خلق الإنسان في نهج البلاغة

من إمامةبيديا

تمهيد

أصل الإنسان

تتحدث بعض النظريات أن الإنسان منحدر من أصل بعض الحيوانات الأخرى، ويتحدث بعضها أن الإنسان جاء من امتزاج الطبيعة من السماء والأرض، بل إن بعضهم يرى أن الإنسان منحدر من مجموعة القاذورات والنفايات في العالم الأول[١].[٢]

رأي الإسلام

تلاحظ في الرأي الإسلامي حول هذا الموضوع ملاحظتان:

  1. أن آدم (ع) هذا الذي نتحدَّث عنه ليس هو أول إنسان بل إن الروايات تتحدث عن أن قبله آلاف الأوادم، وأن عالمنا هذا قبله آلاف العوالم، ولعلَّ هذا الرأي ينسجم مع الإحصائيات حول عمر الكون وأنه بمليارات السنين، وأن الإنسان وجد قبل فترة قصیرة مقارنة بعمر الكون، فينسجم هذا مع معنى الروايات أن قبل آدم الآلاف ممن عمروا الكون وعاشوا في هذا العالم، ويلتقي هذا الرأي مع ما يمكن استفادته مما جاء في القرآن الكريم من حديث الملائكة حول استخلاف الله تعالى آدم ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ[٣]، بناء على أن حكمهم قائم على معرفتهم بأحوال البشر ممن سبقوا آدم المراد استخلافه.
  2. يتحدث القرآن الكريم بوضوح عن أول الخلق في عالمنا هذا وأنه مخلوق من تراب، والروايات تفصِّل وتشرح الآيات المباركة حول هذا الموضوع، فيُذكر أن هذا التراب أُجرِيَ عليه الماء ومُزِجَتِ الطينة وعجنت ثم بعد ذلك جففت وبقيت فترة ذكرت بعض الروايات أنها أربعون عامًا، وبعضها أكثر من ذلك،ثم بعد ذلك نفخ الله فيها الروح فكانت الحياة، وتتحدث الروايات عن تَكَوُّنِ الجوارح والأطراف والعقل والمشاعر والإحساسات وشؤون النفس. ويلاحظ في هذا المجال التطابق والانسجام بین ما يذكره القرآن الكريم وبین ما يذكره عدل القرآن وتلميذ السماء أمیر المؤمنین (ع).

يضاف إلى ذلك أن الإمام (ع) كان يرتجل هذه الخطب ارتجالًا عقيب سؤال أو غیر ذلك فيأتي بما يحیرِّ الألباب ويحيط بالموضوع إحاطة العارف وينحو في مختلف هذه المجالات الشائكة الغامضة في واقع الأمر، وهذا بعض من دلائل إعجازه (ع).

قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[٤]:

الضمیر في ﴿خَلَقَهُ يعود على آدم (ع) فهو المخلوق من التراب، وأما عيسى (ع) فإن حمله في بطن أمه العذراء كان بغیر واسطة أب بل ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا[٥]، وهذا التمثيل في الآية المباركة بن آدم وعيسى (علیهما السّلام) إنا جاء للرد على من يقول إن عيسى (ع) ابن الله حيث أنه لا أب له وخلقه معجز، فيجيبهم القرآن بأن آدم (ع) خُلق من التراب من غیر أبٍ ولا أم وخلقه أكثر إعجازًا،فلماذا لا يكون هو ابن الله، تعالى اللهُ وتقدس.[٦]

