السنة الهجرية الثانية
لا يوجد موضوع ذو صلة - لا يوجد مدخل ذو صلة - لا يوجد سؤال ذو صلة
تمهيد
تميّزت هذه الفترة بالاستعراضات العسكرية، والمناورات الحربية، واستعراض القوة، التي أمر بها الرسول (ص) منذ الشهر الثامن من الهجرة حتى رمضان من السنة الثانية، وهي أوّل مناورات عسكرية في تاريخ المسلمين.
كما تميزت الفترة بحدثين عظيمين كان لهما الأثر الكبير في حياة المسلمين وهما: واقعة بدر الكبرى، وتغيير جهة القبلة.
وقد راج في كتابات المؤرخين وكتاب السيرة، مصطلح الغزوة، والسرية. فالغزوة هي تلك العمليات العسكرية التي كان يقودها النبي (ص) بنفسه. أمّا السرية فهي مجموعات عسكرية صغيرة يقودها أحد قوّاده، دون أن يشترك فيها الرسول (ص) .
وقد أعد أوّل لواء عسكري بقيادة حمزة بن عبد المطلب حيث سيّره النبي (ص) مع ثلاثين فرداً إلى سواحل البحر الأحمر حيث تمر في طرقاته قوافل قريش التجارية. ولم يحدث أيّ قتال بينهم.
وبعث النبي (ص) بسرية أُخرى بقيادة عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب في ستين فرداً بهدف التعرض لقافلة قريش التجارية. إلاّ أنّ قتالاً لم يجر بين الأطراف.
كما بعث سرية قادها سعد بن أبي وقاص لرصد تحركات قريش. أمّا في شهر صفر من السنة ٢ هـ فقد أناب على المدينة سعد بن عبادة وقاد بنفسه مجموعة من المهاجرين والأنصار لملاحقة ركب قريش التجاري واعتراضه، حتى بلغ «الأبواء»، ولكنّه رجع دون أن يلقى أحداً منهم.[١]
وخرج أيضاً في شهر ربيع الأول من السنة نفسها مع ٢٠٠ فرد حتى وصل إلى «بواط» قرب ينبع، ـ على بعد ٩٠ كم من المدينة ـ ولكنّه لم يظفر بقافلة قريش بقيادة أمية بن خلف.
كما أنّه خرج في شهر جمادى الأولى لاعتراض أكبر قافلة تجارية لقريش خارجة من مكة نحو الشام، بقيادة أبي سفيان إلاّ أنّه لم يلتق بهم في «ذات العشيرة».
أمّا عبد الله بن جحش فقد بعثه الرسول (ص) في شهر رجب على رأس أفراد، لملاحقة قافلة قريش التجارية، فنزل نخلة ـ بين مكة والطائف ـ وتقابل مع قافلة قرشية بقيادة ـ عمرو بن الحضرمي فباغتهم المسلمون وقاتلوهم واستولوا على أموالهم بالإضافة إلى القبض على أسيرين.
إلاّ أنّ الرسول (ص) انزعج لحدوث القتال في شهر رجب الحرام، وخاصة عندما استغلت أطراف عدّة كاليهود وقريش هذه القضية للتشهير بالرسول (ص) وإنّه استخدم الشهر الحرام فسفك فيه الدماء وأخذ الأموال.
وكذلك المسلمون فقد عابوا على عبد الله بن جحش فعلَتَه هذه. إلاّ أنّ آية قرآنية نزلت فأبعدت تلك المخاوف والحيرة التي أصبح فيها المسلمون.
