العدل في نهج البلاغة

من إمامةبيديا

تمهيد

قال أمير المؤمنين وسيِّد الموحدين صلوات الله وسلامه عليه: « التَّوْحِيدُ أَلاَّ تَتَوَهَّمَهُ، وَالْعَدْلُ أَلاَّ تَتَّهِمَهُ».[١]

التعريف اللغوي

العدلُ لغةً: القسط والإنصاف، وأصله المرتبة الوسط وكذلك التسوية والمماثلة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ[٢]، أي يجعلون له مثيلاً، والعدل مصدر فإطلاقه على الله أي أنه ذو عدل أي عادل.[٣]

التعريف الاصطلاحي

العدل اصطلاحًا: يُعرَّفُ في علم الكلام بأنه تنزيه الباري جلَّ وعلا عن فعل القبيح وعن الإخلال بالواجب.

وهذه التسمية بالنظر إلى أن جميع ما يصدر عنه تعالى متصف بالعدل بما يليق به تعالى لذلك جاء العدل وصفًا واسماً من أسمائه تعالى.[٤]

مجالات العدل

فهي لا تنحصر في دائرة من الدوائر كالعدل في التشريع مثلاً، بل تشمل جميع الدوائر وكل ما ندرك وما لا ندرك في عالم التكوين وعالم التشريع، ونقصد بعالم التكوين أن الله فيما خلق وفيما يُميت ويُحيي وما يتعلق بالسماوات العُلى والأرضین السُفلى وما يتعلق بالجنة والنار والمعاد وكل شيء في الوجود فإنه على بُنْيَةِ العدل واستقامته التي لا يشذّ عنها شيء، فتركيبة الإنسان بما فيها من غرائز وطاقات وقوى ولحم وعظم مبتنية على العدل، وكذلك هو الأمر في عالم الملائكة والجن والمخلوقات كلها.

ونقصد بعالم التشريع الأحكام الشرعية إذْ نؤمن أنها منبعثة من عدل، وهذا يريحنا كثیرًا عن معرفة أسرار التشريع وما يظهر أنه تمييز مثلاً بن الرجل والمرأة في المیراث فقد يُظن أنه حَيْفٌ وظلم ولكن لكوننا نؤمن بأنه تعالى عادل فإننا نؤمن بعدالة التشريعات الصادرة عنه سواءً فهمنا أسرارها أم لم نفهمها، ومن ذلك أيضًا شرف السيادة والانتماء لرسول الله (صلّی اللهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وأن السادة لهم حق في الخمس وليس في الزكاة، وكذلك الأمر في القصاص والشهادة وأحكام المرأة، فإننا على يقین بعدالة هذه التشريعات فهمنا أسرارها أم لم نفهمها.[٥]

لماذا خص العدل ليكون الأصل الثاني من أصول الدين؟

العدل بالنظر التحقيقي صفة من صفات الأفعال كسائر الصفات، وأصول الدين أساسًا ثلاثة: التوحيد والنبوة والمعاد، فيدخل العدل وجميع الصفات تحت التوحيد لأن التوحيد جامع لكل ما يتعلق بالله ومن ذلك توحيده في صفاته.

وتدخل الإمامة تحت النبوة لأنها امتداد لها وتشرك معها في شروطهاوأمورها إلا ما اختصّ بالنبوة كالوحي مثلاً، فلماذا إذن نرى تقسيمًا آخر يجعل أصول الدين خمسة فيضيف لها العدل الإمامة؟

والجواب: أن ذلك بسبب اختلاف المسلمين في العدل والإمامة إلى فرقتین، فبالنسبة للعدل قالت إحدى الفرقتین وهم الأشاعرة الذين هم غالبية السنة: أن الحَسَنَ ما حسَّنَه الشرعُ، والقبيحَ ما قبَّحَه الشرعُ، فجميع الأمور يجوز صدورها عن الله تعالى وتكون عدلًا حتى لو لم تتفق مع العقول السليمة والفطرة المستقيمة،