كيفية الخلق

١. تحدث عن خلق أول الخلق، فقال (ع)[٧]:
«ثم جمع سبحانه من حَزْنِ الأرضِ وسَهْلِها، وعَذْبِها وسَبخِها، تربةً سَنَّها بالماءِ حتى خَلُصَتْ، ولاطَها بالبلَّةِ حتى لزبَتْ»:
الحزن مقابل السهل ومعناه الشديد من الأرض، وكذلك العذب الحلو مقابل السبخ وهو المالح، وسنَّها بالماء أي أجراه عليها، حتى خلصت «أي كانت خالصة» ولاطها «أي خالطها» بالبلة حتى لزبت «أي حتى يبست».
فائدة: قال الإمام (ع): «ثم جمع»، فنسب الجمع إلى الله تعالى وهذا ما يسمى بنحو التوسع في النسبة، فالروايات تذكر أن الذي جمع التراب إنا هو عزرائيل (ع)، ولكن أسند ذلك إلى الله تعالى لأن هذا الجمع كان بأمره وكل الأمور إنما هو المسبب لها بأسبابها[٨]، وهذا متعارف عليه في اللغة فيقال فتح الملك الفاني المدينة الفلانية في حین أن الذي فتح المدينة هو جيشه المؤتمر بأمره.
«فجَبَلَ منها صورةً ذات أحناءٍ ووُصُول، وأعضاءٍ وفُصُول»: جبل أي خلق، والأحناء هي الضلوع، وبعضهم قال إنها الأطراف، والوصول والفصول إشارة إلى ما في الجسم من عظامٍ متصلة وأخرى منفصلة.
«أجْمدَها حتى استمسَكَتْ، وأَصْلَدَها حتى صَلْصَلَتْ»: الكلام هنا يعود على الطينة، وأصلدها جعلها قوية صلدة حتى صلصلت، ولعلَّ هذا إشارة إلى الصلصال الذي تتحدث عنه الآيات الكريمة: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ[٩]، فيسمع لها صوت حین تضرب نظرًا لأنها يابسة.
«لوَقتٍ معدود، وأَمَدٍ معلوم»: وتذكر بعض الروايات أن هذه الطينة بقيت مدة قبل أن تلجها الروح، وتحدد بعض الروايات هذه المدة بأربعین عامًا أو أكثر، وبالطبع قد تكون هذه السنين بحساب كوكبنا أو بحسابٍ آخر.
«ثم نَفَخَ فيها من رُوحه»: فالطينة لا حياة فيها إلاَّ بولوج الروح التي بها الحياة والهيمنة على المخلوق.
«فمثُلت إنسانًا ذا أذهانٍ يجيلُها، وفكَرٍ يتصرفُ بها، وجوارحَ يختدِمُها وأدواتٍ يقَلِّبُها»: فهو صاحب عقلٍ يميز وكذلك يجعل الجوارح خادمةً له فيما يودُّ أن يصنع طبقًا لتمييزه وإدراكه.
«ومعرفةٍ يفرِّقُ بها بین الحقِّ والباطل، والأذواقِ والمَشَام، والألوان والأجناس، معجونًا بطينةِ الألوانِ المختلفة»: هذه إشارات إلى ما في الإنسان من إدراكات وحواس كالذوق والشم والنظر واللمس وكيف أن هذا كله مودع في مخلوقٍ أصله من التراب، وهذا إظهار للإعجاز الإلهي في خلق الإنسان.
«والأشباهِ المؤتَلِفة، والأضدادِ المتعادية...»: وهذا ما يذكره العلماء من نسب المواد من أملاح ومعادن في جسم الإنسان كالحديد والكبريت وغيرها. ثم يذكر الإمام (ع) موضوعًا يتعلق بأحداث أول الخلق وقضية إبليس اللعین.
٢. وقال (ع)[١٠]:
«فلما مهَد أرضَه، وأنفذَ أمرَه، اختارَ آدمَ (ع) خيرةً من خلقِه»:
الإمام (ع) يبن أن الاختيار هو اختيار الله فلا بد أن يكون عن الحكمة، وكون آدم (ع) هو المختار الأول خصوصيةٌ له وليست أفضليةً له على سائر الخلق، فالأفضلية لسيد الموجودات وفخر الكائنات الرسول الأعظم محمد (ص).
«وجعله أولَ جبِلَّتِه»: وهذه هي النظرة الدينية للخلق وأنه ابتدأ بالتولُّد وهو نشوء الخلق الأول، ثم تسلسل بالتوليد وهم الخلق الذين انحدروا من الخلق الأول، ويلاحظ ذلك في بعض المخلوقات، ولآدم (ع) الكرامة والشأن، فيلاحظ أن بعض المخلوقات تنشأ من التراب دون أن تتولد من حيوانات أخرى سابقة ثم تبدأ عملية التكاثر والتناسل، ولا أوضح من تعفن الأطعمة كالسكروغیره فتتولد منها ديدان وبكتيريا لم تأت من مخلوقات سابقة لها، ثم بعد ذلك تبدأ عملية التكاثر، وكل هذا بعین الله وقدرته.
٣. وتحدث عن الانحراف الأول، فقال (ع)[١١]:
«إلاَّ إبليس اعترضَتْهُ الحميةُ فافتَخَرَ على آدم بخلقِه، وتَعَصَّبَ عليه لأصلِه، فعدوُّ اللهِ إمامُ المتعصبین، وسَلَفُ المستكبرين»:
يؤكد (ع) هذه الحقيقة من افتخار إبليس اللعین على آدم (ع) بالنظر إلى خلق كل منهما ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ[١٢]، فكان إبليس مؤسس العصبية والتكبرّ، مثلما أنه أول من قاس حيث اعتقد أن فضل النار على التراب يوجب فضله على آدم (ع) وأنه لا يصح أن يسجد له.
ثم يذكر (ع) أن هذا كان عن الحكمة وأنه كان بإمكان الله تعالى أن يفوِّتَ على إبليس اللعین الفرصة ويقطع عليه الحجة بأن يخلق آدم (ع) من مادة أخرى محیرة للعقول كالنور مثلاً الذي هو بلا شك أرقى من النار فتخضع النفوس له، هذا وقد خلق الله تعالى الملائكة من نور ومع هذا فلم يستكبروا عن عبادته وسجدوا لآدم (ع) رغم أنه مخلوق من تراب، ولكن كما يبن الإمام (ع) جعل اللهُ ذلك بلاءً يتميز فيه من يطيع، ويبعد عن خُلُقِهِ الخيلاءَ والتكبر، وهذه الناحية تصلح أن تكون تعليلاً لاختيار الراب عنصرًا لأول الخلق.
وللأمر عليه الصلاة والسلام كلمات بهذا المعنى حول موضوع الحج وأن الله جعل بيته ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ[١٣] وكان بإمكانه أن يجعل بيته في جنة رائعة تسحر الخلائق ولكنه أمرُ الابتلاء والتمحيص[١٤].[١٥]

