تمهيد

«حبّ الله تعالى»: هو حالة تنشأ من صميم ذات الإنسان فتسلّط على القلب، وبعبارة أخرى هو ما يخرج من القوّة إلى الفعل فيرسخ في القلب، وعلى حدّ تعبير القرآن هو نور يهدى الله به عباده ويقذفه في قلب من يشاء فيخرجهم به من الظّلمات.

قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ[١]

وقال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ[٢]

وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ[٣]

وتلك الملكة كغيرها من الملكات مقولة بالتشكيك فان حصل المرتبة الأولى منها في قلب فهو تابع للهو لرسوله ولن يخالف الله تعالى أبداً.

قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي[٤]

وان حصل المرتبة الوسطى منها في قلب فلا يلهيه شيء من ذكر الله تعالى.

قال تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ[٥]

وان حصل المرتبة الأخيرة منها في قلب فلايرى في الكون إلّا إيّاه تعالى، ولسان حاله دائماً يترنّم بقول القائل: ليس في الدّار غيره ديّار.

قال تعالى حكاية عن إبراهيم (ع): ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ[٦]

وقال تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ[٧]

قال تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[٨]

فبتلك الحالات الثّلاث والمراتب الضّعيفة والشّديدة قد يكون المرء مصداقاً لقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ[٩] (علم اليقين).

وقد يكون مصداقاً لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ[١٠] (عين اليقين).

وقد يكون مصداقاً لقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ[١١] (حقّ اليقين).

وتلك المراتب من اليقين الّتي تستفاد من الآيات الثلاث تحصل للمرء بحبّه تعالى ولا يمكن تحصيل هذه الأنوار إلّا بأنوار اخر، فبتلك المحبّة قد يرى الله تعالى رؤيةً عقليّة وهو قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ[١٢] وقد يرى الله تعالى رؤيةً قلبيّة وهو قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ[١٣] وقد يرى الله تعالى رؤيةً فطريةً منبعثةً عن صميم روحه وهو اللّقاء وهو قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ[١٤] وهؤلاء الّذين بارك الله تعالى في رؤيتهم، بل في الّذين رآه تعالى بقلوبهم.

قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[١٥]

فهم أصحاب التّسابق كما انّ من يرى الله تعالى بعين العقل فهو من أصحاب الميمنة.

قال تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ[١٦]

نعم، من كان في هذه أعمى فهو الآخرة أعمى وهم الّذين لم يرد ذلك النّور في قلوبهم فهم عميان في الدار الأولى تائهون في الظلمات في الدار الآخرة، وهم من أصحاب المشئمة.

قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً[١٧]

وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً[١٨]

وقال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ[١٩]

وبالجملة، يظهر من القرآن بوضوحٍ تام ان من أراد رؤية الله تعالى في الآخرة بعين العقل أو القلب أو الفطرة، فلا محالة ليرد ان يرى الله تعالى بنور العقل أو بنور القلب أو بنور الفطرة في هذه الدّنيا وإلّا فمن غضّ عين قلبه في هذه الدّنيا فالله تعالى محجوب عنه يوم القيامة وليس له ان يراه بعين العقل أو القلب أو الفطرة.

قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ[٢٠]

قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ[٢١]

ولهذه المحبّة لذّة لأهلها لا يمكن دركها إلّا لمن التذّ بها.

قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[٢٢]

بناءً على كون المراد من قوله تعالى ﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ[٢٣] اللذّات المقدّرة لهم في جوف الليل في هذه الدنيا، فلا تختصّ بالآخرة وإرادة العموم من الآية الشريفة قريب جدّاً.

فمن غلب عليه الصّعق في جوف اللّيل خوفاً من ستر الحجاب على قلبه قائلاً لسان حاله: «يا اِلـهى وَسَيِّدِي وَمَوْلايَ وَرَبّي صَبَرْتُ عَلى عَذابِكَ فَكَيْفَ اَصْبِرُ عَلى فِراقِكَ، وَهَبْني (يا اِلـهي) صَبَرْتُ عَلى حَرِّ نارِكَ فَكَيْفَ اَصْبِرُ عَنِ النَّظَرِ اِلى كَرامَتِكَ»[٢٤]، لا يدرك حاله من لم يذقها.

