الجنة عند السلفية والوهابية

التعريف

التعريف لغةً

قال ابن فارس: «الجيم والنون أصل واحد وهو الستر والتستر؛ فالجنة ما يصير إليه المسلمون في الآخرة، وهو ثواب مستور عنهم، والجنة البستان، وهو ذاك لأنَّ الشجر بورقه يستر»[١].

فالجنّة بفتح الجيم وتشديد النون: الحديقة والبستان وجمعها: جَنّات وجِنانٌ[٢]، وقال الراغب: «الجنة كل بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض»[٣]. وهو من الجَنّ وهو الستر.[٤]

التعريف شرعاً

هي دار النعيم التي أعدها الله تعالى للمؤمنين المتقين، فيها من النعيم ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر[٥].[٦]

العلاقة بين المعنى اللغوي والشرعي

المعنى الشرعي أخص من المعنى اللغوي؛ فالجنة في الشرع البستان الخاص الذي ينعم فيها المؤمنون في الآخرة.[٧]

سبب التسمية

سميت الجنة بهذا الاسم لكثرة أشجارها؛ فهي تستر ما بداخلها من كثرة الأشجار[٨]، كما أنها ثواب مستور عمن هو في الدنيا[٩].[١٠]

الأسماء الأخرى

من أسماء الجنة: «جنة الخلد»، «دار السلام»، «دار الخلد»، «جنة عدن»، «دار المقامة»، «دار الحيوان»، «جنة النعيم»، «الفردوس»، «المقام الأمين»، «جنة المأوى» وغيرها[١١].[١٢]

الحكم

وجوب الإيمان بها، وهو من الركن الخامس من أركان الإيمان، قال النبي (ص): «مَن قالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وأنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسولُهُ، وأنَّ عِيسَى عبدُ اللهِ، وابنُ أمَتِهِ، وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ منه، وأنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وأنَّ النَّارَ حَقٌّ، أدْخَلَهُ اللَّهُ مِن أيِّ أبْوابِ الجَنَّةِ الثَّمانِيَةِ شاءَ.»[١٣]، ويجب الإيمان بوجودها الآن، لقوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ[١٤].[١٥]

الحقيقة

الجنة: دار ذات أنهار وبساتين، ومخلوقة حقيقة، وموجودة الآن، فيها من النعيم ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر[١٦].[١٧]

الأدلة

الأدلة على الجنة كثيرة جدّاً؛ منها: قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ[١٨]، وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ[١٩]، وغير ذلك من الآيات الكثيرة كلها تدل على وجود الجنة وبعض صفاتها، وأنها دار المتقين الأبرار.

ومن الأدلة كذلك: قول النبي (ص) فيما يرويه عن ربه: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَ لاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَ لاَ خَطَرَ بِقَلْبِ بَشَرٍ، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ[٢٠]»[٢١]، وقوله (ص) لما سأله ابن صياد عن تربة الجنة؟ فقال: «دَرْمَكَةٌ بَيْضَاءُ مِسْكٌ خَالِصٌ [٢٢]»[٢٣] وغير ذلك من الأدلة الكثيرة حتى إن كثيراً من المحدثين خصصوا كتباً وأبواباً في جوامعهم وسننهم؛ كالبخاري ومسلم وغيره في صفة الجنة.[٢٤]

الشروط

لا بدَّ لدخول الجنة من الإخلاص والمتابعة، قال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً[٢٥].[٢٦]

