الأمر

من إمامةبيديا

التعريف

الأمر: هو - بحسب الصيغة - استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء، أو هو طلب الفعل جزماً، أو طلب فعل الشيء وإحداثه، وهو نقيض النهي، والمراد بمادّة الأمر الحال والشأن، أو الحادثة، أو الشيء، أو ما يعد الله به من أصناف العذاب، ويفسّر كلّ مقام بحسب القرينة، وهو مصدر الفعل أمَرَ، يقال: أمَرَهُ - كنصر - أمْراً: طلب منه بقوّة أن يفعل شيئاً، أو كلّفه شيئاً، أو طلب تنفيذ عمل ما، فهو آمِرٌ، وهم آمرون.

وأ مُرَ فلان - بالضمّ -: صار أميراً، وكذلك أمِرَ بالكسر. وجاء في «التاج»: «مُرْني: بمعنى أشِر عليَّ». ففي التنزيل جاء بمعنى الحال والشأن في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ[١]. أي ليس لك من حاله أو شأنه شيء.

وكقوله تعالى: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ[٢]. أي الشؤون.

وكقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ[٣]. أي في شأن نسكك وعبادتك ودينك.

وبمعنى الإبداع، كقوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ[٤].

وقد يختصّ بالله تعالى دون الخلائق، كقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا[٥]. أي ما يصلحها.

وبمعنى تمام الأفعال والأقوال، كقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ[٦].[٧].

وعلى ذلك قوله: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ[٨].

فعبّر عن سرعة إيجاده بأسرع ما يدركه وهمنا[٩]. وكقوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ[١٠]. أي حفظاً مبدأُهُ ومصدره أمر الله.

وبمعنى عذابه وعقابه، كقوله تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ[١١].

وأمّا قوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ[١٢].

فبمعنى الأمر بقتالهم، أو بالجزاء يوم القيامة، والأمر على الأوّل واحد الأوامر، وعلى الثاني واحد الاُمور.

وقد يأتي مراداً به أمر بعينه قد يكون هو الدين: كقوله تعالى: ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ[١٣].

أو القيامة أو العلّة التي يكون لها وقع الأمر، كقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ[١٤].

أو القضاء، كقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ[١٥].

أو الوحي، كقوله تعالى: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ[١٦].

أو غير ذلك. ومن المجاز قوله تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا[١٧].

وقوله تعالى: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا[١٨].

وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا[١٩]. أي أ نّه تعالى صبَّ عليهم النعمة صبّاً، فجعلوها ذريعة إلى المعاصي، فكأ نّهم مأمورون بها.

من وصيّته لابنه الحسن(ع): «وَمَا أَكْثَرَ مَا تَجْهَلُ مِنَ الْأَمْرِ، وَيَتَحَيَّرُ فِيهِ رَأْيُكَ، وَيَضِلُّ فِيهِ بَصَرُكَ، ثُمَّ تُبْصِرُهُ»[٢٠]. أي من الشيء.

ومن استعراضه(ع) لما جرى بعد بيعته بالخلافة: «فلمّا نَهَضْتُ بالأَمْرِ نَكَثَتْ طائِفَةٌ»[٢١]. أي نهض بأعباء الخلافة.

ومن وصفه(ع) لأيّام الجاهلية: «تَشَتَّتَ الْأَمْرُ، وَضَاقَ الْمَخْرَجُ، وَعَمِيَ الْمَصْدَرُ»[٢٢]. أي تفرّق الناس واختلفوا؛ بحيث عسر اجتماعهم، فكلٌّ يسلك سبيلاً ويسير سيراً مخالفاً لسير الآخر.

ومن ثنائه(ع) على مالك الأشتر رحمه الله: «إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي كُنْتُ وَلَّيْتُهُ أَمْرَ مِصْرَ كَانَ رَجُلاً لَنَا نَاصِحَاً، وَعَلَى عَدُوِّنَا شَدِيدَاً نَاقِماً»[٢٣]. «أَمْرَ مِصْرَ»: ولايتها.

ومن حثّه(ع) على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: «لَا تَتْرُكُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ، ثُمَّ تَدْعُونَ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ»[٢٤]. أي قوموا بهما؛ لأنّهما فرضان أوجبهما الله على المسلم بحسب ظروفه وأحواله؛ شروطاً، واُسلوباً، وطريقةً[٢٥].

وممّا كتبه(ع) للأشتر رحمه الله في كيفية قيادة الرعية: «فَلْيَكُنْ مِنْكَ في ذلِكَ أَمْرٌ يَجْتَمِعُ لَكَ بِهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِرَعِيَّتِكَ»[٢٦].

أي إذا أردت أن يكون لك حال أو شأن مستحكم، وروابط قوية بينك وبين رعيتك، وقلوب تنضمّ إليك، اجعلهم يثقون بك، ويطمئنّون بأنّك لا تريد إلّاخيرهم، ولا يكون المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء، وألزم كلّاً منهم ما ألزم نفسه.

ومن أمره(ع) للأشتر رحمه الله باستشارة أهل العلم والحكمة: «وَأَكْثِرْ مُدَارَسَةَ الْعُلَمَاءِ وَمُنَاقَشَةَ الْحُكَمَاءِ في تَثْبِيتِ مَا صَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ بِلَادِكَ»[٢٧]. أي حال بلادك وشأنها.

