الشيطان في علم الكلام

من إمامةبيديا

شبهة فلسفة خلق الشيطان

إن من بين الشبهات المطروحة بشأن علل الشر وانعدام العدل في عالم الطبيعة والخليقة الإلهية، هو وجود الشيطان ودوره في ضلال الإنسان وانحرافه. أفهل من العدل أن يخلق الله كائناً مضلاً وعدوّاً للإنسان كي يضله ويوسوس له ويزيّن له الطريق الذي يؤدي به إلى الشقاء، ثمّ يعاقبه على اتباع الشيطان؟

تحليل ومناقشة

تكامل النفس رهن بمقاومة الشيطان

أن الغاية من خلق الإنسان هي وصوله إلى السعادة الأبدية ومقام القرب الإلهي، وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تهذيب النفس وسموها. وهذا المقام هو من أرقى وأسمى المقامات التي لم تتمكن الملائكة من بلوغها بمن فيهم جبرائيل (ع)؛ وذلك لأن المقام الممنوح للملائكة إنما هو بالعطاء دون الاستحقاق، فى حين أن الإنسان يطوى مراتب الكمال من خلال التغلب على العقبات التي يزرعها الشيطان في طريقه. وعلى هذا الأساس إذا كان الإنسان طالباً لمقام القرب الإلهي، فعليه أن يسلك طريق تكامل النفس، وإن تكامل النفس بدوره يأتي من خلال تهذيبها والتغلب على الموانع والوساوس النفسية والشيطانية؛ وإلا إذا كان مسير الإنسان معبّداً ولم يكن هناك أي وجود للموانع، وبعبارة أخرى: إذا كان الماثل أمام الإنسان طريقاً واحداً هو الصراط المستقيم، فإن الإنسان سيطوي هذا الطريق من دون مشقة أو عناء، وبعبارة أدق سيبلغ الغاية بشكل قسري وجبري، وليس في ذلك ما يمكن أن ندعوه تكاملاً أو تسامياً للنفس، بل هو ما عليه واقع الملائكة، وقد تقدم أنه مقام إعطائي وليس استحقاقياً، فهو تفضّل بحت. وعليه فإن اختيار الصراط المستقيم إنما يكون مزيّة وامتيازاً يستحق الإنسان أن يبلغ درجة الكمال، والسمو، إذا كانت هناك سبل منحرفة إلى جانبه[١].

قال الأستاذ الشهيد مرتضى المطهري في هذا الشأن: «الو لم تكن في وجود الإنسان نفس أمارة، ولو لم يكن خارج وجود الإنسان شيطان يلهم النفس الأمارة، وإذا لم تكن هناك من دعوة إلى الشرّ والفساد، ولو لم يكن هناك من إمكان لجنوح الإنسان إلى الشرّ والفساد، لما كان هناك حُسن أيضاً؛ لأن الحُسن إنما يكون حُسناً، إذا كان الإنسان قادراً على فعل الحسن وقادراً في الوقت نفسه على فعل القبيح، وإنه يختار من بينهما فعل الحسن. وأما إذا كان الطريق إلى فعل القبيح أمام الإنسان مغلقاً، وكان بدلاً من قانون ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا[٢] مجرّد (فألهمها تقواها) فقط، وكان لدى الإنسان ميل إلى التقوى مجرداً عن الميل إلى الفجور، لن تكون التقوى تقوى حقيقية؛ لأن التقوى إنما تكون تقوىً عندما تكون لدى الإنسان رغبة وميل إلى ممارسة الفجور، ومع ذلك يؤثر التقوى والعدالة. فمتى تتحقق الطاعة؟ إن الطاعة إنما تتحقق إذا كان الإنسان قادراً على الطاعة وعلى ضدها، وأما إذا كان الإنسان مكرهاً على فعل الطاعة، فعندها لن يكون ما يقوم به من الطاعة في شيء، وإذا لم يكن من الطاعة، فلن يكون هناك ولا ذم، وإذا لم يكن هناك مدح ولا ذم، لن يكون هناك من ثواب ولا عقاب، ولن يكون هناك تكليف ولا قانون ولا مجتمع ولا إنسان، ولن يكون هناك شيء أبداً .. وعليه إذا لم يكن هناك شيطان، ولم تكن هناك دعوة إلى القبح والسوء، لن يكون هناك عمل صالح. فإن الصلاح إنما يكتسب الصلاح إذا كان هناك نفس أمارة، وكان هناك شيطان، وأمكن سلوك كلا الطريقين على السواء ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ[٣]، ولكن الإنسان بحسن اختياره يسلك الصراط المستقيم[٤].

