سورة عبس عند أهل السنة

التمهيد[١]

«سورة عبس» سورة مكية، آياتها ٤٢ آية نزلت بعد سورة النجم وهي سورة تصحّح القيم الإنسانية، وتضع الأسس الإسلامية لأقدار الناس وأوزانهم، وتؤكّد أن قيمة الإنسان بعمله وسلوكه، ومقدار اتّباعه لهدى السماء قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ[٢].

وقد نزلت سورة عبس في عبد الله بن أم مكتوم، و أم مكتوم أمّ أبيه، وأبوه شريح بن مالك ربيعة الزهري.

«وذلك أنه أتى رسول الله (ص)، وعنده صناديد قريش: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، و أبو جهل بن هشام، و العباس بن عبد المطلب، يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم. فقال يا رسول الله أقرئني وعلّمني ممّا علّمك الله، وكرّر ذلك وهو لا يعلم شغله بالقوم فكره رسول الله (ص) قطعه لكلامه، وعبس وأعرض عنه، فنزلت فكان رسول الله (ص) بعد ذلك، يكرمه، ويقول: إذا رآه، مرحبا بمن عاتبني فيه ربي، ويقول له: هل لك من حاجة؟

واستخلفه على المدينة مرتين»[٣].

فقرات السورة

تعاتب الآيات الأولى النبي (ص) على إعراضه عن عبد الله بن أمّ مكتوم، وقد جاء يطلب الهدى، ويلحف في طلب العلم، [الآيات ١- ١٦].

ويعالج المقطع الثاني جحود الإنسان، وكفره الفاحش لربّه، وهو يذكّره بمصدر وجوده وأصل نشأته، وتيسير حياته، وتولّي ربّه له في موته ونشره، ثمّ تقصير الإنسان بعد ذلك في أمر ربّه [الآيات ١٧- ٢٣].

والمقطع الثالث يعالج توجيه القلب البشري إلى أمسّ الأشياء به، وهو طعامه وطعام حيوانه، وما وراء ذلك الطعام من تدبير الله وتقديره له: [الآيات ٢٤- ٣٢].

والمقطع الأخير يعرض الصّاخّة التي يشتد هولها، ويذهل الإنسان بها عمّا عداها، وتنقسم الوجوه إلى ضاحكة مستبشرة، وعابسة مغبرّة: [الآيات ٣٣- ٤٢].

وتسكب السورة الإحساس بقدرة هذا الكتاب الخارقة على تغيير موازين الجاهلية، وتصحيح القيم، وتغيير المثل الأعلى، فبعد أن كان احترام الإنسان لجاهه أو ماله، أو منصبه ومركزه، أو مظاهر سطوته وجبروته وقوّته، أصبح المثل الأعلى في الإسلام طلب الحق والهدى، والتزام هدى السماء، ومراقبة الله والتزام أوامره، والعمل بأحكامه، وصدق الله العظيم: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ[٤].

وتبين آية أخرى أن الله جلّ جلاله يأمرنا بمكارم الأخلاق وينهانا عن المنكرات، فيقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[٥].

مع آيات السورة

[الآيتان ١ و٢]: قطّب الرسول (ص) وجهه وأعرض، لأنّ الأعمى جاءه وقطع كلامه. وفي العدول عن الخطاب للغيبة التفات بلاغي، سرّه عدم توجيه اللوم والعتاب إلى الرسول (ص). ثم التفت إلى الخطاب بعد هاتين الآيتين، عند ما هدأت ثورة العتاب، وبدأ التلطّف.

[الآيتان ٣ و٤]: وما يعلمك لعلّ هذا الرجل الأعمى الفقير يتطهر، ويتحقّق منه خير كبير، ويشرق قلبه بنور الإيمان، فتنفعه الموعظة: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ[٦].

[الآيات ٥- ٧]: أمّا من أظهر الاستغناء عنك وعن دينك، وعمّا عندك من الخير والإيمان، فأنت تتصدّى له، وتحفل بأمره، وأنت مبلّغ عن الله، عليك البلاغ، وليس عليك هداهم، ولا يضيرك إعراضهم.

[الآيات ٨- ١٠]: وأمّا عبد الله بن أمّ مكتوم، الذي جاءك طائعا مختارا ساعيا يخشى ويتوفّى، فأنت تتشاغل عنه بهؤلاء الأشراف من قريش ثم تتصاعد نبرة العتاب لتبلغ حدّ الردع والزجر.

[الآيات ١١- ١٦]: (كلا)، لا يكن ذلك أبدا.

إنّ هداية القرآن غالية عالية، فمن شاء اهتدى بها وتذكّر أحكامها، واتّعظ بها وعمل بموجبها. وهذا الوحي كريم على الله، كريم في كل اعتبار، منزّه عن النقص والضلالة، قد دوّن في صحف مكرّمة ذات شرف ورفعة، مطهّرة من النقائص والضلالات، تنزّل بواسطة الملائكة على الأنبياء، وهم يبلّغونها للناس.

