سورة المزمل

من إمامةبيديا

التمهيد[١]

سورة المزّمّل سورة مكية، آياتها ٢٠ آية، نزلت بعد سورة القلم.

إنها تحمل النداء الإلهيّ، للنبيّ الكريم، بقيام الليل، وقد جعله الله فريضة في حقّه، نافلة في حق أمته، قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا[٢].

وفي كتب السنّة، ما يفيد أن السورة من أوائل ما نزل من القرآن الكريم فقد كان(ص) يعيش بين قومه في الجاهلية، ثم حبّب الله اليه الخلوة، ليتأمّل في ملكوت السماوات والأرض، وليعدّ الله هذه النفس الطيّبة لتحمّل أعباء الرسالة. ثم فجأه الوحي وهو في غار حراء، قال له جبريل: اقرأ، قال النبي(ص) ما أنا بقارئ، ثلاث مرات، فقال جبريل، كما ورد في التنزيل: ﴿ِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ[٣].

وقد عاد النبي(ص) إلى خديجة وأخبرها الخبر، فقالت له: «أبشر يا ابن عمّ واثبت، فو الذي نفس خديجة بيده، إني لأرجو أن تكون نبيّ هذه الأمة».

ثم فتر الوحي مدة عن النبي(ص)، إلى أن كان بالجبل مرة أخرى، فنظر فإذا جبريل، فأدركته منه رجفة، حتى جثا وهوى إلى الأرض وانطلق إلى أهله وهو يرتجف ويقول: «زمّلوني، دثّروني» ففعلوا، وظل يرتجف ممّا به من الرّوع، وإذا جبريل يناديه، كما ورد في التنزيل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ[٤].

وسورة «المزّمّل» تعرض صفحة من تاريخ الدعوة الإسلامية. إنّها تنادي النبيّ الكريم، وتأمره بقيام الليل، والصلاة وترتيل القرآن، والذكر والخاشع المتبتّل، والاتكال على الله وحده، والصبر على الأذى، والهجر الجميل للمكذّبين، والتخلية بينهم وبين الجبّار القهّار.

وتنتهي السورة بلمسة الرفق والرحمة، والتخفيف والتيسير، والتوجيه للطاعات والقربات، والتلويح برحمة الله ومغفرته: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[٥].

والسورة ٢ مثّل صفحة من جهاد النبي الكريم، وآله وصحبه الأبرار في سبيل الدعوة إلى الله سبحانه، وحشد جميع الطاقات من أجل هذه الدعوة. فقد قام النبي(ص) في مكة والمدينة، داعيا إلى الله صابرا محتسبا، مهاجرا، مجاهدا، مربّيا، ناشرا لدعوة الله بكل ما يملك، منذ خاطبه تعالى بالقرآن: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا[٦].

وكان قيام الليل هو الزاد الروحيّ، والتعبئة الإلهية لهذا القلب الكريم، حتى يصدع بالدّعوة، ويتحمّل في سبيلها كل بلاء، وليصبر ويصابر، وليحتسب كل جهد في سبيل الله: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا[٧].

مع آيات السورة

[الآيات ١- ٤]: أمر الله تعالى رسوله الأكرم أن يقوم، من الليل، ثلثه أو نصفه أو ثلثيه فهو مخيّر في ذلك، وأن يقرأ القرآن الكريم على مهل وتؤدة، مع حضور القلب، لتدبّر معانيه، وفهم مقاصده.

[الآية ٥]: والقرآن الكريم يسّره الله تعالى للقراءة، ولكنه ثقيل في ميزان الحق، ثقيل بأثره في القلوب، ثقيل بقيمته الراجحة، ومعانيه الراقية وما فيه من تكاليف وأعباء.

[الآية ٦]: إنّ قيام الليل هو أكبر موافقة بين القلب واللسان، وأعدل قولا.

[الآية ٧]: وفي النهار متّسع لشئوون المعاش، ولك فيه تصرف في مهام أمورك، واشتغال بمشاغلك.

[الآيتان ٨- ٩]: واتّجه إلى الله بالعبادة وحضور القلب، واذكره، وتضرّع إليه، في إنابة وطاعة وإخلاص سبحانه، ربّ الكون كلّه والتوكّل عليه هو التوكل الواجب في هذا الوجود.

[الآية ١٠]: واصبر على ما يقولون في حقّك وحقّ ربك، واهجرهم هجرا جميلا، بأن تجانبهم وتغضي عن زلّاتهم ولا تعاتبهم.