ويمثلون لذلك بأنه لو أدخل اللهُ سيِّدَ رسلِه النارَ لكان ذلك عدلًا، ولو أدخل أشدَّ أعدائِه المتكبرين جنتَه لكان ذلك عدلًا، بينما قالت الإمامية والمعتزلة إن هناك حُسنًا عقليًّا وقُبحًا عقليًّا، والله لا يصدر منه إلَّ الجميل الذي يوافق العقل السليم والفطرة المستقيمة والوجدان، ولذلك توصف الإمامية والمعتزلة بالعدلية.[٦]

العدل فی فكر وتربية أمير المؤمنين (ع)

١. قال (ع): «والعدلُ ألاَّ تتهمه»: فالمؤمن الذي هو على بصیرة من أمر ربه يثق بعدالته في كل الأمور فيما يعلم وفيما لا يعلم، وفيما يرضى وفيما لا يرضى وتلك منزلة كبیرة تلتقي مع منزلة التسليم لله تعالى وتقدس، فقد يفقد الإنسان ما يظن أنه سرُّ سعادته كأن يفقد ولده الوحيد فيترّم ويقول: أي حكمة وأي عدل في أن يحرم اللهُ عبدًا مسكينًا من ولده الوحيد ومصدر خیره ونفعه الظاهري، وقد يحرم الإنسان من وجاهةٍ كانت له فيسقط في نظر المجتمع، وقد يحرم نعمة من النعم، ولكنه إذا عرف أن الله عدل سلَّم له وانقاد ورضي بقضائه، ولو كان الله ظالمًا -ونستغفر الله لهذه الكلمة- للزم أن يكون هناك دوافع تدعوه للظلم تعالى الله وتنزّه، فإما أن يكون محتاجًا للظلم، ولكن الله هو الغنيُّ المطلق، وإما أن يكون عمله هذا عبثًا، ولكنه الحكيم الذي لا يعبث، وإما أن يكون ظلمه جهلاً، ولكنه العالم بكل شيء، وحيث امتنعت جميع الدوافع للظلم لأنها لا تليق بجلاله إذن ثبت استحالة الظلم منه سبحانه وتعالى[٧].
إذن فالله سبحانه عدلٌ في تكوينه، وعدلٌ في تشريعه، وعدلٌ في كل أمره، فيجب التسليم له سواءً عرفنا أسرار ذلك أم لم نعرفه، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[٨].
٢. وعن عدل الله تعالى في الآخرة، قال (ع)[٩]: «إذا رَجَفَتِ الرَّاجِفَةُ، وحَقَّتْ بِجَلائِلِها القِيَامَةُ، ولِحقَ بكُلِّ مَنْسَكٍ أَهْلُهُ، وبكُلِّ معبودٍ عَبَدَتُه، وبكلِّ مطاعٍ أَهْلُ طَاعَتِهِ، فلمْ يُجزَ في عَدْلِهِ وقِسْطِهِ يومئذٍ خَرْقُ بَصرَ في الهَوَاءِ ولا هَمسُ قَدَمٍ في الأَرْضِ إِلّاَ بِحَقِّه»:
يقول (ع) إن هذه الدنيا مليئة بالفوضى والآثام والمظالم، أما إذا قامت القيامة بما فيها من أهوال ولحِق كل أناسٍ بإمامهم سواءً كان إمامَ باطلٍ أو حقٍّ، فعندها لا يكون ظلم حتى بمقدار لا يكاد يُحسُّ كخرق البصر في الهواء أو همس القدم في الأرض.
«فكَمْ حُجَّةٍ يَوْمَ ذَاكَ دَاحِضَةٌ، وعَلائِقِ عُذْرٍ مُنْقَطِعَةٌ»:
كم: خبرية لبيان الكثرة، أي أنه يمكن التضليل والتزوير في الدنيا والاحتجاج بحججٍ واهية وأعذارٍ ضعيفة، أما في الآخرة فتتكشف الحقائق ولا تنفع هذه الحجج والأعذار، فهو يوم العدل الذي يُنتصر فيه للمغلوب وللمظلوم في الدنيا، و«يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم»[١٠].
وعن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع) في رسالة بعث بها إلى هارون العباسي من مطامیر السجن: «إِنَّهُ لَنْ يَنْقَضيِ عَنِّي يَوْمٌ مِنَ البَلاءِ إِلَّا انْقَضىَ عَنْكَ مَعَهُ يَوْمٌ مِنَ الرَّخَاءِ حَتَّى نُفْضيِ جَميعًا إِلى يَوْمٍ لَيْسَ لَهُ انْقِضَاءٌ يَحسرَ فيهِ المُبْطِلُون»[١١].
نعم تمر الحياة وتنتهي، على الظالم والمظلوم، على السجين والسجَّان، على من في القصر وعلى من في الكوخ، ثم يكون الملتقى عند الله تعالى...[١٢]

