التكفير

من إمامةبيديا

شبهة عدم انسجام تكفير الذنوب مع العدل الإلهي

التكفير، بمعنى أن العبد من خلال قيامه بفعل بعض الخيرات وأعمال البر، مثل التوبة، فإن الله سيغفر ذنوبه المتقدمة ويزيل آثارها وتبعاتها من قبيل: العذاب والعقوبة[١].

وقد تمّ التأكيد في القرآن الكريم على التكفير والعفو عن الذنوب بعد قيام العبد ببعض أعمال البر، من قبيل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ[٢].﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً[٣].

والسؤال المطروح هنا: هل ينسجم هذا الغفران والصفح مع العدل الإلهى؟ خاصة إذا كانت الذنوب والمعاصى التي يقترفها الشخص داخلة في دائرة حقوق الناس فكيف ينجو شخص قد ظلم الآخرين من أبناء جلدته؟!

مناقشة وتحليل

التكفير تفضّل إلهي يفوق العدل

المسألة الأولى هي التكفير والصفح عن ذنوب المجرم هو من الكرم الذي يفوق العدل. أن العفو عن الأخطاء والصفح عن المجرمين أحلى عند الناس من تطبيق العدالة فيما يتعلق بالعقوبة من قبيل قصاص النفس الذي هو من الحقوق الثابتة لأولياء الدم، إلا أن العفو أجمل من القصاص وعليه فإن الصفح عن ذنوب العصاة في يوم القيامة بالنسبة إلى الله يفوق العدل، وهو غاية التفضل والكرم الإلهي.

عدم العفو عن حقوق الناس

لا يخفى على القارئ الكريم أن الذنوب تنقسم إلى قسمين حق الله وحق الناس والقسم الأول عبارة عن ذنوب من قبيل: ترك الصلاة والصوم وشرب الخمر مما يعود الظلم فيه على شخص المذنب فقط بسبب عدم التزامه بالتكاليف الإلهية وأما القسم الثاني فهي ذنوب من قبيل: السرقة والغيبة والافتراء والتهمة وما سوى ذلك من الأمور التي يكون فيها ظلم على شخص ثالث بالإضافة إلى ما فيها من التمرد على الأوامر الإلهية. وقد كان موضع الإشكال يركز بشكل رئيس على القسم الثاني، حيث تفترض الشبهة أن الله يقبل التوبة من جميع الناس بمجرّد حصول التوبة من دون قيد أو شرط! في حين أن الروايات في تفسيرها للتوبة تفرق بين قسمين منها، بمعنى أن الصفح عن الذنوب التي تشتمل على حقوق الناس منوط بجبران ظلم المظلوم.

وبعبارة أخرى إعادة حقوق المظلوم (ردّ المظالم) من الظالم. فقد ورد في الحديث عن المعصوم (ع) أنه قال: «وَ أَمَّا اَلذَّنْبُ اَلَّذِي لاَ يُغْفَرُ فَمَظَالِمُ اَلْعِبَادِ»[٤].

وقد تعرّض علم الفقه إلى بيان شرائط وجزئيات الصفح عن الذنوب المتضمنة لحقوق الناس، ومن بينها دفع الحقوق إلى المظلوم إذا كان على قيد الحياة، أو ذويه إذا كان ميتاً وكذلك السعى إلى الحصول على براءة الذمة منه[٥].

إعطاء حق المظلوم من قبل الله (أصل الانتصاف)

يذهب المتكلمون إلى الاعتقاد بأصل يطلقون عليه عنوان «الانتصاف»، ويرون بموجبه وجوب استعادة حق المظلوم من الظالم في الدنيا أو الآخرة. وقد عمد المتكلمون إلى إثبات هذا الأصل بالأدلة العقلية والنقلية[٦]؛ وذلك لأن عدم استرجاع حق المظلوم هو نوع من الظلم وتضييع الحقوق، وصورة من صور انعدام العدل ثبت قبحه بالعقل والنقل ومن ذلك الآية الآتية التي تثبت إحقاق الله سبحانه وتعالى للحقوق بين عباده في يوم القيامة، إذ يقول الله تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ[٧].

ولازم القضاء الحق والعادل هو القصاص وأخذ حق المظلوم من الظالم، وعليه فإن استعادة حق المظلوم من الظالم (الانتصاف) واجبة على الله، ويتحقق ذلك يوم القيامة من خلال إعطاء حسنات الظالم إلى المظلوم، ومن الواضح أن إعطاء حسنات الظالم إلى المظلوم إنما يتحقق في يوم القيامة إذا كان لدى الظالم ما يكفي من الحسنات وعليه كيف يكون الشأن إذا لم يكن لدى الظالم هذا المقدار من الحسنات؟

وهناك رؤية تقول إن الله لا يُقدر مثل هذا الظالم على الظلم فيؤدي ذلك إلى حصول الإشكال في يوم القيامة[٨].

