السنة الهجرية الثالثة

من إمامةبيديا

لا يوجد موضوع ذو صلة - لا يوجد مدخل ذو صلة - لا يوجد سؤال ذو صلة

معركة أُحد

السنة الثالثة الهجرية هي سنة الدفاع عن الحرية والكرامة، وقد وقعت فيها معركة أُحد التي تعدّمن أعظم المعارك في الإسلام.

فقد قرر كفّار قريش إعلان الحرب على النبي (ص) على أن تتكفّل قريش نفقاتها، فأعدّت ٤ آلاف مقاتل، إضافة إلى النساء اللائي هدفوا من اشتراكهن: تحريض الرجال على القتال، والصمود وعدم الفرار، وإشعال الحماس في النفوس، وإنّ فرار الرجال يعني أسرهن، فتصبح الغيرة والحمية سبباً للمقاومة والصمود. كما اشترك في الجيش عدد من العبيد والرقيق طمعاً في العتق الذي وعدوا به متى ما نصروا أسيادهم، مثل وحشي الحبشي.[١]

إلاّ أنّ العباس بن عبد المطلب الذي عاش بين قريش كاتماً إيمانه، كتب تقريراً مفصلاً عن تلك الاستعدادات وأرسله مع رجل غفاري إلى النبي (ص) الذي أخبر أصحابه بالأمر. ثمّ عقد النبي (ص) في يوم الجمعة اجتماعاً عسكرياً للتشاور مع القادة وأهل الخبرة في وسائل مواجهة العدو، فأشار عبد الله بن أُبي بن سلول ـ من منافقي المدينة ـ بالقتال داخل المدينة، أي لا يخرج المسلمون منها بل يقاتلونهم حرب الشوارع. إلاّ أنّ فتيان المسلمين شجبوا هذا الرأي وأقروا الخروج من المدينة لملاقاة العدو، بعد أن أيّد الرأي السابق أكابر أصحاب الرسول (ص) من المهاجرين والأنصار. وكان حمزة و سعد بن عبادة على رأس القائلين بلقاء العدو خارج المدينة، فأيّد النبي رأي الأكثرية بالخروج للحرب، إذ أنّ محاصرة العدو للمدينة وسيطرته على مداخلها وطرقاتها وسكوت جنود الإسلام على ذلك، من شأنه أن يقتل الروح القتالية والفروسية في أبناء الإسلام المجاهدين.

وكان جيش الكفّار قد وصل أطراف المدينة، حتى استقر قرب جبل أُحد، يوم الخميس، الخامس من شهر شوال، فاستعد النبي (ص) بأن لبس لامته والدرع وتقلّد السيف واعتمّ، فخرج من بيته، ممّا آثار المسلمين وهزّهم بشدّة حتّى تصوّر بعضهم أنّهم قد أجبروه (ص) على الخروج، فطلبوا منه المعذرة وإجراء أيّ فعل يقصده، فقال (ص): «مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَامَتُهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلُ»[٢]. ثمّ صلّى الناس الجمعة، وخرج على رأس ألف مقاتل قاصداً أُحد.

وكان (ص) قد رفض اشتراك جماعة من اليهود الذين تحالفوا مع عبد الله بن أبي بن سلول معهم، فانعزل عن الجيش وعاد بثلث الناس كلّهم من الأوس المتحالفين معه، إلى المدينة، بحجّة أنّ الرسول (ص) أخذ برأي الفتية والشباب. ولذا لم يشترك اليهود والمنافقون في هذه الحرب.

وفي يوم السبت ٧ من شهر شوال، اصطف الجيش الإسلامي أمام قوى الشرك المعتدية، فجعل ظهره إلى جبل أُحد كمانع طبيعي يحفظ الخلف، ووضع جماعة من الرماة عند ثغرة في الجبل، عليهم عبد الله بن جبير وطلب منهم الالتزام بالموقع: «إلزموا مكانكم لا تبرحوا منه إن كانت لنا أو علينا فلا تفارقوا مكانكم».

إلاّ أنّ المسلمين انهزموا بعد انتصارهم في بداية المعركة نتيجة تجاهل هؤلاء الرماة لأوامر النبي (ص) حين أخلوا هذا الموقع الاستراتيجي.

وكانت قريش قد أعدّت تسعة رجال شجعان من بني الدار لحمل الراية، قتلهم الإمام علي (ع) جميعاً، كما قتل غلامهم حين برز أيضاً[٣]. وبذا فإنّ النتيجة الأولية كانت هزيمة الكفّار مخلِّفين وراءهم غنائم وأموالاً كثيرة، فانتصر المسلمون على عدوّهم القوي عدداً وعدّة، لأسباب منها: أنّهم قاتلوا في مرضاة الله، ونشر عقيدة التوحيد، دون أن يهدفوا إلى مصلحة مادية.

