سورة التوبة

(بالتحويل من سورة البراءة)

أسماء السورة

عرفت سورة التوبة من العهد الأول للإسلام بجملة أسماء، تدل بمجموعها على ما اشتملت عليه من المبادئ والمعاني، التي يجب مراعاتها في معاملة الطوائف كلها، مؤمنهم ومنافقهم، وكتابيّهم ومشركهم.

وأشهر هذه الأسماء «سورة التوبة»، وهو يشير إلى ما تضمنته السورة من تسجيل توبة الله، وتمام رضوانه على المؤمنين الصادقين، الذين أخلصوا في مناصرة الدعوة، وصدقوا في الجهاد مع النبي (ص)، حتى وصل بهم إلى الغاية المرجوّة، وذلك في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ[١]).

ولا ريب في أن تسجيل هذه التوبة للمؤمنين- بعد أن كابدوا الجهد والمشقات في سبيل نصرة الحق- لما يقوّي روح الإيمان في قلوبهم، ويبعد بهم عن مزالق المخالفة، أو التقصير.

وقد تخلّف ثلاثة من المسلمين عن الاشتراك في الجهاد، ولم يسهموا في أعباء جيش العسرة، فأمر النبي (ص) بمقاطعتهم ومعاقبتهم، ومكثوا فترة من الزمن في عزلة تامة بغرض تأديبهم وتهذيبهم، ثم تاب الله عليهم، وقبل توبتهم. وكان ذلك درسا للمسلمين حتى لا يتخلّفوا عن الجهاد ولا يقصّروا في القيام بأعباء الدين وتعاليمه.

ومن أسماء السورة «براءة»، وهي تشير الى غضب الله ورسوله على من أشرك بالله، وجعل له سبحانه، ندّا، وشريكا وإعلام الناس في يوم الحج الأكبر.

﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ[٢]

وقد عرفت السورة بعد ذلك، بأسماء أخرى، فكانت تسمّى «الكاشفة» و«المثيرة» و«الفاضحة» و«المنكّلة»، وغير ذلك مما حفلت به كتب التفسير، وهي ألفاظ أطلقت عليها، باعتبار ما قامت به، من كشف أسرار المنافقين، وإثارة أسرارهم، وفضيحتهم بها، وتنكيلها بهم.

ورد أنّ ابن عباس قال: سورة التوبة هي الفاضحة، ما زالت تنزل في المنافقين وتنال منهم حتّى ظننّا أنّها لا تبقي أحدا إلّا ذكرته بقولها: ومنهم، ومنهم، ومنهم.

وهو يشير إلى ما جاء في هذه السورة من أصناف المنافقين مثل: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا[٣]، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ[٤]، ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ[٥].[٦]

أين البسملة؟

من خصائص سورة التوبة، أنه لم يذكر في أولها ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ[٧]، لأنها تبدأ بإعلان الحرب الشاملة، ونبذ العهود كافّة، والبسملة تحمل روح السلام والطمأنينة، لذلك لم تبدأ بها سورة الحرب والقتال.

وربما كان سبب عدم وجود البسملة في أولها، الاشتباه في أنها جزء من سورة الأنفال، خصوصا أن سورة الأنفال تحكي جهاد المسلمين في معركة بدر، وسورة التوبة تصف جهاد المسلمين في معركة تبوك. فقصة الأنفال شبيهة بقصة سورة التوبة، من ناحية الهدف العام، والتحريض على الجهاد، والتحذير من التخلّف عن أمر الله ورسوله. لذلك تركت سورة التوبة مع سورة الأنفال. ووضع بينهما فاصل السورة، ولم يكتب في أوّل التوبة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ[٨]، احترازا من الصحابة أن يضيفوا أي شيء إلى رسم القرآن، إلّا بتوجيه من النبي (ص).