فهو (ع) في الجزء الأخير من مناجاته هذه إذا انغمر في توحيده تعالى واستولى عليه الحب استدامها فقال: «يَا رَبِّ يَا رَبِّ يَا رَبِّ أَسْأَلُكَ بِحَقِّكَ وَ قُدْسِكَ وَ أَعْظَمِ صِفَاتِكَ وَ أَسْمَائِكَ، أَنْ تَجْعَلَ أَوْقَاتِي بِاللَّيْلِ وَ اَلنَّهَارِ بِذِكْرِكَ مَعْمُورَةً، وَ بِخِدْمَتِكَ مَوْصُولَةً، وَ أَعْمَالِي عِنْدَكَ مَقْبُولَةً، حَتَّى تَكُونَ أَعْمَالِي وَ إِرَادَتِي كُلُّهَا وِرْداً وَاحِداً، وَ حَالِي فِي خِدْمَتِكَ سَرْمَداً» [٢٥]

فلا عذاب ولا معصية لأمير المؤمنين (ع) أشدّ من الفراق والغفلة عن اللّقا فلذا يستدامها ويستغفر الله تعالى عن غيرها ويخرّ صعقاً وليس التّضرّعات والاستغفارات والاقرارات بالذّنوب العظيمة الواردة في قسطٍ من الأدعية إلّا بهذا المعنى، وهذه الحالات وهذه اللّذّات يختصّ باهلها وليس لعامّة النّاس نصيب منها، فطوبى لهم وحسن مآب، اللهمّ شرّكنا معهم في ادراك حلاوة ذلك.

ثمّ، انّه لمّا كان هذا الحبّ مساوقاً للوجود فلكلّ من الموجودات بمقدار وجوده نصيب منها يدلّ عليه تسبيح الموجودات بأسرها وصلاتها وتضرّعها وانابتها وسجودها.

قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ[٢٦]

وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ[٢٧]

وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ[٢٨]

وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ[٢٩]

وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ[٣٠]

ونظيرها كثير وارد في الذكر الحكيم. ولكن من المؤسّف عليه جدّاً انّه ليس لنا سمع حتّى نسمع تلك التّسبيحات والتّضرّعات وليست لنا عين حتىّ نرى تلك الصّلوات وتلك السّجدات، فلو كانت لنا العين الدّاوُدية والأذن الدّاوُدية لكنّا نسمع ونرى. هذا من الضروريّات عند أهل القلوب فمن غلب على قلبه محبّة الله تعالى واستنار قلبه بتلك المحبّة واتّصل بنور الله تعالى فهذه الأمور وما يشابهها ليس عليه إلّا سهلاً يسيراً وقد مضى في رواية معتبرة من الكافي انّ سمع المحبّ وبصره متّصل بنور الله تعالى فبعد ذلك لا يثقل عليه أن يسمع تسبيح الموجودات وأن يرى صلواتها وسجودها.

وقد اشتهر انّ تسبيح الموجودات كلّها غير الإنسان على سبيل الجبر والقسر، والفرق بينها وبين تسبيح الإنسان يتمّ بهذا، فالإنسان في عبادته مختار وغيره في عبادته مجبور وقد استدلّ المشهور لهذا القول بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ[٣١]

والمعنى انّ الله تعالى خلق السّموات والأرض وأمرهما تكويناً بالمقدّر لهما بالامر المحتوم، فأجابا تكويناً: انّا طائعون، فيعملان بما قدّر لهما جبراً.

واستدلّوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ[٣٢]

ولكن المراد - والعلم عند الله تعالى! - من هاتين الآيتين واضرابهما بيان الهداية التكوينيّة الإلهيّة واهتداء العوالم بها، فمَثل الآيتين مَثل قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى[٣٣]

فللموجودات كلّها ومنها الإنسان هداية عامّة تسمّى بالهداية التّكوينيّة وبتلك الهداية يعلم كلّ موجودٍ بعلمه التكويني طرقَ إعاشته والخروج عن عهدة وظيفته.

فهذه الآيات وأمثالها خارجةٌ عن محلّ الكلام.

فبهذا يتصحّح قول القائل: انّ عبادات الموجودات كلّها على سبيل الاختيار وتنشأ من حبٍّ نشأ من صميم ذاته المساوق لوجوده ولكن مثل هذه المطالب يحتاج إلى الشّهود، وهو خارج عن العلم والقيل والقال، فالأجدر ان نكله إلى أهله ونصرف عنه البيان‌مقال آخر، وهو انّ هذه المحبّة تضادّ محبّة الدّنيا ولا يمكن الجمع بينهما اصلاً قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ[٣٤]

فمن اشتغل قلبه بالدّنيا بالمعنى العام فليس له ان يُنوَّرَ بنور محبّة الله فلذا نهى الله تعالى عن شغله في عدّةٍ من الآيات منها.