ومن حثّه(ع) للأشتر رحمه الله على الصبر الجميل: «فَإِنَّ صَبْرَكَ عَلَى ضِيقِ أَمْرٍ تَرْجُو انْفِرَاجَهُ وَفَضْلَ عَاقِبَتِهِ، خَيْرٌ مِنْ غَدْرٍ تَخَافُ تَبِعَتَهُ»[٢٨]. أي ضيق حالٍ، من قولهم: فلان أمره مستقيم[٢٩]. وبين «عَاقِبَتِهِ» و«تَبِعَتَهُ» سجع متوازٍ.

ومن أمره(ع) بالحكمة: «فَضَعْ كُلَّ أَمْرٍ مَوْضِعَهُ، وَأَوْقِعْ كُلَّ أَمْرٍ مَوْقِعَهُ»[٣٠].

بين «مَوْضِعَهُ» و«مَوْقِعَهُ» جناس وسجع متوازٍ.

ومن حديثه(ع) عن تنحية قريش له عن الخلافة: «فَوَاللهِ، مَا كَانَ يُلْقَى في رُوعِي وَلَا يَخْطُرُ بِبَالي أَنَّ الْعَرَبَ تُزْعِجُ هذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ(ص) عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ»[٣١]. أي الإمارة والحكومة.

ومن خطبة له(ع) بعد أن تمّت خدعة عمرو بن العاص في التحكيم: «وَنَخلْتُ لَكُمْ مَخْزُونَ رَأْيي؛ لَوْ كَانَ يُطَاعُ لِقَصِيرٍ أَمْرٌ»[٣٢].

فيه فنّ التلميح؛ إذ أشار(ع) إلى المثل، فقصير هو صاحب جَذِيْمَة، وحديثه مع جَذِيمَة ومع الزَبّاء مشهور[٣٣].

ومن ذمّه(ع) لبعض عمّاله على تخاذله: «وَمَنْ كَانَ بِصِفَتِكَ فَلَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ يُسَدَّ بِهِ ثَغْرٌ، أَوْ يُنْفَذَ بِهِ أَمْرٌ»[٣٤].

أي لا يقضي ما يكلّف به، ولا يستطيع تنفيذه أو القيام به؛ وذلك لقصور همّته وعجزه عن تحمّل ذلك. ومن حكمه(ع) في تقديم الآخرة على الدنيا: «وَمَنْ أَصْلَحَ أَمْرَ آخِرَتِهِ أَصْلَحَ اللهُ لَهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ»[٣٥]. أي حال الآخرة والدنيا، وشأنهما.

وقال(ع) في وصف قلب الإنسان: «وَإِنِ اتَّسَعَ لَهُ الْأَمْرُ (الْأمْنُ) اسْتَلَبَتْهُ الْغِرَّةُ (الْعِزَّةُ)»[٣٦]. أي ان اتسع حاله فاجأته حوادث الدهر وعواديه.

ومن تحديده(ع) لمن يمتثل أوامر الله سبحانه: «لَا يُقِيمُ أَمْرَ اللهِ سُبْحَانَهُ إِلَّا مَنْ لَا يُصَانِعُ، وَلَا يُضَارِعُ، وَلَا يَتَّبِعُ الْمَطَامِعَ»[٣٧].

أي لا يطيع أوامر الله سبحانه إلّاهذا الشخص. وفيه فنّ الاستيعاب والاستقصاء؛ إذ حدّد خصائص من يريد أن يتولّى الحكم ويقيم حدود الله تعالى، فاستقصاها من جميع جوانبها. وبين «يُصَانِعُ» و«يُضَارِعُ» و«المطامِعَ» سجع مطرّف، مع صحّة التقسيم.

وممّا كتبه(ع) إلى اُمرائه على الجيش: «أَلَا وَإِنَّ لَكُمْ عِنْدِي أَلَّا أَحْتَجِزَ (أَحْتَجِنَ) دُونَكُمْ سِرّاً إِلَّا في حَرْبٍ، وَلَا أَطْوِيَ دُونَكُمْ أَمْراً إِلَّا في حُكْمٍ»[٣٨]. أي لا أنفرد في شيء إلّاكان حكماً؛ لأنّ الأحكام الشرعية لا مجال للمشاورة فيها.

ومن حكمه(ع) البليغة: «إذَا هِبْتَ أَمْراً فَقَعْ فِيهِ فإنَّ شِدَّةَ تَوَقّيه أَعْظَمُ مِمَّا تخافُ مِنْهُ»[٣٩].

أي إذا كنت تتخوف من قضية فاطرق أبوابها بحكمة وحذر واستعد لها بالأمور الممكنة عندك التي يجب توفرها لمثلها ولا تحجم عن اقتحامها وتعيش متردداً في اتخاذ القرار بحقها، فإنّ التردد والتهيب منها أعظم همّاً وأسىً على النفس من اقتحامها[٤٠].

ومن صلاته(ع) على أخيه المصطفى(ص): «اجْعَلْ شَرَائِفَ صَلَوَاتِكَ، وَنَوَامِيَ بَرَكَاتِكَ، عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، الْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ، وَالْفَاتِحِ لِمَا انْغَلَقَ، وَالْمُعْلِنِ الْحَقَّ بِالْحَقِّ، وَالدَّافِعِ جَيْشَاتِ الْأَبَاطِيلِ، وَالدَّامِغِ صَوْلَاتِ الْأَضَالِيلِ، كَمَا حُمِّلَ فَاضْطَلَعَ، قَائِماً بِأَمْرِكَ»[٤١].

«قَائِمَاً بِأَمْرِكَ»: حاملاً رسالتك مع ما فيها من التكليف. وفيه كناية عن أداء الأمر؛ فإنّ الإنسان القائم يتمكّن من العمل أكثر من الإنسان القاعد.

