موقف الإمام الحسين من البيعة ليزيد

من إمامةبيديا

دعوة انتهازية وخطّة شيطانية

عندما ارتفعت راية الحق مرفرفةً فوق ربوع مكّة، ومعلنةً عن انتصارها دخل أبو سفيان ومعاوية في الإسلام ونار الحقد تستعر في قلبيهما، ونزعة الثأر من الرسول (ص) وأهل بيته (ع) تكمن في صدريهما، فتحوّلا من كونهما كافرين إلى كونهما مستسلِمَين طليقين من طلقاء الرسول (ص).

ولم يطل العهد حتّى حكم عثمان بن عفان فتسرّب ما كان مختبئاً في القلب وظهر على لسان أبي سفيان، وهو يخاطب عثمان بقوله: صارت إليك بعد تيمٍ وعديّ فأدرها كالكرة؛ فإنّما هو الملك ولا أدري ما جنّة ولا نار[١].

وخاطب أبو سفيان بني اُميّة ثانيةً: يا بني اُميّة، تلقّفوها تلقّف الكرة، فو الذي يحلف به أبو سفيان مازلت أرجوها لكم، ولتصيرنّ إلى صبيانكم ورثة[٢]. وحين أطلّ معاوية من نافذة السقيفة على كرسيّ الحكم بانت نتائج الانحراف واتّضحت خطورته؛ فإنّه قد لاحظ أنّ أبا بكر و عمر و عثمان قد ملكوا قبله ولم تسمح لهم الظروف بإعادة صرح الجاهلية من جديد، ولا زال صوت الحق هادراً كلّ يوم بالتوحيد وبالرسالة لـ محمد بن عبد الله (ص)[٣].

كما إنّ الانحراف السياسي الذي ولّدته السقيفة وتربّت عليه فئات من الامة استثمره معاوية أيّما استثمار، فقد احتجّ على الناس بأنّ أبا بكر بويع بدون نصّ سماويّ، أو أمر من رسول الله (ص)، وأنّه خالف سيرة رسول الله (ص)؛ إذ جعل عمر خليفةً من بعده، وصنع عمر ما لم يصنعه قبله وخالف بذلك الله ورسوله وأبا بكر. ووفق هذا المنطق فإنّ الامة ومصير الرسالة الإسلامية تكون اُلعوبة بيد معاوية يسوسها كيف يشاء؛ من هنا قرّر أن يبايع بالخلافة ليزيد[٤] من بعده.

وقد خلت الساحة السياسية للزمرة الاموية بعد فتن ومصاعب أشعلها معاوية مستغلاًّ جهالة طبقات من الامة، وموظّفاً كلّ الطاقات التي وقفت ضدّ الإمام عليّ (ع) لصالحه في مواجهة تيار الحق بقيادة الإمام الحسن (ع)، واستأثر بالحكم بعد قتله للإمام الحسن (ع) واستهتاره بقيم الإسلام وتعاليمه، وكان حاذقاً في إحكام سيطرته وملكه، ولكنّه لم يجرؤ لإعلان خطّته تثبيتاً لملك بني اُميّة باستخلاف يزيد من بعده وفي الامة مَنْ هو صاحب الخلافة الشرعية وهو الإمام الحسن (ع)، ومن بعده أخوه الإمام الحسين (ع) الذي كان على الامة أن تعود لقيادته بعد افتقادها للحسن (ع).

يُضاف إلى ذلك أنّ أحداً من الخلفاء الثلاثة لم يوصِ بالخلافة لولده من بعده. ونظراً لما كان ينطوي عليه يزيد من ضعف واستهتار ومجون فقد مضى معاوية بكلّ جدٍّ ليحبك الأمر ويدبّره بطريقة يخدع بها الامة، بل يقهرها على قبول البيعة ليزيد؛ من هنا بادر إلى قتل الإمام الحسن السبط (ع) وخيار المؤمنين في خطوة اُولى، ليرفع بذلك أهمّ الموانع التي كانت تحول بينه وبين تنفيذ خطّته.

على أنّ أصحاب النفوس الرذيلة والمطامع الدنيوية على استعداد تام لبلوغ أتفه المطامع من أيّ طريق كان. فقد روي أنّ المغيرة بن شعبة ـ الذي كان والياً من قبل معاوية على الكوفة ـ علم بأنّ معاوية ينوي عزله، فأسرع إلى نسج خيوط مؤامرة جلبت الويلات على الامة الإسلامية، وليكون بذلك سمساراً يصافق على ما لا يملك؛ إذ همس في أذن يزيد يمنّيه بخلافة أبيه، ويزيّن له الأمر ويسهّله. ووجد معاوية أنّ خطّة شيطانية يمكن أن يكون المغيرة عاملاً لتنفيذها[٥]، فسأله مخادعاً: ومَنْ لي بهذا؟ فردّ عليه المغيرة: أكفيك أهل الكوفة، ويكفيك زياد أهل البصرة، وليس بعد هذين المصرين أحد يخالفك. وهكذا قبض المغيرة على ربح عاجل لصفقة مؤجّلة، ورجع إلى الكوفة بكلّ قوّة لينفّذ الخطة، وهو يقول: لقد وضعت رِجل معاوية في غرز بعيد الغاية على اُمّة محمّد[٦].

ورفض زياد بن أبيه هذه الخطة الخبيثة؛ ولعلّه لما كان يلمسه من رذائل في شخصية يزيد بحيث تجعله غير صالح لزعامة الامة. وقد أثارت هذه الخطة مطامع أطراف اُخرى من بني اُميّة، فمدّ كلّ من مروان بن الحكم و سعيد بن عثمان بن عفان عنقه لذلك[٧].

