سورة الرحمن

من إمامةبيديا

التمهيد[١]

«سورة الرحمن» سورة مدنية وآياتها ٧٨ آية، نزلت بعد «سورة الرعد».

وتتميز «سورة الرحمن» بجرسها، وقصر آياتها، وتعاقب الآيات: ﴿الرَّحْمَنِ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خُلِقَ الْإِنْسَانُ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ[٢]. فنسمع هذا الرنين الأخّاذ، والإيقاع الصاعد الذاهب إلى بعيد، والنعم المتعدّدة بتعليم القرآن، وخلق الإنسان، وتعليم البيان.. وكلّ هذه النعم مصدرها رحمة الرحيم الرحمن، صاحب الفضل والإنعام فإذا استرسلنا في قراءة السورة رأينا حشدا من مظاهر النعم، وآلاء الله الباهرة الظاهرة، في جميل صنعه، وإبداع خلقه، وفي فيض نعمائه، وفي تدبيره للوجود وما فيه، وتوجيه الخلائق كلّها إلى وجهه الكريم...

و«سورة الرحمن»، إشهاد عام للوجود كلّه على الثّقلين: الإنس والجن، إشهاد في ساحة الوجود، على مشهد من كلّ موجود، مع تحدّ للجن والإنس إن كانا يملكان التكذيب بآلاء الله، تحديا يتكرّر عقب بيان كلّ نعمة من نعمه، التي يعدّدها ويفصّلها، ويجعل الكون كلّه معرضا لها، وساحة الآخرة كذلك. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ[٣].

تكررت هذه الآية في السورة إحدى وثلاثين مرة، لتذكّر الإنس والجن، بنعم الله الجزيلة عليهم، بأسلوب معجز يتحدّى بلغاء العرب ولا شك في أنّ هذه النعم الضافية، التي أسبغها ربهم عليهم، تستحق من العباد الشكر والإيمان، لا الكفر والطغيان.

والآلاء جمع «ألى»، أو «إلى» وهي النعمة، أي نعم الله عليكم وافرة، ترونها أمامكم، وخلفكم، وفوقكم، وتحتكم، فبأيّ هذه النعم تكذّبان؟

والخطاب هنا للجنّ والانس، لتذكيرهما بالإفضال المتلاحقة من الله تعالى، ولا يستطيعان أن يكذّبا، أو يجحدا، أيّ نعمة من هذه النعم.

روي أنّ رسول الله(ص) خرج على أصحابه، فقرأ عليهم «سورة الرحمن»، من أوّلها إلى آخرها، فسكتوا، فقال النبي(ص): لقد قرأتها على الجنّ، فكانوا أحسن ردّا منكم، كنت كلما أتيت على قوله تعالى ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ[٤] قالوا: لا بشيء من نعمك ربّنا نكذّب، فلك الحمد.

كما روي أن قيس بن عاصم المنقري، جاء إلى رسول الله(ص) فقال له: يا محمد، اتل عليّ شيئا ممّا أنزل عليك، فتلا عليه سورة «الرحمن»، فقال: أعدها فأعادها(ص) فقال: والله إنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وأسفله مغدق، وأعلاه مسفر، وما يقول هذا بشر، وأنا أشهد أن لا إله إلّا الله وأنك رسول الله.

المعنى الإجمالي للسورة

المنّة على الخلق بتعليم القرآن، وتلقين البيان، ولفت أنظارهم إلى صحائف الوجود الناطقة بآلاء الله: الشمس، والقمر، والنجم، والشجر، والسماء المرفوعة، والميزان الموضوع، وما فيها من فاكهة، ونخل، وحبّ، وريحان، والجن والإنس، والمشرقان، والمغربان، والبحران بينهما برزخ لا يبغيان، وما يخرج منهما، وما يجري فيهما.

فإذا تمّ عرض هذه الصحائف الكبار، عرض مشهد فنائها جميعا، مشهد الفناء المطلق للخلائق، في ظل الوجود المطلق لوجه الله الكريم الباقي، الذي إليه تتوجّه الخلائق جميعا، ليتصرف في أمرها بما يشاء، قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ[٥].

