهم:
١. إنّ قوله اثنا عشر إشارة إلى عدد خلفاء بني أُميّة!! وأوّل بني أُميّة يزيد بن معاوية وآخرهم مروان الحمار وعدّتهم اثنا عشر، ولا يعد عثمان ومعاوية ولا ابن الزبير؛ لكونهم صحابة، ولا مروان بن الحكم لكونه صحابياً أو لأنّه كان متغلّباً بعد أن اجتمع الناس على عبد الله بن الزبير، وليس على المدح بل على استقامة السلطنة، وهم يزيد بن معاوية وابنه معاوية ثم عبدالملك ثمّ الوليد ثمّ سليمان ثمّ عمر ابن عبد العزيز ثمّ يزيد بن عبد الملك ثمّ هشام بن عبد الملك ثمّ الوليد بن يزيد ثمّ يزيد بن الوليد ثمّ إبراهيم بن الوليد ثمّ مروان بن محمد[١]
وجوابه: أنّه لو كان الرسول أراد هذا ولم يكن في مقام مدحهم فأيّ فائدة في الإخبار بذلك. ثمّ كيف يقول: إنّها صدرت على غير سبيل المدح مع ما عرفت من السمات الواردة الصريحة في المدح مثل: «لاَ يَزَالُ هَذَا اَلدِّينُ عَزِيزاً مَنِيعاً»، أو «أَمْرُ أُمَّتِي صَالِحاً». والعجب أنّه جعل أوّل الخلفاء يزيد بن معاوية بحجّة أنّه استقامت له السلطنة، مع أنّه كيف استتبّت له السلطنة وقد ثار عليه العراق في السنة الأُولى، وثار عليه أهل المدينة في السنة الثانية، وكان مجموع أيّامه مؤلّفة من حروب دامية وقتل ونهب وتدمير لا يقرّ بها صاحب ذرّة من الشرف والإيمان.
٢. «إنّ المراد أنّه يملك اثنا عشر خليفة بهذه السمات بعد وفاة المهدي»[٢] وهذا من أغرب التفاسير؛ لأنّ الأخبار ظاهرة في اتصال خلافتهم بعصر النبي الأكرم (ص)، ولأجل تبادر ذلك في أذهان الناس سألوا عبد الله بن مسعود عن عدد من يملك أمر هذه الأُمة.
٣. ما نقله ابن حجر في فتح الباري عن القاضي عياض: أنّ المراد بهم الخلفاء الذين اجتمع عليهم الناس، وهم «أبو بكر»، و«عمر»، و«عثمان»، و«علي»، و«معاوية»، و«يزيد»، و«عبد الملك»، وأولاده الأربعة، الوليد ثمّ سليمان ثمّ يزيد ثمّ هشام، وعمر بن عبد العزيز بن سليمان ويزيد، فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين، والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك[٣]
ولا يكاد ينقضي تعجّبي من القاضي عياض وابن حجر كيف يعرّفان هؤلاء بمن عزّ بهم الإسلام والدين وصار منيعاً وفيهم يزيد بن معاوية ذلك السكير المستهتر الذي كان يشرب الخمر ويدع الصلاة، ولم يكتف بذلك بل ضرب الكعبة بالمنجنيق، وأباح المدينة ثلاثة أيّام بأعراضها وأموالها وأنفسها بعد قتله لابن بنت رسول الله (ص) الحسين بن علي(ع) وأُخوانه وأبنائه وخيرة أصحابه، وسيَّر بنات رسول الله (ص) سبايا دون حرمة لجدّهم إلى الشام من أرض كربلاء، فليت شعري ما هو ميزان القوم في تفسيرهم للسنّة النبوية وتعاملهم معها؟ وكلّ الحقائق تكذب ما ذهبوا إليه وما صرّحوا به.
وهل اعتزّ الإسلام بعبد الملك الذي يكفي في ذكر مساوئه تنصيبه الحجاج على العراق فقتل من الصحابة والتابعين ما لا يخفى[٤]!
وكيف اعتزّ الدين بـ الوليد بن يزيد بن عبد الملك المنتهك لحرمات الله حاول أن يشرب الخمر فوق ظهر الكعبة ففتح المصحف فإذا بالآية الكريمة: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾[٥] فألقاه ورماه بالسهام وأنشد:
| تهدّدني بجبّار عنيد | فها أنا ذاك جبّار عنيد | |
| إذا ما جئت ربّك يوم حشر | فقل ياربّ مزّقني الوليد |
ومن أراد أن يقف على جنايات الرجل وأقربائه وأجداده فليقرأ التاريخ الذي اسودّت صفحاته بأفعالهم الشنيعة التي لا يسترها شيء ولا يغفل عنها إلاّ السذج والبلهاء.