والملك سفير لتبليغ وحي السماء، والرسول سفير لتبليغ الدعوة إلى الناس، وهم كرام أبرار أطهار لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

وقد بلّغ النبي الكريم وحي السماء، وغيّر كثيرا من المفاهيم السائدة، وجعل أسامة بن زيد أميرا على جيش به أجلّاء الصحابة، ووضع في نفوس أصحابه تقدير الناس بأعمالهم فقط لا بأحسابهم وأنسابهم يقول عمر بن الخطاب: «لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لاستخلفته». ويقول عمر أيضا: «أبو بكر سيّدنا وأعتق سيّدنا» أي أنّ أبا بكر أعتق بلالا مؤذّن الرسول الأمين (ص).

[الآيات ١٧- ٢٣]: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ[٧] دعاء على الكافر، فإنه ليستحقّ القتل على شدة كفره وجحوده، ونكرانه لنعم الله عليه، لماذا يتكبّر وهو مخلوق من أصل متواضع زهيد، يستمدّ كلّ قيمة من فضل الله ونعمته، ومن تقديره وتدبيره. لقد خلقه الله من نطفة، فمرّت النطفة بأطوار كثيرة، في بطن الأم، ومرّ هو بأطوار عدّة خارج بطنها، رضيعا فطفلا فشابّا فكهلا فشيخا. ثمّ يسّر الله له سبيل الهداية، ومنحه العقل والإرادة، ومكّنه من القدرة على الاختيار، وعرّفه عاقبة كلّ عمل ونتيجته قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا[٨]، أي بيّنّا له الطريق ومنحناه القدرة على الاختيار، وبيّنا له سبيل الهدى والضلال، فإمّا أن يشكر ربه ويمتثل لأمره، وإمّا أن يكفر بنعمه ويخالف أمره حتّى إذا انتهت حياة الإنسان سلب الله روحه، ومنّ عليه بالموت وهو نعمة كبرى، ولولا الموت لأكل الناس بعضهم بعضا، ولضاقت الأرض بمن عليها. ومن نعم الله أن شرّع دفن الميت، وحفظه في باطن الأرض، حتّى لا يترك على ظهرها للجوارح والكواسر.

ومن نعم الله، أيضا، أن يبعث الموتى، وينشرهم ويخرجهم من قبورهم، لمكافأة الطائع ومعاقبة العاصي. عجبا للإنسان الجاحد، فإنه بالرغم من النعم الظاهرة والباطنة، التي أحاطه الله تعالى بها، لم يمتثل ما أمره به.

[الآيات ٢٤- ٣٣]: فليتأمل الإنسان تدبير الله، لإمداده بأسباب الحياة والنموّ، ولينظر إلى ألصق شيء إليه، وألزم شيء له، وهو الطّعام، كيف يسّر الله الحصول عليه فقد أنزل له سبحانه المطر من السماء، فانتفعت به الأرض، وانشقّت عنه ثمانية أنواع من النبات هي:

  1. الحبّ كالحنطة والشعير والأرزّ.
  2. العنب والفاكهة.
  3. القضب، وهو ما يؤكل من النبات رطبا وغضّا طريّا.
  4. الزيتون والنخل، وفيهما من القيمة الغذائية الشيء الكثير، والبلح طعام الفقير وحلوى الغنيّ، وزاد المسافر والمقيم.
  5. بساتين ذات أشجار ضخمة مثمرة، وذات حوائط تحيط بها، ﴿غُلْبًا[٩] جمع غلباء أي ضخمة عظيمة، ملتفّة الأشجار.
  6. وفاكهة يتمتّع الإنسان بأكلها، كالتّين والتّفّاح والخوخ وغيرها.
  7. والأبّ، أي مرعى الحيوان خاصة.

تلك قصّة الطّعام الذي أنبتته يد القدرة، ويسّرت لذلك المطر والرياح والشمس والهواء، وعديدا من العوامل والأسرار الخفيّة، حتّى قضيّة النبات، فيتمتّع بأكله الإنسان والحيوان.

[الآيات ٣٣- ٤٢]: فإذا جاءت القيامة التي تصخّ الآذان بسماع أهوالها، في ذلك اليوم يشتدّ الهول، وينشغل الإنسان بنفسه عن أقرب الناس إليه، ويفرّ من أخيه، وأمّه وأبيه، وزوجته وبنيه لقد اشتدّ الفزع النفسيّ ففرّ الإنسان ممّن يفديهم بنفسه في الدّار الدّنيا، وقد شغله خوف الحساب، ومشاهد القيامة، ومظهر البعث والحشر والجزاء، عن كلّ شيء.