[الآية ١١]: ثم توعّد المشركين وتهدّدهم، وقال لنبيه: اترك عقابهم لي وحدي، فأنا كفيل بهم، هؤلاء الذين تنعّموا في نعمائي، أمهلهم وقتا قليلا، وسترى ما يحلّ بهم.

[الآية ١٢]: إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا أي قيودا ثقيلة توضع في أرجلهم، كلّما أرادوا أن يرتفعوا جذبتهم إلى أسفل، ثم هناك الجحيم.

[الآية ١٣]: والطعام ذو الغصّة، الذي يمزّق الحلوق والعذاب الأليم، جزاء مناسب لمن كفر بنعمة الله.

[الآية ١٤]: ويمتد الهول في يوم القيامة إلى الأرض، فتضطرب وتهتزّ وإلى الجبال فتتمزّق أجزاؤها، وتصير كالصوف المنفوش، أو كومة الرمل المهيلة، بعد أن كانت حجارة صمّاء متماسكة.

[الآيتان ١٥- ١٦]: ويلتفت القرآن الكريم إلى أهل مكة فيخاطبهم، ويهزّ قلوبهم هزّا، ويخلعها خلعا بعد مشهد الأرض والجبال، وهي ترتجف وتنهار، فيحذّرهم ممّا أصاب فرعون الجبّار، وقد أخذه الله أخذ عزيز مقتدر ومضمون القول: لقد أرسلنا إلى فرعون رسولا، فعصاه، فأخذناه أخذا وبيلا وأرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم، فاحذروا أن تعصوه، فيصيبكم مثل ما أصاب فرعون.

[الآيتان ١٧- ١٨]: وهبوا أنكم لا تؤخذون في الدنيا، كما أخذ فرعون فكيف تتّقون عذاب يوم القيامة وهو هول يشيّب الولدان، وتنشق السماء من شدّته وكان وعد الله ثابتا مؤكّدا لا خلف فيه، وهو سبحانه فعّال لما يريد.

[الآية ١٩]: وأمام هول الآخرة يقول لهم ما معناه: إن هذه الآيات تذكرة وعبرة، فمن شاء اعتبر بها، واتّخذ طريقا إلى الله وهو آمن سالم، قبل مجيء هذا الهول العصيب.

وفي الآية الأخيرة من السورة، نجد لمسة التخفيف النديّة، ودعوة التيسير الإلهي فقد لبّى النبيّ(ص) الدعوة إلى قيام الليل، ولبّى المسلمون الدعوة، وتجافت جنوبهم عن المضاجع، وقاموا الليل حتّى تورّمت أقدامهم من طول القيام وقد أشار القرآن الكريم إلى أنّ الله، سبحانه، يعلم أنّ الرسول(ص) يقوم الليل وأنّه سبحانه يرى تقلّبه(ص) في الساجدين وأنّه سبحانه يعلم أنكم لن تحصوا ساعات الليل إحصاء تاما، فإذا زدتم على المفروض ثقل ذلك عليكم وكلفتم ما ليس بفرض وإن نقصتم شقّ هذا عليكم، فتاب عليكم ورجع بكم من تثقيل إلى تخفيف، ومن عسر إلى يسر وطلب إليكم أن تصلّوا ما تيسّر من الليل، على قدر طاقتكم.

وإن لهذا التخفيف حكمة أخرى، وهي أنه سبحانه علم أن سيكون منكم مرضى، وآخرون يسيحون في الأرض، يطلبون من فضل الله بالتجارة أو العلم، وآخرون يقاتلون في سبيل الله، فقد علم الله تعالى أن سيأذن لكم في الانتصار ممّن ظلمكم بالقتال، فصلّوا ما تيسّر لكم من صلاة الليل، بدون تقيّد بقدر محدّد، وأقيموا الصلاة المفروضة، وآتوا الزكاة الواجبة، وتصدّقوا بعد ذلك قرضا لله، يبق لكم خيره، ويردّه الله إليكم أضعافا مضاعفة. وما تقدّموا لأنفسكم من صدقة، أو عمل صالح في الدنيا، تجدوا ثوابه عند الله يوم القيامة، خيرا ممّا أوتيتم في دار الدنيا، وأعظم منه أجرا واتّجهوا إلى الله مستغفرين، إن الله غفور رحيم.