وجمّد معاوية رسمياً وبشكل مؤقّت خطّته لأخذ البيعة ليزيد؛ وذلك ليتّخذ إجراءات اُخرى تمهّد للإعلان الرسمي وفي الفرصة المناسبة لذلك.[٨]

أساليب معاوية لإعلان بيعة يزيد

لمس معاوية رفض العائلة الاموية المنحرفة لحكم يزيد من بعده، فكيف بصاحب الحق الشرعي الإمام الحسن (ع)، ومن بعده الإمام الحسين (ع)، وعدد من أبناء الصحابة؟!

من هنا مضى جادّاً باتّخاذ سبل اُخرى تتراوح بين مخادعة الامة وبين قهرها بالقوّة على بيعة الخليع يزيد، ومن تلك السبل:

  1. استخدام الشعراء لإسباغ فضائل على يزيد، ولبيان مقدرته وإشاعة أمره؛ لكي تخضع الامة لولايته[٩]، وأوعز إلى ولاته والخطباء في الأمصار لنشر تلك الفضائل المفتعلة.
  2. بذل الأموال الطائلة وشراء ذمم المعارضين ممّن كان يقف ضدّ يزيد، لا بدافع العقيدة والحرص على الإسلام وإنّما بدوافع شخصية وذاتية[١٠].
  3. استقدام وفود من وجهاء الأنصار[١١] ومناقشة قضية يزيد معهم؛ لمعرفة الرافض والمؤيّد منهم، ومعرفة نقاط الضعف لكي ينفذ منها إليهم.
  4. إيقاع الخلاف بين عناصر بني اُميّة الطامعين في الحكم؛ كي يضعف منافستهم ليزيد، فقد عزل عامله على يثرب سعيد بن العاص واستعمل مروان ابن الحكم مكانه، ثمّ عزل مروان واستعمل سعيداً[١٢].
  5. اغتيال الشخصيات الإسلامية البارزة، والتي كانت تحظى باحترام كبير في نفوس الجماهير، فاغتال الإمام الحسن (ع)، وسعد بن أبي وقّاص، وعبد الرحمن بن خالد، وعبد الرحمن بن أبي بكر[١٣].
  6. استخدام سلاح الحرمان الاقتصادي ضدّ بني هاشم؛ للضغط عليهم وإضعاف دورهم، فقد حبس عنهم العطاء سنة كاملة [١٤]؛ إذ وقفوا مع الإمام الحسين (ع) يرفضون البيعة ليزيد.[١٥]

محاولات الإمام الحسين (ع) لإيقاظ الامة

لم يخلد الإمام الحسين (ع) إلى السكون والخمول حتّى عند إقراره الصلح مع معاوية، فقد تحرّك انطلاقاً من مسؤوليّته تجاه الشريعة والاُمّة الإسلامية، وبصفته وريث النبوة ـ بعد أخيه الإمام الحسن (ع) ـ مراعياً ظروف الامة، وساعياً إلى المحافظة عليها.

وقد عمل الإمام (ع) في فترة حكم معاوية على تحصين الامة ضدّ الانهيار التام، فأعطاها من المقومات المعنوية القدر الكافي كي تتمكّن من البقاء صامدةً في مواجهة المحن. وإليك جملة من هذه المواقف:

  1. مواجهة معاوية وبيعةِ يزيد.
  2. محاولة جمع كلمة الامة.
  3. فضح جرائم معاوية.
  4. استعادة حقّ مضيّع.
  5. تذكير الامة بمسؤوليّاتها.

مواجهةُ معاوية وبيعة يزيد

أعلن الإمام الحسين (ع) رفضه القاطع لبيعة يزيد وكذا زعماء يثرب؛ فقرّر معاوية أن يسافر إلى يثرب ليتولّى بنفسه إقناع المعارضين، فاجتمع بالإمام وعبد الله بن عباس، فأشاد بالنبيّ (ص) وأثنى عليه، وعرض بيعة ابنه ومنحه الألقاب الفخمة، ودعاهما إلى بيعته، فانبرى الإمام (ع) فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال:

«أمّا بعد يا معاوية، فلن يؤدّي المادح وإن أطنب في صفة الرسول (ص)، وقد فهمتُ ما لبست به الخلف بعد رسول الله (ص) من إيجاز الصفة، والتنكّب عن استبلاغ النعت، وهيهات هيهات يا معاوية! فضح الصبح فحمةَ الدجى، وبهرت الشمس أنوار السرج، ولقد فضّلت حتّى أفرطت، واستأثرت حتّى أجحفت، ومنعت حتّى بخلت، وجُرت حتّى تجاوزت، ما بذلت لذي حقّ من اسم حقّه من نصيب حتّى أخذ الشيطان حظّه الأوفر ونصيبه الأكمل.

وفهمتُ ما ذكرته عن يزيد من اكتماله، وسياسته لاُمّة محمّد (ص)، تريد أن توهم الناس في يزيد، كأنّك تصفُ محجوباً، أو تنعت غائباً، أو تخبر عمّا كان ممّا احتويته بعلم خاصّ، وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ به من استفرائه الكلاب المهارشة عند التحارش، والحمام السبق لأترابهنّ، والقيان ذوات المعازف، وضروب الملاهي، تجده ناصراً.