العدل في فعل وكلام أمير المؤمنين (ع)

يقول أصحاب أمير المؤمنين هكذا أدَّبَنا أمير المؤمنين (ع)، فقد جاء عنه (ع): «اللهُمَّ احْملْني على عَفْوِكَ ولا تَحْمِلْني على عَدلِك».
فإذا كان إمامنا (ع) الذي كان من عدله ما جاء عنه: «واللهِ لَوْ أُعْطِيْتُ الأَقَالِيْمَ السَّبْعَةَ بِماَ تَحتَ أَفْلاكِها عَلىَ أَنْ أَعْصيِ اللهَ في نَمْلَةٍ أَسْلُبُها جُلْبَ شَعِيْرةٍ ما فَعَلْتُه»[١٣]، ومع ذلك يبتهل بلسان العبودية الصادقة يسأل الله أن يعامله بعفوه لا بعدله لأن الحَمْلَ على العدل ثقيل، وهذا درس وعِظَةٌ لنا للكف عن كل ذنب خوفًا من عدل الله وحكومته.
نسأل اللهَ أن يعيننا على أنفسنا ويعاملنا بعفوه بحق من نتشرف بالانتماء إليه صلوات الله وسلامه عليه.[١٤]

العدل وسعة آفاقه

ورأيت أن في العدل مواطن إفاضة ووفرةً في كلم الإمام الهادي والمربي الربّاني كما هو شأنه في كافّة ما يعالج، فسلكت نهجه ووطئت عقبه، واقتفيت أثره، فكانت هذه المراحل والمنازل.[١٥]

أولاً: عدل الله سبحانه وتعالى

  1. «فَالَحقُّ أَوْسَعُ الأَشْيَاءِ فِی التَّوَاصُفِ وَأَضْيَقُهَا فِی التَّنَاصُفِ، لَا يَجرِي لِأحَدٍ إِلَّا جَرَى عَلَيْهِ، وَلَا يَجرِي عَلَيْهِ إِلَّا جَرَى لَهُ، وَلَوْ كَانَ لِأَحَدٍ أَنْ يَجرِيَ لَهُ وَلَا يَجرِيَ عَلَيْهِ لَكَانَ ذَلِكَ خَالِصًا للهِ سُبْحَانَهُ دُونَ خَلْقِهِ، لِقُدْرَتِهِ عَلىَ عِبَادِهِ، وَلِعَدْلِهِ فِی كُلِّ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ صُروفُ قَضَائِهِ، وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ حَقَّهُ عَلَ العِبَادِ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَجَعَلَ جَزَاءَهُمْ عَلَيْهِ مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ تَفَضُّلاً مِنْهُ وَتَوَسُّعاً بِماَ هُوَ مِنَ المَزِيدِ أَهْلُهُ».[١٦].
  2. «الذي صَدَقَ في مِيعادِهِ، وارتفعَ عن ظُلْمِ عِبادِه، وقام بالقِسْطِ في خَلْقِهِ، وعدلَ عليهم في حُكْمِهِ.»[١٧].
  3. «الذي عَظُمَ حِلْمُهُ فعَفَا وعدلَ في كلِّ ما قضى.»[١٨].
  4. «وأشهدُ أنه عدلٌ عَدَلَ، وحَكَمٌ فَصَل.»[١٩].
  5. «وقدَّرَ الأرزاقَ فكثَّرَها وقلَّلَها، وقسَّمها على الضيقِ والسعَةِ فعَدَلَ فيها لِيَبْتَليَ مَنْ أرادَ بميسورِها ومعسورِها، ولِيَخْتَبرِ بذلكَ الشكرَ والصبرَ من غنيِّها وفقيرِها.»[٢٠].[٢١]

