ضرورة الإمامة

من إمامةبيديا

شبهة تنافي غيبة الإمام مع فلسفة ضرورة الإمامة

يذهب الشيعة الاثني عشرية (الإمامية) إلى الاعتقاد بأن النبي الأكرم(ص) لقد عيّن الأئمة الاثني عشر، ونصبهم بأمر من الله سبحانه وتعالى. وإن الأدلة على ضرورة وجود الإمام المعصوم(ع) عبارة عن: (قاعدة اللطف، وقاعدة إمكان الأشرف)[١]، كما أن الأدلة الفلسفية على الإمامة عبارة عن:

  1. هداية الأمة.
  2. المرجعية الدينية.
  3. عدم بلوغ المخاطبين بشكل كامل.
  4. التشريع.
  5. الحكومة.
  6. واسطة الفيض.

وإن هذه الأدلة تقتضي وجود الإمام المعصوم في المجتمع المسلم.

وفي هذه الشبهة يعمد الناقد إلى افتراض تمامية الأدلة على ضرورة الإمامة وأن وجود الإمام المعصوم بعد النبي الخاتم(ص) أمر ضروري، ثم يقول: إن هذه الأدلة تنافى نظرية أخرى للشيعة بشأن غيبة الإمام الثاني عشر؛ إذ إن الشيعة من جهة يؤكدون ويصرون على ضرورة وجود الإمام المعصوم، ومن جهة أخرى يعتقدون من خلال القول بنظرية الغيبة بأن هذا الإمام المعصوم غير حاضر في المجتمع على المستوى الفعلي، وإن المجتمع يعيش - بحسب المصطلح - في عصر الغيبة .

لقد كانت هذه الشبهة مطروحة منذ القرون السابقة، وقد عمد البعض في عصرنا الراهن إلى إعادة صياغتها.

نقد ورأي

في تحليل هذه الشبهة يجدر الالتفات إلى الأمور الآتية:

١. ضرورة الإمام المعصوم في صدر الإسلام: مع وجود النبي الأكرم(ص) لم تكن هناك حاجة إلى وجود فرد آخر يحمل عنوان الإمام أصلاً، ولكن بعد رحيل النبي الأكرم(ص) كان الإسلام يشبه البرعم الفتي الذي يحتاج إلى من يعتني به عناية خاصة؛ إذ لم يكن الناس بعد قد بلغوا المستوى المطلوب من النضج حتى يكتفوا ذاتياً فيما يتعلق بتفسير الدين، وتشخيص الغث من السمين.

وعليه، فإن تطبيق التعاليم الدينية والأحكام الشرعية بحاجة إلى وجود حكومة دينية يقف على رأسها إمام وحاكم معصوم، كي يُفيد من الأداتين اللتين يمتلكهما، أعني: مقام المرجعية العلمية والدينية (الذي هو رهن بالعلم اللدني والعصمة)، والمقام السياسي والقدرة الظاهرة، ليعمل ضمن تفسير الدين الخاتم ورفع الشبهات الصادرة عن المخالفين والجاهلين على مواجهة المحرفين والمعارضين، لينتقل الإسلام إلى الأجيال القادمة، ويجد الإسلام لنفسه بين أفراد المجتمع موضع قدم راسخة. ولحسن الحظ فإن الأداة الأولى المتمثلة بـ (المرجعية العلمية الدينية) بعد رحيل النبي الأكرم(ص) كانت موجودة بين الناس إلى حدّ ما، فكان بإمكان الناس وحتى أتباع الديانات الأخرى أن يطرحوا إشكالاتهم وشبهاتهم على الإمام علي(ع)، وأن يحصلوا منه على الجواب الصحيح والشافي والمنطقي.

وأمّا الأداة الثانية، أي: الحكومة والسلطة السياسية، فقد حرم منها هذا المقام العلمي للأسف الشديد، لأسباب سنأتي على ذكر بعضها فيما بعد، واستمر الحال على ذلك مدة ربع قرن من الزمن، وقد لحق الإسلام الكثير من الضرر من جراء ذلك، ولكن بعد عودة الشرعية إلى الإمام علي(ع) تمكن إلى حد ما من ترميم بعض الأمور وإصلاحها، وبعد الإمام علي(ع) تمكن الأئمة المعصومون من ولده من نقل التعاليم الإسلامية الخالصة إلى الأجيال اللاحقة، حيث كان الإمام الصادق(ع) صاحب مدرسة كبيرة تخرج منها ما يقرب من أربعة آلاف عالم ومفكر ديني كلهم يروي عن الإمام الصادق، ولم يقتصر حضور طلاب العلم عنده على الشيعة فقط، بل كان هناك الكثير من علماء السنة قد تشرفوا بحضور درسه، حتى كان مؤسسو المذاهب الفقهية الأربعة - وهي: المذهب الشافعي والحنبلي والمالكي والحنفي - قد تتلمذوا على يد الإمام مباشرة أو بالواسطة[٢].