ودع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى الله بوزر هذا الخلق بأكثر ممّا أنت لاقيه! فوالله ما برحتَ تقدح باطلاً في جور، وحنقاً في ظلم حتّى ملأتَ الأسقية، وما بينك وبين الموت إلاّ غمضة، فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود، ولات حين مناص، ورأيتك عرّضت بنا بعد هذا الأمر، ومنعتنا عن آبائنا تراثاً، ولعمر الله لقد أورثنا الرسول (ص) ولادة، وجئت لنا بما حججتم به القائم عند موت الرسول (ص)، فأذْعنَ للحجّة بذلك، وردّه الإيمان إلى النصف؛ فركبتم الأعاليل، وفعلتم الأفاعيل، وقلتم كان ويكون حتّى أتاك الأمر يا معاوية من طريق كان قصدها لغيرك، فهناك فاعتبروا يا اُولي الأبصار.

وذكرتَ قيادةَ الرجل القوم بعهد رسول الله (ص) وتأميرَه له، وقد كان ذلك لعمرو ابن العاص يومئذ فضيلة بصحبة الرسول وببعثه له، وما صار لعمرو يومئذ حتّى أنف القوم إمرته، وكرهوا تقديمه، وعدّوا عليه أفعاله، فقال (ص): لا جَرَمَ يا معشرَ المهاجرين، لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري، فكيف تحتجُّ بالمنسوخ من فعل الرسول في أوكد الأحكام وأولاها بالمجتمع عليه من الصواب؟ أم كيف ضاهيتَ بصاحب تابعاً وحولك من يُؤمن في صحبته، ويُعتمد في دينه وقرابته، وتتخطّاهم إلى مسرف مفتون، تريد أن تُلبس الناس شبهةً يسعد بها الباقي في دنياه، وتشقى بها في آخرتك؟! إنّ هذا لهو الخسران المبين، واستغفر الله لي ولكم.

وذهل معاوية من خطاب الإمام (ع)، وضاقت عليه جميع السبل، فقال لابن عباس: ما هذا يابن عباس؟ فقال ابن عباس: لعمر الله! إنّها لذرّية رسول الله (ص)، وأحد أصحاب الكساء، ومِنَ البيت المطهر، فاسأله عمّا تريد؛ فإنّ لك في الناس مقنعاً حتّى يحكم الله بأمره وهو خير الحاكمين[١٦].

وقد اتّسم موقف الإمام الحسين (ع) مع معاوية بالشدّة والصّرامة، وأخذ يدعو المسلمين علناً إلى مقاومة معاوية، ويحذّرهم من سياسته الهدامة التي تحمل الدمار إلى الإسلام.

محاولة جمع كلمة الامة والاستجابة لحركة الجماهير

وأخذت الوفود تترى على الإمام من جميع الأقطار الإسلامية وهي تعجّ بالشكوى وتستغيث به؛ نتيجة الظلم والجور الذي حلّ بها، وتطلب منه القيام بإنقاذها من الاضطهاد، ونقلت العيون في يثرب إلى السلطة المحلية أنباء تجمّع الناس واختلافهم إلى الإمام (ع)، وكان الوالي مروان بن الحكم؛ ففزع من ذلك وخاف من عواقبه جدّاً، فرفع مذكّرة إلى معاوية جاء فيها: أمّا بعد، فقد كثر اختلاف الناس إلى الحسين. والله، إنّي لأرى لكم منه يوماً عصيباً [١٧].

واضطرب معاوية من تحرّك الإمام الحسين (ع)؛ فكتب إليه رسالةً جاء فيها: أمّا بعد، فقد اُنهيت إليّ عنك اُمور، إن كانت حقّاً فإنّي لم أظنّها بك رغبة عنها، وإن كانت باطلة فأنت أسعد الناس بمجانبتها، وبحظّ نفسك تبدأ، وبعهد الله توفي، فلا تحملني على قطيعتك والإساءة إليك؛ فإنّك متى تنكرني أنكرك، ومتى تكدني أكدك، فاتّق الله يا حسين في شقّ عصا الامة، وأن تردّهم في فتنة[١٨].