ثانيًا: القرآن الكريم منهل العدل ومشرعته

«فهو معدنُ الإيمانِ وبحبوحَتُهُ، وينابيعُ العِلْمِ وبُحُورُهُ، ورِياضُ العدلِ وغدرانَهُ.»[٢٢].[٢٣]

ثالثًا: الرسول الأعظم (ص) والعدل

  1. «وأَجْزِهِ مِن ابْتِعاثكَ لهُ مقبولَ الشهادةِ ومَرْضِّی المكانَةِ، ذا منطقِ عدلٍ وخطبةِ فصلٍ.»[٢٤].
  2. «فهو إمامُ مَن اتَّقى... وسنَّتُهُ الرُّشْدُ وكلامُهُ الفَصْلُ وحُكْمُهُ العَدْل.»[٢٥].[٢٦]

رابعًا: الوالي والعدل

  1. ففي حديثه مع عاصم بن زياد وقد شكاه أخوه العلاء للبسه العباءة وتخليه عن الدنيا، فدعا به إليه فعاتبه ونصح له وأرشده، فقال عاصم: «يا أمیر المؤمنین، هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك!»، فقال(ع): «وَيْحكَ إِنِّی لَسْتُ كَأَنْتَ، إِنَّ اللهَ تَعَالى فَرَضَ عَلىَ أَئِمَّةِ الْعَدْلِ أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النَّاسِ كَيْلاَ يَتَبَيَّغَ[٢٧] بِالْفَقِیرِ فَقْرُهُ.»[٢٨].
  2. ومما قاله لعثمان لما أجمع الناس إليه وشكوا ما نقموه عليه وسألوه مخاطبته واستعتابه: «فاعلمْ أنَّ أفضلَ عبادِ اللهِ عندَ اللهِ إمامٌ عادلٌ هُدِيَ وهَدَى، فأقامَ سنةً معلومةً، وأمات بدعةً مجهولة... وإِنَّ شرَّ الناسِ عندَ اللهِ إمامٌ جائرٌ ضَلَّ وضُلَّ به، فأمات سنةً مأخوذةً، وأحيا بدعة متروكة.»[٢٩]
  3. وما جاء في عهده الشريف لوليه وواليه (مالك): «ثم اعلمْ يا مالكُ أني قد وجَّهْتُكَ إلى بلادٍ قد جَرَتْ عليها دُوَلٌ قبلَك، مِنْ عدلٍ وجورٍ، وإِنَّ الناسَ ينظُرُونَ مِنْ أمورِكَ في مِثْلِ ما كنتَ تنظُرُ فيه مِنْ أمورِالوُلاةِ قَبْلَكَ، ويقولونَ فيكَ ما كنتَ تقولُ فيهِمْ.»، «وَلْيَكُنْ أَحَبَّ الْأمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِی الَحقِّ وَأَعَمُّهَا فِی الْعَدْلِ.»، «وَإِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَیيْ الْوُلاةِ اسْتِقَامَةُ الْعَدْلِ فِی الْبِلادِ وَظُهُورُ مَوَدَّةِ الرَّعِيَّةِ.»
  4. والعدل قائم بين الوالي والرعية: «وَأَعْظَمُ مَا افْترَضَ سُبْحَانَهُ مِنْ تِلْكَ الُحقُوقِ حَقُّ الْوَالِی عَلىَ الرَّعِيَّةِ وَحَقُّ الرَّعِيَّةِ عَلىَ الْوَالِی، فَرِيضَةٌ فَرَضَهَا اللهُ سُبْحَانَهُ لِكُلٍّ عَلىَ كُلٍّ، فَجَعَلَهَا نِظَامًا لأُلْفَتِهِمْ، وَعِزًّا لِدِينِهِمْ، فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلا بِصَلاَحِ الْوُلَةِ وَلَا تَصْلُحُ الْوُلاةُ إِلَّا بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِيَّةِ، فَإِذَا أَدَّتْ الرَّعِيَّةُ إِلَی الْوَالِی حَقَّهُ وَأَدَّى الْوَالِی إِلَيْهَا حَقَّهَا عَزَّ الَحقُّ بَيْنَهُمْ، وَقَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّينِ، وَاعْتَدَلَتْ مَعَالِم الْعَدْلِ.»[٣٠].[٣١]