روى الترّمذي بإسناده عن ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم أن عمدتم إلى «الأنفال» وهي من المثاني، وإلى «براءة» وهي من المئين، وقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ[٩]، ووضعتموها في السبع الطوال، ما حملكم على ذلك؟

فقال عثمان: كان رسول الله (ص) ممّا يأتي عليه الزمان، وهو ينزل عليه السور ذات العدد، فكان إذا أنزل عليه الشيء، دعا بعض من كان يكتب، فيقول: ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت «الأنفال» من أوّل ما نزل بالمدينة، وكانت «براءة» من آخر ما نزل من القرآن، وكانت قصّتها شبيهة بقصّتها، وخشيت أنها منها. وقبض رسول الله (ص)، ولم يبيّن لنا أنها منها. فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ[١٠]، ووضعتها في السبع الطوال.[١١]

أهداف السورة

سورة التوبة هي السورة التاسعة في ترتيب المصحف، وهي من السور المدنية، وقد نزلت في أواخر السنة التاسعة من الهجرة. وهي السنة التي خرج فيها النبي (ص) بالمسلمين إلى تبوك، بقصد غزو الروم، كما خرج أبو بكر في أواخر سنة تسع على رأس المسلمين، لحجّ بيت الله الحرام.[١٢]

هدفان أصليان

وقد كان للسورة، بحكم هذين الحادثين العظيمين، في تاريخ الدولة الإسلامية، هدفان أصليان:

  1. تحديد القانون الأساسي الذي تشاد عليه دولة الإسلام. وذلك بالتصفية النهائية بين المسلمين ومشركي العرب، بإلغاء معاهدتهم، ومنعهم من الحج، وتأكيد قطع الولاية بينهم وبين المسلمين، وبوضع الأساس في قبول بقاء أهل الكتاب في جزيرة العرب، وإباحة التعامل معهم.
  2. إظهار ما كانت عليه نفوس أتباع النبي (ص) حينما استنفرهم ودعاهم إلى غزو الروم، وفي هذه الدائرة تحدّثت السورة عن المتثاقلين منهم، والمتخلّفين والمبطئين وكشفت الغطاء عن فتن المنافقين، وما انطوت عليه قلوبهم من أحقاد، وما قاموا به من أساليب النفاق.

وقد عرضت السورة من أوّلها للهدف الأول. واستغرق ذلك سبعاً وثلاثين آية في أول السورة، وقد تضمنت هذه الآيات ما يأتي:

  1. تقرير البراءة من المشركين، ورفع العصمة عن أنفسهم وأموالهم.
  2. منحهم هدنة، مقدارها أربعة شهور.
  3. إعلام الناس جميعا، يوم الحج الأكبر (وهو يوم عيد الأضحى) بهذه البراءة.
  4. إتمام مدة العهد، لمن حافظ منهم على العهد.
  5. بيان ما يعاملون به، بعد انتهاء أمد الهدنة، أو مدة العهد.
  6. تأمين المستجير حتى يسمع كلام الله.
  7. بيان الأسباب التي أوجبت البراءة منهم، وصدور الأمر بقتالهم.
  8. إزالة وساوس قد يخطر في بعض النفوس، أنها تبرّر مسالمة المشركين، أو الإبقاء على عهودهم.[١٣]

رحمة الله بالعباد

لقد برئ الله من المشركين ومن فعالهم، لأنّ الشرك والكفر ظلم عظيم، وجحود بحق الله الخالق الرازق، الذي يستحق العبادة وحده، لكن الله سبحانه أمهل المشركين مدة أربعة أشهر، لتمكينهم من النظر والتدبير، لاختيار ما يرون فيه مصلحتهم، من الدخول في الإسلام، أو الاستمرار على العداء.

ولعل الحكمة في تقدير تلك المهلة، بأربعة أشهر، أنها هي المدة التي كانت تكفي لتحقيق ما أبيح لهم من السياحة في الأرض، والتقلّب في شبه الجزيرة، على وجه يمكّنهم من التشاور والأخذ والرد، مع كل من يريدون أخذ رأيه، في تكوين الرأي الأخير. قال تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ[١٤].

ومن رحمة الإسلام أيضا، إباحة تأمين المشرك، وتقرير عصمة المستأمن، وقد أوجب الله على المسلمين حماية المستأمن، في نفسه وماله، ما دام في دار الإسلام، وجعل لأفراد المسلمين حق إعطاء ذلك الأمان، (فالمسلمون عدول يسعى بذمتهم أدناهم).