في ذلك اليوم، ترى وجوها مستنيرة مشرقة، ترجو ثواب ربّها، مطمئنّة بما تستشعره من رضاه عنها وترى وجوها أخرى، يغشاها غبرة الحزن والحسرة، ويعلوها سواد الذلّ والانقباض، هؤلاء هم الذين جحدوا آيات ربّهم، ولم يؤمنوا بالله ورسله، وانتهكوا الحرمات، وتعدّوا حدود الله، فاستحقّوا كلمة العذاب.

مقاصد السورة

  1. عتاب الرسول (ص) على ما حدث منه مع ابن أمّ مكتوم الأعمى.
  2. ذكر شرف القرآن، وبيان أنه موعظة لمن عقل وتدبّر.
  3. إقامة الأدلّة على وحدانية الله، بخلق الإنسان، والنظر في طعامه وشرابه.
  4. أهوال يوم القيامة.
  5. انقسام النّاس في الآخرة إلى سعداء وأشقياء.

ترابط الآيات في السورة[١٠]

تاريخ نزولها ووجه تسميتها

نزلت سورة «عبس» بعد سورة النجم، ونزلت سورة النجم فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء، فيكون نزول سورة عبس في ذلك التاريخ أيضا.

وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى[١١]. وتبلغ آياتها اثنتين وأربعين آية.

الغرض منها وترتيبها

الغرض من هذه السورة، التسوية بين الناس في الدعوة، وكان عبد الله بن أمّ مكتوم أتى النبيّ (ص) وعنده صناديد قريش يدعوهم إلى الإسلام، فطلب منه أن يقرئه ويعلّمه ممّا علّمه الله، فعبس وأعرض عنه لقطعه كلامه، فنزلت هذه السورة عتابا له، وقد انتقل فيها من عتابه إلى سياق الترهيب والترغيب، فوافقت في هذا سياق سورة النازعات، وهذا هو وجه المناسبة في ذكرها بعدها.

التسوية بين الناس في الدعوة الآيات [١- ٤٢]

قال الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى[١٢] فذكر سبحانه أن الرسول (ص) عبس للأعمى ولعلّه ينتفع بما يعظه به، وأنه تصدّى لمن استغنى فأبطره غناه وأطغاه وليس عليه شيء من أمره، وأعرض عمّن سعى إليه وهو يخشى ربه، ثمّ زجره عن العود إليه لأنه ليس عليه إلّا أن يبلّغ ويذكّر فمن شاء أن يتذكّر ذكره في صحف مكرّمة، ومن لم يشأ ذلك فلا قيمة له، وإن بلغ في الغنى ما بلغ. ثمّ عجب ممّن كفر من أولئك الصناديد واغترّ بغناه وهو لا يدري أنه خلقه من نطفة قذرة، فقدّره ويسّر له الخروج من الرّحم، ثمّ أماته فأقبره وصيّره إلى جيفة مذرة، ثمّ إذا شاء أنشره، وحاسبه على طغيانه وتكبّره فما أحقّه أن يرتدع عن ذلك، وهو لمّا يقض شيئا ممّا أمره ثم أمر الواحد منهم أن ينظر إلى طعامه الذي أبطره، فإنّه لم يحصل إلّا بعد أن صبّ الله المطر وشقّ الأرض، فأنبت فيها حبّا وعنبا وغيرهما، ممّا هو متاع لهم ولأنعامهم فإذا جاءت الصّاخّة (القيامة)، يوم يفرّ المرء من أهله الذين كان يعتزّ بهم في دنياه، ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ[١٣].[١٤]

المراجع والمصادر

  1.   السيد جعفر شرف الدين، الموسوعة القرآنية

الهوامش

  1. انتقي هذا الفصل من كتاب «أهداف كلّ سورة ومقاصدها»، لعبد الله محمود شحاته، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، ١٩٧٩- ١٩٨٤.
  2. سورة الحجرات، الآية ١٣.
  3. تفسير النيسابوري ٣٠/ ٣٦.
  4. سورة الحجرات، الآية ١٣.
  5. سورة النحل، الآية ٩٠.
  6. سورة الزمر، الآية ٢٢.
  7. سورة عبس، الآية ١٧.
  8. سورة الإنسان، الآية ٣.
  9. سورة عبس، الآية ٣٠.
  10. انتقي هذا المبحث من كتاب «النظم الفنّي في القرآن»، للشيخ عبد المتعال الصعيدي، مكتبة الآداب بالجمايز- المطبعة النموذجية بالحكمية الجديدة، القاهرة، غير مؤرّخ.
  11. سورة عبس، الآية ١-٢.
  12. سورة عبس، الآية ١-٢.
  13. سورة عبس، الآية ٣٧-٤٢.
  14. السيد جعفر شرف الدين، الموسوعة القرآنية، ١١: ٦٥- ٧٤.