المراتب

يُعلم من بعض النصوص أنها أربع[٢٧]؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ[٢٨]، ثم قال بعد أن ذكر بعض صفاتهما: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ[٢٩]، وقال النبي (ص): «جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا...» [٣٠]، يجمع بين ورود الجنة مفردة، وورودها بصيغة الجمع بأنها مفردة باعتبار الجنس، ومجموعة باعتبار النوع[٣١]، ولها عدة أسماء، وأن الجنات نوعان الأول لمن خاف مقام ربه وهم السابقون المقربون، ومن دونهما جنتان وهي لأصحاب اليمين كما في سورة الواقعة[٣٢]، وورد أن درجات الجنة كثيرة[٣٣] مائة منها أعدها الله للمجاهدين، وبين كل درجتين ما بين السماء والأرض وأن أوسطها وأعلاها الفردوس لقول النبي (ص): «إنَّ في الجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ، أعَدَّها اللَّهُ لِلْمُجاهِدِينَ في سَبيلِ اللَّهِ، ما بيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كما بيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فإذا سَأَلْتُمُ اللَّهَ، فاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ؛ فإنَّه أوْسَطُ الجَنَّةِ وأَعْلَى الجَنَّةِ -أُراهُ- فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، ومِنْهُ تَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ.»[٣٤]، وكيفية كون الفردوس أوسط الجنة وأعلاها ككون وسط القبة أعلاها، ومعنى الفردوس: البستان، وقيل: البستان الذي فيه الكرم والأشجار[٣٥]، والفردوس أعلى الجنة، وأعلى المنازل على الإطلاق هي الوسيلة، وهي لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، قال النبي (ص): «... ثُمَّ سَلُوا اللهَ لي الوسيلةَ؛ فإنَّها مَنزِلةٌ في الجَنَّةِ لا تَنبَغي إلَّا لِعَبدٍ مِن عِبادِ اللهِ، وأرجُو أن أكُونَ أنا هو ...»[٣٦]، وأدنى أهل الجنة منزلةً، وهذه الدونية بالنسبة للأعلى وليست من الدناءة بمعنى النقص، كما قال النبي (ص): «إن أدنى أهل الجنة منزلة وليس فيهم دني...»[٣٧]، وفي الحديث: «سأَل مُوسَى ربَّهُ، ما أَدْنَى أَهْلِ الْجنَّةِ مَنْزلَةً؟ قَالَ: هُو رَجُلٌ يجِيءُ بعْدَ مَا أُدْخِل أَهْلُ الْجنَّةِ الْجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: ادْخِلِ الْجنَّة. فَيقُولُ: أَيْ رَبِّ كَيْفَ وقَدْ نَزَل النَّاسُ منَازِلَهُمْ، وأَخَذُوا أَخَذاتِهِم؟ فَيُقَالُ لهُ: أَتَرضي أَنْ يكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيا؟ فَيقُولُ: رضِيتُ ربِّ، فَيقُولُ: لَكَ ذَلِكَ ومِثْلُهُ ومِثْلُهُ ومِثْلُهُ ومِثْلُهُ، فَيقُولُ في الْخَامِسَةِ: رضِيتُ ربِّ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ وعشَرةُ أَمْثَالِهِ، ولَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، ولَذَّتْ عَيْنُكَ. فَيَقُولُ: رضِيتُ ربِّ، قَالَ: ربِّ فَأَعْلاَهُمْ منْزِلَةً؟ قالَ: أُولَئِك الَّذِينَ أَردْتُ، غَرسْتُ كَرامتَهُمْ بِيدِي وخَتَمْتُ علَيْهَا، فَلَمْ تَر عيْنُ، ولَمْ تَسْمعْ أُذُنٌ، ولَمْ يخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بشَرٍ»[٣٨].[٣٩]

المسائل المتعلقة

المسألة الأولى: الجنة مخلوقة موجودة الآن

يدلُّ على ذلك الكتاب والسُّنَّة والإجماع، فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ[٤٠]، وقوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ[٤١].

ومن السُّنَّة دخول النبي (ص) فيها لمّا عرج به «... ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ[٤٢] وإذَا تُرَابُهَا المِسْكُ...»[٤٣].

وأما الإجماع فقد قال ابن القيم و ابن أبي العز الحنفي: «لم يزل أهل السُّنَّة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل على ذلك أهل السُّنَّة حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية فأنكرت ذلك وقالت: بل ينشئهما الله يوم القيامة»[٤٤].[٤٥]

المسألة الثانية: مكان الجنة

الصحيح: أنها فوق السماء السابعة وسقفها العرش[٤٦]، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى[٤٧]، قال الحسن: «هي التي يصير إليها المتقون»[٤٨]، قال ابن عباس: هو كقوله: ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[٤٩].[٥٠]، وسدرة المنتهى في السماء السابعة[٥١]، وفي الحديث: «فإذا سَأَلْتُمُ اللَّهَ، فاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ؛ فإنَّه أوْسَطُ الجَنَّةِ وأَعْلَى الجَنَّةِ -أُراهُ- فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ»[٥٢].[٥٣]