ومن كتابه(ع) إلى طلحة والزبير عليهما ما عليهما: «فَارْجِعَا - أَيُّهَا الشَّيْخَانِ - عَنْ رَأْيِكُمَا؛ فَإِنَّ الْآنَ أَعْظَمَ أَمْرِكُمَا الْعَارُ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَجَمَّعَ الْعَارُ وَالنَّارُ»[٤٢].

أي حالكما، أو شأنكما. وبين «الْعَارُ» و«النَّارُ» جناس غير تامّ، وسجع متوازٍ، فإنّ الإمام يعلم مصيرهما إذا أكملا المعصية؛ وهو جمعهما العار في الدنيا، والنار في الآخرة.

وقال(ع) في يسر الشريعة الإسلامية وسماحتها: «إنَّ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ أَوْسَعُ مِنَ الَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ، وَمَا أُحِلَّ لَكُمْ أَكْثَرُ مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ»[٤٣].

المراد بالمأمور به كلّ ما للمرء أن يفعله؛ سواء وجب عليه فعله، أو استحبّ، أو كره، أو كان مباحاً، والمأمور به بهذا المعنى أوسع من المنهي عنه بالنهي التحريمي.

وقال(ع) في اختلاف هدفه عن هدف أصحابه: «وَلَيْسَ أَمْرِي وَأَمْرُكُمْ وَاحِداً؛ إِنِّي أُرِيدُكُمْ لِلّهِ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لِأَنْفُسِكُمْ»[٤٤]. أي شأني وإرادتي.

ومن مناجاته(ع) للباري سبحانه: «ولا يَرُدُّ أَمْرَكَ مَنْ سَخِطَ قضاءَكَ، ولا يَسْتَغْني عَنْكَ مَنْ تَوَلّى عَنْ أمْرِكَ، كُلُّ سِرٍّ عِنْدَكَ عَلانِيَةٌ، وكلُّ غَيْبٍ عِنْدَكَ شَهادَةٌ، أَنْتَ الأَبَدُ لا أمَدَ لَكَ، وَأنْتَ المُنْتَهى لا مَحيصَ عَنْكَ»[٤٥].

المراد بالأمر هنا الأمر التكويني المشار إليه بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[٤٦].

ومن وصيّته للحسن والحسين(ع) لمّا ضربه اللعين ابن ملجم: «اُوصيكُمَا وَجَمِيعَ وَلَدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي، بِتَقْوَى اللهِ، وَنَظْمِ أَمْرِكُمْ»[٤٧]. أي تنظيم شؤونكم.

ومن بيانه(ع) لعلّة بعثة النبيّ(ص): «أَرْسَلَهُ لإِنْفَاذِ أَمْرِهِ، وَإِنْهَاءِ عُذْرِهِ، وَتَقْدِيمِ نُذُرِهِ»[٤٨].

أي أرسله ليبلّغ الناس رسالة الله، وينفّذها في حياتهم، ويطبّقها عليهم[٤٩].

وبين «أمْرِهِ» و«عُذْرِهِ» و«نُذُرِهِ» سجع متوازٍ، مع فنّ التقسيم، والمطابقة، والمقابلة.

ومن أمره(ع) بالاستقامة والثبات على طريق الحقّ: «فَاسْتَقِيمُوا عَلَى كِتَابِهِ، وَعَلَى مِنْهَاجِ أَمْرِهِ»[٥٠]. أي منهاج إرادته.

ومن وصفه(ع) لبعثة الرسول الأكرم(ص): «أَرْسَلَهُ بِالدِّينِ الْمَشْهُورِ، وَالْعَلَمِ الْمَأْثُورِ... وَالضِّيَاءِ اللَّامِعِ، وَ الأَمْرِ الصَّادِعِ... وَالنَّاسُ في فِتَنٍ انْجَذَمَ فِيهَا حَبْلُ الدِّينِ، وَتَزَعْزَعَتْ سَوَارِي الْيَقِينِ، وَاخْتَلَفَ النَّجْرُ، وَتَشَتَّتَ الْأَمْرُ»[٥١].

«الأمْرِ السَّاطِعِ»: الكتاب الكاشف للحقّ، المبيّن له، والمظهر لحقائقه.

«تَشَتَّتَ الأَمْرُ»: توزّع وافترق الحال. وهذه العبارات كلها مسجّعات متوازنة تكشف عن صدق دلالتها في دقّة وقوّة ووضوح.

وقال(ع) في أهمّية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: «وَمَا أَعْمَالُ الْبِرِّ كُلُّها والْجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ عِنْدُ الأمْرِ بالمَعْرُوفِ والنَّهْي عَنِ الْمُنْكَرِ إلّاكَنَفْثَةٍ في بَحْرٍ لُجّيٍّ»[٥٢].

شبّه(ع) أعمال البر كلّها بالنسبة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالبصقة في البحر اللجّي، ووجه الشبه عدم التناسب.

وقال(ع) في وصف الجاهل المتصدّي للقضاء: «وَإنْ أَظْلَمَ عَلَيْهِ أَمْرٌ اكْتَتَمَ بِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ جَهْلِ نَفْسِهِ»[٥٣].

أي إذا جهل حكماً من الأحكام، لم يستفسر عنه، فيكتم ذلك لئلّا يتعرّى على حقيقته، ويظهر بواقعه. وقال(ع) في معنى أنّ الذكي المتقي لا يغدر ولا يفجر: «قَدْ يَرَى الْحُوَّلُ الْقُلَّبُ وَجْهَ الْحِيلَةِ، وَدُونَها مَانِعٌ مِنْ أَمْرِ اللهِ وَنَهْيِهِ، فَيَدَعُهَا رَأْيَ عَيْنٍ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا»[٥٤].