وقد غنم المسلمون منها، فكانت أوّل غنيمة حصل عليها المسلمون، وأمّا الأسيران فلم يقبل النبي (ص) إطلاق سراحهما إلاّ بعد أن تطلق قريش سراح أسيرين مسلمين، فتم تبادل الاسرى بين الطرفين.[٢]
وبذا فإن الهدف من تلك العمليات العسكرية الصغرى، وإرسال القوات الصغيرة، كان هو تحصيل وجمع المعلومات عن العدو ورصد تحركاته وخططه، وليس كما ادّعى المستشرقون، إنّها لمصادرة أموال قريش والسيطرة عليها لتقوية نفسه. إذ أنّ السرايا لم يتعد عدد أفرادها عن الستين أو الثمانين رجلاً، بينما كان يحرس قوافل قريش أعداد أكبر من ذلك، كما أنّ الهدف منها لم يكن لمجرّد القتال وسفك الدماء أو الإنتقام، لأنّ الاعداد لم تكن كافية لإجراء قتال أو حرب مع العدو. ويؤكد ذلك انزعاج النبي (ص) من حدوث القتال الذي جرى بين ابن جحش وبين أفراد من قريش، لأنّه: «ما أمرهم رسول الله (ص) بالقتال في الشهر الحرام ولا غير الشهر الحرام، وإنّما أمرهم أن يتحسّسوا أخبار قريش».[٣]
كما أنّ النبي (ص) لم يستخدم في تلك الغزوات الصغرى أحداً من الأنصار، وذلك أنّهم بايعوه في «العقبة» على الدفاع عن المسلمين، فالمعاهدة بينهم كانت دفاعية، وقد تعهدوا بموجبها بالدفاع عن النبي (ص) إذا قصده عدو، وبالرغم من ذلك، فإنّه إذا خرج بنفسه قائداً للعمليات، فإنّه كان يأخذ معه جماعة من الأنصار، تقوية لروابط الإخوة والوحدة بين المهاجرين والأنصار.
ويؤكد ذلك إنّه (ص) لم يشركهم في عمليات قتالية هجومية ابتداء، إلاّ ما حدث بعد ذلك في معركة بدر.
وهكذا فإنّ النبي (ص) استهدف من تلك السرايا والعمليات العسكرية التفتيشية، وعقد الاتفاقات والمعاهدات العسكرية مع القبائل المتواجدة على خطوط التجارة المكية، هو إعلام قريش بقوّة المسلمين عسكرياً، وإنّ جميع طرق التجارة المكية أصبحت في متناول يده، بحيث غدا في إمكانه أن يشل إقتصاد مكة ويهدد خطوطهم، خاصة أنّ التجارة كانت عمود الإقتصاد المكي وأمراً حيوياً لهم، ولذا كان على قريش في هذه الحالة أن تعيد النظر في مواقفها العدائية، وحساباتها في ضوء الأحوال الجديدة، فتترك للمسلمين حرية الدعوة والعقيدة، وتفتح لهم الطريق لزيارة بيت الله الحرام، ونشر التوحيد في أنحاء الجزيرة العربية وخاصة الحجاز.[٤]
تغيير اتّجاه القبلة
أمّا الحدث الآخر الهام في هذه الفترة فكان تحويل القبلة إلى الكعبة، فقد تمّ في الشهر ١٧ من الهجرة، أي في شهر رجب، حين أصبحت قبلة للمسلمين بمعنى انّهم غدوا يتوجهون إلى المسجد الحرام أثناء الصلوات بدل بيت المقدس، فقد صلّى الرسول (ص) ١٣ عاماً في مكّة نحو بيت المقدس. ولمّا زاد إيذاء اليهود للرسول (ص) بعد تنامي قوّة المسلمين وانتشار الإسلام، وقولهم: «أنت تابع لنا تصلّي إلى قبلتنا»[٥] فاغتمَّ الرسول (ص) لذلك وشق عليه، فانتظر فرجاً ووحياً من جانب الله، حتى نزلت الآية: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾[٦] فكان تغيير القبلة واحداً من مظاهر الابتعاد عن اليهود واجتنابهم، كما أنّ اتّخاذ الكعبة قبلة، كان من شأنه كسب رضا العرب واستمالة قلوبهم، وترغيبهم في الإسلام، تمهيداً لاعتناق دين التوحيد، ونبذ الأصنام، وخاصة أنّ الكعبة كانت موضع احترام العرب وتقديسهم منذ أن رفع النبي إبراهيم (ع) قواعدها.