وفي ظل الفناء المطلق للإنسان، والبقاء المطلق للرحمن، يجيء التهديد المروّع، والتحدّي الكوني للجن والإنس، ومن ثمّ يعرض السياق مشهد النهاية، مشهد القيامة، يعرض في صورة كونية، يرتسم فيها مشهد السماء حمراء سائلة، ومشهد العذاب للمجرمين، ثم يعرض ألوان الثواب للمتقين، ويصف الجنة وما فيها من نعيم مقيم أعدّه الله للمتقين، ويبين أن منازل الجنات مختلفة، ونعيمها متفاوت، والجزاء على قدر العمل. ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ[٦].

قال المفسّرون: شؤون يبديها لا شؤون يبتديها[٧]، فهو سبحانه صاحب التدبير، الذي لا يشغله شأن عن شأن، ولا يندّ عن علمه ظاهر، ولا خاف والخلق كلهم يسألونه، فهو سبحانه مناط السؤال، وغيره لا يسأل، وهو معقد الرجاء ومظنة الجواب.

وهذا الوجود، الذي لا تعرف له حدود، كله منوط بقدره، متعلّق بمشيئته، وهو سبحانه قائم بتدبيره. هذا التدبير الذي يتبع ما ينبت، وما يسقط من ورقة، وما يكمن من حبة في ظلمات الأرض، وكل رطب وكل يابس، يتبع الأسماك في بحارها، والديدان في مساربها، والوحوش في أوكارها، والطيور في أعشاشها، وكل بيضة وكل فرخ، وكل خلية في جسم حي.

تفسير النسفي للاية

في تفسير قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ[٨]، قال النسفي: كل من في السماوات والأرض مفتقرون إليه، فيسأله أهل السماوات ما يتعلّق بدينهم، وأهل الأرض ما يتعلق بدينهم ودنياهم.

وكل وقت وحين، يحدث أمورا ويجدّد أحوالا كما روي أنه (ع) تلاها، فقيل له وما ذلك الشأن؟ فقال: من شأن أن يغفر ذنبا ويفرّج كربا، ويرفع قوما، ويضع آخرين. وعن ابن عيينة: الدهر عند الله يومان، أحدهما اليوم الذي هو مدة الدنيا، فشأنه فيه الأمر، والنهي، والإحياء، والإماتة، والإعطاء، والمنع واليوم الاخر، هو القيامة، فشأنه فيه الجزاء، والحساب.

وقيل نزلت في اليهود حينما قالوا: إنّ الله لا يقضي يوم السبت شأنا.

وسأل بعض الملوك وزيره عن الآية، فاستمهله إلى الغد، وذهب كئيبا يفكّر فيها فقال غلام له أسود: يا مولاي أخبرني ما أصابك، فأخبره، فقال الغلام أنا أفسرها للملك فأعلمه، فقال أيها الملك: شأن الله أنه يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، ويخرج الحيّ من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويشفي سقيما ويسقم سليما، ويبتلي معافى ويعافي مبتلى، ويعزّ ذليلا، ويذلّ عزيزا، ويغني فقيرا. فقال الملك: أحسنت، وأمر الوزير أن يخلع عليه ثياب الوزارة، فقال: يا مولاي هذا من شأن الله. وقيل سوق المقادير إلى المواقيت. وقيل إن عبد الله بن طاهر دعا الحسين بن الفضل، وقال له أشكلت علي آيات دعوتك لتكشفها لي: قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ[٩] وقد صح أن القلم جفّ، بما هو كائن إلى يوم القيامة. فقال الحسين: كل يوم هو في شأن، فإنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها[١٠] أي يظهرها لعباده في واقع الناس، على وفق ما قدّره في الأزل، من إحياء وإماتة، وإعزاز وإذلال، وإغناء وإعدام، وإجابة داع، وإعطاء سائل، وغير ذلك[١١] فالناس يسألونه سبحانه بصفة مستمرّة، وهو سبحانه مجيب الدعاء، بيده الخلق والأمر، يغيّر ولا يتغيّر، يجير ولا يجار عليه، يقبض ويبسط ويخفض ويرفع، وهو بكل شيء عليم.﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[١٢].

ترابط الآيات في السورة[١٣]

تاريخ نزولها وتسميتها

نزلت «سورة الرحمن» بعد «سورة الرعد»، ونزلت «سورة الرعد»، فيما بين صلح الحديبية وغزوة تبوك، فيكون نزول «سورة الرحمن» في ذلك التاريخ أيضا. وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لافتتاحها به في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ عَلَّمَ الْقُرْآنَ[١٤] وتبلغ آياتها ثماني وسبعين آية.