«أمْرِ اللهِ»: تكليفه الواجب خاصّة، أو ما يشمل المستحبّ.

ومن وصفه(ع) لاختصاص أهل البيت(ع) بالفضائل: «وَعِنْدَنَا - أَهْلَ الْبَيْتِ - أَبْوَابُ الْحُكْمِ، وَضِيَاءُ الْأَمْرِ»[٥٥].

«ضِيَاءُ الْأَمْرِ»: يعني العقليات والعقائد، وهذا مقام عظيم لا يجسر أحد من المخلوقين - سواه(ع) - أن يدّعيه، ولو أقدم أحد على ادعائه غيرُه لكذب، وكذّبه الناس[٥٦].

ومن حديثه(ع) عن أمر الله وحُكْمه: «أنَّ الأَمْرَ ينزِلُ مِنَ السَّمَاءِ إلى الأرْضِ كَقَطْرِ المَطَرِ»[٥٧].

أي مَبْثُوثٌ في جميع أنحاء الأرض إلى كُلِّ نفسٍ بما قدَّر الله، أي بما قسم الله لها من زيادة أو نُقصانٍ في العُمُرِ. والمال والجاه والوَلَدِ وغير ذلك[٥٨]. بلغ غاية القوة في تشبيه المعقول بالمحسوس في إيضاحاً الفكرة وتجلية للمعنى وزاده حسناً الجناس الذي جاء طبيعياً غير متكلف في «قطر» و«مطر».

وقال(ع) في ضلال طلحة والزبير: «وَإِنَّ الْأَمْرَ لَوَاضِحٌ، وَقَدْ زَاحَ الْبَاطِلُ عَنْ نِصَابِهِ»[٥٩].

وقال(ع) في بحثه عن حقيقة أجله: «كَمْ أَطْرَدْتُ الْأَيَّامَ أَبْحَثُهَا عَنْ مَكْنُونِ هذَا الْأَمْرِ، فَأَبَى اللهُ إِلَّا إِخْفَاءَهُ»[٦٠].

«الْأمْرِ»: الشيء، والمراد به أجله(ع) المنطبق على شهادته، وقد شاء سبحانه أن يبقى وقت شهادته(ع) مجهولاً؛ لأنّه من العلم المخزون عند الله تعالى لم يُطلع عليه أحداً من خلقه.

ومن حديثه(ع) عمّا سيحدث بعده من فتن: «قَدِ اضْطَرَبَ مَعْقُودُ الْحَبْلِ، وَعَمِيَ وَجْهُ الْأَمْرِ»[٦١].

أي ارتبكت الاُمور التي كانت محكمة وجارية على قواعدها واُسسها التي بنيت عليها، وطمست معالم الدين، ولم يعوا طرق الهداية والصلاح.

ومن تأكيده(ع) على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: «وَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، لَخُلُقَانِ مِنْ خُلُقِ اللهِ سُبْحَانَهُ»[٦٢].

أي أنّهما من صفات الله، بل من أخلاق الله، فلا تؤثّران على من يؤدّيهما، فلن يقدّما الموت المؤخّر، ولن ينقصا الرزق الذي قدّر[٦٣].

ومن وصفه(ع) للسبب الداعي إلى قتال أهل الشام: «وَقَدْ قَلَّبْتُ هَذَا الْأَمْرَ بَطْنَهُ وظَهْرَهُ حَتَّى مَنَعَنِي النَّومَ، فَمَا وَجَدْتُنِي يَسَعُنِي إلَّاقِتَالُهُمْ، أوْ الْجُحُودُ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ(ص)»[٦٤].

أي نظر في هذا الأمر وتدبّره مليّاً، ودرسه بدقّة وإمعان من جميع جوانبه؛ على سبيل الاستعارة.

ومن حديثه(ع) عن بني اُميّة وما سيؤول إليه مصيرهم: «فَعِنْدَ ذلِكَ لَايَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا وَأَدْخَلَهُ الظَّلَمَةُ تَرْحَةً، وَأَوْلَجُوا فِيهِ نِقْمَةً. فَيَوْمَئِذٍ لَايَبْقَى لَهُمْ في السَّمَاءِ عَاذِرٌ، وَلَا في الْأَرْضِ نَاصِرٌ. أَصْفَيْتُمْ بِالْأَمْرِ غَيْرَ أَهْلِهِ»[٦٥].

المراد بالأمر الولاية والحكومة. وبين «عَاذِرٌ» و«نَاصِرٌ» سجع حسّنه الطباق بين «السَّمَاءِ» و«الْأَرْضِ» لتجسّد ما يقصده بدقّة ووضوح.

ومن وصفه(ع) لقيام حجّة الله سبحانه على الخلق: «فَإِنَّ الْأَمْرَ وَاضِحٌ، وَالْعَلَمَ قَائِمٌ، وَالطَّرِيقَ جَدَدٌ، وَالسَّبِيلَ قَصْدٌ»[٦٦].

أي علم الشريعة والدين قائم يراه كلّ من يطلبه، ويهتدي به كلّ من قصده، والطريق إلى الجنّة سهل، والسبيل إليها مستقيم.