وقد تمّ التحويل خلال الركعة الثانية من صلاة الظهر، حين أخذ جبرائيل (ع) يد النبيص وأداره نحو المسجد الحرام، فتبعه الرجال والنساء في المسجد، فتوجه الرجال مكان النساء واتخذت النساء مكان الرجال[٧].[٨]
معركة بدر
كان من أساليب النبي (ص) في الحروب، جمع المعلومات حول استعدادات العدو، ومدى تهيّئه ومكان تواجده وتمركزه، ومعنويات أفراده، وهي مسائل تحظى بالأهمية في المجال العسكري حتى اليوم. وحيث إنّ المعلومات التي تجمعت لدى الرسول (ص) تؤكد أنّ قافلة كبرى لقريش شارك فيها كلّ أهل مكّة بأموالهم، ويحمل بضائعها ألف بعير، وتقيّم بخمسين ألف دينار، ويقودها أبو سفيان بن حرب، في أربعين رجلاً، وحيث إنّ أموال المسلمين كانت قد صودرت في مكة على أيدي قريش، فإنّ الوقت كان مناسباً للمسلمين لاستعادة أموالهم، بالاحتفاظ بأموال قريش إلى أن يعيدوا إليهم أموالهم المصادرة، وإلاّ فإنّهم يتصرفون في هذا المال كغنائم حرب يقسمونها فيما بينهم.
ولذا فإنّ النبي (ص) خرج في ٣١٣ رجلاً، كان منهم ٨٢ من المهاجرين، و١٧٠ من الخزرج، و٦١ من الأوس، في يوم الاثنين الثامن من شهر رمضان، قاصداً تحقيق ذلك الهدف، وعقد رايتين سلم إحداهما إلى مصعب بن عمير والأخرى وهي العقاب إلى الإمام علي (ع)، فوصل إلى «وادي ذفران»[٩].
ونظراً لتخوف أبي سفيان من التعرض لهجوم من جانب المسلمين، فقد أرسل أحد رجاله إلى مكّة يستغيث بهم لنصرته، ممّا دعا أهلها إلى الاستعداد والتجهّز للخروج بقيادة روَسائهم وعظمائهم. وكان ذلك مفاجأة للنبي (ص) الذي لم يعدّ رجاله للحرب والمواجهة العسكرية، بل لهجوم يحصل منه على الاموال المصادرة. فعقد مجلساً للشورى استطلع فيه آراء رجاله في الانسحاب من الموقع إلى المدينة، أو مجابهة العدو القائم عسكرياً؟ فاتّفق الجميع على المواجهة بالسير لملاقاة العدو رغم عددهم القليل، فتحركوا نحو بدر.[١٠]
وبالاَُسلوب العسكري السليم عرف النبي (ص) مكان العدو، وعددهم وزعماءهم كما عرف موعد وصولهم إلى ماء بدر. فقال لأصحابه: «هَذِهِ مَكَّةُ قَدْ أَلْقَتْ إِلَيْكُمْ أَفْلاَذَ كَبِدِهَا».[١١]
إلاّ أنّ أبا سفيان علم بملاحقة المسلمين له ومطاردتهم لقافلته، فابتعد عن بدر عند رجوعه من الشام واتّخذ جهة ساحل البحر الأحمر، وبعث أحدهم يخبر قريشاً بإمكانية الإفلات من يد محمّد (ص) وأصحابه، ولكنّ «أبا جهل» أصرّ على مواصلة التقدم نحو يثرب وعدم الرجوع إلى مكة قائلاً: والله لا نرجع حتى نرد بدراً، فنقيم عليه ثلاثاً، فننحر الجُزُر ـ الأباعر ـ ونطعم الطعام ونسقي الخمر، وتعزف لنا القيان والمغنيات، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبداً بعدها. وكان لكلماته أثرها في تشجيعهم على السير نحو المدينة، فنزلوا في بدر.