خامسًا: ومن مقومات العدل وشؤونه

  1. وسئل (ع): أيهما أفضل العدل أو الجود؟ فقال «(ع): الْعَدْلُ يَضَعُ الْأمُورَ مَوَاضِعَهَا وَالُجودُ يُخرِجُهَا مِنْ جِهَتِهَا، وَالْعَدْلُ سَائِسٌ عَامٌّ وَالُجودُ عَارِضٌ خَاصٌّ، فَالْعَدْلُ أَشْرفُهُاَ وَأَفْضَلُهُماَ.»[٣٢].
  2. ومن صفات المتقین: «قَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْعَدْلَ فَكَانَ أَوَّلَ عَدْلِهِ نَفْيُ الْهوَى عَنْ نَفْسِهِ، يَصِفُ الَحقَّ وَيَعْمَلُ بِهِ، لَا يَدَعُ لِلْخَیرْ غَايَةً إِلَّا أَمَّهَا وَلَ مَظِنَّةً إِلَّا قَصَدَهَا»[٣٣]
  3. وقال (ع) في شأن طلحة والزبير: «وَإِنَّ أَوَّلَ عَدْلِهمْ لَلْحُكْمُ عَلَ أَنْفُسِهِمْ.»[٣٤]. ومن كتاب له (ع) إلى الأسود بن قطبة صاحب جند حلوان: «أَمَّا بَعْدُ، فإِنَّ الْوَالِی إِذَا اخْتَلَفَ هَوَاهُ مَنَعَهُ ذلِكَ كَثِیرًا مِنَ الْعَدْلِ، فَلْيَكُنْ أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَكَ فِی الَحقِّ سَوَاءً، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِی الَجوْرِ عِوَضٌ مِنَ الْعَدْلِ، فَاجْتَنِبْ مَا تُنْكِرُ أَمْثَالَهُ، وَابْتَذِلْ نَفْسَكَ فِيَما افْترَضَ اللهُ عَلَيْكَ، رَاجِيًا ثوَابَهُ، وَمُتَخَوِّفًا عِقَابَهُ.»[٣٥]. وفيما كتبه (ع) لمحمد بن أبي بكر حين قلّده مصر: «وَآسِ بَيْنَهُمْ فِ اللَّحْظَةِ وَالنَّظْرَةِ، حَتَّى لاَ يَطْمَعَ الْعُظَماَءُ فِی حَيْفِكَ لَهمْ، وَلاَ يَيْأَسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَی يُسَائِلُكُمْ مَعْشرَ عِبَادِهِ عَنِ الصَّغِیرَةِ مِنْ أَعْمَلِكُمْ وَالْكَبِیرَةِ، وَالظَّاهِرَةِ وَالمَسْتُورَةِ، فَإِنْ يُعَذِّبْ فَأَنْتُمْ أَظْلَمُ، وَإِنْ يَعْفُ فَهُوَ أَكْرَمُ.»[٣٦]. وقال عليه (ع) في خطبة خطبها بصفين: «وَلاَ تَظُنّوا بِی اسْتِثْقَالًا فِی حَقٍّ قِيلَ لِی، وَلاَ التِماَسَ إِعْظَامٍ لِنَفْسيِ، فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الَحقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوْ الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ كَانَ الْعَمَلُ بِهماَ أَثْقَلَ عَلَيْهِ، فَلا تَكُفُّوا عَنْ مَقَال بِحَقّ، أَوْ مَشُورَة بِعَدْل.»[٣٧].
  4. وقال (ع) فيما ردّه على المسلمين من قطائع عثمان: «وَاللهِ لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ النِّسَاءُ، وَمُلِكَ بِهِ الإمَاءُ، لَرَدَدْتُهُ؛ فَإِنَّ في العَدْلِ سَعَةً، وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ العَدْلُ، فَالجَوْرُ عَلَيْهِ أَضيَقُ.»[٣٨].
  5. «وأَفْضَلُ مِنْ ذلكَ كُلِّهِ (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ إِمَامٍ جَائِرٍ.»[٣٩].[٤٠]

سادسًا: عشاق الدنيا لا يروق لهم العدل

فمن كتاب له (ع) إلى سهل بن حنيف عامله على المدينة في لحوق قوم من أهلها إلى معاوية:

«وَإِنَّماَ هُمْ أَهْلُ دُنْيَا مُقْبِلُونَ عَلَيْهَا، وَمُهْطِعُونَ إِلَيْهَا، قَدْ عَرَفُوا الْعَدْلَ وَرَأَوْهُ، وَسَمِعُوهُ ووَعَوْهُ، وَعَلِمُوا أَنَّ النَّاسَ عِنْدَنَا فِ الَحقِّ أُسْوَةٌ، فَهَرَبُوا إِلَی الاْثَرَةِ، فَبُعْدًا لَهمْ وَسُحْقًا!! إِنَّهمْ -وَاللهِ- لَم يَنْفِرُوا مِنْ جَوْر، وَلَم يَلْحَقُوا بِعَدْل، وَإِنَّا لَنَطْمَعُ فِی هذَا الاْمْرِ أَنْ يُذَلِّلَ اللهُ لَنَا صَعْبَهُ،يُسَهِّلَ لَنَا حَزْنَهُ، إِنْ شَاءَ اللهُ، وَالسَّاَمُ علَيْكَ»[٤١].[٤٢]

سابعًا: انقطاع الأمل وبقاء الحسرة

  1. «أَيَّتُهَا النُّفُوسُ الُمخْتَلِفَةُ، وَالْقُلُوبُ المُتَشَتِّتَةُ، الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهمْ، وَالْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهمْ، أَظْأَرُكُمْ[٤٣] عَلىَ الْحقِّ وَأَنْتُمْ تَنْفِرُونَ عَنْهُ نُفُورَ الِمعْزَى مِنْ وَعْوَعَةِ الاْسَدِ! هَيْهَاتَ أَنْ أَطْلَعَ بِكُمْ سَرارَ[٤٤] الْعَدْلِ، أَوْ أُقِيمَ اعْوِجَاجِ الْحقِّ.»[٤٥].
  2. «أَلَم أَعْمَلْ فِيكُمْ بِالثَّقَلِ الاْكْبرَ وَأَتْرُكْ فِيكُمُ الثَّقَلَ الأَصْغَرَ! وَرَكَزْتُ فِيكُم ْرَايَةَ الإِيماَنِ، وَوَقَفْتُكُمْ عَلىَ حُدُودِ الَحلالِ وَالَحرَامِ، وَأَلْبَسْتُكُمُ الْعَافِيَةَ مِنْ عَدْلِی، وفَرَشَتكُمُ[٤٦] المَعْرُوفَ مِنْ قَوْلي وَفِعْلي، وَأَرَيْتُكُمْ كَرَائِمَ الَأخْلاَقِ مِنْ نَفْسيِ؟.»[٤٧].[٤٨]

ثامنًا: ويتجلّى الحق في يوم الجزاء

«يَوْمُ العَدْلِ عَلَ الظَّالِم أَشَدُّ مِنْ يَوْمِ الجَوْرِ عَلَی المَظْلُومِ.»[٤٩]

وبعد..

فهذه لئالئ من جوامع الكلم والعقد المنتظم، صاغها ربُّ البيان ومن أوتي فصلَ الخطاب، أفرغها بيانُه، ورسمها بنانُه، جمعت فأوعت، مصدرَ العدلِ ومعدنَه وموطنَه ومجراه، بدءًا من منبعه (العدل الحكيم)، وسرًا لتغلغله في قوام حياة البشر حكّامًا ورعية، ونفوذه في شؤونهم، وختماً لعاقبة الأمور حيث محكمة (العدل) الكبرى يوم العرض الأكبر في ساحة الحق ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ[٥٠]

فسبحانه من عليم حكيم وحكم وعدل:

  • ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ[٥١].
  • ﴿وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ البَصِرُ[٥٢].
  • ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ[٥٣].

وما أجلّ الواهب! وأكرم الموهوب! فقد أفاض عليه مولاه وحباه خیرما حباه، فجعله خزانة علمه ولسان حكمه ومظهرًا لكماله وجلاله وجماله، ومن ثَمّ أقامه علماً بعد خاتم رسله وصفوة أنبيائه، وبابًا لمدينة علمه، لينهج بالأمة مسالك الهدى ويسدّ عنها منافذ الردى، ويأخذ بها إلى الله حيثما وكيفما يريد في حياتها الدنيا والأخرى.