إنّها لمسة الرحمة والتخفيف، بعد عام من الدعوة إلى القيام وقد خفّف الله سبحانه عن المسلمين فجعل قيام الليل لهم تطوّعا لا فريضة.

أمّا رسول الله(ص) فقد مضى على نهجه مع ربّه، لا يقلّ قيامه عن ثلث الليل، يناجي ربّه ويستمدّ منه العون والتوفيق، في أداء رسالته. ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ[٨].

خلاصة أحكام السورة

أمر الله عز وجل رسوله(ص) بما يأتي:

  1. قيام ثلث الليل أو نصفه أو ثلثيه.
  2. قراءة القرآن بتؤدة وتمهّل.
  3. ذكر ربه ليلا ونهارا، بالتحميد والتسبيح والصلاة.
  4. التوكّل على الله سبحانه، والاعتماد عليه.
  5. الصبر على ما يقول الكفّار فيه، من أنّه ساحر أو شاعر وأن يهجرهم هجرا جميلا بمجانبتهم ومداراتهم وأن يكل أمرهم إلى ربّهم فهو الذي يكافئهم، وسيرى عاقبة أمرهم.
  6. التخفيف من صلاة الليل، بعد أن شقّ ذلك عليهم لأعذار كثيرة والاكتفاء بما تيسّر من صلاة الليل ففي الصلاة المفروضة غنية للأمّة، مع إيتاء الزكاة ودوام الاستغفار.

ترابط الآيات في السورة[٩]

تاريخ نزولها ووجه تسميتها

نزلت سورة المزمّل بعد سورة القلم، وكان نزول سورة القلم فيما بين ابتداء الوحي والهجرة إلى الحبشة، فيكون نزول سورة المزمّل في ذلك التاريخ أيضا.

وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا[١٠] وتبلغ آياتها عشرين آية.

الغرض منها وترتيبها

الغرض من هذه السورة تهيئة النبي(ص) للدعوة، وقد اقتضى هذا أمره بالصبر عليهم وإنذاره لهم. وقد ناسبت، بهذا الإنذار، سياق السورة السابقة في إنذارها، ولهذا ذكرت بعدها.

تهيئة النبي(ص) للدعوة الآيات [١- ٢٠]

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا[١١] فأمره بقيام الليل، وترتيل القرآن ليستعين بهذا على ما سيلقي إليه من القول الثقيل، والتكليف الشاق وينشئ نفسا أشدّ موافقة لدعوته وأقوم قيلا ثم أمره سبحانه أن يداوم على ذكره، ويصبر على ما يقولون في حقه، وأن يتركه، ومن أبطرتهم النعمة منهم، فإنّه سيمهلهم ثمّ يذيقهم من عذابه أنكالا وجحيما وسيهلكهم، كما أهلك فرعون حينما عصى رسوله، فأخذه أخذا وبيلا وهذه عظة لهم، ليدركوا أنفسهم قبل أن يحيق العذاب بهم ثم خفّف عليه وعلى أتباعه ما فرضه من قيام معظم الليل، ومداومة ترتيل القرآن، فكلّفهم من هذا بما يطيقون، ووعدهم عليه عظيم الأجر فقال سبحانه: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[١٢].[١٣]

المراجع والمصادر

  1. السيد جعفر شرف الدين، الموسوعة القرآنية

الهوامش

  1. انتقي هذا الفصل من كتاب «أهداف كلّ سورة ومقاصدها»، لعبد الله محمود شحاته، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، ١٩٧٩- ١٩٨٤.
  2. سورة الإسراء، الآية ٧٩.
  3. سورة العلق، الآية ١-٥.
  4. سورة المزمل، الآية ١.
  5. سورة البقرة، الآية ١٧٣.
  6. سورة المزمل، الآية ٢.
  7. سورة المزمل، الآية ١٠.
  8. سورة هود، الآية ٨٨.
  9. انتقي هذا المبحث من كتاب «النظم الفنّي في القرآن»، للشيخ عبد المتعال الصعيدي، مكتبة الآداب بالجمايز- المطبعة النموذجية بالحكمية الجديدة، القاهرة، غير مؤرّخ.
  10. سورة المزمل، الآية ١-٢.
  11. سورة المزمل، الآية ١-٢.
  12. سورة المزمل، الآية ٢٠.
  13. السيد جعفر شرف الدين، الموسوعة القرآنية، ١٠: ٢٠٩ - ٢١٨.