أمّا في الجانب الإسلامي فقد تقدّم الحباب بن المنذر باقتراح، على السير إلى أدنى ماء من القوم، ودفن العين والآبار، وبناء حوض يُملأ بالماء يستخدمونه للشرب، كما اقترح سعد بن معاذ بناء برج عسكري يقود منه النبي العمليات العسكرية، ويشرف على سيرها، فيكون مأمناً له من كيد الأعداء.
أمّا قريش فقد تحركت باتجاه بدر صباح يوم ١٧ من شهر رمضان، فاستطلعوا أخبار المسلمين، فعرفوا عددهم وعدتهم. إلاّ أنّه حدث انقسام في الرأي بينهم، حول الموقع، حين دعا بعض زعمائهم إلى ترك الموقع والعودة إلى مكة دون إجراء أي قتال أو إبداء أي عمل عدائي ضدّ المسلمين، كان من بينهم: عتبة بن ربيعة، الذي طلب منهم العودة إلى مكّة دون حرب، إلاّ أنّ أبا جهل تمكّن من تغيير الموقف لصالح الحرب فحمّسهم للقتال.
وكان التقليد المتبع عند العرب في الحروب، أن يُبدأ القتال بالمبارزات الفردية، ثمّ تقع بعدها الحملات الجماعية، فدعا ثلاثة من صناديد قريش،المسلمين إلى المبارزة وهم: «عتبة»، و«شيبة»، وهما ابنا ربيعة بن عبد شمس، و الوليد بن عتبة بن ربيعة، فخرج إليهم من المسلمين ثلاثة من الأنصار هم: «عوف» و«معاذ» ابنا «الحارث»، و عبد الله بن رواحة. إلاّ أنّ قريشاً رفضت منازلتهم وطلبت أفراداً من مكة، فأمر النبي (ص) عبيدة بن الحارث و«حمزة» و«علياً» بالمبارزة. فبارز «حمزة» «شيبة»، وبارز «عبيدة» «عتبة»، و«علي» بارز «الوليد»، ثمّ اتّجه «حمزة» و«علي» بعد الفراغ من قتل خصميهما إلى عتبة وقتلاه. وبعد هذه المبارزة بدأ الهجوم العام وتزاحفوا، فعدّل النبي (ص) الصفوف ورجع إلى العريش ـ برج القيادة ـ فكان ينزل بين الحين والآخر ويحرضهم على القتال والمقاومة، فقد كان لكلماته أثرها العميق في النفس، والشوق إلى الجنة بالشهادة.
أمّا خسائر الحرب، في الأرواح والأموال، فإنّ المسلمين فقدوا ١٤ رجلاً، بينما قُتل من المشركين سبعون، وأُسر منهم سبعون، كان من أبرزهم: النضر بن الحارث، عقبة بن أبي معيط، و سهيل بن عمرو، و العباس بن عبد المطلب، و أبو العاص بن الربيع ـ صهر النبي (ص) .
وقد دفن شهداء بدر في جانب من أرض المعركة، ولا تزال قبورهم موجودة، أمّا قتلى المشركين فأمر الرسول بإلقائهم في البئر، ووقف عليها فخاطب القتلى قائلاً: «بِئْسَ عَشِيرَةُ اَلرَّجُلِ كُنْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ كَذَّبْتُمُونِي وَ صَدَّقَنِي اَلنَّاسُ وَ أَخْرَجْتُمُونِي وَ آوَانِي اَلنَّاسُ وَ قَاتَلْتُمُونِي وَ نَصَرَنِي اَلنَّاسُ ثُمَّ قَالَ هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقّاً فَقَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقّاً»[١٢]
ثمّ صلّى العصر بالناس وغادر أرض المعركة ـ أرض بدر ـ قبل غروب الشمس، وقسم الغنائم بينهم أثناء الطريق على قدم المساواة ومنح ذوي الشهداء أسهماً منها، كما وزع خمسها على المشاركين في المعركة، فربما لم تكن آية الخمس قد نزلت بعد آنذاك، أو فعل ذلك لمصلحة خاصة.
