سورة نوح
التمهيد[١]
سورة نوح سورة مكية، آياتها ٢٨، نزلت بعد سورة النحل.
فكرة السورة
السورة قصة نبيّ من أولي العزم من الرسل، أرسله الله تعالى إلى قومه ليدعوهم إلى الإيمان، فقاوموا دعوته، وأنكروا رسالته، فلفت نوح(ع) نظرهم إلى التأمّل في خلق السماء والشمس والقمر، والأرض والنبات وسائر المخلوقات، ولكنّهم صمّوا آذانهم عن سماع الحق، وحجبوا عيونهم عن النظر في الأدلّة الواضحة والحجّة الدامغة، فاستحقّوا عقاب الله وأغرقوا بالطوفان في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب شديد.
أهداف الرسالات
السورة نموذج حيّ لمعاناة الرسل مع قومهم، وجهادهم في سبيل الدعوة، لقد مكث نوح(ع) مع قومه ألف سنة إلّا خمسين عاما، وما آمن معه إلّا قليل ولقد كان عناد قومه سببا في هلاكهم. وكأن الله سبحانه أراد أن يحذّر أهل مكة من العناد، وأن يذكّرهم بمن أهلك من الكافرين قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾[٢].
يعني لقد أهلك الله قوم نوح، وأهلك من بعده عددا كبيرا كعاد وثمود وفرعون وكان هلاكهم جزاء عادلا، وعقابا مناسبا، لقوم يعلم الله إصرارهم على الكفر، وبعدهم عن قبول الحق.
لقد صبر الرسل، وصابروا، من أجل إبلاغ الدعوة إلى قومهم، وحملوا كلمة الله ناصعة نقية واضحة سليمة، وعرضوها أمام العيون والقلوب لتبصر وترى آثار قدرة الله وعظيم خلقه، وليكون إيمانها عن بيّنة ويقين، ولئلا يحتجّ إنسان يوم القيامة بأن الرسالة لم تبلغه قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾[٣].
ومن هؤلاء الرسل، خمسة كانوا أكثر معاناة مع قومهم، وهم سيدنا نوح، وسيدنا إبراهيم، وسيدنا موسى، وسيدنا عيسى، وسيدنا محمد عليهم الصلاة والسلام.
وقد كان جهادهم مع قومهم، آية في تحمّل البلاء والصبر على الإيذاء والعناد، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾[٤].
لقد صبر نوح(ع) دهرا طويلا على قومه، وألقي إبراهيم(ع) في النار، وأوذي موسى(ع) أبلغ الأذى فصبر، وحاول اليهود الإيقاع بالمسيح(ع) والإغراء بقتله فرفعه الله تعالى اليه، وكان خاتم الرسل محمد (ص) يتحمّل صنوف الأذى وألوان الاضطهاد في مكّة، ويتحمل نفاق المنافقين وكيد اليهود في المدينة. ولكنّ العاقبة كانت للمتقين. لقد أدّى الرسل واجبهم، وبلّغوا رسالتهم، ونجّاهم الله مع المؤمنين، ثم عاقب الجاحدين.﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾[٥].
مع آيات السورة
[الآيات ١- ٤]: أرسل الله نوحا(ع)، ليدعو قومه إلى عبادة الله سبحانه وطاعته، وقد بلّغ نوح دعوة ربه إلى قومه، ولخّص دعوته في ثلاث كلمات: اعبدوا الله وحده واتقوه وآمنوا به عن يقين وأطيعوا رسولكم فيما يأمركم به، وينهاكم عنه.
وبهذا الإيمان تستحقّون مغفرة الله لكم، والبركة في أعماركم، ولا شكّ أنّ للطاعات مدخلا في راحة البال واستقرار العيش، وهدوء النفس، وهذا بلا ريب، يطيل هناءة العمر، ويجعله مباركا حافلا بالأعمال النافعة.
[الآيات ٥- ٩]: تعبّر الآيات عن جهود نبيّ كريم، في دعوة قومه إلى الإيمان، فهو يؤدّي رسالته، وينهض بدعوة قومه ويناجي ربّه قائلا ما معناه: لقد دعوت قومي إلى عبادتك والإيمان بك في الليل والنهار، وانتهزت كلّ فرصة مناسبة، لدعوتهم وإرشادهم ولكنّهم لم يستجيبوا لدعوة الله، وقابلوها بالجحود والعناد، وأغلقوا في وجه الدعوة قلوبهم، وسدّوا منافذ العلم إلى نفوسهم، فجعلوا أصابعهم في آذانهم، ليمنعوها من السمع، وغطّوا عيونهم بثيابهم ليمنعوها من الإبصار واستمروا في عنادهم وكفرهم.
وقد لوّن نوح(ع) في أساليب الدعوة، فدعاهم علنا في أماكن التجمّع فلم يستجيبوا، فدعا كل فرد على حدة، وحاول استمالة الأشخاص واقناعهم، فلم يلق قبولا.
[الآيات ١٠- ١٢]: وقد دعاهم إلى التوبة والإنابة، وطلب المغفرة من الله فإذا صدقوا في توبتهم غمرهم الله بالنعم، وأنزل عليهم المطر، ورزقهم الأموال والذّريّة، والبساتين النضرة والمياه الجارية.
[الآيات ١٣- ٢٠]: لم لا تعظّمون الله وهو خالق الأوّلين والآخرين في أطوار وجودهم، وجميع ما في الكون يدلّ على الله؟ فالسماوات السبع المتطابقة بعضها فوق بعض، والشمس والقمر، وخلق الإنسان ونموّه كما ينمو النبات، ثم عودته إلى الأرض بعد الموت، والأرض الممهّدة، المهيّأة للانتفاع بما في باطنها من كنوز ومعادن، وما في ظاهرها من زراعة وصناعة وتجارة، هذه المخلوقات كلّها تدلّ على الإله الخالق.