قال تعالى: ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ[٣٥]

وقال تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ[٣٦]

كما انّ من اشتغل قلبه بالله غير موجّهٍ وجهه إلى غيره فليس له أن يُكدّر بحبّ الدنيا الدنيئة.

قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ[٣٧]

حُكى عن بعض مسامرات أهل القلوب أنّ واحداً منهم قال: ليس بصادق في دعوى حب مولاه من لم يرض على بلائه، فقال الآخر: ليس بصادق في دعواه من لم يشكر على بلائه، فقال الآخر: ليس بصادق في دعواه من لم يتلذّد من بلائه، وقال الآخر منهم: ليس بصادق في دعواه من شغله بلائه عن مشاهدة مولاه!.

نعم، انّ حبّ المولى لو رسخ في القلب فكثيراً مالا يرى إلّا المولى كما انّه ان رسخ وفيه حبّ الدّنيا لا يرى إلّا ايّاها. وفيما حكى الله تعالى في الذكر الحكيم من فعل النسوة حين ورود سيدنا يوسف (ع) إليهنّ حيث قطّعن ايديهنّ ناسيات القطع والدم والداء، اشارةٌ إلى ذلك.

قال تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّنَ الصَّاغِرِينَ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ[٣٨]

فترى الآيات الحاكية عمّا جرى على يوسف (ع) تطابق المأثور: حبّ الشّيء يعمى ويصم ؛ فنسوة المدينة ما كان في قلوبهنّ إلّا حبّ يوسف المذموم، فأدّاهنّ ذلك إلى اغتراف الذنوب واحداً بعد آخر ؛ كما انّ اخوة يوسف - وقد مضى ذكر جملةٍ من سيرتهم معه (ع) في صدر السورة المباركة - كانوا يعبدون أهواءَهم، فجنوا عليه ثم أجرموا بما اتّهموه به من كونه سارقاً ؛ أمّا يوسف فما كان في قلبه شيءٌ غير حبّه تعالى، ففعل مالا يفعله إلّا من عصمه سبحانه ؛

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ[٣٩]

ولمزيد التوضيح نقول: انّ اخوة يوسف غلب عليهم الهوى فارتكبوا ذنوباً كثيرة كتضليل أبيهم النبىّ وارادتهم قتل أخيهم النبي وتلك الهوى جعلتهم في عمى فسلّط عليهم هواهم وقضت عليهم ففعلوا ما فعلوا وبلغوا ما بلغوا من الدناءة والخسّة.

وانّ امرأة العزيز غلبت عليها هواها وارتكبت ذنوباً لا يجوّزها العقل ولا يقرب منها الأحرار كحنين المرأة إلى غير بعلها والخلوة معه طالبةً منه الفسوق ؛ ثم بعد الإياس من الظّفر به تطهير نفسها من الذنوب واسنادها إليه ثم الأمر بسجنه والظلم عليه بما ينفرّ منه الآذان والأسماع.

أمّا النبي يوسف (ع) ففرّ من الذنب فرار الغنم من الذئب لتمكّن حبّه تعالى في قلبه بحيث لم يكن في قلبه فراغاً يشغله غيره. هذا مع تمام المعدّات لاغترافه اشدّ المعاصي التذاذاً، حيث كان شابّاً وكانت جميلةً وكان مملوكاً وكانت مالكةً محبّةً ولهةً ايّاه، فأمرته بالفسوق مع خلوّ المجلس عن الأغيار، ولكن حبّه تعالى عصمه منها فتركها لئلّا يكون مع العاصين.

فطوبى لمن يرى ذلك النّور وتلك الظّلمة وطوبى لمن تستشمّ ريح ذلك النّور الطيب وريح تلك الظّلمة النتن ومن كان له قلب وسمع وعين فلا ألذّ لقلبه من رؤية ذلك النور المشار إليه في جملةٍ من الآيات والروايات.

قال تعالى حكاية عنه: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ قَالُواْ تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ[٤٠]

وروى انّ أويس القرني سافر إلى مدينة النبي ليلاقيه (ص) فلم يكن الرسول فيها، فرجع، فإذا عاد إليها النبي قال: أرى نوراً واشمّ ريحاً طيّباً؟ فقيل له: جاء أويس، فقال: واشوقاه يا أويس.

وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ[٤١]

فما هذا الرّيح الّذي تذهب بالمخالفة وتحصل بالمتابعة، فطوبى لمن يشمّها.

قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا[٤٢]

فما هذا النّور الّذي يَظهر للمؤمن فيُظهره وما تلك الظّلمات الّتي يراها المؤمن ولا يدخلها.

فتلخّص ممّا ذكرنا، انّ حبّ الله تعالى ينافي حبّ الدّنيا وهم ضدّان لا يجتمعان بتاتاً.

نعم، لو كان حبّ غير الله لأجله تعالى فهو يرجع إلى حبّ الله تعالى وهو أفضل القربات ويجتمع مع حبّه بل لو لم يكن فيه حبّ في الله فليس فيه حبّ الله.

فالأمر الوارد بحبّنا الصالحين وعلى رأسهم أهل بيت الطهارة (ع) ليس إلّا من حبّه تعالى، فلا تعارض بين الحبّين، بل الأوّل يمدّ الثاني ويضاعفه.

قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى[٤٣]

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ[٤٤]

وهذا أمر فطرىّ لا يحتاج إلى تطويل، كما انّ مضمون البيتين ورد في كثيرٍ من مناسك الإسلام المستحبّة، كاستحباب استلام الحجر الأسود وتقبيله واستحباب تقبيل ضرائح رسول الله والائمّة (ع) المطهّرة وتقبيل الأبواب والعتبات والتّبرّك بقبورهم، وهذه الأمور كلها ليس الّا من هذا الباب الّذي يدركه ذوق العوام فضلاً عن الخواصّ وهذا هو الدليل على كونه فطريّاً.

بقي امر، وهو حبّ الإنسان مالا يرجع ببادىء النظر إلى الحبّ في الله العائد إليه تعالى كحبّ الأزواج والأولاد والأقرباء وكحّب العلم والفضائل والمتّصف بهما وكحبّ الوجه الحسن وكحّب ما يرضى غرائز الإنسان كالمأكولات والمشروبات والملبوسات، وهذا الحبّ ايضاً فطرىّ غريزىّ لكلّ إنسان بل كثيرٌ منها لكثيرٍ من الحيوانات هذا بحسب العرف وإن أمكن بالدقّة العلميّة بالتدقيق العلمي ارجاع الحبّ هذا إلى الحبّ لله وفيه تعالى.

والجواب عن الاشكال، انّ هذ الحبّ ليس منافياً لحبّه تعالى بل بينهما كمال الاجتماع والملائمة.

فحبّ الدّنيا الّذي يضادّ حبّه تعالى هو الحبّ المشتغِل الإنسان عن حبّه تعالى، والذكر الحكيم أعاد الإشارة إلى هذا المطلب السامي مرّةً بعد أخرى.

قال تعالى: ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ[٤٥]

وقال تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ[٤٦]

وأمّا الحبّ المخالف لحبّ الله الّذي يمكن ان يُجمع بينه وبينه، فليس بمذمومٍ، بل لا يعبد ان يُقال: انّ بقاء النسل والحرث موقوفٌ عليه، كما قد جعله سبحانه فضلاً ورحمة وعناية منه بل نهى عن تحريم طيّبات الدّنيا معلّلاً بانّها خلقت للمؤمنين.

قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ[٤٧]

وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ[٤٨]

ونظير الآيتين في القرآن كثير وقد مرّ الكلام في ذلك مفصّلاً في البحث عن رذيلتي الشّرة وحبّ الدّنيا، فراجع.

ثمّ اعلم انّ محبّة الله تعالى عناية خاصّة منه لا يؤتيها إلّا لمن كان أهلاً لها وتشبيهها بالدّرّ وتثمينها وتقويمها بما هو أغلى من الدّنيا وما فيها تشبيه غير جدير لانّ الدّرّ ليس إلّا حجراً قلّ وجوده في المعادن وانّ الدّنيا وما فيها عند أهل القلوب لا يقابلها، بل ليس إلّا كالنمّ واليم فما هي حتّى تُقابل بها؟، فمن رسخت محبّة الله في قلبه لم ير إلّا الله فليس للآخرة عنده قدرٌ فضلاً عن الدّنيا.

ولكنّ النّاس إلّا الاوحدىّ منهم محرومون عن هذه العطيّة فضلاً عن درك قيمتها والسرّ في ذلك انّهم بدّلوا محبّة الله بمحبّة الدّنيا وباعوها بثمنٍ قليل واعرضوا عنها واشتروا بها معيشةً ضنكاً.

قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً[٤٩]

فحصل لهم بإعراضهم هذا هبوطٌ آخر وهو منزلة المحجوبين.

قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ[٥٠]

ومن المعلوم انّه بعد ذلك الهبوط، هبطوا إلى مهوىً آخر وهو منزلة المطرودين فزيد في ظلالتهم الأولى.

قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ[٥١]

وبعد ذلك يتساقطون إلى ما هو أسفل منه وهو منزل المبغوضين وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك المنزل بقوله ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ[٥٢]

بل أشار بجملة ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ[٥٣] إلى ذلك السّقوط

قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ[٥٤]

وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ[٥٥]

ومن أراد الخلاص منه فليس له بدّ إلّا العود إليه تعالى بالتّوبة الحقيقيّة واليقظة الواقعيّة حتّى يخرج من تيه الظلمة ويصعد إليه خطوةً فخطوة واوّل الخطوات هو التّقوى لانّ الهداية الخاصّة العنائيّة موقوفةٌ عليها.

قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ[٥٦]

والمنزل الثاني هو منزل الموقنين.

قال تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[٥٧]

وبعده منزل المحسنين الّذين وعد الله ان يستظلّوا بظلّ رحمته الخاصّة.

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ[٥٨]

وبعد ذلك يتوّجه الله تعالى بتيجان البرّ، فيكون منهم.

قال تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ[٥٩]

فاذاً يصل إلى الفوز الأكبر وهو مقام المحبّين المتذوّقين من ماء الحياة وهم الفائزون بأعلى درجات الحبّ.

قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[٦٠]

فهو اوّل منازل المحبّين، فتحرق تلك المحبّة الاغيار كلّها وتتهيّأ القلب لمصاحبة صاحبه وهو الله تعالى وقد روى انّه عرش الرّحمن وانّ الله تعالى مع تنزّهه عن المكان ولكنّه ينظر إليه نظر الرّحمة والتّلطّف، وورد في القدسيّات: «قَلْبَ اَلْمُؤْمِنِ عَرْشُ اَلرَّحْمَنِ»[٦١].

وورد ايضاً فيها انّه تعالى قال: لم يسعني سمائي ولا ارضى ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن.

فاذاً يلتذّ بالعبادات البدنيّة والماليّة والقلبيّة، بل لا شيء ألذّ له منها، فيسرّ بالإيثار اليسير عليه.

قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ[٦٢]

وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ[٦٣]

وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً[٦٤]

فبذلك البراق يعرج إلى مالا نهاية له فالاتيان بالعبادات البدنيّة والماليّة والقلبيّة ولو كانت بالغةً حدّ النّهاية كعبادات أهل البيت (ع) ليست عليه عسيراً، بل لا قدر لها عنده.

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ[٦٥].

وبعد ذلك يحصل لهم مقام الفناء فلايرون طاعاتهم، بل لا يرون في الوجود غيره تعالى وهو الانقطاع، نعم قد يحصل لهم الفناء بعد الفناء أو فناء الفناء وهو ان لا يرى الانقطاع ايضاً وهو كمال الانقطاع الّذي عبرّ عنها في المناجاة الشعبانيّة، بقوله (ع): «إِلَهِي هَبْ لِي كَمَالَ اَلاِنْقِطَاعِ إِلَيْكَ وَ أَنِرْ أَبْصَارَ قُلُوبِنَا بِضِيَاءِ نَظَرِهَا إِلَيْكَ حَتَّى تَخْرِقَ أَبْصَارُ اَلْقُلُوبِ حُجُبَ اَلنُّورِ فَتَصِلَ إِلَى مَعْدِنِ اَلْعَظَمَةِ وَ تَصِيرَ أَرْوَاحُنَا مُعَلَّقَةً بِعِزِّ قُدْسِكَ إِلَهِي وَ اِجْعَلْنِي مِمَّنْ نَادَيْتَهُ فَأَجَابَكَ وَ لاَحَظْتَهُ فَصَعِقَ بِجَلاَلِكَ فَنَاجَيْتَهُ سِرّاً وَ عَمِلَ لَكَ جَهْراً»

فلهم بعد الفناء السير من الحقّ في الحقّ فيغنمون كمالاً بعد كمال وليس لسيرهم هذا نهايةٌ ابداً، بل بعد الموت سيّما بعد القيامة يكون سيرهم واستكمالهم أحسن وأجود وأعلى واظهر، فله صعق ومحو وصحو في هذه الدّنيا كما انّ لهم كمالاً في الآخرة أشدّ وأعلى منها بل لا يكون الّا في استكمالٍ أبداً ومن ظنّ انّ السّير ينقطع بالموت فلا نصيب له من الواقع.