كما قرر أسهماً لأشخاص لم يحضروا المعركة، لأسباب خاصة بهم منعتهم من الاشتراك فيها، أو لمهمات خاصة أُنيطوا بها في المدينة والطرقات. وبعث عبد الله ابن رواحة، و زيد بن حارثة، إلى المدينة يبشرون أهلها بالإنتصار، إلاّ أنّهما علما هناك بوفاة ابنة النبي (ص) زوجة عثمان بن عفان، فامتزجت الأفراح بالأحزان، في الوقت الذي تخوف فيه المشركون واليهود والمنافقون من الإنتصار الكبير من جانب آخر.
أمّا بالنسبة لأشتراك العباس بن عبدالمطلب في المعركة، فإنّ ذلك كان أمراً خاصاً، لأنّه كان قد أسلم وكتم إسلامه مخافة قومه وكره خلافهم مثل أخيه أبي طالب، فكان يساعد النبي(ص) ويخبره بمخططات العدو ونوايا وتحركاته واستعدادته، مثلما عمل في معركة أُحد.
وفي مكة، تحولت بيوتها إلى مأتم كبير وناحت قريش على قتلاها، إلاّ أنّ أبا سفيان منعهم من النوح والبكاء على القتلى، وحثّهم على الإستعداد للثأر والانتقام من محمد وأصحابه، فقال: الدهن والنساء عليّ حرام حتى أغزو محمّداً.
وقد ساعدت عوامل كثيرة في انتصارالمسلمين ببدر، كان أهمّها:
- عدم معرفة المسلمين بما لدى المشركين من إمكانيّات بشرية وقتالية، فواجهوا الأمر الواقع وتعاملوا من دون أن يثبطهم شيء.
- تقليل عد المسلمين في أعين المشركين، وعدد المشركين في أعين المسلمين في أوّل القتال، وتكثير عدد المسلمين في أعين الكفار أثناء الحرب.
- الأُمور الغيبية، مثل مساعدة المطر ونزوله في هذه الفترة، ومساعدة الملائكة، وتثبيت قلوب المؤمنين بواسطة هؤلاء الملائكة، وإلقاء الرعب في قلوب الكفار، حيث تشير الآيات القرآنية في سورة الانفال وآل عمران إلى كلّ ذلك.[١٣]
نتائج وآثار معركة بدر
أعلن النبي (ص) قراراً تاريخياً بعد المعركة خاصاً بأُسلوب المعاملة مع الأسرى، وذلك بأنّ من علّم منهم عشرة من الصبيان، الكتابة والقراءة، كان ذلك فداؤه ويخلى سبيله دون أن يؤخذ منه مال.[١٤] وإنّ من دفع فدية قدرها ٤٠٠٠ درهم إلى ألف، خلّى سبيله، ومن كان فقيراً لا مال له، أفرج عنه دون فداء. وإن الباب مفتوح أمامهم للدخول في الإسلام لينعموا في كنفه مع المسلمين.
ولقد أحدث هذا القرار ردّ فعل كبير لدى عائلات مكة، دفعهم إلى تقديم الفداء إلى المسلمين لإطلاق سراحهم. وكان أبو العاص بن الربيع من ضمن الأسرى، وهو زوج زينب ابنة الرسول (ص) التي تزوّجها في الجاهلية، وثبت على دينه بعد إيمان بنات النبي (ص) كلّهم، فبعثت زينب في فدائه بمال فيه قلادة كانت هدية أُمّها السيدة خديجة(ع) لها ليلة زفافها، فلمّا رأى الرسول (ص) القلادة، تذكّر زوجته الوفية وبكى بشدة، ممّا أثر في المسلمين فأطلقوا سراحه دون أخذ الفدية. وأخذ (ص) على أبي العاص الميثاق بأن يخلّي سبيل زينب ويبعثها إلى المدينة ففعل، مع إعلانه الإسلام فيما بعد.
