صفات الله في نهج البلاغة
تمهيد
قال سيد الموحدين (ع): «الحمدُ لله الذي أظْهَرَ من آثارِ سلطانِه وجلالِ كبريائِه ما حَیرَّ مُقَلَ العقولِ من عجائبِ قدرتِه، ورَدَعَ خَطَرَاتِ هَماهِمِ النفوسِ عن عِرْفَانِ كُنْهِ صِفَتِه.».[١]
أولاً: «وبَحرٌ عَمِيْقٌ فلا تَلِجُوهُ»
إن بحث الصفات بحر عميق متلاطم الأمواج فهو يتحدث عما يليق وكيف يليق بالذات المقدسة الإلهية، ولما كانت الذات الإلهية في حدِّ ذاتها لا يُعلم كنهُها ولا يتأتَّى للعقل الوقوفُ على ساحلها فكيف يمكن الولوج إلى أعماقهاوأسرارها؟!
يركِّز الإمام (ع) على عجز الإنسان وقصوره الذاتي عن إدراك ما يشاهد أو ما لا يشاهد من المخلوقات كحديثه (ع) عن ملك الموت (ع) فإن الإنسان يجهل وصف هذه الذات المخلوقة ومعرفة أسرارها وشؤونها فكيف يصف ويحيط بخالقها بل لا قياس في المقام أصلاً، وكفى بهذا اعترافًا بعجزنا.
بل يذكر الإمام (ع) أن الأولياء والمقرَّبین وُصِفُوا بالراسخين في العلم لاعترافهم بقصور أفكارهم وإدراكاتهم عن الإحاطة بصفات الله تبارك تعالى.[٢]
ثانيًا: أقسام الصفات
صفات الذات المقدسة تقسَم إلى صفات ثبوتية وهي صفات الجمال والكمال، وصفات سلبية وهي صفات الجلال.
والصفات الثبوتية تُقسَم أيضًا إلى قسمين:
- الصفات الثبوتية الذاتية أو صفات الذات.
- الصفات الثبوتية الفعلية أو صفات الأفعال، ويعبر عنها بالصفات الثبوتية الإضافية.
وهذا التقسيم هو بملاحظة ما يليق بالذات المقدسة وما لا يليق بحسب ما نتعلمه من أمیر المؤمنین (ع) الذي علَّم الناس التوحيد وعرَّفهم على الله التعريف الممكن لعقولهم أن تدركه أو تدرك شيئًا منه.
وهنا تفصيلات أخرى في هذا التقسيم كإرجاع بعض الصفات لبعضها مثل علاقة الإرادة بالعلم وغیر ذلك مما لا يهمنا التعرض له هنا.[٣]
ثالثًا: مقياسٌ دقيق للتفريق بين صفات الذات وصفات الأفعال؟؟؟
صفات الذات كثرة من أهمها العلم والقدرة والحياة والإرادة والغنى، وكذلك صفات الأفعال ومنها الخلق والرزق.
وهنا مقياس دقيق للتفريق بين صفات الأفعال وصفات الذات، فمن ذلك:
- يلاحظ في صفات البشر أن الصفة شيء والموصوف شيء آخر، فإذا وُصِفَ شخص بأنه شاعر أو مهندس فمن الواضح أن هذا الشخص «الموصوف» شيء والشعر أو الهندسة «الصفة» شيء آخر، وهذا جليٌّ جدًّا. بينما في حقّ الذات المقدسة لا نجد هذا، بل نجد أن صفات الذات ليست شيئًا آخر غیر الذات فهنا الصفة والموصوف شيء واحد أي صفاته «الذاتية) هي عین ذاته، بينما صفات الأفعال صفات إضافية كما قدمنا.
- وقد يكون هذا الأمر تتميماً أو توضيحًا للأمر الأول، وهو أن صفات الذات لا تنفك عن الذات، فا يمكن تصور أن الله موجود ولكنه غیر عالم أو غیر قادر، بينما يمكن تصوّر الله تعالى موجودًا دون صفة من صفة الأفعال، مثلاً كان الله ولا سماء ولا أرض ولا كائن، إذن كان الله موجودًا ولم يكن خالقًا ثم خلق فكان خالقًا.
- صفات الذات لا يمكن وصف الله بعكسها فا يقال علم الله هذا الأمر ولم يعلم هذا الأمر، أو قدر على هذا ولم يقدر على هذا، بينما صفات الأفعال يمكن وصف الله تعالى بعكسها فيصح أن يقال إن الله تعالى رزق فلانًا ولم يرزقني بستانًا مثلاً، أو أن الله خلق هذا الولد لي ولم يخلق لي ولدًا آخر.[٤]
رابعًا: قال إمام الموحدين (ع) في وصفه لله سبحانه وتعالى
- 1. قال (ع)[٥]: «الحمدُ لله الذي أظهرَ من آثارِ سلطانه وجلال كبريائه ما حیرَّ مُقَلَ العقولِ من عجائب قدرته»: المُقَل جمع مقلة وهي شحمة العین التي فيها السواد والبياض، ونسبتها إلى العقول من باب الاستعارة فليس للعقول عيون تبصر، وإنما المراد أن العقول لديها القدرة على النظر الفكري أي الإدراك ومع ذلك فهي حائرة أمام آثار سلطانه وجلال كبريائه.
- «ورَدَعَ خطراتِ هَماهِمِ النفوسِ عن عرفان كُنْهِ صفته»: الهماهم يعني ما يهم النفس أي همومها في طلب العلم، فيقول لها بلسان الحال والواقع إنها تعود خاسئة حسیرة عاجزة عن الوصول إلى كنه صفاته تبارك وتعالى.