ومن حثّه(ع) على لقاء أصحاب الجمل: «وَاللهِ، لَتَفْعَلُنَّ أَوْ لَيَنْقُلَنَّ اللهُ عَنْكُمْ سُلْطَانَ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ لَايَنْقُلُهُ إِلَيْكُمْ أَبَداً حَتَّى يَأْرِزَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِكُمْ»[٦٧].

«يَأْرِزَ الْأَمْرُ»: يجتمع وينظمّ؛ أي يرجع الحكم وينقله إلى غيركم.

ومن بيانه(ع) للخليفة الشرعي: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِهذَا الْأَمْرِ أَقْوَاهُمْ عَلَيْهِ، وَأَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ اللهِ فِيهِ»[٦٨].

«بِهذَا الْأَمْرِ»: أي بخلافة رسول الله(ص) و«بِأَمْرِ اللهِ»: أوامر الله سبحانه وأحكامه.

ومن وصفه(ع) لبغض الباري سبحانه للمعاصي ولو صدرت من الملائكة: «مَا كَانَ اللهُ سُبْحَانَهُ لِيُدْخِلَ الْجَنَّةَ بَشَراً بِأَمْرٍ أَخْرَجَ بِهِ مِنْهَا مَلَكَاً»[٦٩].

أي ما كان الله سبحانه أبداً أن يُدْخِلَ الجنّة إنساناً يرتكب نفسها المعصية التي أخرجت ملكاً من الجنّة واستحقّ بها الطرد[٧٠].

ومن تحذيره(ع) من الشيطان ومن ظهور أمره من السرّ إلى العلن ومن القوّة إلى الفعل: «حَتَّى إِذَا انْقَادَتْ لَهُ الْجَامِحَةُ مِنْكُمْ... - فَنَجَمَتِ الْحَالُ مِنَ السِّرِّ الْخَفِيِّ إِلَى الْأَمْرِ الْجَلِيِّ - اسْتَفْحَلَ سُلْطَانُهُ عَلَيْكُمْ»[٧١].

أي إلى الأمر الواضح الظاهر على حقيقته. وبين «الخَفِيِّ» و«الجَلِيِّ» طباق.

ومن دعائه(ع): «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَفْتَقِرَ في غِنَاكَ، أَوْ أَضِلَّ في هُدَاكَ، أَوْ أُضَامَ في سُلْطَانِكَ، أَوْ أُضْطَهَدَ وَ الْأَمْرُ لَكَ»[٧٢]. أي كيف اُغلب واُقهر مع أنّ زمام كلّ الاُمور بيدك!!.

ومن كتابه(ع) لمعاوية عليه الهاوية: «وَمَتَى كُنْتُمْ - يَا مُعَاوِيَةُ - سَاسَةَ الرَّعِيَّةِ، وَوُلَاةَ أَمْرِ الْأُمَّةِ؟!»[٧٣]. أي رؤساءها ومن بأيديهم الحلّ والعقد.

وممّا كتبه(ع) لابن زياد محذّراً إيّاه الخيانة والاستبداد: «لَئِنْ بَلَغَنِي أَنَّكَ خُنْتَ مِنْ فَيْء الْمُسْلِمِينَ شَيْئاً صَغِيراً أَوْ كَبِيراً، لَأَشُدَّنَّ عَلَيْكَ شَدَّةً تَدَعُكَ قَلِيلَ الْوَفْرِ، ثَقِيلَ الظَّهْرِ، ضَئِيلَ الْأَمْرِ»[٧٤].

«ضَئِيلَ الْأَمْرِ»: كناية عن نقصان جاهه وحقارته. وفيه موازنة بين «قَلِيلَ» و«ثَقِيلَ» و«ضَئِيلَ».

ومن وصفه(ع) للمتّقي: «سَهْلاً أَمْرُهُ، حَرِيزاً دِينُهُ، مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ، مَكْظُوماً غَيْظُهُ»[٧٥]. أي خفيف الحاجات، فلا يكلّف أحداً أمراً، ولا يتكلّف لأحد.

ومن حثّه(ع) على ضبط النفس عند الغضب: «وَمَنْ حَلُمَ لَمْ يُفَرِّطْ في أَمْرِهِ، وَعَاشَ في النَّاسِ حَمِيداً»[٧٦]. أي في شأنه، فإنّ الحليم إذا حلم عن سفه السفيه لم يقصّر ويضيّع اُموره بالزيادة والنقصان، بل أخذ بالعدل والوسط.

ومن ذمّه(ع) لأتباع الشيطان: «اتَّخَذُوا الشَّيْطَانَ لِأمْرِهِم مِلاكَاً، وَاتَّخَذَهُمْ لَهُ أَشْرَاكاً، فَبَاضَ وَفَرَّخَ في صُدُورِهِمْ، وَدَبَّ وَدَرَجَ في حُجُورِهِمْ، فَنَظَرَ بِأَعْيُنِهِمْ، وَنَطَقَ بِألْسِنَتِهِمْ»[٧٧].

«أمْرِهِمْ»: جميع مرافق حياتهم؛ ومختلف شؤونهم. و«بَاضَ وَفَرَّخَ» و«دَبَّ وَدَرَجَ» كناية عن توطّن الشيطان في صدور من يتبع اغواءه، وفي الوقت نفسه تكون استعارة للوسوسة والإغواء.

وبين «صُدُورِهِمْ» و«حُجُورِهِمْ» سجع متوازٍ، وبين «مِلاكاً» و«أشْرَاكاً» سجع مطرّف؛ ليجسّد أنّ قوام أمرهم هو إطاعتهم الشيطان الذي استطاع أن يصطادهم بأشراكه[٧٨]. وفيه تعريض بذمّ المنابذين لعهده المخالفين لأوامره.