ويعتبر تعليم الأولاد من قبل الأسارى المتعلمين، أوّل عملية تعليمية لمكافحة الامية، وهي أعظم خطوة حضارية وثقافية.
كما أنّه كان لانتصار المسلمين أثر كبير على المراكز السياسية المتناثرة في شبه الجزيرة العربية، فكما كان له أثره القوي على قريش وأهلها، فإنّه هدد مراكز أُخرى في المدينة وخارجها، كاليهود الذين أبدوا تخوفهم من تطور قوّة المسلمين، وخاصّة يهود بني قينقاع، الذين بدأوا بتدبير المؤامرات، وممارسة الأعمال العدوانية ضدّ المسلمين، وإعلان الحرب الباردة بنشر الأكاذيب وبث المعلومات المزيفة، وإطلاق الشعارات القبيحة لتحقيرهم وتخريب سمعتهم وإضعاف معنوياتهم. إلاّ أنّهم بذلك، كانوا قد أعلنوا نقضهم لمعاهدة التعايش السلمي التي عقدها معهم الرسول الكريم (ص) إبان قدومه إلى المدينة. وبالرغم من ذلك فإنّ النبي (ص) حاول النصيحة بأن يتعايشوا معهم دون إظهار أيّ عمل تخريبي أو سيّىَ، وذلك لاَنّ النبي (ص) لم يكن يريد أن يرفع السلاح ويحاربهم حتى يحافظ على الأمن والإستقرار في يثرب، إذ لم يكن من المصلحة تفجير الموقف في هذه الفترة الحرجة، إلاّ أنّهم أصروا على موقفهم العدائي، دون أن يقتنعوا بالتغيير أو التخلي عن مؤامراتهم، ممّا اضطر الرسول (ص) إلى استخدام السلاح والقوة في الفرصة المناسبة، وقد حدثت تلك المناسبة، عندما اعتدى يهوديٌ على امرأة عربية في السوق، بإظهار عورتها والضحك عليها، فقتله رجلٌ مسلمٌ، فاجتمع عليه عددٌ من اليهود فقتلوه، ممّا اعتبر الشرارة الأولى في إعلان الحرب عليهم. فسارعوا إلى حصونهم وقلاعهم خوفاً من هجوم المسلمين، فحاصرهم النبي (ص) خمسة عشرة ليلة، قذف الله في قلوبهم الرعب ففقدوا القدرة على المقاومة، ونزلوا عند حكم النبي (ص) وهو الجلاء عن المدينة، على أن يتركوا أسلحتهم وأموالهم ودروعهم، فخرجوا من المدينة إلى منطقة «أذرعات» في أطراف الشام.[١٥]
واضطرت قريش في هذه السنة إلى أن تغيّر طريقها التجاري إلى الشام، خوفاً من تعرض المسلمين لهم، فاتفقت على أن تتخذ طريق العراق، إلاّ أنّ المسلمين علموا بذلك، فأرسل الرسول (ص) زيد بن حارثة في مائة نفر، تمكّنوا من الإستيلاء على القافلة، وتقسيم الأموال على المسلمين، بعد فرار القوم.
ولأهمية معركة بدر التي هي من المعارك الكبرى للإسلام، اكتسب المشاركون فيها منزلة خاصة بين المسلمين، فقد دعوا بالبدريين.[١٦]
العمليات العسكرية الصغيرة
وقد جرت في هذه السنة أيضاً عدّة غزوات، كان أهمها:
- غزوة قرقرة الكُدر: قرقرة الكدر ناحية بين المعدن والمدينة يسكنها قبيلة بني سلم حيث بلغ النبي (ص) أنَّ القبيلة المذكورة تتهيّأ للهجوم على يثرب فخرج (ص) بنفسه لتأديبهم، إلاّ أنّهم تفرقوا.