فضح جرائم معاوية

كتب الإمام (ع) إلى معاوية مذكّرةً خطيرةً كانت ردّاً على رسالته، يحمّله فيها مسؤوليّات جميع ما وقع في البلاد من سفك الدماء، وفقدان الأمن، وتعريض الامة للأزمات. وتعدّ من أروع الوثائق الرسمية التي حفلت بذكر الأحداث التي صدرت من معاوية، وهذا نصّها: «أَمَّا بَعْدُ - فَقَدْ بَلَغَنِي كِتَابُكَ، تَذْكُرُ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَكَ عَنِّي أُمُورٌ أَنْتَ لِي عَنْهَا رَاغِبٌ وَ أَنَا بِغَيْرِهَا عِنْدَكَ جَدِيرٌ: فَإِنَّ اَلْحَسَنَاتِ لاَ يَهْدِي لَهَا وَ لاَ يُسَدِّدُ إِلَيْهَا إِلاَّ اَللَّهُ، وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّهُ اِنْتَهَى إِلَيْكَ عَنِّي: فَإِنَّهُ إِنَّمَا رَقَاهُ إِلَيْكَ اَلْمُلاَقُونَ اَلْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمِ، وَ مَا أُرِيدُ لَكَ حَرْباً وَ لاَ عَلَيْكَ خِلاَفاً، وَ اَيْمُ اَللَّهِ إِنِّي لَخَائِفٌ لِلَّهِ فِي تَرْكِ ذَلِكَ وَ مَا أَظُنُّ اَللَّهَ رَاضِياً بِتَرْكِ ذَلِكَ وَ لاَ عَاذِراً بِدُونِ اَلْإِعْذَارِ فِيهِ إِلَيْكَ وَ فِي أَوْلِيَائِكَ اَلْقَاسِطِينَ اَلْمُلْحِدِينَ حِزْبِ اَلظَّلَمَةِ وَ أَوْلِيَاءِ اَلشَّيَاطِينِ، أَ لَسْتَ اَلْقَاتِلَ حُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ أَخَا كِنْدَةَ وَ اَلْمُصَلِّينَ اَلْعَابِدِينَ اَلَّذِينَ كَانُوا يُنْكِرُونَ اَلظُّلْمَ وَ يَسْتَعْظِمُونَ اَلْبِدَعَ وَ لاَ يَخَافُونَ فِي اَللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ثُمَّ قَتَلْتَهُمْ ظُلْماً وَ عُدْوَاناً مِنْ بَعْدِ مَا كُنْتَ أَعْطَيْتَهُمُ اَلْأَيْمَانَ اَلْمُغَلَّظَةَ وَ اَلْمَوَاثِيقَ اَلْمُؤَكَّدَةَ لاَ تَأْخُذُهُمْ بِحَدَثٍ كَانَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُمْ وَ لاَ بِإِحْنَةٍ تَجِدُهَا فِي نَفْسِكَ، أَ وَ لَسْتَ قَاتِلَ عَمْرِو بْنِ اَلْحَمِقِ صَاحِبِ رَسُولِ اَللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) اَلْعَبْدِ اَلصَّالِحِ اَلَّذِي أَبْلَتْهُ اَلْعِبَادَةُ فَنَحِلَ جِسْمُهُ وَ صفرت [اِصْفَرَّتْ] لَوْنُهُ بَعْدَ مَا آمَنْتَهُ وَ أَعْطَيْتَهُ مِنْ عُهُودِ اَللَّهِ وَ مَوَاثِيقِهِ مَا لَوْ أَعْطَيْتَهُ طَائِراً لَنَزَلَ إِلَيْكَ مِنْ رَأْسِ اَلْجَبَلِ، ثُمَّ قَتَلْتَهُ جُرْأَةً عَلَى رَبِّكَ وَ اِسْتِخْفَافاً بِذَلِكَ اَلْعَهْدِ، أَ وَ لَسْتَ اَلْمُدَّعِيَ زِيَادِ اِبْنِ سُمَيَّةَ اَلْمَوْلُودِ عَلَى فِرَاشِ عُبَيْدِ ثَقِيفٍ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ اِبْنُ أَبِيكَ وَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) اَلْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَ لِلْعَاهِرِ اَلْحَجَرُ، فَتَرَكْتَ سُنَّةَ رَسُولِ اَللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) تَعَمُّداً وَ تَبِعْتَ هَوَاكَ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اَللّٰهِ، ثُمَّ سَلَّطْتَهُ عَلَى اَلْعِرَاقَيْنِ يَقْطَعُ أَيْدِيَ اَلْمُسْلِمِينَ وَ أَرْجُلَهُمْ وَ يَسْمُلُ أَعْيُنَهُمْ وَ يُصَلِّبُهُمْ عَلَى جُذُوعِ اَلنَّخْلِ كَأَنَّكَ لَسْتَ مِنْ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ وَ لَيْسُوا مِنْكَ، أَ وَ لَسْتَ صَاحِبَ اَلْحَضْرَمِيِّينَ اَلَّذِينَ كَتَبَ فِيهِمْ اِبْنُ سُمَيَّةَ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى دِينِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَكَتَبْتَ إِلَيْهِ أَنِ اُقْتُلْ كُلَّ مَنْ كَانَ عَلَى دِينِ عَلِيٍّ! فَقَتَلَهُمْ وَ مَثَّلَ بِهِمْ بِأَمْرِكَ، وَ دِينُ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَ اَللَّهِ اَلَّذِي كَانَ يَضْرِبُ عَلَيْهِ أَبَاكَ وَ يَضْرِبُكَ، وَ بِهِ جَلَسْتَ مَجْلِسَكَ اَلَّذِي جَلَسْتَ، وَ لَوْ لاَ ذَلِكَ لَكَانَ شَرَفُكَ وَ شَرَفُ أَبِيكَ اَلرَّحْلَتَيْنِ، وَ قُلْتَ فِيمَا قُلْتَ اُنْظُرْ لِنَفْسِكَ وَ لِدِينِكَ وَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ وَ اِتَّقِ شَقَّ عَصَا هَذِهِ اَلْأُمَّةِ وَ أَنْ تَرُدَّهُمْ إِلَى فِتْنَةٍ: وَ إِنِّي لاَ أَعْلَمُ فِتْنَةً أَعْظَمَ عَلَى هَذِهِ اَلْأُمَّةِ مِنْ وَلاَيَتِكَ عَلَيْهَا وَ لاَ أَعْظَمَ نَظَراً لِنَفْسِي وَ لِدِينِي وَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ عَلَيْنَا أَفْضَلَ مِنْ أَنْ أُجَاهِدَكَ، فَإِنْ فَعَلْتُ فَإِنَّهُ قُرْبَةٌ إِلَى اَللَّهِ وَ إِنْ تَرَكْتُهُ فَإِنِّي أَسْتَغْفِرُ اَللَّهَ لِدِينِي وَ أَسْأَلُهُ تَوْفِيقَهُ لِإِرْشَادِ أَمْرِي، وَ قُلْتَ فِيمَا قُلْتَ إِنِّي إِنْ أَنْكَرْتُكَ تُنْكِرُنِي وَ إِنْ أَكِدْكَ تَكِدْنِي: فَكِدْنِي مَا بَدَا لَكَ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ لاَ يَضُرَّنِي كَيْدَكَ فِيَّ وَ أَنْ لاَ يَكُونَ عَلَى أَحَدٍ أَضَرَّ مِنْهُ عَلَى نَفْسِكَ، عَلَى أَنَّكَ قَدْ رَكِبْتَ بِجَهْلِكَ وَ تَحَرَّضْتَ عَلَى نَقْضِ عَهْدِكَ، وَ لَعَمْرِي مَا وَفَيْتَ بِشَرْطٍ وَ لَقَدْ نَقَضْتَ عَهْدَكَ بِقَتْلِكَ هَؤُلاَءِ اَلنَّفَرَ اَلَّذِينَ قَتَلْتَهُمْ بَعْدَ اَلصُّلْحِ وَ اَلْأَيْمَانِ وَ اَلْعُهُودِ وَ اَلْمَوَاثِيقِ، فَقَتَلْتَهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا قَاتَلُوا وَ قَتَلُوا، وَ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ بِهِمْ إِلاَّ لِذِكْرِهِمْ فَضْلَنَا وَ تَعْظِيمِهِمْ حَقَّنَا، فَقَتَلْتَهُمْ مَخَافَةَ أَمْرٍ لَعَلَّكَ لَوْ لَمْ تَقْتُلْهُمْ مِتَّ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلُوا أَوْ مَاتُوا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكُوا، فَأَبْشِرْ يَا مُعَاوِيَةُ بِالْقِصَاصِ وَ اِسْتَيْقِنْ بِالْحِسَابِ وَ اِعْلَمْ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى كِتَاباً لاٰ يُغٰادِرُ صَغِيرَةً وَ لاٰ كَبِيرَةً إِلاّٰ أَحْصٰاهٰا، وَ لَيْسَ اَللَّهُ بِنَاسٍ لِأَخْذِكَ بِالظِّنَّةِ وَ قَتْلِكَ أَوْلِيَاءَهُ عَلَى اَلتُّهَمِ وَ نَفْيِكَ أَوْلِيَاءَهُ مِنْ دُورِهِمْ إِلَى دَارِ اَلْغُرْبَةِ، وَ أَخْذِكَ لِلنَّاسِ بِبَيْعَةِ اِبْنِكَ غُلامٍ حَدَثٍ يَشْرَبُ اَلْخَمْرَ وَ يَلْعَبُ بِالْكِلاَبِ، لاَ أَعْلَمُكَ إِلاَّ وَ قَدْ خَسِرْتَ نَفْسَكَ وَ تَبَّرْتَ دِينَكَ وَ غَشَشْتَ رَعِيَّتَكَ وَ أَخْرَبْتَ أَمَانَتَكَ وَ سَمِعْتَ مَقَالَةَ اَلسَّفِيهِ اَلْجَاهِلِ وَ أَخَفْتَ اَلْوَرِعَ اَلتَّقِيَّ لِأَجْلِهِمْ - وَ اَلسَّلاَمُ»[١٩].