ومن تحذيره(ع) من يركب مركب اللجاج والمخالفة والخصومة: «وَمَنْ شَاقَّ وَعُرَتْ عَلَيْهِ طُرُقُهُ، وَأَعْضَلَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ، وَضَاقَ عَلَيْهِ مَخْرَجُهُ»[٧٩].

«أَعْضَلَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ»: اشتدّ واستصعب واستغلق عليه شأنه وحاله.

ومن وصيّة له للإمام الحسن(ع): «تَفَرَّدَ بِي - دُونَ هُمُومِ النَّاسِ - هَمُّ نَفْسِي، فَصَدَفَنِي رَأْيِي، وَصَرَفَنِي عَنْ هَوَايَ، وَصَرَّحَ لِي مَحْضُ أَمْرِي»[٨٠].

«أمْرِي»: حالي وشأني؛ أي خالصه الذي لا تغشاه الأهواء والميول.

وقال(ع) في صعوبة أمرهم: «إِنَّ أَمْرَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ، لَايَحْمِلُهُ إِلَّا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ»[٨١]. أي شأننا، والمراد به إدراك حديثهم(ع) على ما ينبغي.

وقال(ع): «أَلَا وَقَدْ أَمَرَنِيَ اللهُ بِقِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَالنَّكْثِ وَالْفَسَادِ في الْأَرْضِ»[٨٢]. أي فرض الله عليَّ قتالهم.

وقال(ع) في غلبة الباطل: «حَقٌّ وَبَاطِلٌ، وَلِكُلٍّ أَهْلٌ، فَلَئِنْ أَمِرَ الْبَاطِلُ لَقَدِيماً فَعَلَ»[٨٣]. أي حكم.

ومن حِلْف له(ع) كتبه بين ربيعة وأهل اليمن: «أَنَّهُمْ عَلَى كِتَابِ اللهِ يَدْعُونَ إِلَيْهِ، وَ يَأْمُرُونَ بِهِ، وَيُجِيبُونَ مَنْ دَعَا إِلَيْهِ، وَ أَمَرَ بِهِ»[٨٤]. أي يأمرون بالعمل به.

ومن حثّه(ع) على الدعاء: «وَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، قَدْ أَذِنَ لَكَ في الدُّعَاءِ، وَتَكَفَّلَ لَكَ بِالْإِجَابَةِ، وَ أَمَرَكَ أَنْ تَسْأَلَهُ لِيُعْطِيَكَ»[٨٥]. أي فرض عليك مسألته.

ومن كلام له(ع) قاله وهي يلي غسل رسول الله(ص) وتجهيزه: «وَلَوْلَا أَنَّكَ أَمَرْتَ بِالصَّبْرِ، وَنَهَيْتَ عَنِ الْجَزَعِ، لَأَنْفَدْنَا عَلَيْكَ مَاءَ الشُّؤُونِ»[٨٦]. أي كلّفتني وطلبت منّي ذلك.

ومن وصفه(ع) لتخاذل بعض أصحابه: «مُنِيتُ بِمَنْ لَايُطِيعُ إِذَا أَمَرْتُ، وَلَا يُجِيبُ إِذَا دَعَوْتُ»[٨٧]. أي ابتليت بمن لا ينفّذ أمري.

ومن حثّه(ع) على الاستعداد للدار الآخرة: «وَأنْتُمْ بَنُو سَبِيلٍ عَلَى سَفَرٍ مِنْ دَارٍ لَيْسَت بِدَارِكُمْ، وَقَدْ أُوذِنْتُمْ مِنْهَا بِالارْتِحَالِ، وأُمِرْتُمْ فِيهَا بِالزَّادِ»[٨٨].

أي اُلزمتم بإعداد الزاد وتهيئته في الدنيا لدار الآخرة، كمن يريد سفراً يعدّ في بيته ما يلزمه من طعام وغيره لرحلته، قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ[٨٩].

وقال(ع) في ذمّ المتقاعسين من أصحابه: «فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ في أَيَّامِ الْحَرِّ قُلْتُمْ: هذِهِ حَمَارَّةُ الْقَيْظِ، أَمْهِلْنَا يُسَبَّخُ عَنَّا الْحَرُّ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ في الشِّتَاءِ قُلْتُمْ: هذِهِ صَبَارَّةُ الْقُرِّ، أمْهِلْنا يَنْسَلِخْ عَنّا الْبَرْدُ»[٩٠].

قابل بين «حَمَارَّةُ الْقَيْظِ. أيَّامِ الْحَرِّ» و«صَبَارَّةُ الْقُرِّ. الشِّتَاءِ» ليجسّد مدى تناقضهم وتذبذب أفكارهم، فالحديث نابع من معاناة الإمام(ع) ويدلّ دلالة صادقة على ما قصد منه.

وقال(ع) في وصف أهل الذكر: «وَفَرَغُوا لُِمحَاسَبَةِ أَنْفُسِهِمْ عَلَى كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ أُمِرُوا بِهَا فَقَصَّرُوا عَنْهَا»[٩١].

أي طُلِبَ منهم، فتوانوا بترك بعضها، أو «فقصَروا» بالتخفيف؛ أي عجزوا، شبّههم(ع) في تتبّعهم لنفوسهم ومحاسبتها بدقّة بالتاجر الذي يراجع حساباته؛ ليتدارك مافاته من خسائر؛ على سبيل الاستعارة التمثيلية، فهم يعدّون أنفسهم عداد المذنبين المقصّرين للوصول إلى الكمال.