والإسلام يبيح، بهذا الأمان، التبادل التجاري والصناعي والثقافي، وسائر الشؤون ما لم يتصل شيء منها بضرر الدولة. وقد كان للإسلام من مشروعية الأمان، وسيلة قوية لنشر دعوته، وإيصال كلمة الله إلى كثير من الأقاليم النائية، من غير حرب ولا قتال. قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ[١٥].

فالإسلام يمنح الجوار والأمان للمشرك، الذي يبحث عن الحقيقة، ويريد أن ينظر في الإسلام نظر تأمل ودراسة، فيسمح له بالدخول فيما بين المسلمين والتعامل معهم، والاختلاط بهم، حتى يفهم حكم الله ودعوته. فإن اطمأن ودخل الإيمان في قلبه، التحق بالمؤمنين، وصار في الحكم كالتائبين.

وإن لم يشرح صدره للإسلام وأراد الرجوع إلى جماعته، حرم اغتياله، ووجبت المحافظة عليه، حتى يصل مكان أمنه واستقراره.

وبذلك بلغ الإسلام شأوا بعيدا في حماية الفكر والنظر، وتذليل الطريق أمام الباحثين والمفكّرين، وحمايتهم حتى يصلوا إلى مواطن الأمان، أيّا كانت معتقداتهم، وصدق الله العظيم: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ[١٦].[١٧]

غزوة تبوك

في السنة التاسعة من الهجرة، وصلت للرسول (ص) أنباء، تفيد أن الروم قد جمعوا جموعهم، واعتزموا غزو المسلمين في بلادهم، فأمر النبي (ص) أن يتجهز المسلمون، وأن يأخذوا عدّتهم، ويخرجوا إلى تبوك لقتال الروم في بلادهم، قبل أن يفاجئوه في بلده.

أعلن النبي (ص) النفير العام، وكان قلّما يخرج إلى غزوة، إلا ورّى بغيرها، مكيدة في الحرب، إلا ما كان من هذه الغزوة- غزوة تبوك- فقد صرّح بها لبعد الشّقّة، وشدة الزمان، إذ كان ذلك في شدة الحرّ، حين طابت الظلال، وأينعت الثمار، وحبّب إلى الناس المقام.

عندئذ وجد المنافقون فرصة سانحة، للتخذيل فقالوا: لا تنفروا في الحر، وخوّفوا الناس بعد الشّقّة وحذّروهم شدّة بأس الروم. وكان لهذا كله، أثره في تثاقل بعض الناس، عن الخروج للجهاد.

كذلك أخذ المنافقون يستأذنون في التخلف عن الغزو، معتذرين بالأعذار الكاذبة الواهنة، كما دبّر بعضهم المكائد للنبي (ص) في ثنايا الطريق.

ولم يكن بدّ من هذا الامتحان ليكشف الله المنافقين، ويثبّت المؤمنين الصادقين، فالشدائد هي التي تكشف الحقائق، وتظهر الخبايا.

وقد ظهر الإيمان الصادق، من المؤمنين المخلصين، فسارعوا إلى تلبية الدعوة بأموالهم وأنفسهم، يجهّزون الجيش، ويعدون العدّة، وقد خرج أبو بكر حينئذ عن كل ما يملك، كما قام بنصيب الأسد في التجهيز عثمان بن عفان، بذل الآلاف، وجهّز المئات من البعير والخيل، وجهّز هو وغيره الفقراء الأقوياء، الذين جاءوا إلى النبي (ص) بأنفسهم، ليحملهم، فقال لهم كما ورد في التنزيل: ﴿لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ[١٨].

ثم يستمر سياق سورة «التوبة» في الحديث عن المنافقين، وما يظهر منهم من أقوال وأعمال تكشف عن نواياهم، التي يحاولون سترها فلا يستطيعون فمنهم من ينتقد النبي (ص) في توزيع الصدقات، ويتّهم عدالته في التوزيع، وهو المعصوم ذو الخلق العظيم ومنهم من يقول هو أذن يستمع لكل قائل، ويصدّق كل ما يقال. ومنهم من يتخفّى بالقولة الفاجرة الكافرة، حتى إذا انكشف أمره استعان بالكذب والحلف، ليبرئ نفسه من تبعة ما قال ومنهم من يخشى أن ينزل الله على رسوله سورة، تفضح نفاقهم، وتكشفهم للمسلمين.