ولا توجد وثيقة سياسية في ذلك العهد عرضت لعبث السلطة، وسجّلت الجرائم التي ارتكبها معاوية غير هذه الوثيقة، وهي صرخة في وجه الظلم والاستبداد.

استعادة حقّ مضيّع

وكان معاوية ينفق أكثر أموال الدولة؛ لتدعيم ملكه، كما كان يهب الأموال الطائلة لبني اُميّة؛ لتقوية مركزهم السياسي والاجتماعي، وكان الإمام الحسين (ع) يشجب هذه السياسة، ويرى ضرورة إنقاذ الأموال من معاوية الذي يفتقد حكمه لأيّ أساس شرعي، ولا يقوم إلاّ على القمع والتزييف والإغراء.

وقد اجتازت على يثرب أموال من اليمن مرسولةً إلى خزينة دمشق، فعمد الإمام (ع) إلى الاستيلاء عليها ووزّعها على المحتاجين، وكتب إلى معاوية: «مِنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنْ عِيراً مَرَّةً بِنَا مِنَ الْيَمَنِ تَحْمِلُ مَالاً وَحُلَلاً، وَعَنْبَراً وَ طَيِّباً إِلَيْكَ؛ لتودعها خَزَائِنِ دِمَشْقَ، وَتَعُلْ بِهَا بَعْدَ النهل بَنِي أَبِيكِ، وَإِنِّي احْتَجْتُ إِلَيْهَا فَأَخَذْتُهَا. وَالسَّلَامُ»[٢٠].

فأجاب معاوية: «من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى الحسين بن علي. سلام عليك. أمّا بعد، فإنّ كتابك ورد عليّ تذكر أنّ عيراً مرّت بك من اليمن تحمل مالاً وحُللاً، وعنبراً وطيباً إليّ؛ لأودعها خزائن دمشق، وأعُلّ بها بعد النهل بني أبي، وإنّك احتجت إليها فأخذتها، ولم تكن جديراً بأخذها إذ نسبتها إليّ؛ لأنّ الوالي أحقّ بالمال، ثمّ عليه المخرج منه. وأيم الله، لو تركت ذلك حتّى صار إليّ لم أبخسك حظّك منه، ولكنّي قد ظننت يابن أخي أنّ في رأسك نزوةً، وبودّي أن يكون ذلك في زماني، فأعرف لك قدرك وأتجاوز عن ذلك، ولكنّي والله أتخوّف أن تبتلي بمَنْ لا ينظرك فواق ناقة[٢١].