ومن ردّه(ع) على كتاب معاوية: «فَإنِّي عَلى التَّرَدُّدِ في جَوابِكَ، وَالْاسْتِمَاعِ إلى كِتَابِكَ، لَمُوَهِّنٌ (مُوهِنٌ» رأيي، وَمُخَطِّئٌ فِرَاسَتِي، وَإنّكَ إذْ تُحاوِلُني الأُمُورَ، وَتُراجِعُني السُّطُورَ، كالمُسْتَثْقِلِ النَّائِمِ تَكْذِبُهُ أحلامُهُ»[٩٢].

حاول الأمر: طلبه ورامه؛ أي تطالبني ببعض غاياتك، كولاية الشام ونحوها، و«تُرَاجِعُني»: تطلب منّي أن أرجع إلى جوابك بالسطور، يقول: أنت في محاولتك كالنائم الثقيل في نومه؛ يحلم أنّه نال شيئاً، فإذا انتبه وجد الرؤيا كذبت عليه، فأمانيّك فيما تطلب شبيهة بالأحلام، إن هي إلّا خيالات باطلة[٩٣].

وبين «الاُمُورَ» و«السُّطُورَ» سجع متوازٍ للدلالة على عدم انتفاع معاوية برسائله ومواعظه، ولكن الامام يكاتبه لإلقاء الحجة عليه والمعذرة إلى الله.

ومن وصفه(ع) للدهر: «مُتَشَابِهَةٌ (مُتَسَابِقَةٌ) أُمُورُهُ، مُتَظَاهِرةٌ أعْلامُهُ»[٩٤].

وصف(ع) الدهر بأنّ اُموره متشابهة؛ لأنّه كما كان من قبل يرفع أُناساً ويضع آخرين، ويغني من كان فقيراً، ويفقر من كان غنياً، فكذلك هو في كلّ زمان أفعاله متشابهة لا تثبت لأحد ولا تدوم. ووصف الدهر بهذه الأوصاف على سبيل المجاز، فليس هو الذي يغني ويفقر، وإنّما الفاعل على الحقيقة هو ربّ الدهر[٩٥].

ومن حكمه: «تَذِلُّ الأُمُورُ لِلْمَقادِيرِ؛ حَتَّى يَكُونَ الحَتْفُ في التدْبِيرِ»[٩٦].

أي تجري الأحداث تبعاً لما رسمه الله تعالى وقضاه، فربّ أمرٍ أحكمه الإنسان تكون في طياته موته وهلاكه. استعار ذلّ الأُمور لمطاوعتها للقدر؛ وجريانها على وفق القضاء. وفي «المقادير» و«التدبير» سجع فيه إيماء إلى وجوب إسناد الاُمور إلى الله تعالى، والانقطاع إليه، وعدم التوكل الاغترار بالتدبير.

وقال(ع) في وصف الاُمم الماضية قبل بعثة الرسول الأكرم(ص): «وَقَدْ تَرَبَّعَتِ الْأُمُورُ بِهِمْ في ظِلِّ سُلْطانٍ قَاهِرٍ، وَآوَتْهُمْ الْحالُ إلى كَنَفِ عِزٍّ غالِبٍ»[٩٧].

«تَرَبَّعَتِ الْأُمُورُ»: استقرّت الحوادث بهم، وتمكّنت منهم نوائب الدهر.

وجعل السلطان قاهراً والعزّ غالباً على سبيل المجاز العقلي، والعلاقة المفعولية.

وقال(ع) في ذمّ البدع: «وَمَا اُحْدِثَتْ بِدْعَةٌ إلّاتُرِكَ بِها سُنَّةٌ، فَاتَّقُوا الْبِدَعَ، وَالْزَمُوا الْمَهْيَعَ؛ إنَّ عَوازِمَ الاُمُورِ أفْضَلُهَا وَإنَّ مُحْدَثَاتِهَا شِرَارُها»[٩٨].

العوازم: جمع عازمة، اسم فاعل بمعنى مفعول؛ أي معزوم عليها، أي معلومة مقطوع بصحّتها؛ على سبيل المجاز العقلي، والعلاقة المفعولية.

ومن حديثه(ع) عن الأرزاق: «قَدْ تَكَفَّلَ لَكُمْ بِالرِّزْقِ، وَ أُمِرْتُمْ بِالْعَمَلِ»[٩٩]. أي طلب منكم فعله.

ومن كلام له(ع) لمّا عوتب على التسوية في العطاء: «أَتَأْمُرُونِّي (أَتَأْمُرُنَنِي) أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ؟!»[١٠٠]. أي أتطلبون منّي فعل ذلك.[١٠١]