قال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ سَلَامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ[٦٦]

فيأتي السؤال عن شغل أهل الجنة ما هي؟ وما هذه الظّلال والأرائك؟ وما تلك الفاكهة؟ وما هو الّذي يدّعونه أهل الجنّة؟ وما سلام الرّحمن لهم؟

وانحصار ذلك كلّه في المشتهيات النّفسانيّة لا يُعدّ كمالاً لهم، بل هو كمال قصورهم ونحن لا نفهم من الشغل في الآية الشّريفة إلّا سيرهم وفنائهم في الله تعالى وانقطاعهم إليه تعالى وفراغهم عمّا سواه تعالى، ولا نرى الظلال إلّا ظلال رحمته تعالى ولا نرى الأرائك إلّا اتّكائهم على أريكة عظمته تعالى.

وان أبيت عن اختصاص الآية بهذا المعنى فلا اقلّ من القول بعمومها للمعنيين وعدم اختصاصها باشتغال أهل الجنّة بالأكل والشّرب والحور والقصور لانّ ذلك لا يلائم قول الله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ[٦٧] لانّ ذلك السلام من مناجاته الّتي أشير إليها في المناجاة الشّعبانيّة: واجعلني ممّن ناديته فاجابك ولاحظته فصعق لجلالك فناجيته سرّاً.

ولا يمكن للمشتغل بنعم الجنّة ان يصعق فيناجيه الله تعالى بل ذلك يختصّ بمن لا يرى إلّا الله تعالى، وليس ذلك كلّه إلّا للفناء في الدّنيا والآخرة.

قد طغى القلم فخرجنا عن طور البحث ووردنا فيما يختصّ باهله، رزقنا الله وايّاكم حلاوة ذلك وجعلنا من أهله.

ثمّ، انّ للمحبّة فوائد لا تحصى وليس شيء يضاهي هذه العطيّة الإلهيّة في كثرة فوائدها.

منها تحصيل مقام الرّضا والتسليم الّذي هو من العطايا الخاصّة الإلهيّة ايضاً فرضاه تابع لرضا المولى بل يندكّ رضاه في رضاه.

قال مولانا سيّد شهداء الأوّلين والآخرين الحسين (ع) لمّا عزم على الخروج‌ العراق: «رِضَى اَللهِ رِضَانَا أَهْلَ اَلْبَيْتِ»[٦٨]

ألا ترى انّ القرآن الحكيم كيف يحكى فعل الخليل (ع) من اسكان طفله الوحيد وامّه بوادٍ غير ذرع اعتماداً فيه إلى الرّب الجليل، ليحيي تعالى به البيت والصلاة، ولم يكن له داعٍ إلّا الله كما لم يكن له ولد إلّا هذا الرضيع؟

قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ[٦٩]

ثمّ بعد نيله (ع) بما كان يتمنّاه من عمارة البيت، لمّا بلغ إسماعيل رشداً رضى بان يذبحه طاعةً لأمره سبحانه وتعالى.

قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ[٧٠].

والامر من هذا الخليل مهمّ ولكنّ الاهمّ هو أمر الخليل العاشور الّذي أفدى مع علم ويقين ما له حتّى الرّضيع لدين المحبوب، قال: «أَ لاَ تَرَوْنَ إِلَى اَلْحَقِّ لاَ يُعْمَلُ بِهِ وَ إِلَى اَلْبَاطِلِ لاَ يُتَنَاهَى عَنْهُ لِيَرْغَبِ اَلْمُؤْمِنُ فِي لِقَاءِ اَللَّهِ مُحِقّاً»

وبالجملة، انّ المحبّ لله تعالى تابع له، تسليم لامره، راض برضاه.

حُكى ان الملك العظيم الغزنوي محمود نظر إلى درٍّ يتلألؤ كأنّه الشمس، ثمّ أعطاه إلى بعض ذوي اختصاصه وأمره بكسره فأبى عن ذلك، فأعطاه إلى آخر مكرِّراً أمره، فأبى منه أيضاً، وهكذا إلى أن اتّصل النوبة بأياز، فانكسر الدرّ من غير أن يتأمّل فيه ولو لحظةً، فلامه أهل المجلس مؤسّفين على الدرّ الضائع، فأجاب عنهم أياز: انّ الدر هو كلام السلطان الّذي ضيّعتموه، لا هذا الجوهر!