المراجع والمصادر

  1. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة

الهوامش

  1. من المفيد مراجعة ما ذكره الشيخ محمد جواد مغنية حول هذا الموضوع في كتابه «في ظلال نهج البلاغة» ١/ ٤٢ .
  2. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٤٤.
  3. سورة البقرة، الآية ٣٠.
  4. سورة آل عمران، الآية ٥٩.
  5. سورة الأنبياء، الآية ٩١.
  6. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٤٥-١٤٦.
  7. نهج البلاغة، الخطبة ١.
  8. ونظیر ذلك نسبة من يَتَوَفَّی الأنفس، فتارة ينسب ذلك إلى الله تعالى، وتارة إلى ملك الموت، وتارة إلى الملائكة من أعوانه، قال تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا سورة الزمر، الآية ٤٢، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ سورة السجدة، الآية ١١، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ سورة النحل، الآية ٢٨. وعلى نسق ذلك ما جاء في الزيارة الجامعة: «وإياب الخلق إليكم، وحسابهم عليكم» أي أن أهل البيت (ع) هم من يحاسبون الناس بأمر الله تعالى، وهذا معنى التوسُّع في النسبة.
  9. سورة الحجر، الآية ٢٦.
  10. نهج البلاغة، الخطبة ٩١.
  11. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
  12. سورة الأعراف، الآية ١٢.
  13. سورة إبراهيم، الآية ٣٧.
  14. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
  15. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٤٦-١٥٠.