فصلى الله على محمد نبيّه وعليٍّ وليّه والأئمةِ الهداة من آلهما وسلّم تسليمًا.[٥٤]

المراجع والمصادر

  1. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة

الهوامش

  1. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١١١.
  2. سورة الأنعام، الآية ١.
  3. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١١١.
  4. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١١١.
  5. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١١١-١١٢.
  6. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١١٢-١١٣.
  7. يراجع في ذلك (عقائد الإمامية) للشيخ محمد رضا المظفر، في مبحث العدل.
  8. سورة النساء، الآية ٦٥.
  9. خ ٢٢٣، ص ٣٤٥.
  10. نهج البلاغة، الكلمة رقم ٢٤١، ص ٥١١ .
  11. سير أعلام النبلاء ٦/ ٢٧٣ .
  12. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١١٣-١١٥.
  13. نهج البلاغة، خ ٢٢٤، ص ٣٤٧ .
  14. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١١٥-١١٦.
  15. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١١٧.
  16. نهج البلاغة خ ٢١٦ / ٣٣٢ - ٣٣٣ .
  17. نهج البلاغة خ ١٨٥ / ٢٦٩ .
  18. نهج البلاغة خ ١٩١ / ٢٨٣ .
  19. نهج البلاغة خ ٢١٤ / ٣٢٠ .
  20. نهج البلاغة خ ١٩٨ / ٣١٥ .
  21. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١١٧-١١٨.
  22. نهج البلاغة خ ٢١٤ / ٣٢٠ .
  23. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١١٨.
  24. نهج البلاغة خ ٧٢ / ١٠١ .
  25. نهج البلاغة خ ٩٤ / ١٣٩ .
  26. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١١٨.
  27. يتبيَّغ: يهيج به الألم فيهلكه.
  28. نهج البلاغة خ ٢١٩ / ٢٢٤ - ٢٢٥ . وطريف تفاوت أمر الأخوين وعيشهما، وكذا اختلاف مقولة الإمام (ع) لهما. فقد قال للعلاء وكان قد دخل عليه يعوده، فلا رأى سعة داره قال: «ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا وأنت إليها في الآخرة كنت أحوج؟ وبلى إن شئت بلغت بها الآخرة تقري فيها الضيف وتصل فيها الرحم وتطلع منها الحقوق مطالعها فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة».
  29. نهج البلاغة خ ١٦٤ / ٢٣٤ - ٢٣٥ .
  30. نهج البلاغة خ ٢١٦ / ٣٣٣ .
  31. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١١٨-١٢٠.
  32. نهج البلاغة حكمة ٤٣٧ / ٥٥٣ .
  33. نهج البلاغة خ ٨٧ / ١١٩ .
  34. نهج البلاغة خ ١٣٧ / ١٩٤ .
  35. نهج البلاغة كتاب ٥١ / ٤٤٩ .
  36. نهج البلاغة كتاب ٢٧ / ٣٨٣ . ونحوه في كتاب له (ع) إلى بعض عمّله. كتاب ٤٦ / ٤٢١ .
  37. نهج البلاغة خ ٢١٦ / ٢٣٥ .
  38. نهج البلاغة خ ١٥ / ٥٧ .
  39. نهج البلاغة حكمة ٣٧٤ / ٥٤٢ .
  40. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٢٠-١٢٢.
  41. نهج البلاغة الكتاب ٧٠ / ٤٦١ .
  42. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٢٢.
  43. أظأركم: أعطفكم.
  44. السرار: آخر ليلة من الشهر والمقصود الظلمة.
  45. نهج البلاغة خ ١٣١ / ١٨٨ - ١٨٩ .
  46. فرشتكم: بسطتُ لكم.
  47. نهج البلاغة خ ٨٧ / ١٢٠ .
  48. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٢٣.
  49. نهج البلاغة حكمة ٣٤١ / ٥٣٤ .
  50. سورة الشعراء، الآية ٨٨-٨٩.
  51. سورة النمل، الآية ٧٨.
  52. سورة غافر، الآية ٢٠.
  53. سورة الأنعام، الآية ٥٧.
  54. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٢٣-١٢٤.