الأسر في معارف الإمام الحسين وسيرته
تمهيد
«الأسر»: ومعناه القبض على بعض أفراد الجيش المعادي أثناء الحروب وأخذهم أسرى واسترقاقهم. وحدث مثل هذا في صدر الإسلام أيضاً، اذ أخذ بعض الكفار أسرى، أو انّ بعض المسلمين وقعوا في أسر المشركين.
وفي واقعة كربلاء، سبي عيال الإمام الحسين من بعد مقتله يوم العاشر من محرّم وطافوا بهم البلدان[١] وعرضوهم في الكوفة والشام، وكان هذا العمل نقضاً صريحاً لأحكام الإسلام التي لا تجيز سبي المسلم وخاصّة النساء. مثلما فعل علي(ع) في حرب الجمل ولم يأذن بأسر المسلمين، وأعاد عائشة إلى المدينة برفقة عدد من النساء.
حينما هجم بسر بن أرطأة على اليمن بأمر معاوية، أسر النساء المسلمات. وكان أسر عترة النبي في عهد الحكم الأموي انتهاكاً لمقدّسات الدين إلى درجة ان أحد أهل الشام طلب من يزيد أن يهبه فاطمة بنت الحسين ليتّخذها جارية، إلّا أنّه واجه تحذيراً من زينب[٢].
على الرغم من انّ يزيد سبى عيال الإمام الحسين(ع) وسيّرهم من ولاية إلى اخرى بذلّة واستخفاف من أجل اشاعة الخوف لدى سائر الناس، إلّا انّ سلالة العزّة والشرف اتّخذت من حالة «الأسر» سلاح لمقارعة الباطل، والكشف عن الصورة الحقيقية للعدو، وألقت الخطب والكلمات لفضحه وافشال خطّته. وكانت خطبة زينب الكبرى والإمام السجاد(ع) في الكوفة والشام مثالاً «للمواجهة في الأسر»، وقد عابت زينب على يزيد سوء عمله الظالم ذاك على ما فيه من خروج على الدين وقالت:
«أَ ظَنَنْتُ يَا يَزِيدُ حَيْثُ أَخَذْتَ عَلَيْنَا أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَ آفَاقِ السَّمَاءِ، فأصبحنا نساق كَمَا تُسَاقُ الاسارى، انَّ بِنَا عَلَى اللَّهِ هَوَاناً... أَمَّنْ الْعَدْلِ يَا ابْنَ الطُّلَقَاءُ تخديرك حرائرك وامائك وَسُوقِكَ بَنَاتِ رَسُولُ اللَّهِ سَبَايَا قَدْ هَتَكَتِ ستورهنّ وَ أَبَدِيَّةٍ وُجُوهِهِنَّ تَحْدُو بِهِنَّ الْأَعْدَاءَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ ويستشرفهنّ أَهْلِ الْمَنَاهِلِ وَ الْمَعَاقِلُ...»[٣].
يمكن القول إنّ الإمام الحسين(ع) كانت له حسابات وتدابير دقيقة من اصطحاب النساء والاطفال معه إلى كربلاء ليكونوا من بعده رواة لمشاهد وآلام العاشر من محرّم، وليكونوا واسطة لا يصال رسالة دماء الشهداء، ولكي لا يتسنّى لحكومة يزيد اسدال الستار على تلك الجريمة الكبرى أو ابراز تلك القضية بشكل آخر، ولهذا السبب حينما سأل ابن عباس الإمام الحسين عن سبب اصطحابه النساء والاطفال إلى العراق، قال: «انَّ اللَّهَ قَدْ شَاءَ انَّ يَرَاهُنَّ سَبَايَا»[٤].
وهذه ـ لا شك ـ اشارة إلى تلك التدابير والحسابات. وكما ذكر المرحوم كاشف الغطاء: «لو قُتل الحسين هو وولده، ولم يتعقبه قيام تلك الحرائر في تلك المقامات بتلك التحديات لما تحقق غرضه وبلغ غايته في قلب الدولة على يزيد»[٥].
أثار سبي أهل البيت بتلك الصورة المأساوية، مشاعر الناس لصالح جبهة الحقّ وانتهت بضرر حكومة يزيد. وحوّلت خطب زينب والسجاد(ع) طوال فترة السبي لذة النصر العسكري إلى طعم مرّ كالعلقم لدى يزيد وابن زياد، وحالت دون تحريف التاريخ، وعلّمت عوائل الشهداء درسا في ضرورة ان تكون نصرة الحقّ من الشهداء بالدماء ومن ذويهم بايصال رسالة ذلك الدم. فالشهداء يفعلون فعل الحسين، وذووهم يقفون مواقف زينب.[٦]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ بحار الانوار ٤٥: ٥٨.
- ↑ تاريخ الطبري ٤: ٣٥٣.
- ↑ مقتل الحسين للمقرم: ٤٦٢.
- ↑ حياة الإمام الحسين(ع)٢: ٢٩٧ ـ ٢٩٨.
- ↑ حياة الإمام الحسين(ع)٢: ٢٩٧ ـ ٢٩٨.
- ↑ جواد المحدثي، موسوعة عاشوراء، ص ٤٠.