المسألة الثالثة: أول من يستفتح الجنة

هو النبي محمد (ص)، لقوله (ص): «آتي بابَ الجَنَّةِ يَومَ القيامةِ فأستَفتِحُ، فيَقُولُ الخازِنُ: مَن أنتَ؟ فأقُولُ: مُحَمَّدٌ، فيَقُولُ: بكَ أُمِرْتُ لا أفتَحُ لِأحَدٍ قَبلَكَ»[٥٤]، وأمة محمد أول الأمم تدخل الجنة لقول النبي (ص): «نَحْنُ الآخِرُونَ الأوَّلُونَ يَومَ القِيامَةِ، ونَحْنُ أوَّلُ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ»[٥٥].[٥٦]

المسألة الرابعة

اختلف أهل العلم في الجنة التي أهبط منها آدم وزوجه؛ أهي جنة الخلد أم غيرها؟

ذكر ابن كثير و ابن القيم هذا الخلاف وأطالا فيه[٥٧]، ونسب ابن كثير في تفسيره القول بأنها جنة الخلد إلى الجمهور، فقال عقب قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ[٥٨]: «الجمهور على أن هذه الجنة جنة المأوى»[٥٩]، وادعى النووي إجماع أهل السُّنَّة على ذلك حيث قال: «الجنة مخلوقة موجودة، وهو مذهب أهل السُّنَّة، وهي التي أهبط منها آدم، وهي التي ينعم فيها المؤمنون في الآخرة، هذا إجماع أهل السُّنَّة»[٦٠]، وورد عن ابن تيمية في هذه المسألة قولان:

  1. في مجموع الفتاوى: «الجنة التي أسكنها آدم وزوجته عند سلف الأمة وأهل السُّنَّة والجماعة: هي جنة الخلد، ومن قال: إنها جنة في الأرض بأرض الهند، أو بأرض جدة، أو غير ذلك، فهو من المتفلسفة والملحدين، أو من إخوانهم المتكلمين المبتدعين، فإن هذا يقوله من يقوله من المتفلسفة والمعتزلة، والكتاب والسُّنَّة يرد هذا القول، وسلف الأمة وأئمتها متفقون على بطلان هذا القول»[٦١].
  2. في كتاب النبوات، حيث قال: «أصح القولين أن جنة آدم جنة التكليف لم تكن في السماء، فإن إبليس دخل إلى جنة التكليف جنة آدم بعد إهباطه من السماء، وقول الله له: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ[٦٢] وقوله: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَدْحُوراً[٦٣]، لكن كانت في مكان عال في الأرض من ناحية المشرق ثم لما أكل من الشجرة أهبط منها إلى الأرض»[٦٤].[٦٥]

الحكمة

الحكمة من خلق الجنة تحقيق كمال عدل الرب تعالى، بمجازاة من عمل صالحاً، وأن عمله سيكتب له، ويجزى عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ[٦٦].[٦٧]

تقرير السلفية والوهابية لعقائد مخالفيهم

يقول أبناء المذهب السلفي والوهابي:

  1. زعمت المعتزلة ومن وافقهم أن الجنة معدومة الآن، وينشئها الله تعالى يوم القيامة، قال ابن أبي العز ردّاً على تلك المزاعم: «لم يزل أهل السُّنَّة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل على ذلك أهل السُّنَّة حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية فأنكرت ذلك وقالت: بل ينشئهما الله يوم القيامة، وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة فيما يفعله الله وأنه ينبغي له أن يفعل كذا ولا ينبغي له أن يفعل كذا»[٦٨]، وقد دلَّت أدلة كثيرة على أنها موجودة معدة الآن، مثل قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ[٦٩]، وقوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ[٧٠]، وغيرها من الأدلة، والتجديد والزيادة فيها لا ينافيان وجودها الآن، فالله يزيد فيها ويزينها لعباده المتقين، وأرواح الشهداء في «أجواف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت»[٧١] قبل يوم القيامة، ويفتح من الجنة الباب إلى قبر العبد المؤمن «فيأتيه من روحها وطيبها»[٧٢].
  2. حكى العلماء أن الجهم بن صفوان وأتباعه زعموا أن الجنة فانية، وبذلك خالفوا سبيل المؤمنين جميعاً؛ حيث لم يحك هذا أحد عن السلف الصالح لا الصحابة ولا التابعين ولا غيرهم بل كلهم يقولون: إن الجنة باقية بإبقاء الله تعالى لها بقاءً أبديّاً سرمديّاً، على مرّ الدهور والعصور، مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً[٧٣] تأكيد الخلود بالأبدية يدل دلالة صريحة أن الجنة أبدية لا تفنى، ومن الأدلة كذلك قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا[٧٤]، والدائم هو المستمر على مر الدهور والعصور، وقوله تعالى في أرزاق الجنة: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ[٧٥]، وقال تعالى عن ثمار الجنة: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ[٧٦]. قال ابن تيمية في إبطال القول بفناء الجنة: «حكوه عن الجهم بن صفوان وأتباعه الجهمية، وهذا مما أنكره عليه أئمة الإسلام؛ بل مما أكفروهم به... عن خارجة بن مصعب، أنه قال: كفرت الجهمية بآيات من كتاب الله سبحانه وتعالى، في غير موضع بأربع آيات من كتاب الله: بقوله تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا[٧٧] وهم يقولون: لا يدوم. ويقول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ[٧٨]، وهم يقولون: ينفد. وبقوله تعالى: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ[٧٩]، فمن قال: إنها تنقطع، فقد كفر، وبقوله تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ[٨٠]؛ أي: غير مقطوع. فمن قال: إنه ينقطع، فقد كفر»[٨١]. وزاد في خلق أفعال العباد للبخاري: «أبلغوا أنهم كفار، وأن نساءهم طوالق»[٨٢].
  3. زعمت بعض الفلاسفة الباطنية ومن نحا نحوهم[٨٣] أن نعيم الجنة للروح دون الجسد، وبذلك خالفوا المذهب الحق القائلين: إن نعيم الجنة للروح والجسد معاً، لا الروح فقط، والأدلة على بطلان زعم الفلاسفة الباطنية كثيرة مستفيضة منها: قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ[٨٤]، وقوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ[٨٥]، وقوله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ[٨٦]؛ فالأكل والشرب والزواج واللباس والحلي والآنية إنما هي حسية، والحسية لا تكون إلا للمحسوس الذي هو الجسد[٨٧].

وقال ابن تيمية: «والأكل والشرب في الجنة ثابت بكتاب الله وسُنَّة رسوله وإجماع المسلمين، وهو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، وكذلك الطيور والقصور في الجنة بلا ريب...»[٨٨]، وقال في موضع آخر: «المسلمون أثبتوا جميع أنواع اللذات: سمعاً وبصراً وشمّاً وذوقاً ولمساً للروح والبدن جميعاً، وكان هذا هو الكمال؛ لا ما يثبته أهل الكتاب[٨٩] ومن هو شر منهم من الفلاسفة الباطنية وأعظم لذَّات الآخرة لذة النظر إلى الله سبحانه، كما في الحديث الصحيح: «فما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه»[٩٠] وهو ثمرة معرفته وعبادته في الدنيا؛ فأطيب ما في الدنيا معرفته، وأطيب ما في الآخرة النظر إليه سبحانه»[٩١].[٩٢]