قدرة الشيطان في حدود الوسوسة دون الإكراه

الأمر الآخر هو أنه ينبغي التدقيق في أن وساوس عدوّ تكامل الإنسان وتهذيبه الذي هو الشيطان والنفس الأمّارة ليست مُلزمة، بمعنى أن الشيطان إنما يغوي الإنسان ويدعوه كما يدعو الخدين خدينه إلى المعصية، دون أن يجبره على فعلها تكويناً، وعليه فإن القرار الأخير إنما يكون بيد الإنسان نفسه، فهو الذي يختار سلوك أحد الطريقين دون الآخر، وهذا ما أكد عليه القرآن الكريم من خلال تقريره لإجابة الشيطان عن سؤال العصاة الذين أطاعوه؛ إذ قال مدافعاً عن نفسه: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[٥].

إنّ هذه الآية تقسّم الناس إلى طائفتين: الذين يخرجون على ولاية الشيطان وسلطته والذين يرتضون ولايته عليهم، وهو ما قد بينه الله سبحانه وتعالى في مواضع أخرى بعبارة (يتولّونه). وهو أمرٌ يُثبت أن الطائفة الثانية هي المسؤولة عن اختيارها وأنّ الدافع وراء اختيارها هذا هو الانصياع لوساوس الشيطان والاستسلام لدعوته.

وقد أشار الأستاذ الشهيد مرتضى المطهري إلى هذه الآية قائلاً: «إن مساحة نشاط الإنسان تقتصر على التشريع) دون (التكوين)، بمعنى أن دائرة الشيطان تنحصر في حدود النشاطات التشريعية والتكليفية للإنسان. فالشيطان إنما يستطيع التسلل إلى دائرة وجود الإنسان فقط، ولا يستطيع التأثير على غير البشر. كما أن دائرة تأثير الشيطان في البشر إنما تنحصر في تفكيره دون جسده وإن تأثير الشيطان في تفكير البشر ينحصر أيضاً على حدود الوسوسة وتمويه الباطل له. وقد بيّن القرآن هذه المعاني بتعابير من قبيل: (التزيين) و(التسويل) و(الوسوسة) وما إلى ذلك. وأما أن يخلق شيئاً في نظام الكون أو أن يسيطر على البشر تكويناً، بمعنى أن يسيطر على الإنسان بوصفه سلطة قاهرة، فيلزمه بفعل القبيح، فهو أمر خارج عن قدرة الشيطان وإمكاناته. وإنما تقتصر سلطة الشيطان على الإنسان بأن يمكنه الإنسان من نفسه ويتنازل له عن إرادته»[٦]. والدليل على هذا المدعى وجود الأتقياء والصالحين والأبرار في كل مجتمع حيث نزعوا طاعة الشيطان، ودخلوا في طاعة الرحمن. وهذان الجوابان كافيان في تبرير العقاب الأخروي، كي لا يتصف العقاب في الآخرة مع وجود الشيطان بعدم العدل.[٧]

شبهة الحكمة من خلق الشيطان

إن الإجابة عن هذا السؤال القائل - بغض النظر عن بحث العدل - ما هي الحكمة من وراء خلق الشيطان في نظام الوجود الإلهي؟ خارجة عن موضوع التحقيق بحث (العدل)، إلا أننا نكتفي هنا بمجرد الإشارة إليها.

دراسة وتحليل

عدم خلق الشيطان للإضلال

بالالتفات إلى قواعد بحث العدل والحكمة القائل بأن الوجود مساوق للخير، وأنّ الشرّ أمر عدمي، فإن وجود الشيطان يكون مشمولاً لهذه القاعدة أيضاً. فمن خلال النظر في آيات القرآن الكريم ندرك أن الله سبحانه وتعالى إنما خلق طائفة الجن وطائفة الإنس لأجل عبادة الله؛ وذلك إذ يقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[٨]. ولمّا كان الشيطان ينتمي إلى طائفة الجن فإنه مشمول لهذا الحكم أيضاً، بل إن الشيطان قد ترقى أكثر من أي فرد آخر من أفراد الجن بسبب كثرة عبادته ونال بذلك أعلى المراتب حتى أضحى مجالساً للملائكة، ولكنه طرد من نعمة الله وتمّ تجريده من منزلته بسبب تمرّده على أمر الله المتمثل بالسجود لآدم، وأخذ على نفسه لذلك قراراً بأن يكيد لبنى آدم ويحرفهم عن صراطه المستقيم. وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ[٩]

توظيف الشيطان لاختياراته

بعد التدقيق والتأمّل في خلق الشيطان يتضح لنا أن الشيطان (إبليس)، إنما أصبح شيطاناً فيما بعد بسوء اختياره لا أن الله هو الذي خلق إبليس شيطاناً منذ البداية من قبيل بعض الأخيار من الناس الذي يضلون في منتصف الطريق فيختارون الانحراف بسوء اختيارهم.