[الآيات ٢١- ٢٥]: في هذا المقطع نسمع آلام نبيّ كريم، قدم لقومه مختلف الحجج والبراهين، ولكنّ قومه قابلوا دعوته بالتكذيب والعصيان، واتّبعوا الخاسرين الهالكين، والزعماء المضللين، وبيّتوا أمرهم بالكيد لنوح ودعوته، وتواصوا بالبقاء على كفرهم ومألوفهم وعبادة أصنامهم، وخصّوا بالذكر الأصنام الخمس الكبار وهي: ودّ، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، وهي أصنام كان قوم نوح يعبدونها، ثم عبدتها العرب. وهنا ضاق نوح بقومه، وضلالهم الكثير، فدعا الله أن يزيدهم ضلالا جزاء عنادهم: لقد ارتكبوا كثيرا من الأخطاء، ولذلك أغرقهم الله بالطوفان، ثم أدخلوا في عذاب القبر، وعذاب النار، ولم يجدوا أحدا ينصرهم وينقذهم من عذاب الله.
وهكذا يكون جزاء كلّ كافر معاند، أن يحلّ به بطش الله القويّ الغالب: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾[٦].
[الآيتان ٢٦- ٢٧]: وفي آخر السورة زفرات نبي مكلوم مكث ألف سنة، ثم قوبل بالجحود، فسأل ربّه أن يهلك جميع الكافرين، وألّا يترك منهم أحدا، وليس ذلك حبّا في الانتقام، ولكن رغبة في نظافة الأرض منهم، لأنّ بقاءهم كفّارا، يخشى منه أن يفتنوا المؤمنين، ويضلّوهم بالرغبة أو الرهبة ولا يخرج من أصلاب هؤلاء الكافرين إلّا فاجر كافر، فالإناء ينضح بما فيه.
[الآية ٢٨]: وفي آخر آية تبتّل نبي كريم بدعاء نديّ رضيّ، يطلب فيه مغفرة الله له ولوالديه، ولمن دخل في دعوته وآمن به، ولسائر المؤمنين والمؤمنات أمّا الظالمون فلا يستحقّون الهداية، التي أعرضوا عنها، بل يستحقون أن يزيدهم الله ضلالا إلى ضلالهم فمن أعرض عن الله سبحانه، سلب عنه تعالى الهدى والتوفيق، وتركه يتخبط في دياجير الظلام: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾[٧].
المعنى الإجمالي للسورة
الهدف الرئيس للسورة، بيان دعوة نوح(ع) وحرصه على إيمان قومه، وقد حوت هذه الدعوة ما يأتي:
- طلب تركهم للذنوب، وأنهم إذا فعلوا ذلك، أكثر الله لهم المال والبنين.
- النظر في خلق السماوات والأرض، والأنهار والبحار.
- النظر في خلق الإنسان، وأنه سبحانه يخلق في الأرض كما يخلق النبات، وأنّ الأرض مسخّرة له، يتصرّف فيها، جلت قدرته، كما يشاء.
وبيّنت السورة، كفر قوم نوح وعنادهم، وعقابهم في الدنيا والآخرة.
ترابط الآيات في السورة[٨]
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة نوح بعد سورة النحل، ونزلت سورة النحل بعد الإسراء وقبيل الهجرة فيكون نزول سورة نوح، في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أولها: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[٩] وتبلغ آياتها ثماني وعشرين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة: إنذار المشركين بما حصل لقوم نوح(ع) حينما عصوه. وبهذا تكون موافقة للسّور المذكورة قبلها في سياق الإنذار، وهذا هو وجه المناسبة في ذكرها بعدها.
قصة نوح الآيات [١- ٢٨]
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[١٠]، فذكر تعالى أنه أرسل نوحا(ع) إلى قومه، لينذرهم قبل أن يعذّبهم على كفرهم وأن نوحا(ع) دعاهم إلى عبادة الله جل جلاله، ليغفر لهم ذنوبهم وكان كلّما دعاهم أصرّوا واستكبروا وأنه كان يكرر الدعوة، ويقيم لهم الأدلة على ألوهيّة الله سبحانه، إلى أن يئس نوح(ع) منهم ودعا ربه أن يهلكهم لأنه إن تركهم، يضلّوا عباده، ولا يلدوا إلا فاجرا كافرا. ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾[١١].[١٢]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ انتقي هذا الفصل من كتاب «أهداف كلّ سورة ومقاصدها»، لعبد الله محمود شحاته، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، ١٩٧٩- ١٩٨٤.
- ↑ سورة الإسراء، الآية ١٧.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٦٥.
- ↑ سورة الأحقاف، الآية ٣٥.
- ↑ سورة الصافات، الآية ١٧١-١٧٣.
- ↑ سورة الفجر، الآية ٦-١٤.
- ↑ سورة التوبة، الآية ٦٧.
- ↑ انتقي هذا المبحث من كتاب «النظم الفنّي في القرآن»، للشيخ عبد المتعالي الصعيدي، مكتبة الآداب بالجمايز- المطبعة النموذجية بالحكمية الجديدة، القاهرة، غير مؤرّخ.
- ↑ سورة نوح، الآية ١.
- ↑ سورة نوح، الآية ١.
- ↑ سورة نوح، الآية ٢٨.
- ↑ السيد جعفر شرف الدين، الموسوعة القرآنية، ١٠: ١٦١ - ١٦٨.