إنّ الإمام الحسين (ع) دلّل بعمله على أن ليس من حقّ الخليفة غير الشرعي أن يتصرّف في أموال المسلمين، وأنّ ذلك من حقوق الحاكم الشرعي، والحاكم الشرعي هو الإمام الحسين (ع) نفسه الذي ينفق أموال بيت المال وفق المعايير الإسلامية. وقد أكّد (ع) في رسالته على أنّه لا يعترف رسميّاً بخلافة معاوية؛ إذ لم يصفه بأمير المؤمنين كما كان يصفه الآخرون؛ ومن هنا حاول معاوية الالتفاف على موقف الإمام (ع) فوصف نفسه في رسالته الجوابية بأمير المؤمنين ووالي المسلمين، ولكنّه فشل في محاولته تلك، فقد بات موقف الإمام الحسين (ع) معياراً إسلامياً، وملاكاً فارقاً وفاصلاً بين الصواب والخطأ للمسلمين جميعاً على مدى التأريخ، في حين لم يعرِ المسلمون لموقف معاوية أيّ اهتمام، ولم يعتبروه سوى أنّه تشويه للحقيقة وتضليل للرأي العام.

لقد كان موقف الإمام (ع) هذا إشارة واضحة للاعتراض على تصرّفات وحكم معاوية، والمطالبة بسيادة الحق والعدل الإلهي.

تذكير الأُمّة بمسؤوليّتها

عقد الإمام (ع) في مكة مؤتمراً سياسيّاً عامّاً دعا فيه جمهوراً غفيراً ممّن شهد موسم الحج من المهاجرين والأنصار والتابعين وغيرهم من سائر المسلمين، فانبرى (ع) خطيباً فيهم، وتحدّث عمّا ألمّ بعترة النبي (ص) وشيعتهم من المحن والإحن التي صبّها عليهم معاوية، وما اتّخذه من الإجراءات المشددة في إخفاء فضائلهم، وستر ما اُثر عن الرسول (ص) في حقّهم، وألزم الحاضرين بإذاعة ذلك بين المسلمين، وفيما يلي ما رواه سليم بن قيس عن هذا المؤتمر، ونصّ خطاب الإمام (ع)، حيث قال: ولمّا كان قبل موت معاوية بسنة حجّ الحسين بن علي، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن جعفر، فجمع الحسين بني هاشم ونساءهم ومواليهم ومَنْ حجّ من الأنصار ممّن يعرفهم الحسين وأهل بيته، ثمّ أرسل رُسلاً، وقال لهم: «لاَ تَدَعُوا أَحَداً مِمَّنْ حَجَّ اَلْعَامَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ اَلْمَعْرُوفِينَ بِالصَّلاَحِ وَ اَلنُّسُكِ إِلاَّ اِجْمَعُوهُمْ لِي».