- غزوة السويق: وذلك عندما قتل أبو سفيان رجلاً من الأنصار وأجيراً له، وحرق بيتاً وزرعاً، على أساس أنّ له نذراً للثأر من المسلمين بعد معركة بدر، بأن لا يقارب زوجته مالم يثأر لقتلى بدر.. فهاجمه المسلمون، إلاّ أنّه فرّ وترك وراءه أكياس السويق.[١٧]
- غزوة ذي أمّر: وهو واد بطريق المدينة، وقد جرت عندما أعدّت قبيلة غطفان هجوماً على المدينة، فخرج الرسول لمحاربتهم، ولكنّهم فرّوا وهربوا. وأراد أحدهم أن يتخلّص من النبي (ص) وهو مستريح تحت شجرة في وادي ذي أمّر، إلاّ أنّ النبي (ص) تمكّن من السيطرة عليه بفعل معجزة إلهية، فأسلم الرجل.[١٨]
زواج السيدة فاطمة الزهراء (ع)
تقدّم أشراف العرب للزواج من السيدة فاطمة سيّدة النساء(ع) إذ تصوّروا أنّ كونهم ذوي ثروة ومكانة اجتماعية مرموقة تؤهلهم لذلك ولا يُرد لهم طلب، ولكنّهم أخطأوا في تصوّرهم، فلم يعلموا أنّزوج فاطمة(ع) لا يكون إلا كفؤها في التقوى والفضل والإيمان والإخلاص، وليس المال والثروة والجاه. ولمّا كان الرسول(ص) يرد الخطاب بقوله: «أَمْرَهَا بِيَدِ اللَّهِ» فقد أدركوا أنّ زواجها ليس سهلاً وبسيطاً. إلاّ أنّ الإمام علي (ع) حينما تقدّم إلى النبي (ص) يخطبها وافق على طلبه وقال: «يَا عَلِيُّ، إِنَّهُ قَدْ ذَكَرَهَا قَبْلَكَ رِجَالٌ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهَا فَرَأَيْتُ اَلْكَرَاهَةَ فِي وَجْهِهَا وَ لَكِنْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكَ».
فدخل على السيدة الزهراء(ع) قائلاً: «إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ مَنْ قَدْ عَرَفْتِ قَرَابَتَهُ وَ فَضْلَهُ وَ إِسْلاَمَهُ وَ إِنِّي قَدْ سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يُزَوِّجَكِ خَيْرَ خَلْقِهِ وَ أَحَبَّهُمْ إِلَيْهِ وَ قَدْ ذَكَرَ مِنْ أَمْرِكِ شَيْئاً فَمَا تَرَيْنَ».
فسكتت السيدة فاطمة(ع) ولم ير الرسول (ص) في وجهها كراهة، فقال: «اَللَّهُ أَكْبَرُ سُكُوتُهَا إِقْرَارُهَا».[١٩]
ولما لم يكن الإمام علي (ع) يملك مالاً، أمره النبي(ص) ببيع درعه لصرفه على نفقات الزواج، وكان مهرها ٥٠٠ درهم، وسكن أوّل الأمر في منزل أحد الصحابة بصورة مؤقتة، وعمل فرحاً وزفافاً جميلاً، وأطعم فيه كلّ المسلمين.