- 2. وقال (ع)[٦]: «الذي ليس لصفتِه حَدٌّ محدودٌ ولا نعتٌ موجود»: وهذه النقطة يجعلها الإمام (ع) ركيزةً في تعليم الناس طريقة التعامل مع الله بأننا نجهل كنهه وحقيقته وصفاته ولذلك لا يمكننا الإحاطة به تعالى وتقدس.
- «وكمالُ الإخلاصِ له نفيُ الصفاتِ عنه»: ماذا يعني الإمام (ع) بهذه العبارة؟! كيف ننفي الصفاتِ عنه رغم أنه وَصَفَ نفسه في كتابه ووصفه رسوله ووليُّه (صلى الله تعالى عليها وآلهما) بأفضل الصفات؟! نعم لا يراد من هذا ما قد يُتوهم من ظاهر العبارة بل يراد ما بيّنته العبارة التي بعد هذه العبارة مباشرةً بقوله(ع):
- «لشهادةِ كلِّ صفةٍ أنها غيرُ الموصوف، وشهادةِ كلِّ موصوفٍ أنه غيرُ الصفة»: فقد بيَّنا أن قولنا: فلان المهندس أو الشاعر، فيه فلان «الموصوف» شيء والشِعْر أو الهندسة «الصفة» شيء آخر ويمكن تَعَقُّلُ الموصوف مستقلّاً دون الصفةكما يمكن تَعَقُّلُ الصفة مستقلة دون الموصوف، فكل منهما معنى قائم بذاته.
- ويا لروعة أمیر المؤمنین (ع) في تعبیره «لشهادة» فهو يقول إن مجرد لفظ «صفة» و«موصوف» شهادة منهما أنهما ليسا شيئًا واحدًا، وحتى في الإعراب النحوي عندنا صفة وموصوف، بينما الصفات الذاتية لله تعالى هي عن ذاته ولا يمكن أن تكون هناك اثنينية: صفة وموصوف، وما المانع من الاثنينية؟ يجيب (ع): «فَمَنْ وَصَفَ اللهَ سُبْحَانَهُ فقَدْ قَرَنَهُ، ومَنْ قَرَنَهُ فقَدْ ثنَّاهُ، ومَنْ ثنَّاهُ فقد جَزَّأَهُ ومَنْ جَزَّأَهُ فقَدْ جَهِلَه». لأنه وصفه بما لا يصحّ عليه، فالذي يتجزّأ إلى شيئين أو أكثر إنما هو الجسم المخلوق، تعالى الله الخالق وتقدّس.
- «ومَنْ جَهِلَهُ فقَدْ أَشَارَ إِلَيه»: فيشير إليه بما هو موصوف مستقل عن صفاته تعالى.
- «ومَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ فقَدْ حَدَّه»: فيأخذ الإمام (ع) في بيان المفارقات التي تترتب على هذا التصوّر الخاطئ. إذن «نفيُ الصفات عنه» يعني عدم جعلها مستقلة عن ذاته جلَّ وعلا، فالواقع أنه ليست هناك صفات متعددة فهو عالم بما هو حيٌّ وحيٌّ بما هو قادر وهذه الكمالات مجتمعة هي الذات المقدسة.
- وهنا ثلاثة آراء:
- أن كل صفات الله حادثة. أي كان الله ولم يكن معه أو فيه شيء من صفاته ثم حدثت. وهذا الرأي لبعض أهل السنة وهو منبوذ، والرأيان الرئيسان هما:
- أن صفاته تعالى هي عین ذاته ولا اثنينية في المقام كما قال سيد الموحدين ومن علَّم الناس التوحيد مولانا أمیر المؤمنین(ع). وقد أخذ بهذا الرأي العَدْلية الذين هم الإمامية والمعتزلة.
- أن صفاته ليست حادثة بل هي قديمة ولكنها مستقلة عن ذاته فليست هي عین ذاته. وهو رأي الأشاعرة الذين هم الكثرة الكاثرة من المسلمين في مجال الاعتقاد. أي أن الصفات التسع أو الثمان بالإضافة إلى الله تعالى كلها قدماء وتعدد القدماء تعدد في الآلهة، فإذا كان النصارى قالوا بآلهة ثلاثة فقد قال هؤلاء بآلهة تسعة، ولا نقول أنهم يعتقدون بآلهة تسعة إنما ذلك لازِمُ مقولتهم. ولهذا قال الفخر الرازي العالم الشهير: «إن النصارَى أثبتوا ثلاثةَ قدماءَ وأصحابنا أثبتوا تسعة .»[٧].[٨]
خاتمة
سمع الإمام الصادق (ع) رجلاً يُكَبرِّ «الله أكبر» فسأله الإمام (ع): « أكبر من أي شيء؟ فقال الرجل: أكبر من كل شيء، فقال الإمام (ع): كان الله ولم يكن شيء معه، فإذن أكبر من كل شيء؟ «يعني لم يكن هناك شيء حتى يكون أكبر منه» فقال الرجل: فماذا أقول؟ فقال (ع): قل الله أكبر من أن يوصف»[٩]، يعني اعْتَقِدْ بهذا المعنى وإن كان قول «الله أكبر من كل شيء» صحيح ولكن يعَلِّمُه الإمام (ع) أَنَّ الألْيَقَ بالله تعالى حينما نقول «الله أكبر» أن نعتقد أنه أكبر من أن يوصف، والاعتراف بالعجز وصف من الأوصاف بل هو نهاية قدرة الإنسان.[١٠]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص97.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص97.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص98.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص98-99.
- ↑ خ 195، ص 308 .
- ↑ خ 1، ص 39 .
- ↑ معالم الفلسفة الإسلامية، للشيخ محمد جواد مغنية / 117 .
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص99-104.
- ↑ في ظلال نهج البلاغة 1/ 279 .
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص105.