الشيطان عنصر متمّم لتكامل الإنسان

إن تكامل الإنسان وتعاليه رهن بوسوسة الشيطان، وإغوائه من قبيل: المحترف الرياضي الذي يسعى إلى الحصول على الأوسمة من خلال اجتيازه للموانع وقلنا أيضاً: إذا لم تكن وسوسة الشيطان موجودة، ولم يلمس الإنسان من نفسه ميلاً ورغبة إلى ارتكاب المعاصي، للزم من ذلك تجرّد النفس تجرّداً كاملاً، وعندها لن يكون مجرد نفس، بل هو روح وعقل محض وهذا في الحقيقة هو ما عليه ماهية الملائكة، ولن يكون أمام الإنسان حينئذ فرصة للتكامل في حين أن فلسفة خلق الإنسان قائمة على أن يسعى إلى تهذيب نفسه من خلال التغلب على الموانع والوساوس الشيطانية؛ ليصل بذلك إلى ما هو أسمى من مراتب الملائكة.[١٠]

==الشبهة حكمة إمهال الله للشيطان==١٤١ ربما أشكل بعضهم وقال: ما دام الله يعلم بمستقبل الشيطان ودوره في إضلال الإنسان مسبقاً، فلماذا أمهله حتى يوسوس لبني آدم؟ على ما هو مقرر فى القرآن من قبيل قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ[١١]﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ[١٢].

مناقشة وتحليل

في الإجابة عن هذه الشبهة يمكن الإشارة إلى عدة أمور على النحو الآتي:

  1. ربما أمكن هنا تكرار الإجابة التي تقدمت في نقد شبهة علة خلق أمثال صدام، والحجاج، والقول بأن خلق الشيطان من قبيل خلق صدام والحجاج في كونه جزءاً من نظام العلية، وإن التدخل في عدم خلق الشيطان مساوق للتدخل والتصرف فى قانون العلية[١٣].
  2. لقد عمد الله في قبال إمهال الشيطان إلى اتخاذ مختلف الإجراءات الوقائية السابقة واللاحقة من قبيل: العقل، والفطرة التوحيدية، وإرسال الأنبياء، واختيار الأئمة واللطف والعناية لهداية عباده وإرشادهم. كما قام في المرحلة التالية بإعفاء آثار التبعية للشيطان والتكفير عن المعاصي والآثام من خلال قبول التوبة والشفاعة. واضح أن هذا الإرشاد وهذه الهداية تقف عند حدود الهداية التشريعية وبيان الصالح من الطالح، ولا تصل إلى حدود الدعوة إلى سلوك طريق الحق على المستوى التكويني، وإلا فإن مفهوم التكامل والحصول على مقام القرب الإلهي سيفقد مضمونه ومعناه كما تقدم أن ذكرنا.
  3. ويمكن لنا في هذا المقام أن نكرر الإجابتين السابقتين اللتين أوردناهما في بيان فلسفة خلق الشيطان، وهما القول بأن (وجود الشيطان من لوازم تحقق تكامل النفس، وكذلك عدم إجبار الشيطان). وعليه نقول: إن خلق الشيطان أمر ضروري من أجل تكامل الإنسان، من طريق زيادة الموانع الماثلة في طريق رقيّه وتكامله (ولكن بطبيعة الحال دون أن يبلغ ذلك حدّ الإكراه والإجبار). وفي الحقيقة يمكن الإشارة في هذا الشأن إلى تحديد البطل الفائز في رياضة رفع الأثقال أو الجري أو الفروسية مثلاً، فإنه كلما تجاوز الرياضي مرحلة من مراحل السباق سيجد أمامه في المضمار التالي موانع أكثر وأشد وأوزاناً أثقل من موانع وأوزان المرحلة السابقة. وهكذا الأمر بالنسبة إلى معرفة أشرف الكائنات حيث يقوم الله سبحانه وتعالى باختبار عبده في هذا الشأن، فيضع في طريقه عقبتين متمثلتين في (النفس الأمارة والشيطان)[١٤].[١٥]

المراجع والمصادر

  1. محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية

الهوامش

  1. المزيد من الاطلاع انظر: السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج ٨، ص٤١ فما بعد؛ ناصر مكارم الشيرازي، تفسير نمونه (الأمثل)، ج ١، ص ١٩٤.
  2. سورة الشمس، الآية ٨.
  3. سورة البلد، الآية ١٠.
  4. مرتضى المطهري، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، ج ٤، ص ٢٧٦ - ٢٧٩.
  5. سورة إبراهيم، الآية ٢٢.
  6. مرتضى المطهري، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، ج ٤، ص ٢٧٦ – ٢٧٩.
  7. محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية، ص ١٣٦.
  8. سورة الذاريات، الآية ٥٦.
  9. سورة البقرة، الآية ٣٤.
  10. محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية، ص ١٣٩.
  11. سورة الأعراف، الآية ١٥.
  12. سورة الحجر، الآية ٣٧-٣٨.
  13. انظر: مرتضى مطهري مجموعة آثار (الأعمال الكاملة)، ج ١، ص ٩٥؛ وج ٢، ص ١٤٤؛ وج ٤ ص ٣٣٤
  14. لمزيد من الاطلاع بشأن الحكمة من خلق الشيطان وإمهاله، انظر: المصادر التي تقدم ذكرها.
  15. محمد حسن قدردان قراملكي، العدل أجوبة الشبهات الكلامية، ص ١٤١.