أقول: إنّ للكاتب القدير السيد محمد تقي الحكيم كلاماً في هذه الأحاديث يطيب لي نقله. قال: والذي يستفاد من هذه الروايات:
- أنّ عدد الأمراء أو الخلفاء لا يتجاوز الأثني عشر وكلّهم من قريش.
- أنّ هؤلاء الأمراء معيّنون بالنص، كما هو مقتضى تشبيههم بنقباء بني إسرائيل، لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾[٦]
- أنّ هذه الروايات افترضت لهم البقاء ما بقي الدين الإسلامي أو حتى تقوم الساعة كما هو مقتضى رواية مسلم: «إِنَّ هَذَا اَلْأَمْرَ لاَ يَنْقَضِي حَتَّى يَمْضِيَ فِيهِمُ اِثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً» وأصرح من ذلك روايته الاخرى في نفس الباب: «لاَ يَزَالُ هَذَا اَلْأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنَ اَلنَّاسِ اِثْنَانِ».
إذا صحّت هذه الاستفادة فهي لا تلتئم إلاّ مع مبنى الإمامية في عدد الأئمة وبقائهم وكونهم من المنصوص عليهم من قبله (ص) وهي منسجمة جدّاً مع حديث الثقلين وبقاؤهما حتّى يردا عليه الحوض.
وصحّة هذه الاستفادة موقوفة على أن يكون المراد من بقاء الأمر فيهم بقاء الإمامة والخلافة بالاستحقاق لا بالسلطة الظاهرية؛ لأنّ الخليفة الشرعي خليفة يستمدّ سلطته من الله، وهي في حدود السلطة التشريعية لا التكوينية؛ لأنّ هذا النوع من السلطة هو الذي تقتضيه وظيفته باعتباره مشرّعاً، ولا ينافي ذلك ذهاب السلطة منهم في واقعها الخارجي وتسلّط الآخرين عليهم، على أنّ الروايات تبقى بلا تفسير لو تخلّينا عن حملها على هذا المعنى، لبداهة أنّ السلطة الظاهرية قد تولاّها من قريش أضعاف أضعاف هذا العدد، فضلاً عن انقراض دولهم وعدم النص على أحد منهم ـ أُمويين وعباسيين ـ باتّفاق المسلمين.
ومن الجدير بالذكر أنّ هذه الروايات كانت مأثورة في بعض الصحاح والمسانيد قبل أن يكتمل عدد الأئمة، فلا تحتمل أن تكون من الموضوعات بعد اكتمال العدد المذكور، على أنّ جميع رواتها من أهل السنة ومن الموثوقين لديهم، ولعلّ حيرة كثير من العلماء في توجيه هذه الأحاديث، ومحاولة ملائمتها للواقع التاريخي كان منشؤها عدم تمكّنهم من تكذيبها، ومن هنا تضاربت الاقوال في توجيهها وبيان المراد منها.
والسيوطي ـ بعد أن أورد ما قاله العلماء في هذه الأحاديث المشكلة ـ خرج برأي غريب وهو أنّه وجد من الأثني عشر الخلفاء الأربعة، والحسن، ومعاوية، وابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز في بني أُمية، وكذلك الظاهر لما أُوتيه من العدل، وبقي اثنان منتظران، أحدهما المهدي؛ لأنّه من أهل بيت محمّد (ص). ولم يُبيّن المنتظر الثاني، ورحم الله من قال في السيوطي: إنّه حاطب ليل.[٧]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ فتح الباري في شرح صحيح البخاري ١٣: ٢١٢ ط دار المعرفة. وفي المصدر: عدّتهم ثلاثة عشر.
- ↑ المصدر نفسه ١٣: ٢١٣ ومثله ما نقله أيضاً: اثنا عشر خليفة في جميع مدّة الإسلام إلى يوم القيامة.
- ↑ فتح الباري في شرح صحيح البخاري ١٣: ٢١٣، ولاحظ تاريخ الخلفاء: ص١١.
- ↑ تاريخ الخلفاء: ٢٥٠ وغيره.
- ↑ سورة إبراهيم، الآية ١٥.
- ↑ سورة المائدة، الآية ١٢.
- ↑ جعفر السبحاني، الأئمة الاثناعشر، ص ١٤-١٩.