ومن فوائد الحبّ أنّ المحبّ لا يرى في الوجود مصيبةً وبلاءً، بل ما يوجد في دار الوجوه إمّا أن يكون من الطافه الجليّة وإمّا من الطافه الخفيّة ففسّر قوله (ص) البلاء للولاء ثمّ الأولى فالأولى، هذا سرّ قول السيّدة زينب (ع) في مجلس ابن زياد حين خاطبها بما لا يليق بها: ما رأيت إلّا جميلاً [٧١].

وهو مع كونه من أهل هذه المعاني ولكن أخطأ في تسمية البلاء بالقهر ثم في ابداء العجب من الهيمان بهما، ثمّ في جعلها مضادّاً للّطف وبهذا يظهر الفرق بين الكلامين، وانّهما على قدر صاحبيهما.

ولكن مع الوصف انّ تلك الكلمات لا تصل أيدي بلاغتها وفصاحتها إلى قولها عليها السلام: ما رأيت إلّا جميلاً.

ومن فوائد تلك العطيّة، دفع الغمّ والهمّ والاضطراب والخوف وانّ القلب الذّى ذاق حلاوتها تطمئنّ فلا غمّ فيه ولا خوف، لافي الدّنيا ولا في الآخرة.

قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ[٧٢]

وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ[٧٣]

وقال تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ[٧٤]

ويظهر من الآية الأولى حصر اطمئنان القلب في ذكره تعالى، وذلك لتقدّم المتعلِّق على متعلَّقه.

وأنّ الحبّ يوجب رفع الهموم والاضطرابات لانّ المحبّ إذا كان مع الله فهو يمشى في النّاس أو يرد المحشر مصاحباً نوره تعالى فليس بوحيد ولا في ظلمة حتّى يستوحش فيغلب عليه الهمّ والاضطراب والخوف على خلاف قلبٍ لم يحم حول محبّته، فهو في ظلمةٍ، فيضطرب ويخاف ويغتمّ من كلّ شىءٍ صغير وكبير.

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ[٧٥]

ومن فوائد حبّ الله تعالى الاجتناب عن المعاصي كما أشرنا إليه في اوّل البحث لانّ المحبّ يرى الله تعالى بنور العقل أو بنور القلب أو بنور الفطرة فيرى انّه في حضرة الرّب فيجد انّ العالم بمحضرٍ من الله تعالى فبعد ذلك كيف يرتكب ما نهى الله عنه؟

وكلّما اشتدّت المحبّة استحكم ذلك حتّى يعصم من الأخطاء وقد اشتهر انّ العصمة من مراتب العلم ومرادهم منه انّها من مراتب حقّ اليقين وان قيل: انّ العصمة هي الأعلى من مراتب المحبّة فهو عبارة أخرى عن القولة الشهيرة.

وبالجملة، انّ حبّ الله تعالى وان كان في مرتبة ضعيفةٍ، يمنع عن المعصية، وقد نسب إلى مولانا الصّادق (ع) بيتان نختم الكلام بهما.

وهذا البحث طويل الذّيل ولهذه العطيّة فوائد شتّى وجهات شتية من البحث ويكفيك تصديقاً لذلك ملىء صحف العرفاء وصحائف الشعراء المتألّهين عن مصطلح الحبّ وما يشتقّ منه.

ونحن نكتفي بهذا المقدار معتذرين عن أهل القلوب لو هام طائر الروح حول ساحتهم.

واظنّ انّ أحسن الحديث في هذا المجال هو ما صدر عن أهل البيت (ع) سيّما أدعيتهم، فلو قلنا انّ مفاتيح الجنان كتاب الحبّ ودعاء كميل بن زياد ودعاء عرفة والمناجاة الشّعبانيّة يكفي السائر إلى الله من كلّ كتاب إذ هي زبدة المعرفة الإلهية ومعارفها لا نُنسب إلى الجزاف في القول، فعليك ثمّ عليك بمداومة الأدعية المأثورة إن أردت تحصيل المعارف لانّها منهل لكلّ الظّمأن ومشرب لكلّ عطشان.[٧٦]