من هنا يمكن القول إن جهود الإمام الباقر(ع) و الإمام الصادق(ع) قد أفلحت في إعداد قاعدة علمية من العلماء والمبلغين الأكفاء الذين امكنهم أن يضطلعوا بجزء من الدور والمسؤولية الملقاة على عاتق الإمام والمرجعية الدينية والعلمية في المجتمع.

وبعد استمرار هذه الحركة انخفضت حاجة المجتمع إلى حد ما إلى وجود الإمام المعصوم بينهم، وكان المجتمع يسير باتجاه الاستعداد اللازم للدخول في مرحلة غيبة الإمام المعصوم(ع) . لأن أهم فلسفة في ضرورة الإمام في المجتمع تتمثل بمرجعيته العلمية والدينية وهداية الأمة، وقد تم ترسيخ ذلك في فترة حضور وتواجد الأئمة المعصومين في المجتمع، وأسند الاستمرار في المسيرة إلى علماء الدين. أما مسألة التشريع فقد تمت في عصر فقد تمت في عصر الأئمة بالمقدار اللازم، وتركت حاجة المجتمع في هذا الشأن على شكل الاجتهاد إلى الفقهاء الذين تتوفر فيهم الصفات والشرائط اللازمة. تبقى مسألة الواسطة في الفيض، فهي من مختصات الأئمة، ويذهب الشيعة إلى الاعتقاد بأن الإمام الحجة(ع) يمارس دوره في هذا الشأن من خلال حضوره وإن كان غائباً عن الأنظار، وبذلك لا تخلو الأرض من حجة إلهية.

٢. إعطاء اللطف الإلهي رهن بعدم المانع: لابد من الإقرار هنا بأن وجود الإمام المعصوم في كل عصر هو لطف مضاعف لطف مضاعف من ألطاف الله التي لا يوجد بديل عنها، بمعنى أنه لا يستطيع أي عالم أن يحل محل الإمام المعصوم(ع) . لأن الإمام المعصوم إذا كان موجوداً فإن الخلافات العلمية بين المسلمين ستصل إلى حدودها الدنيا، وإن كانت لا تزول تماماً، والدليل على ذلك أن المذاهب السنية المخالفة قد تكونت فى عصر حضور الأئمة الأطهار(ع) .

ولا بد من الالتفات إلى هذه الحقيقة أيضاً، وهي أن إعطاء اللطف المضاعف يحتاج إلى أرضية مناسبة، وإن هذه الأرضية - للأسف الشديد - لم تتوفر في عصر الإمام الثاني عشر، فقد عمدت السلطات الحاكمة إلى تضييق الخناق على الإمام الحسن العسكري(ع) وقد بثت العيون من حوله كي تقتل إمام العصر(ع) فور ولادته، ولم يوفر الناس الحماية المطلوبة للإمام العسكري، وبذلك كانت الظروف الاجتماعية معدّة لقتل الإمام وليس إلى ظهوره. من هنا اقتضت حكمة الله أن يغيّب ذلك الإمام، وإرجاء ظهوره إلى وقت آخر ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً. وعليه فإن غيبة الإمام(ع) لا تتنافى مع دليل اللطف الإلهي ؛ لأنها في حدّ ذاتها من الألطاف الإلهية أيضاً.

٣. إمكان الهداية التشريعية والتكوينية في عصر الغيبة: إن من بين وظائف الإمام وشؤونه ومرتبة الإمامة هى الواسطة فى الفيض الإلهى، فإن عالم التكوين - بناء على النصوص الروائية - يدار بواسطة الوجود الشريف للأئمة الأطهار. من قبيل الروايات التى تحمل مضمون «إن السماء تحفظ من السقوط ببركة وجود الأئمة، أو أن السماء إنما تمطر بفضل فيض وجود الأئمة الأطهار(ع)».

ومن الواضح أن هذا الشأن مرتبط بأصل وجود الإمام، ولا ربط له بحضوره أو غيبته بتاتاً. وعليه فإن هذا الشأن يكون متحققاً حتى في عصر غيبة الإمام أيضاً، ويتضح أن ضرورة وجود الإمام المعصوم لاستمرار الفيض الإلهي لازم وضروري، وإن غيبته لا تشكل مانعاً من ذلك.

