إثبات النبوة

من إمامةبيديا

تمهيد

طريق إثبات النبوة هو: أن يدعي أحد أنه مرسل من قبل الله تعالى لهداية البشر ويؤيد ادعاءه هذا بما يثبت صحة دعواه وصدقه في ادعائه النبوة، وبذلك يكون قد أثبت ما يدعيه ببرهان، وما ذلك الإثبات إلا الإتيان بالمعجز الذي يعجز الأفراد العاديون عن الإتيان بمثله.

ونفس هذا الكلام ينطبق على النبوة الخاصة، حيث نريد بها إثبات رسالة خاتم الأنبياء(ص) فنقول:

المقدمة الأولى: إنَّ نبينا(ص) ادعى النبوة.

المقدمة الثانية: ظهرت المعجزات على يديه.

فالنتيجة تكون هذه الجملة الثالثة: ظهور المعجزات على يديه دليل على صدق الدعوى (صحة النبوة).

ولنبدأ ببيان المقدمتين الأولتين، ثم ننتقل إلى النتيجة.

في المقدمة الأولى إن نبينا(ص) ادعى النبوة وهذا أمر واضح لا يحتاج إلى إثبات، لأنه لابد منذ أن جاء رسول الله إلى قومه، ودعاهم في القصة المعروفة ب (يوم الدار) جاء ليقول لهم أنه مكلف من عند الله تبارك وتعالى بأداء الرسالة، وأنه تلقى الوحي حينما نزل عليه قوله تعالى: ﴿أَقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [١]، ونزلت عليه الآية الكريمة: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين [٢]، فبدأ يُنذر ويبلغ عشيرته منذ تلك اللحظة، ومنذ رفعه للشعار: «قُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ تُفْلِحُوا» فهو كان مستمراً في بيان أنه نبي من قبل الله، وأنه مرسل من قبله، وأنه بشير ونذير بين يدي الساعة.

وبالتالي فكل حياة رسول الله(ص) كانت تجسيداً لهذه الكلمة وإبلاغ الناس أنه حامل رسالة إلهية.

وأما في المقدمة الثانية فإنَّ المعجزات قد ظهرت على يديه وهذا ثابت بالتواتر، لا يستطيع أحد إنكاره، فكل من كان يعيش مع رسول الله(ص) كان يرى أنَّ الحصى تسبح في يديه. وحينما دعا علياً(ع) ليصنع طعاماً ويدعو بني عبد المطلب، والنصوص متفقة على أنهم كانوا أربعين يزيدون واحداً أو ينقصون واحداً، ثم صنع لهم الطعام، وذكر النبي - سمي الله وتبارك وتعالى- ثم دعاهم إلى الطعام فأكلوا وشبعوا وزاد من الطعام، في حين أنَّ ذلك الطعام ما كان يكفي إلا أن يكون طعام عدد قليل جداً.

إذن ظهور المعجزات على يديه(ص) أيضاً مسألة لا تقبل الإنكار وأعظم شاهد على ذلك لمَن عاصره ولمن أتى بعده، إضافة إلى القرآن الكريم الذي هو كلام الله تبارك وتعالى الذي تحدى به جميع أبناء البشر وتحدى الإنس والجن على أن يأتوا بمثل ذلك القرآن.

فالنتيجة مسلمة لوضوح هاتين المقدمتين وهي: أنَّ محمداً عبد الله(ص) رسول من قبل الله وقد ظهرت معجزات كثيرة على يديه وأنه يُخبر بكل ما وراء عالم الشهادة الذي هو عالم الغيب.

و إذا أردنا أن نتجاوز هذا اللون من الاستدلال المنطقي وترتيب المقدمات للوصول إلى النتيجة نستطيع أن نقول: لو أنَّ أمةً منغمسة في الجهل والظلم وأعلى درجات الانحراف، فاقدة لكل القيم، ونهض من بينهم رجل ليعلن عن السماء رسالات وبشائر وهدايات، لا يمكن أن تحصل لها نظائر في العقل البشري أو في أي تصور عادي من مجتمع كهذا، فماذا سيكون الأمر عند ذلك.

فإنه وبطبيعة الحال وكثرة هذه الآثار لدليل على أنه حامل رسالة من قبل الله تعالى لا يمكننا بسهولة تكذيبها بل يجب النظر والتأمل والتدقيق بها لنؤكد صدقها وهذا ما يكون أيضاً بطريق المعجزة التي تتناسب مع خصائص كل عصر. فكان من الحكمة أن يخص الله تبارك وتعالى موسى(ع) بالعصا وباليد البيضاء لما شاع السحر في زمانه وكثر الساحرون، ولذا كانوا أسرع الناس إلى تصديق ذلك البرهان والإذعان به، حين رأوا العصا تنقلب ثعباناً وتلقف ما يأفكون ثم ترجع إلى حالتها الأولى، فآمنوا به ولم يأبهوا بسخط فرعون ولا بوعيده. وشاع الطب اليوناني في زمن عيسى(ع) وأتى الأطباء في زمانه بالعجب العجاب، فقد كان للطلب رواج باهر في المنطقة التي بعث فيها وشاءت الحكمة أن تجعل برهانه شيئاً يشبه الطب، فكان من معجزاته(ع) أن يُحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص، ليعلم أهل زمانه أنَّ ذلك شيء خارج عن قدرة البشر، وغير مرتبط بمبادئ الطب، وأنه شيء ناتج عما وراء الطبيعة.

وإذا جئنا إلى عصر الرسول الأكرم(ص) وجدنا البلاغة والفصاحة كانت سائدة في ذلك العصر لدى قريش والعرب، بحيث أنَّ المعلقات ونماذج الأدب تشير إلى تلك الدرجات المتقدمة من الفصاحة والبلاغة.

ولا يخفى أنَّ المعجزات كانت على نوعين، خالدة كالقرآن الكريم، ووقتية مثل تسبيح الحصى، وإشباع العدد الكبير بالطعام القليل في يوم الدار وغيرهما من المواقف الكثيرة. ولكن المعاندين لم يعلنوا إيمانهم به بعد كل ما رأوه من الآيات بل اتهموه بأنه ساحر ومجنون، ووصفوه بأنه شاعر وأمثال ذلك لماذا؟!

ولذلك نجد أنَّ في قصة يوم الدار، لما صنع لهم الطعام ومدوا أيديهم رأوا هذا الطعام لم يقل منه شيء كلما أكلوا، ولكن قام أحدهم وقال: سحركم محمد![٣]

المراجع والمصادر

  1. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية

الهوامش

  1. العلق: ١.
  2. الشعراء: ٢١٤.
  3. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ١٩٥-١٩٧.