ونقل ابن بابويه، أنّ النبي (ص) أمر بنات عبد المطلب ونساء المهاجرين والأنصار أن يمضين في صحبة فاطمة (ع) وأن يفرحن ويرجزن ويكبّرن ويحمدن ولا يقولن ما لا يرضي الله. ثمّ دعا لهما النبي (ص): «اَللَّهُمَّ اِجْمَعْ شَمْلَهُمَا وَ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمَا وَ اِجْعَلْهُمَا وَ ذُرِّيَّتَهُمَا ﴿مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾[٢٠]، وَ اُرْزُقْهُمَا ذُرِّيَّةً طَاهِرَةً طَيِّبَةً مُبَارَكَةً، وَ اِجْعَلْ فِي ذُرِّيَّتِهِمَا اَلْبَرَكَةَ وَ اِجْعَلْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِكَ إِلَى طَاعَتِكَ، وَ يَأْمُرُونَ بِمَا يُرْضِيكَ. اَللَّهُمَّ إِنَّهُمَا أَحَبُّ خَلْقِكَ إِلَيَّ، فَأَحِبَّهُمَا وَ بَارِكْ فِي ذُرِّيَّتِهِمَا، وَ اِجْعَلْ عَلَيْهِمَا مِنْكَ حَافِظاً، وَ إِنِّي أُعِيذُهُمَا بِكَ وَ ذُرِّيَّتَهُمَا مِنَ اَلشَّيْطَانِ اَلرَّجِيمِ».[٢١]
فكانت أفضل زيجة في الإسلام وأكثرها خير وبركة، إذ أنجبا أفضل الأولاد والبنات وأطهرهم: الحسن والحسين السبطان، وزينب (ع) التي اشتهرت في نصرة أخيها بكربلاء.
أمّا ما دسّه أصحاب الأقلام المأجورة وذوو النفوس الضعيفة والقلوب الحاقدة من أباطيل وترّهات حول وجود خلاف وتنازع بين الزوجين الطاهرين، فتكذّبه الأحاديث الكثيرة عن رسول الله (ص) حول مكانتهما وعُلوّ شأنهما، نقتطف منها ما يلي:
- «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ مَنِ النِّسَاءِ فَاطِمَةَ وَ مِنَ الرِّجَالِ عَلَيَّ».
- «خَيْرُ رِجَالِكُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ خَيْرُ نِسَائِكُمْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ».[٢٢].[٢٣]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ تاريخ الخميس: ١/ ٣٦٣.
- ↑ المغازي: ١/ ١٣؛ السيرة النبوية: ١/ ٦٠٣.
- ↑ المغازي: ١/ ١٦.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ١١٦-١١٩.
- ↑ أو قولهم: مادرى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم. مجمع البيان: ١/ ٢٥٥.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٤٤.
- ↑ بحار الانوار: ١٩/ ٢٠١.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ١١٩-١٢٠.
- ↑ كانت تمر به قافلة قريش التجارية، ويقع على مرحلتين من بدر.
- ↑ المغازي للواقدي: ١/ ٤٨؛ السيرة النبوية: ١/ ٦١٥.
- ↑ السيرة النبوية: ١/ ٦١٧.
- ↑ السيرة النبوية: ١/ ٦٣٩؛ السيرة الحلبية: ٢/ ١٨٠. إنّ مسألة محادثة الرسول (ص) مع روَوس الشرك في البئر من مسلّمات التاريخ والحديث، وقد أشار إليه كثير من المورخين والمحدّثين، أبرزهم: صحيح البخاري ج ٥ في معركة بدر؛ صحيح مسلم: ٨، كتاب الجنة؛ سنن النسائي: ٤، باب أرواح المومنين؛ مسند الإمام أحمد: ٢/ ١٣١؛ المغازي: ١/ ١١٢؛ بحار الانوار: ١٩/ ٣٤٦.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ١٢٠-١٢٥.
- ↑ السيرة الحلبية: ٢/ ١٩٣.
- ↑ المغازي: ١/ ١٧٧؛ طبقات ابن سعد: ٢/ ٢٨.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ١٢٥-١٢٧.
- ↑ المغازي: ١/ ١٨٢؛ طبقات ابن سعد: ٢/ ٣٠.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ١٢٧-١٢٨.
- ↑ بحار الانوار: ٤٣/ ٩٣.
- ↑ سورة الشعراء، الآية ٨٥.
- ↑ بحار الانوار: ٤٣|٩٦ـ ١١٤.
- ↑ للمزيد من الاطلاع، راجع سيدالمرسلين: ٢/ ١١٠ ـ ١٢٠.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ١٢٨-١٢٩.