الغرض منها وترتيبها

الغرض من هذه السورة، الدعوة إلى الله تعالى، بطريق الترغيب، وذلك بتعداد نعمه على عباده، وقد أخذ المشركون في السورة السابقة، بطريق الإنذار والترهيب، فأخذوا في هذه السورة بطريق الترغيب، تفنّنا في السياق، وتجديدا لنشاط السامع، على أنها لم تخل مع هذا من الأخذ بالترهيب أيضا.

تعداد نعم الله على عباده الآيات [١- ٧٨]

قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ[١٥] فذكر سبحانه نعمته على عباده بإنزال القرآن لهدايتهم، وبخلقهم وتعليمهم البيان، وبخلق الشمس والقمر بحسبان، وبخلق النجم والشجر، وبرفع السماء ووضع الميزان، وبوضع الأرض وما فيها، من فاكهة ونخل وحبّ وريحان ثم ذكر سبحانه أنه خلق الإنسان من صلصال، والجانّ من نار، وأنه ربّ المشرقين والمغربين، وأنه مرج البحرين يلتقيان، بينهما برزخ لا يبغيان، ويخرج منهما اللؤلؤ والمرجان، وتجري فيهما السفن كالأعلام ثم ختم السياق بقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ[١٦] ليبين أن الإنسان يتمتّع بذلك إلى أجل، فلا يصح أن يغتر به وينسى ربّه ثمّ عدّد سبحانه نعمه، فذكر أنه يسأله من في السماوات والأرض، ما يحتاج إليه في دينه ودنياه كل يوم، وأنه سيفرغ لهم ويحاسبهم على جحد هذه النعم، فلا يمكنهم أن يفلتوا من حسابه وأنه سيرسل عليهم شواظا من نار ونحاس، فلا يمنعهم منهما أحد، وأن ذلك سيكون إذا انشقت السماء فكانت وردة كالدّهان ثم ذكر سبحانه ما يكون من حسابهم وعقابهم في ذلك اليوم وأعقبه جلّ شأنه بذكر ما أعدّه لمن خاف مقامه فلم يجحد ما أنعم به عليه، ومضى السياق في تفصيل هذا إلى أن ختمه بقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ[١٧].[١٨]

المراجع والمصادر

  1. السيد جعفر شرف الدين، الموسوعة القرآنية

الهوامش

  1. انتقي هذا الفصل من كتاب «أهداف كلّ سورة ومقاصدها»، لعبد الله محمود شحاته، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، ١٩٧٩- ١٩٨٤.
  2. سورة الرحمن، الآية ١-٤.
  3. سورة الرحمن، الآية ١٣.
  4. سورة الرحمن، الآية ١٣.
  5. سورة الرحمن، الآية ٢٦-٢٧.
  6. سورة الرحمن، الآية ٢٩.
  7. تفسير النسفي ٤: ١٥٩، والمعنى يظهرها امام أعين الناس ولا يبتكرها اليوم بل يقضي بوقوعها، ومن أصول الإيمان أن نؤمن بالقضاء والقدر. والقضاء ما وقع أمام الناس والقدر ما قدّر الله وقوعه في الأزل.
  8. سورة الرحمن، الآية ٢٩.
  9. سورة الرحمن، الآية ٢٩.
  10. تفسير النسفي ٤: ١٥٩.
  11. تفسير الجلالين ص ٤٩٤. [.....]
  12. سورة آل عمران، الآية ٢٦.
  13. انتقي هذا المبحث من كتاب «النظم الفني في القرآن»، للشيخ عبد المتعال الصعيدي، مكتبة الآداب بالجمايز- المطبعة النموذجية بالحكمية الجديدة، القاهرة، غير مؤرخ.
  14. سورة الرحمن، الآية ١-٢.
  15. سورة الرحمن، الآية ١-٣.
  16. سورة الرحمن، الآية ٢٦-٢٧.
  17. سورة الرحمن، الآية ٧٨.
  18. السيد جعفر شرف الدين، الموسوعة القرآنية، ٩: ٨٥ - ٩٢.