المراجع والمصادر

  1.   حسين المظاهري، دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية ج٣

الهوامش

  1. سورة الزمر، الآية ٢٢.
  2. سورة الأنعام، الآية ١٢٢.
  3. سورة البقرة، الآية ٢٥٧.
  4. سورة آل عمران، الآية ٣١.
  5. سورة النور، الآية ٣٧.
  6. سورة الأنعام، الآية ٧٩.
  7. سورة البقرة، الآية ١١٥.
  8. سورة الحديد، الآية ٣.
  9. سورة فصلت، الآية ٥٣.
  10. سورة فصلت، الآية ٥٣.
  11. سورة فصلت، الآية ٥٤.
  12. سورة فصلت، الآية ٥٣.
  13. سورة فصلت، الآية ٥٣.
  14. سورة فصلت، الآية ٥٤.
  15. سورة النمل، الآية ٨.
  16. سورة الواقعة، الآية ٨-١١.
  17. سورة الإسراء، الآية ٧٢.
  18. سورة الحديد، الآية ١٣.
  19. سورة الواقعة، الآية ٤١-٤٤.
  20. سورة القيامة، الآية ٢٢-٢٣.
  21. سورة المطففين، الآية ١٥.
  22. سورة السجدة، الآية ١٦-١٧.
  23. سورة السجدة، الآية ١٧.
  24. مفاتيح الجنان، دعاء كميل بن زياد عليه الرّحمة.
  25. مفاتيح الجنان، دعاء كميل بن زياد عليه الرّحمة.
  26. سورة الإسراء، الآية ٤٤.
  27. سورة النور، الآية ٤١.
  28. سورة الأنبياء، الآية ٧٩.
  29. سورة الحج، الآية ١٨.
  30. سورة سبأ، الآية ١٠.
  31. سورة فصلت، الآية ١١.
  32. سورة هود، الآية ٥٦.
  33. سورة طه، الآية ٥٠.
  34. سورة الأحزاب، الآية ٤.
  35. سورة المنافقون، الآية ٩.
  36. سورة الحجر، الآية ٣.
  37. سورة النور، الآية ٣٦-٣٧.
  38. سورة يوسف، الآية ٣٠-٣٣.
  39. سورة يوسف، الآية ٢٤.
  40. سورة يوسف، الآية ٩٣-٩٦.
  41. سورة الأنفال، الآية ٤٦.
  42. سورة الأنعام، الآية ١٢٢.
  43. سورة الشورى، الآية ٢٣.
  44. سورة المائدة، الآية ٥٤.
  45. سورة المنافقون، الآية ٩.
  46. سورة النور، الآية ٣٧.
  47. سورة البقرة، الآية ١٩٨.
  48. سورة الأعراف، الآية ٣٢.
  49. سورة طه، الآية ١٢٤.
  50. سورة المطففين، الآية ١٥.
  51. سورة الأنعام، الآية ١٢٥.
  52. سورة الفاتحة، الآية ٧.
  53. سورة النساء، الآية ١٤٨.
  54. سورة آل عمران، الآية ٥٧.
  55. سورة البقرة، الآية ١٩٠.
  56. سورة البقرة، الآية ٢.
  57. سورة البقرة، الآية ٤-٥.
  58. سورة العنكبوت، الآية ٦٩.
  59. سورة آل عمران، الآية ١٩٨.
  60. سورة المائدة، الآية ١١٩.
  61. بحار الأنوار، ج ٥٥، ص ٣٩، سطر ٣.
  62. سورة الإنسان، الآية ٨-٩.
  63. سورة السجدة، الآية ١٦.
  64. سورة الأنفال، الآية ٢.
  65. سورة المؤمنون، الآية ٦٠.
  66. سورة يس، الآية ٥٥-٥٨.
  67. سورة يس، الآية ٥٨.
  68. بحار الأنوار، ج ٤٤، ص ٣٦٦، باب ٣٧، ح ٢
  69. سورة إبراهيم، الآية ٣٧-٣٨.
  70. سورة الصافات، الآية ١٠٢.
  71. بحار الأنوار، ج ٤٥، ص ١١٦ - ١١٥، باب ٣٩، ح ١
  72. سورة الرعد، الآية ٢٨.
  73. سورة يونس، الآية ٦٢.
  74. سورة الزخرف، الآية ٦٨.
  75. سورة البقرة، الآية ٢٥٧.
  76. حسين المظاهري، دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية، ج٣، ص ١٧٣.