ثم تقارن «السورة» بين المنافقين والمؤمنين، لتبيّن الفرق الواضح بين صفات المنافقين، وصفات المؤمنين الصادقين، الذين يخلصون للعقيدة ولا ينافقون فقد خرج المؤمنون للجهاد مع رسول الله (ص) وقطعوا مسافة طويلة في الصحراء الجرداء، تقدر بنحو ٦٩٢ كيلو مترا. وكان المؤمنون يتدافعون إلى الجهاد، ويشتاقون إلى الشهادة. ولمّا أحس الروم بقدوم المسلمين، انسحبوا من أطراف بلادهم الى داخلها، فلمّا وصل المسلمون إلى تبوك، لم يجدوا للروم أثرا. وقد عقد النبي (ص) معاهدات مع أمراء الحدود، وعاد إلى المدينة مرهوب الجانب، محفوظا بعناية الله.

وقد استقبل النبي (ص) المتخلّفين عن الجهاد في غزوة تبوك، فمنهم أصحاب الأعذار الحقيقية، وهؤلاء معذورون معفون من التّبعة ومنهم القادرون الذين قعدوا بدون عذر، فعليهم تبعة التخلف، ووزر النكوص عن الجهاد.

ثم تمضي سورة التوبة، فتتحدث عن الأعراب، فتذكر طبيعتهم، وصنوفهم، ومواقفهم من الإيمان والنفاق.

ثم تقسم الجماعة الإسلامية كلّها عند غزوة تبوك، وبعدها، إلى طبقاتها ودرجاتها، وفق مقياس الإيمان والأعمال: فهناك السابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار، والذين اتّبعوهم بإحسان وهناك المنافقون الذين تمرّسوا بالنفاق، وتعوّدوا عليه، سواء أكانوا من الأعراب، أم من أهل المدينة وهناك الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيّئا، واعترفوا بذنوبهم وهناك الذين أخطئوا وأمرهم متروك لله، إمّا يعذّبهم، وإمّا يتوب عليهم وهناك فئة أخلصت لله في الإيمان، وتخلّفت من غير عذر، ثم ندمت ندما عميقا، وضاقت الدنيا في وجهها، ولجأت إلى الله، تطلب مغفرته ورحمته، فتاب الله عليهم، وألهمهم طريق التوبة والسداد، إن الله هو التواب الرحيم.[١٩]

علاقات المسلمين بغيرهم

سورة التوبة، هي آخر سور القرآن نزولا وفي هذه السورة نجد القول الفصل في علاقات الأمة المسلمة بالمشركين، وبأهل الكتاب، وبالمنافقين وهذا هو موضوعها الذي تدور حوله.

لقد كانت بين المسلمين وبعض المشركين عهود، ولم يكن المشركون يحافظون على عهودهم، إلّا ريثما تلوح لهم فرصة، يحسبونها مؤاتية للكرّة على المسلمين، وكان المشركون، حتى بعد فتح مكة، يطوفون بالبيت عرايا، على عادتهم في الجاهلية، ويصفّقون، ويصفرون، مخلّين بكرامة البيت العتيق، فلم يكن بدّ من أن تخلص الجزيرة العربية للإسلام، وأن تتخلّص من الشرك.

والجهاد، هو الوسيلة لتطهير الجزيرة من رجس المشركين والمنافقين ثم تناولت السورة موضوع الجهاد بالنفس، والمال، وبيّنت شرفه وأجره.

وأنحت على المتخلّفين القاعدين، واستجاشت وجدان المسلمين الى قتال الكفار المنافقين، بما صوّرت من كيدهم للمسلمين، وحقدهم عليهم، وتمني الشر لهم، وما تحمله نفوسهم من الخصومة والبغضاء، وما وقع منهم للرسول (ص) ومن معه من المؤمنين وبذلك كانت سورة التوبة، تحمل القول الفصل في علاقات المسلمين بغيرهم، وتحدّد موقفهم الحاسم الأخير.