فاجتمع إليه بمنى أكثر من سبعمئة رجل وهم في سرادق، عامّتهم من التابعين، ونحو من مئتي رجل من أصحاب النبي (ص)، فقام فيهم خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ هَذَا اَلطَّاغِيَةَ قَدْ فَعَلَ بِنَا وَ بِشِيعَتِنَا مَا قَدْ رَأَيْتُمْ وَ عَلِمْتُمْ وَ شَهِدْتُمْ وَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَإِنْ صَدَقْتُ فَصَدِّقُونِي وَ إِنْ كَذَبْتُ فَكَذِّبُونِي وَ أَسْأَلُكُمْ بِحَقِّ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ حَقِّ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ قَرَابَتِي مِنْ نَبِيِّكُمْ عَلَيْهِ وَ آلِهِ اَلسَّلاَمُ لَمَّا سَتَرْتُمْ مَقَامِي هَذَا وَ وَصَفْتُمْ مَقَالَتِي وَ دَعَوْتُمْ أَجْمَعِينَ فِي أَمْصَارِكُمْ مِنْ قَبَائِلِكُمْ مَنْ أَمِنْتُمْ مِنَ اَلنَّاسِ وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى بَعْدَ قَوْلِهِ فَكَذِّبُونِي اِسْمَعُوا مَقَالَتِي وَ اُكْتُبُوا قَوْلِي ثُمَّ اِرْجِعُوا إِلَى أَمْصَارِكُمْ وَ قَبَائِلِكُمْ فَمَنْ أَمِنْتُمْ مِنَ اَلنَّاسِ وَ وَثِقْتُمْ بِهِ فَادْعُوهُمْ إِلَى مَا تَعْلَمُونَ مِنْ حَقِّنَا فَإِنِّي أَتَخَوَّفُ أَنْ يَدْرُسَ هَذَا اَلْأَمْرُ وَ يَذْهَبَ اَلْحَقُّ وَ يُغْلَبَ وَ اَللّٰهُ ﴿مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ[٢٢] وَ مَا تَرَكَ شَيْئاً مِمَّا أَنْزَلَ اَللَّهُ فِيهِمْ مِنَ اَلْقُرْآنِ إِلاَّ تَلاَهُ وَ فَسَّرَهُ وَ لاَ شَيْئاً مِمَّا قَالَهُ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فِي أَبِيهِ وَ أَخِيهِ وَ أُمِّهِ وَ فِي نَفْسِهِ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ إِلاَّ رَوَاهُ وَ كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ أَصْحَابُهُ اَللَّهُمَّ نَعَمْ وَ قَدْ سَمِعْنَاهُ وَ شَهِدْنَاهُ وَ يَقُولُ اَلتَّابِعُ اَللَّهُمَّ قَدْ حَدَّثَنِي بِهِ مَنْ أُصَدِّقُهُ وَ أَئْتَمِنُهُ مِنَ اَلصَّحَابَةِ فَقَالَ أَنْشُدُكُمُ اَللَّهَ إِلاَّ حَدَّثْتُمْ بِهِ مَنْ تَثِقُونَ بِهِ وَ بِدِينِهِ قَالَ سُلَيْمٌ فَكَانَ فِيمَا نَاشَدَهُمُ اَلْحُسَيْنُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ ذَكَّرَهُمْ أَنْ قَالَ أَنْشُدُكُمُ اَللَّهَ أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ كَانَ أَخَا رَسُولِ اَللَّهِ حِينَ آخَى بَيْنَ أَصْحَابِهِ فَآخَى بَيْنَهُ وَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَ قَالَ أَنْتَ أَخِي وَ أَنَا أَخُوكَ فِي اَلدُّنْيَا وَ اَلْآخِرَةِ قَالُوا اَللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ أَنْشُدُكُمُ اَللَّهَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ اِشْتَرَى مَوْضِعَ مَسْجِدِهِ وَ مَنَازِلِهِ فَابْتَنَاهُ ثُمَّ اِبْتَنَى فِيهِ عَشَرَةَ مَنَازِلَ تِسْعَةً لَهُ وَ جَعَلَ عَاشِرَهَا فِي وَسَطِهَا لِأَبِي ثُمَّ سَدَّ كُلَّ بَابٍ شَارِعٍ إِلَى اَلْمَسْجِدِ غَيْرَ بَابِهِ فَتَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ مَنْ تَكَلَّمَ فَقَالَ مَا أَنَا سَدَدْتُ أَبْوَابَكُمْ وَ فَتَحْتُ بَابَهُ وَ لَكِنَّ اَللَّهَ أَمَرَنِي بِسَدِّ أَبْوَابِكُمْ وَ فَتْحِ بَابِهِ ثُمَّ نَهَى اَلنَّاسَ أَنْ يَنَامُوا فِي اَلْمَسْجِدِ غَيْرَهُ وَ كَانَ يُجْنِبُ فِي اَلْمَسْجِدِ وَ مَنْزِلُهُ فِي مَنْزِلِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَوُلِدَ لِرَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فِيهِ أَوْلاَدٌ قَالُوا اَللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ أَ فَتَعْلَمُونَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ اَلْخَطَّابِ حَرَصَ عَلَى كُوَّةٍ قَدْرَ عَيْنِهِ يَدَعُهَا مِنْ مَنْزِلِهِ إِلَى اَلْمَسْجِدِ فَأَبَى عَلَيْهِ ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ إِنَّ اَللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ مَسْجِداً طَاهِراً لاَ يَسْكُنُهُ غَيْرِي وَ غَيْرُ أَخِي وَ اِبْنَيْهِ قَالُوا اَللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ أَنْشُدُكُمُ اَللَّهَ أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ نَصَبَهُ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ فَنَادَى لَهُ بِالْوَلاَيَةِ وَ قَالَ لِيُبَلِّغِ اَلشَّاهِدُ اَلْغَائِبَ قَالُوا اَللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ أَنْشُدُكُمُ اَللَّهَ أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَالَ لَهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى وَ أَنْتَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي قَالُوا اَللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ أَنْشُدُكُمُ اَللَّهَ أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ حِينَ دَعَا اَلنَّصَارَى مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ إِلَى اَلْمُبَاهَلَةِ لَمْ يَأْتِ إِلاَّ بِهِ وَ بِصَاحِبَتِهِ وَ اِبْنَيْهِ قَالُوا اَللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ أَنْشُدُكُمُ اَللَّهَ أَ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ دَفَعَ إِلَيْهِ اَللِّوَاءَ يَوْمَ خَيْبَرَ ثُمَّ قَالَ لَأَدْفَعُهَا إِلَى رَجُلٍ يُحِبُّهُ اَللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ يُحِبُّ اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ كَرَّارٍ غَيْرِ فَرَّارٍ يَفْتَحُهَا اَللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ قَالُوا اَللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ بَعَثَهُ بِبَرَاءَةَ وَ قَالَ لاَ يُبَلِّغُ عَنِّي إِلاَّ أَنَا أَوْ رَجُلٌ مِنِّي قَالُوا اَللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ لَمْ يَنْزِلْ بِهِ شَدِيدَةٌ قَطُّ إِلاَّ قَدَّمَهُ لَهَا ثِقَةً بِهِ وَ أَنَّهُ لَمْ يَدْعُهُ بِاسْمِهِ قَطُّ إِلاَّ يَقُولُ يَا أَخِي وَ اُدْعُوا إِلَيَّ أَخِي قَالُوا اَللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ أَ فَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَضَى بَيْنَهُ وَ بَيْنَ جَعْفَرٍ وَ زَيْدٍ فَقَالَ يَا عَلِيُّ أَنْتَ مِنِّي وَ أَنَا مِنْكَ وَ أَنْتَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي قَالُوا اَللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ أَ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ كُلَّ يَوْمٍ خَلْوَةٌ وَ كُلَّ لَيْلَةٍ دَخْلَةٌ إِذَا سَأَلَهُ أَعْطَاهُ وَ إِذَا سَكَتَ اِبْتَدَأَهُ قَالُوا اَللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَضَّلَهُ عَلَى جَعْفَرٍ وَ حَمْزَةَ حِينَ قَالَ لِفَاطِمَةَ زَوَّجْتُكِ خَيْرَ أَهْلِ بَيْتِي أَقْدَمَهُمْ سِلْماً وَ أَعْظَمَهُمْ حِلْماً وَ أَكْبَرَهُمْ عِلْماً قَالُوا اَللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَالَ أَنَا سَيِّدُ وُلْدِ آدَمَ وَ أَخِي عَلِيٌّ سَيِّدُ اَلْعَرَبِ وَ فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ اَلْجَنَّةِ وَ اَلْحَسَنُ وَ اَلْحُسَيْنُ اِبْنَايَ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ اَلْجَنَّةِ قَالُوا اَللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أَمَرَهُ بِغُسْلِهِ وَ أَخْبَرَهُ أَنَّ جَبْرَئِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ يُعِينُهُ قَالُوا اَللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَالَ فِي آخِرِ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ اَلثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اَللَّهِ وَ أَهْلَ بَيْتِي فَتَمَسَّكُوا بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا قَالُوا اَللَّهُمَّ نَعَمْ فَلَمْ يَدَعْ شَيْئاً أَنْزَلَهُ اَللَّهُ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ خَاصَّةً وَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ مِنَ اَلْقُرْآنِ وَ لاَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ إِلاَّ نَاشَدَهُمْ فِيهِ فَيَقُولُ اَلصَّحَابَةُ اَللَّهُمَّ نَعَمْ قَدْ سَمِعْنَا وَ يَقُولُ اَلتَّابِعُ اَللَّهُمَّ نَعَمْ قَدْ حَدَّثَنِيهِ مَنْ أَثِقُ بِهِ فُلاَنٌ وَ فُلاَنٌ ثُمَّ قَدْ نَاشَدَهُمْ أَنَّهُمْ قَدْ سَمِعُوهُ يَقُولُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُحِبُّنِي وَ يُبْغِضُ عَلِيّاً فَقَدْ كَذَبَ لَيْسَ يُحِبُّنِي وَ يُبْغِضُ عَلِيّاً فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اَللَّهِ وَ كَيْفَ ذَلِكَ قَالَ لِأَنَّهُ مِنِّي وَ أَنَا مِنْهُ مَنْ أَحَبَّهُ فَقَدْ أَحَبَّنِي وَ مَنْ أَبْغَضَهُ فَقَدْ أَبْغَضَنِي وَ مَنْ أَبْغَضَنِي فَقَدْ أَبْغَضَ اَللَّهَ فَقَالُوا اَللَّهُمَّ نَعَمْ قَدْ سَمِعْنَا وَ تَفَرَّقُوا عَلَى ذَلِكَ»[٢٣].[٢٤]