المراجع والمصادر

  1.   موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة

الهوامش

  1. مقاييس اللغة (٢٠٠) [دار الفكر، ط٢، ١٤١٨هـ].
  2. الصحاح (٥/٣٠٩٤) [دار العلم للملايين، ط٣]، وتهذيب اللغة (١١/٤٩٩) [الدار المصرية للتأليف].
  3. مفردات ألفاظ القرآن (٢٠٣ ـ ٢٠٤) [دار القلم، ط٣].
  4. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج٢، ص ٨٩٧.
  5. عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة لابن عثيمين (٣٦)، وانظر: الجنة والنار من الكتاب والسُّنَّة المطهرة (٩٤) [ط٣]، والغاية: مباحث علمية ودراسات حديثية حول الجنة (١٩ ـ ٢٠) [دار القاسم، ط١، ١٤٢٦هـ].
  6. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج٢، ص ٨٩٧.
  7. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج٢، ص ٨٩٧.
  8. انظر: الغاية (١٩).
  9. انظر: مقاييس اللغة (٢٠٠).
  10. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج٢، ص ٨٩٧.
  11. انظر: التذكر (٣/١٠٢١) [دار المنهاج، ط١، ١٤٢٥هـ]، وحادي الأرواح (١٣١ ـ ١٣٩) [مؤسسة الرسالة، ط٣، ١٤٢٤هـ]، والغاية (٢١ ـ ٢٣)، والجنة والنار من الكتاب والسُّنَّة المطهرة (٩٦).
  12. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج٢، ص ٨٩٧.
  13. أخرجه البخاري (كتاب الأنبياء، رقم ٣٤٣٥)، ومسلم (كتاب الإيمان، رقم ٢٨) واللفظ له.
  14. سورة الحديد، الآية ٢١.
  15. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج٢، ص ٨٩٧.
  16. انظر الأدلة في: الجامع لأحكام القرآن (٢٠/٢٨) [مؤسسة الرسالة ط١، ١٤٢٧هـ]، والتذكرة (٢/٩٢٩) وما بعدها، وشرح العقيدة الطحاوية (٤٢٠) [وزارة الشؤون الإسلامية السعودية، ١٤١٨هـ]، والغاية (٣٢ ـ ٣٣).
  17. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج٢، ص ٨٩٧.
  18. سورة آل عمران، الآية ١٥.
  19. سورة محمد، الآية ١٥.
  20. سورة السجدة، الآية ١٧.
  21. أخرجه البخاري (كتاب بدء الخلق، رقم ٣٢٤٤)، ومسلم (كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، رقم ٢٨٢٤).
  22. درمك على وزن جعفر: قال النووي: معناه أنها في البياض درمكة وفي الطيب مسك، والدرمك هو الدقيق الحُوَّاري الخالص البياض. انظر: شرح مسلم للنووي (١٨/٢٥٨) [دار المعرفة، ط١٢، ١٤٢٧هـ]، والنهاية في غريب الحديث (١/٥٦٥) [دار المعرفة، ط٢].
  23. أخرجه مسلم (كتاب الفتن وأشراط الساعة، رقم ٢٩٢٨).
  24. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج٢، ص ٨٩٧.
  25. سورة الكهف، الآية ١١٠.
  26. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج٢، ص ٨٩٧.
  27. ذكر القرطبي في التذكرة أن الجنات أربع، وأسماءها متعددة. انظر: التذكرة (٣/١٠٢١) وقريباً منه قال ابن القيم في نونيته: (فصل في عدد الجنات وأجناسها... (٢٢٤)) [مطبعة التقدم العلمية بمصر، ١٣٤٤هـ].
  28. سورة الرحمن، الآية ٤٦.
  29. سورة الرحمن، الآية ٦٢.
  30. أخرجه البخاري (كتاب التفسير، رقم ٤٨٧٨، و٤٨٨٠)، ومسلم (كتاب الإيمان، رقم ١٨٠).
  31. فتح القدير (٨٩٣) [دار المعرفة، ط٤، ١٤٢٨هـ]، وتفسير سورة الذاريات لابن عثيمين.
  32. سورة الواقعة، الآية ١٠ ـ ٤٠.
  33. انظر: صفة الجنة لأبي نعيم (٢/٦١) [دار المأمون للتراث، ط٢، ١٤١٥هـ]، ونونية ابن القيم (٢١٩)، وحادي الأرواح (١١٣).
  34. أخرجه البخاري (كتاب التوحيد، رقم ٧٤٢٣).
  35. تهذيب اللغة (١٣/١٥١)، الصحاح (٣/٩٥٩)، النهاية (٢/٣٥٤)، لسان العرب (٧/٥٦) [دار الحديث، ١٤٢٣هـ].
  36. أخرجه مسلم (كتاب الصلاة، رقم ٣٨٤).