يضاف إلى ذلك أن شأن الولاية التكوينية للإمام بالنسبة إلى إمام العصر(ع) المستور خلف حُجب الغيب تتم عبر مختلف الوسائل والطرق، من قبيل: التصرف في نفوس المسلمين وغيرهم وأفئدتهم، التي تشكل أرضية صالحة لهدايتهم إلى الحق تعالى، كما تشير الآية الشريفة إلى دور الأئمة والقادة حيث تقول:

  1. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا[٣].
  2. ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا[٤].

وبعد أن أشار النبي الأكرم(ص) إلى غيبة إمام العصر(ع) قال في الجواب عن إمكان الاستفادة من وجوده في حال غيبته: «وَ اَلَّذِي بَعَثَنِي بِالنُّبُوَّةِ إِنَّهُمْ لَيَنْتَفِعُونَ بِهِ يَسْتَضِيئُونَ بِنُورِ وَلاَيَتِهِ فِي غَيْبَتِهِ كَانْتِفَاعِ اَلنَّاسِ بِالشَّمْسِ وَ إِنْ جَلَّلَهَا اَلسَّحَابُ»[٥].

كما يعمد الإمام أحياناً إلى رفع مشاكل الناس، ويهب إلى مساعدة المحتاجين والحيارى، وهذا الشأن يعد من بين الصفات التي يتصف بها الإمام المنتظر(ع) على ما ورد في بعض الأدعية من قبيل:

  1. « وَ مُفَرِّجِ اَلْكَرْبِ وَ مُزِيلِ اَلْهَمِّ وَ كَاشِفِ اَلْبَلْوَى»[٦].
  2. «اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا... اَلْغَوْثُ وَ اَلرَّحْمَةُ اَلْوَاسِعَةُ»[٧].
  3. «صَاحِبِ اَلضِّيَاءِ وَ اَلنُّورِ ... وَ اَلْكَهْفِ وَ اَلْعَضُدِ، اَلسَّلاَمُ عَلَى مُفَرِّجِ اَلْكُرُبَاتِ»[٨].

وقد تشرف بعض الناس بلقاء الحجة، وهناك من نال شرف الحصول على مساعدته، وقد رصدت كتب التاريخ كثيراً من هذه الوقائع، نحيل القارئ الكريم إلى مظانها[٩].

٤. فوائد أخرى للغيبة والانتظار: إن وجود إمام العصر (ع) ذاته مستوراً خلف حُجب الغيب، مع الوعد بظهوره يوماً لإقامة أقوى الحكومات العالمية العادلة، والقضاء على الظلم وحكومات الجور، يبعث الأمل في أفئدة المؤمنين. بعبارة أخرى: إن غيبة الإمام المنتظر(ع) مقدمة وطليعة لظهور النور الذي سيعم العالم مؤذناً بالمصير المشرق للمجتمع العالمي.

هناك ما لا يحصى من الناس الذين توفرت فيهم أرضية الحضور بين جنود الإمام المنتظر أو الحصول على شرف الحضور والتواجد في سلك المنتظمين في ركابه، ووجود كثير من الشباب المؤمن والمتدين في الهيئات التي تلهج بندبة «الإمام المهدي» خير شاهد ودليل على وجود الآثار الإيجابية لـ «غيبة الإمام». وعلى هذا الأساس فإن غيبة الإمام الحجة(ع) تشتمل على الكثير من الفوائد التي لا تنافي أدلة ضرورة الإمام.[١٠]

المراجع والمصادر

  1. محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية

الهوامش

  1. انظر: كشف المراد، ص ٤٩٠ .
  2. انظر: الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج ٢، ص ١٢٩ ؛ وكذلك: مجموعه مقالات همايش امام جعفر صادق(ع) وتجديد حيات إسلام، ص ١٠٠.
  3. سورة الأنبياء، الآية ٧٣.
  4. سورة السجدة، الآية ٢٤.
  5. كمال الدين، ج ١،ص ٤٧٥؛ بحار الأنوار، ج ٥٣، ص ١٧١؛ الاحتجاج، ج ٢، ص ٤٩٢ .
  6. العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ١٠٢، دعاء ما بعد الزيارة.
  7. زيارة آل ياسين.
  8. العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ١٠٢، ص ٨٤، زيارة الإمام الحجة (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
  9. انظر: الطبرسي النوري، النجم الثاقب، ج ٢، الباب السابع.
  10. محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ١٣٥-١٤٢.