المراجع والمصادر

  1. السيد منذر الحكيم، أعلام الهداية ج ٥

الهوامش

  1. الاستيعاب ٢: ٦٩٠.
  2. مروج الذهب ١: ٤٤٠، تأريخ ابن عساكر ٦: ٤٠٧.
  3. مروج الذهب ٢: ٣٤٣، وشرح النهج ٢: ٣٥٧.
  4. الإمامة والسّياسة ١: ١٨٩.
  5. الكامل في التأريخ ٣: ٢٤٩، وتأريخ اليعقوبي ٢: ١٩٥، والإمامة والسّياسة ٢: ٢٦٢.
  6. الكامل في التأريخ ٣: ٢٤٩.
  7. وفيات الأعيان ٥: ٣٨٩، والإمامة والسّياسة ١: ١٨٢، وتأريخ اليعقوبي ٢: ١٩٦.
  8. السيد منذر الحكيم، أعلام الهداية، ج ٥، ص ١١٣.
  9. الأغاني ٨: ٧١، وشعراء النصرانية بعد الإسلام ـ للويس شيخو اليسوعي: ٢٣٤.
  10. الكامل في التأريخ ٣: ٢٥٠.
  11. الكامل في التأريخ ٣: ٢٥٠.
  12. تأريخ الطبري ٤: ١٨.
  13. مقاتل الطالبيين: ٢٩، وتأريخ الطبري ٥: ٢٥٣، والكامل في التأريخ ٣: ٣٥٢.
  14. الكامل في التأريخ ٣: ٢٥٢، والإمامة والسّياسة ١: ٢٠٠.
  15. السيد منذر الحكيم، أعلام الهداية ج ٥ (كتاب)|أعلام الهداية، ج ٥، ص ١١٦.
  16. حياة الإمام الحسين (ع) ٢: ٢١٩ ـ ٢٢٠.
  17. حياة الإمام الحسين (ع) ٢: ٢٢٣.
  18. حياة الإمام الحسين (ع) ٢: ٢٢٤.
  19. حياة الإمام الحسين (ع) ٢: ٢٣٥ عن الإمامة والسياسة ١: ٢٨٤، والدرجات الرفيعة: ٣٣٤، وراجع الغدير ١٠: ١٦١.
  20. نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ٤: ٣٢٧، الطبعة الأولى، وناسخ التواريخ ١: ١٩٥.
  21. شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ٤: ٣٢٧، وناسخ التواريخ ١: ١٩٥.
  22. سورة الصف، الآية ٨.
  23. كتاب سُليم بن قيس: ٣٢٣، تحقيق محمّد باقر الأنصاري.
  24. السيد منذر الحكيم، أعلام الهداية، ج ٥، ص ١١٧.