  37. المعجم الكبير (٦/١٦٩) [مكتبة العلوم والحكم، ط٢، ١٤٠٤هـ].
  38. أخرجه مسلم (كتاب الإيمان، رقم ٤٦٤).
  39. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج٢، ص ٨٩٧.
  40. سورة آل عمران، الآية ١٣٣.
  41. سورة الحديد، الآية ٢١.
  42. جنابذ: قباب. انظر: شرح مسلم للنووي (٢/٣٩٣) [دار المعرفة، ط١٢، ١٤٢٧هـ].
  43. أخرجه البخاري (كتاب أحاديث الأنبياء، رقم ٣٣٤٢)، ومسلم (كتاب الإيمان، رقم ١٦٣).
  44. حادي الأرواح (٣٥ ـ ٣٦)، وانظر: شرح العقيدة الطحاوية (٦١٥).
  45. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج٢، ص ٨٩٧.
  46. جلاء العينين (٤٨٠) [دار المدني].
  47. سورة النجم، الآية ١٣-١٥.
  48. تفسير القرطبي (٢٠/٢٩).
  49. سورة السجدة، الآية ١٩.
  50. أخرجه الطبري في تفسيره (٢٢/٥١٨) [مؤسسة الرسالة، ط١].
  51. أخرجه مسلم (كتاب الإيمان، رقم ١٨٩).
  52. أخرجه البخاري (كتاب أحاديث الأنبياء، رقم ٣٣٤٢)، ومسلم (كتاب الإيمان، رقم ١٦٣).
  53. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج٢، ص ٨٩٧.
  54. أخرجه مسلم (كتاب الإيمان، رقم ١٩٧).
  55. أخرجه مسلم (كتاب الجمعة، رقم ٨٥٥).
  56. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج٢، ص ٨٩٧.
  57. حادي الأرواح (٤٩ ـ ٧٠)، ومفتاح دار السعادة (١/١٤)، والبداية والنهاية (١/٦٩ ـ ٧١)، والغاية (٣٧٩ ـ ٣٩٣).
  58. سورة البقرة، الآية ٣٥.
  59. النهاية في الفتن والملاحم (٢/٣٧٩) [دار الحديث].
  60. المنهاج شرح صحيح مسلم (١٣/٣٤) [دار المعرفة، ط١٢، ١٤٢٧هـ].
  61. مجموع فتاوى ابن تيمية (٤/٣٤٧).
  62. سورة ص، الآية ٧٧-٧٨.
  63. سورة الأعراف، الآية ١٨.
  64. النبوات (١٨٢) [المطبعة السلفية، ط. عام ١٣٨٦هـ].
  65. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج٢، ص ٨٩٧.
  66. سورة القلم، الآية ٣٤-٣٥.
  67. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج٢، ص ٨٩٧.
  68. شرح العقيدة الطحاوية (٦١٥). وانظر: حادي الأرواح (٣٥ ـ ٣٦).
  69. سورة آل عمران، الآية ١٣٣.
  70. سورة الحديد، الآية ٢١.
  71. أخرجه مسلم (كتاب الإمارة، رقم ١٨٨٧).
  72. أخرجه أبو داوود في سننه (كتاب السُّنَّة، رقم ٤٧٥٣)، وأحمد في مسنده (٣٠/٤٩٩، رقم ١٨٥٣٤) [مؤسسة الرسالة، ط١]، وصححه ابن القيم في أعلام الموقعين (١/١٣٧) [دار الكتب العلمية، ط١]، والألباني في أحكام الجنائز (١٥٩) [المكتب الإسلامي، ط٤].
  73. سورة النساء، الآية ٥٧.
  74. سورة الرعد، الآية ٣٥.
  75. سورة ص، الآية ٥٤.
  76. سورة الواقعة، الآية ٣٢٣-٣٣.
  77. سورة الرعد، الآية ٣٥.
  78. سورة ص، الآية ٥٤.
  79. سورة الواقعة، الآية ٣٣.
  80. سورة هود، الآية ١٠٨.
  81. الرد على من قال بفناء الجنة والنار (٤٣ ـ ٤٤) [دار بلنسية، ط١، ١٤١٥هـ]، والغاية (٤١٥) عن ابن تيمية، وانظر: السُّنَّة لعبد الله بن أحمد (١٣٠ برقم ٧٧) [دار عالم الكتب، ط٤، ١٤١٦هـ].
  82. خلق أفعال العباد١٠) [مؤسسة الرسالة، ط٣].
  83. الغاية (٢٢٤، ٢٢٥).
  84. سورة الطور، الآية ١٩.
  85. سورة الدخان، الآية ٥٤.
  86. سورة الكهف، الآية ٣١.
  87. الغاية (٢٢٣).
  88. مجموع فتاوى ابن تيمية (٤/٣١٣) [مجمع الملك فهد، ١٤٢٥هـ].
  89. انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (٤/٣١٣ ـ ٣١٤) (١٣/٢٣٨).
  90. لفظ الحديث في صحيح مسلم: «فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عزّ وجل». انظر: صحيح مسلم (كتاب الإيمان، رقم ١٨١).
  91. مجموع فتاوى ابن تيمية (١٤/١٦٣).
  92. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج٢، ص ٨٩٧.