وعليه يتمّ حل المشكلة؛ لأن الظالم يكون متمكناً من حيث الثواب والعمل.

والرؤية الأخرى تقول بأن الظالم إذا لم يكن لديه شيء من أعمال الخير، فإن الله هو الذي سيقوم بجبران حق المظلوم وتعويضه من عنده؛ وذلك لأن الظلم الذي تعرّض له المظلوم إنما هو نتيجة بسبب تمكين الله للظالم في سلسلة العلل وعلى الله أن يتدارك هذا الظلم الحاصل في مملكته بنحو من الأنحاء[٩].

وبعبارة أخرى هناك من يرى أن الانتصاف يتحقق بإعطاء الثواب من قبل الظالم، بيد أنّ آخرين يرون أنّ الانتصاف عبارة عن التعويض عن المظلوم وإحقاق حقه كيفما اتفق - سواء من قبل الظالم أو الله - ولذلك فإن الله يوم القيامة يعطي للمظلوم من الثواب حتى يرضى ويكون على استعداد للصفح عن المذنب. وفي هذه الصورة تغدو التوبة نافعة ولا يكون العفو عن المذنبين مخالفاً للعدل؛ لأن الفرض أنه جاء بعد رضا المظلوم، بل ويؤدي إلى ما فيه صلاح الظالم والمظلوم على السواء، وعليه يعدّ نوعاً من الجود والتفضّل والكرم.

البيان التكويني لأثر التكفير

أن ارتكاب المعصية يعرّض النفس الإنسانية إلى الابتلاء بألوان العذاب بشكل تكويني.

وإن هذه الصور التكوينية من العذاب تقضي على صور النعم والسعادة. والعكس صحيح أيضاً،بمعنى أن أعمال البر والصلاح ومنها التوبة، بمعنى أن القيام بأعمال البر والمبادرة إلى التوبة يخلق في نفس المذنب أثراً تكوينياً بحسب كمية وكيفية الذنوب ونوع التوبة، ويمكن لهذه الآثار التكوينية أن تمحو جزءاً من هذه الذنوب (الظلمات النفسية)، أو جميعها[١٠].

وفيما يتعلق بحق الناس يمكن القول: إن الصفح عن الذنوب في حال عدم رضا المظلوم يتمّ من خلال نقل حسنات الظالم إلى المظلوم، أو نقل سيئات المظلوم إلى الظالم[١١]. وقد ورد التصريح بتبديل الحسنات بالسيئات، والسيئات بالحسنات في جملة تعاليم القرآن والسنة، كما قال هابيل لقاتله قابيل على ما يحكيه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ[١٢].

وقال الأستاذ العلامة جوادي آملي في تفسير هذه الآية: «إن هذا الكلام إنما هو حكاية عن هابيل ولكن حيث أن القرآن لم يُبطله يمكن اعتباره نوعاً من الإمضاء والتقرير من قبل الله سبحانه وتعالى»[١٣].

وقد ورد في الروايات المأثورة عن الأئمة المعصومين (ع) بشأن الغيبة والتهمة وما إليهما، التصريح بأن حسنات المغتاب تنتقل إلى من تمّ اغتيابه، وإذا لم تكن لدى المغتاب من حسنات، انتقلت سيئات من تم اغتيابه إليه[١٤].

وقال العلامة الطباطبائي في هذا الشأن «فالظالم يتبع ظلمه ظلمة في قلبه وقسوة توجب انحاء أثر النور الذي كان في قلبه من الطاعات التي كان عملها والمظلوم يتألم فينكسر شهوته ويمحو عن قلبه أثر السيئات التي أورثت ظلمة في قلبه؛ فيتنور قلبه نوع تنوّر، فقد دار ما في قلب الظالم من النور إلى قلب المظلوم، وما في قلب المظلوم من الظلمة إلى قلب الظالم، وهذا معنى نقل الحسنات والسيئات»[١٥].

وعليه فإن تأثير التكفير ليس اعتبارياً حتى يتمّ السؤال عن سببه واختلافه في بعض الأفراد، وإنما التكفير فعل وأثر تكويني يمكنه التأثير تبعاً لكمال النفس وضعفها على ما مرّ بيانه في بحث الإحباط.[١٦]