المراجع والمصادر

  1. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱

الهوامش

  1. سورة آل عمران، الآية ١٢٨.
  2. سورة الشورى، الآية ٥٣.
  3. سورة الحج، الآية ٦٧.
  4. سورة الأعراف، الآية ٥٤.
  5. سورة فصلت، الآية ١٢.
  6. سورة هود، الآية ١٢٣.
  7. مفردات الراغب، ص٨٨.
  8. سورة القمر، الآية ٥٠.
  9. مفردات الراغب، ص٨٨.
  10. سورة الرعد، الآية ١١.
  11. سورة هود، الآية ٤٣.
  12. سورة البقرة، الآية ١٠٩.
  13. سورة التوبة، الآية ٤٨.
  14. سورة النحل، الآية ١.
  15. سورة يونس، الآية ٣.
  16. سورة الطلاق، الآية ١٢.
  17. سورة الطور، الآية ٣٢.
  18. سورة هود، الآية ٨٧.
  19. سورة الإسراء، الآية ١٦.
  20. نهج البلاغة، الكتاب ٣١.
  21. نهج البلاغة، الخطبة ٣.
  22. نهج البلاغة، الخطبة ٢.
  23. نهج البلاغة، الكتاب ٣٤.
  24. نهج البلاغة، الكتاب ٤٧.
  25. شرح النهج، الموسوي، ج٤، ص٢٦.
  26. نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
  27. نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
  28. نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
  29. التوقيف على مهمّات التعاريف، ص٩٢.
  30. نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
  31. نهج البلاغة، الكتاب ٦٢.
  32. نهج البلاغة، الخطبة ٣٥.
  33. ينظر شرح نهج البلاغة، القزويني، ج٢، ص٢٥١. وذلك أنّ جَذِيمة ملك الحيرة قتل أبا الزَبَّاء ملكة الجزيرة، فبعثت إليه ليتزوّج بها خدعة، وسألته القدوم، فأجابها إلى ذلك، فنصحه عبده - واسمه قصير - بعدم التوجّه إليها، فلم يقبل نصيحته، فلمّا دخل عليها غدرت به وقتلته.
  34. نهج البلاغة، الكتاب ٧١.
  35. نهج البلاغة، قصار الحكم ٨٩.
  36. نهج البلاغة، قصار الحكم ١٠٨.
  37. نهج البلاغة، قصار الحكم ١١٠.
  38. نهج البلاغة، الكتاب ٥٠.
  39. نهج البلاغة، الحكمة ١٧٥.
  40. شرح النهج، ج٥، ص٣٥٢.
  41. نهج البلاغة، الخطبة ٧٢.
  42. نهج البلاغة، الكتاب ٥٤.
  43. نهج البلاغة، الخطبة ١١٤.
  44. نهج البلاغة، الخطبة ١٣٦.
  45. نهج البلاغة، الخطبة ١٠٩.
  46. سورة يس، الآية ٨٢.
  47. نهج البلاغة، الكتاب ٤٧.
  48. نهج البلاغة، الخطبة ٨٣.
  49. شرح نهج البلاغة، الموسوي، ج١، ص٤٦٠.
  50. نهج البلاغة، الخطبة ١٧٦.
  51. نهج البلاغة، الخطبة ٢.
  52. نهج البلاغة، قصار الحكم ٣٧٤.
  53. نهج البلاغة، الخطبة ١٧.
  54. نهج البلاغة، الخطبة ٤١.
  55. نهج البلاغة، الخطبة ١٢٠.
  56. شرح النهج، ابن أبي الحديد، ج٧، ص٢٨٩.
  57. نهج البلاغة، الخطبة ٢٣.
  58. مجمع البحرين، ج١، ص٦٩.
  59. نهج البلاغة، الخطبة ١٣٧.
  60. نهج البلاغة، الخطبة ١٤٩.
  61. نهج البلاغة، الخطبة ١٥١.
  62. نهج البلاغة، الخطبة ١٥٦.
  63. شرح نهج البلاغة، الموسوي، ج٣، ص١١.
  64. نهج البلاغة، الخطبة ٥٤.
  65. نهج البلاغة، الخطبة ١٥٨.
  66. نهج البلاغة، الخطبة ١٦١.
  67. نهج البلاغة، الخطبة ١٦٩.
  68. نهج البلاغة، الخطبة ١٧٣.
  69. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
  70. شرح النهج، الموسوي، ج٣، ص٢٨٨.
  71. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
  72. نهج البلاغة، الخطبة ٢١٥.
  73. نهج البلاغة، الكتاب ١٠.
  74. نهج البلاغة، الكتاب ٢٠.
  75. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٣.
  76. نهج البلاغة، قصار الحكم ٣١.
  77. نهج البلاغة، الخطبة ٧.
  78. وقيل: أشراك: جمع شريك؛ أي اتخذهم الشيطان لنفسه شركاء في إضلال الخلق وإغوائهم. منهاج البراعة، الراوندي، ج١، ص١٥٢.
  79. نهج البلاغة، قصار الحكم ٣١.
  80. نهج البلاغة، الكتاب ٣١.
  81. نهج البلاغة، الخطبة ١٨٩.
  82. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
  83. نهج البلاغة، الخطبة ١٦.
  84. نهج البلاغة، الكتاب ٧٤.
  85. نهج البلاغة، الكتاب ٣١.
  86. نهج البلاغة، الخطبة ٢٣٥.
  87. نهج البلاغة، الخطبة ٣٩.
  88. نهج البلاغة، الخطبة ١٨٣.
  89. سورة البقرة، الآية ١٩٧.
  90. نهج البلاغة، الخطبة ٢٧.
  91. نهج البلاغة، الخطبة ٢٢٢.
  92. نهج البلاغة، الكتاب ٧٣.
  93. نهج البلاغة، شرح الإمام عبده، ج٣، ص١٤٦.
  94. نهج البلاغة، الخطبة ١٥٧.
  95. أبنية المشتقّات في نهج البلاغة، رسالة تقدّم بها ميثاق علي الصيمري، البصرة (٢٠٠٣م)، ص٢٦.
  96. نهج البلاغة، الحكمة ١٦.
  97. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
  98. نهج البلاغة، الخطبة ١٤٥.
  99. نهج البلاغة، الخطبة ١١٤.
  100. نهج البلاغة، الخطبة ١٢٦.
  101. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱، ص ٢٤٨-٢٦٣.