وقد لوّنت السورة أساليب الدعوة إلى الجهاد، فحينا تنكر على المؤمنين تثاقلهم وإخلادهم إلى الأرض، وحينا آخر تهتمّ بتطهير الجيش من عناصر الفتنة والخذلان، ومرة أخرى توضح أن سنة الله ماضية لا تتخلّف وأن من قوانين الحق سبحانه، أنّ البقاء والعزة والسلطان، إنّما هو يكون للعاملين المجاهدين أمّا المتباطئون والمتثاقلون، الذين يؤثرون حياتهم، ويضنّون بأنفسهم وأموالهم، ويخلدون إلى الأرض، ويعرضون عن دعوة الجهاد في سبيل حريتهم وبقائهم، فإنهم لا بدّ ذاهبون، وهم لا محالة مستذلّون مستعبدون.[٢٠]

فضل الرسول الأمين

تعرّضت سورة التوبة، لبيان فضل رسول الله (ص) ومكانته السامية، ومناقبه الكريمة فذكرت أن الله سبحانه أنزل السكينة عليه، وأيّده بجنود من الملائكة في يوم «حنين»، حين انهزم المؤمنون، وولّوا مدبرين.

ومن كرامة الرسول (ص) أن الله نصره عند الهجرة مع صاحبه الصّدّيق، وكان الله معهما بتأييده وإنزاله الطمأنينة والأمان عليهما وحفظهما في الغار، حتّى عميت عنهما عيون الكفار وجعل الله كلمة المؤمنين في ارتفاع وانتصار، وشأن الكافرين في هزيمة واندحار وقد فرضت سورة التوبة على المؤمنين عدة واجبات، تجاه نبيهم منها:

  1. محبّته (ص) والتزام هديه، والعمل بسنّته، كما نجد ذلك في الآية ٢٥.
  2. تحرّي مرضاته، لأن رضاه من رضا الله سبحانه، ونجد ذلك في الآية ٦٢.
  3. وجوب طاعته، والنصح له، ووجوب نصره.
  4. تحريم إيذائه، وتحريم معاداته، وتحريم القعود عن الخروج معه في الجهاد.

وتختم السورة آياتها بذكر صفات رسول الله (ص). فهو الرحمة المهداة، لتطهير المؤمنين، وتزكيتهم، وتعليمهم، والدعاء لهم فحبّه فريضة، وبغضه كفر وحرمان. وقد تكفّل الله بنصر رسوله، حتى ولو تخلى عنه جميع الناس، فإن معه الله القوي القدير، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ[٢١].[٢٢]

المراجع والمصادر

  1.   السيد جعفر شرف الدين، الموسوعة القرآنية

الهوامش

  1. سورة التوبة، الآية ١١٧-١١٨.
  2. سورة التوبة، الآية ٣.
  3. سورة التوبة، الآية ٤٩.
  4. سورة التوبة، الآية ٥٨.
  5. سورة التوبة، الآية ١٠١.
  6. السيد جعفر شرف الدين، الموسوعة القرآنية، ج٣، ص ٢٢٧.
  7. سورة الفاتحة، الآية ١.
  8. سورة الفاتحة، الآية ١.
  9. سورة الفاتحة، الآية ١.
  10. سورة الفاتحة، الآية ١.
  11. السيد جعفر شرف الدين، الموسوعة القرآنية، ج٣، ص ٢٢٨.
  12. السيد جعفر شرف الدين، الموسوعة القرآنية، ج٣، ص ٢٢٩.
  13. السيد جعفر شرف الدين، الموسوعة القرآنية، ج٣، ص ٢٢٩.
  14. سورة التوبة، الآية ١-٢.
  15. سورة التوبة، الآية ٦.
  16. سورة البقرة، الآية ٢٥٦.
  17. السيد جعفر شرف الدين، الموسوعة القرآنية، ج٣، ص ٢٣٠.
  18. سورة التوبة، الآية ٩٢.
  19. السيد جعفر شرف الدين، الموسوعة القرآنية، ج٣، ص ٢٣١.
  20. السيد جعفر شرف الدين، الموسوعة القرآنية، ج٣، ص ٢٣٤.
  21. سورة التوبة، الآية ١٢٨-١٢٩.
  22. السيد جعفر شرف الدين، الموسوعة القرآنية، ج٣، ص ٢٣٥.