المراجع والمصادر

  1. محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية

الهوامش

  1. الخواجة نصير الدين الطوسي، كشف المراد ص ٤١٣ الفاضل المقداد السيوري، إرشاد الطالبين، ص ٤٢١؛ محمد باقر المجلسي، ج ٦٨، ص ١٩٧.
  2. سورة الأنفال، الآية ٢٩.
  3. سورة الطلاق، الآية ٥. وانظر أيضاً التحريم: البقرة: ١٧١؛ الفتح: ٥؛ التغابن: ٩.
  4. انظر: محمد بن يعقوب الكليني أصول الكافي، ج ٢، ص ٤٤٣؛ نهج البلاغة الخطبة رقم: ١٧٦؛ محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٦، ص ٢٩.
  5. انظر: محمد بن يعقوب الكليني، أصول الكافي، ج ٢، ص ٤٣٠؛ محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٦، الباب العشرون (باب التوبة وشرائطها)؛ السبزواري، مهذب الأحكام، ج ١، ص ٧٧.
  6. (والانتصاف) أي انتصاف المظلوم من الظالم واجب عليه) أي على الله تعالى (عقلاً)؛ لأنه لو لم ينتصف لأدّى إلى إضاعة حق المظلوم؛ لأنه تعالى مكن الظالم وخلى بينه وبين الظلم، مع أنه تعالى يقدر على منعه وما مكن المظلوم من مكافأته، فلو لم ينتصف منه لضاع حق المظلوم والتالي باطل؛ لأن تضييع حق المظلوم قبيح عقلاً (و) واجب (سمعاً) أيضاً؛ لما ورد في القرآن من أن الله تعالى يقضي بين عباده بالحق، (انظر: غافر: ٢٠) (فلا يجوز تمكين الظالم من الظلم دون عوض في الحال يوازي ظلمه)، (انظر: محمد جعفر الأستر،آبادي البراهين القاطعة، ج ٢، ص ٢٦٤؛ الباب الحادي عشر مع شرحيه، ص ١٦٧).
  7. سورة غافر، الآية ٢٠.
  8. انظر: العلامة الحلي، أنوار الملكوت ص ١٣٠؛ القاضي عبد الجبار المعتزلي، شرح الأصول الخمسة، ص ٣٤١ القاضي عبد الجبار المعتزلي المغني، ج ١٣، ص٥٢٨؛ الخواجة نصير الدين الطوسي، كشف المراد المسألة الرابعة عشرة؛ السيد المرتضى، الذخيرة، ص ٢٤٤؛ سديد الدين محمود الحمصي الرازي، المنقذ التقليد، ج ١، ص ٣٣٠.
  9. فإن لم يكن له عوض تفضّل الله عليه بالعوض المستحق عليه، ودفعه إلى المظلوم (فإن كان المظلوم من أهل الجنة فرق الله أعواضه على الأوقات) على وجه لا يتبين له انقطاعها، فلا يتألم به أو تفضّل الله عليه) أي على المظلوم (بمثلها) أي بمثل الأعواض عقيب انقطاعها؛ لئلا يتألم بانقطاعها. وإن كان المظلوم (من أهل العقاب، أسقط الله بها أي بتلك الأعواض (جزءاً من عقابه يوازي تلك الأعواض (بحيث لا يظهر له التخفيف بأن يُفرّق الناقص على الأوقات ولا يحصل له السرور بحصول التخفيف. (انظر: محمد جعفر الأستر آبادي البراهين القاطعة، ج ٢، ص ٤٦٤؛ وانظر أيضاً: الفاضل المقداد السيوري، إرشاد الطالبين إلى نهاية المسترشدين، ص ٢٨٤؛ العلامة الحلي، الباب الحادي عشر مع شرحيه، ص ١٦٧؛ الفاضل المقداد، اللوامع الإلهية، ص ٢٣٥.
  10. انظر: العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج ٢، ص ٣٩٧ وج ٤، ص ٢٥٠.
  11. في بيان كيفية تأثير التوبة في رفع العذاب والعفو عن الذنوب الداخلة في دائرة حق الناس يمكن القول على سبيل الاحتمال: إذا كانت نفس الفرد المحسن والتائب تتمتع بقوة وكمال يمكن لها أن تتصرف في ذنوب الفرد الصور القاتمة والمكدّرة المظلوم بشكل تكويني، وتزيل بعضها بحسب الظلم والديون التي عليه، أو أن يزيد من حسنات النفس من خلال التصرف فيها، بحيث يرضى صاحب النفس بالصفح عن الظالم. (انظر: شبهة التدخل والتصرف التكويني للشافع في نفس المشفوع له التي تقدم البحث التفصيلي بشأنها في قسم المعاد على هامش عنوان الشفاعة، وما ذكرناه إجمالاً في الصفحات السابقة من هذا الكتاب).
  12. سورة المائدة، الآية ٢٩.
  13. عبد الله جوادي آملي، تفسير تسنيم، ج ١٠، ص ٦١٧.
  14. انظر: محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٧٢، ص ٢٥٩
  15. العلامة محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج ٢، ص ١٨٠.
  16. محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٢٧٦.