ولكنّهم انهزموا بعد انتصارهم الساحق لأسباب كان أهمها: تغيّر أهدافهم، فقد اتجهت أنظارهم إلى الغنائم في أرض المعركة، ونسوا أوامر النبي (ص) وتعاليمه بالتمسّك بها مهما حدث. وخاصة أُولئك الرماة الحامين ظهر المسلمين على جبل أُحد، حين تركوا مواقعهم ونزلوا إلى الساحة يريدون جمع الغنائم قائلين: «ولِمَ نقيم هنا من غير شيء وقد هزم الله العدو، فلنذهب ونغنم مع إخواننا». وهو الأمر الذي استغله خالد بن الوليد الذي كان آنذاك مع المشركين وكان يترصّد خلوّ الثغرة من الرماة، فقتل باقي الرماة وكانوا عشرة من خمسين، ثمّ هاجم المسلمين الغافلين عن الوضع السيئ والذين انشغلوا بجمع الغنائم، فتفرقت جموعهم، واجتمع جنود قريش الهاربون فقاتلوا المسلمين قتالاً ضارياً، حتى قُتِلَ منهم سبعون رجلاً. وعندما قتل أحد أبطال المشركين من قريش، حامل لواء الإسلام: مصعب بن عمير ظنّ أنّه الرسول (ص) فصاح: قتلت محمداً. فانتشر الخبر بين المسلمين وقريش الذين سرّوا بذلك فصاحوا: ألا قد قتل محمد. فاضطر المسلمون ـ بعد انفراط القيادة، وإشاعة الفوضى والهرج والمرج في الجيش ـ إلى أن يهرب معظمهم إلى الجبل تاركين أرض المعركة، إلاّ عدداً قليلاً منهم.

وكان خمسة من صناديد قريش قد تعاهدوا على أن يضعوا نهاية لحياة النبي (ص) مهما كلّفهم الأمر، وهم:

  1. عبد الله بن شهاب، الذي جرح جبهة النبي (ص) .
  2. عتبة بن أبي وقاص، الذي رمى النبي (ص) بأحجار فكسر رباعيته.
  3. ابن قميئة الليثي، الذي رمى وجنتي الرسول وجرحهما.
  4. عبد الله بن حميد، الذي حمل على النبي (ص) فقتله أبو دجانة بطل الإسلام.
  5. أُبي بن خلف، الذي قتله الرسول (ص) بيده عندما حمل عليه.

وقد دلّت مواقف الرسول الكريم (ص) في هذه المعركة وغيرها على شجاعته وقوّته، وقد أكدها الإمام علي (ع) قائلاً: «كُنَّا إِذَا اِحْمَرَّ اَلْبَأْسُ اِتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَّا أَقْرَبَ إِلَى اَلْعَدُوِّ مِنْهُ»[٤].

ومن هنا فإنّ سلامة النبي الأكرم (ص) في هذه الحرب بل وفي عامة الحروب تعود في أكثر أسبابها إلى: حسن دفاعه عن دينه وعن نفسه، وإلى شجاعته وبأسه في المعارك، إضافة إلى تضحية تلك القلة من أصحابه الاوفياء الذين بذلوا غاية جهدهم للحفاظ على حياته وسلامته واشتهر من هؤلاء:

  1. الإمام علي (ع) الذي بلغ ٢٦ عاماً من عمره، حيث قتل ١٢ من رجال قريش، والباقي وهم عشرة قتلهم باقي المسلمين. وهنا سمع هتاف بين السماء والأرض يقول: «لاَ فَتَى إِلاَّ عَلِيٌّ، وَ لاَ سَيْفَ إِلاَّ ذُو اَلْفَقَارِ».
  2. أبو دجانة، الذي جعل من نفسه ترساً يقي النبي (ص) من سيوف الكفّار.
  3. حمزة بن عبد المطلب، الذي دأب على حماية الرسول(ص) من أذى المشركين دائماً في الظروف القاسية، إلاّ أنّ وحشي العبد قتله في هذه المعركة.
  4. أم عمارة، نسيبة المازنية، وقد باشرت القتال وذبت عن الرسول (ص) بالسيف، ورمت بالقوس حتى جُرِحت. وقد أُعجب النبي (ص) بشجاعتها فأشاد بموقفها يوم أُحد: «لَمَقَامُ نُسَيْبَةَ بِنْتِ كَعْبٍ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْ مَقَامِ فُلانٍ وَفُلانٍ» فطلبت منه (ص) أن يدعو لها بالجنة فقال (ص): «بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ رَحِمَكُمُ اللَّهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُمْ رُفَقَائِي فِي الْجَنَّةِ».

وقد استغل أبو سفيان وقريش انتصارهم فاعتمدوا الإعلام المزيف في ذلك، بأنّ آلهتهم أعظم من إله المسلمين، قاصداً من ذلك التأثير النفسي، فقد رأى أنّ الحملة النفسية والحرب الباردة يمكنها أن تحطم إيمان المسلمين.

أمّا هند زوجة أبي سفيان، فقد مثلت مع بعض النساء بجثث المسلمين، من قطع الأنوف وجدع الآذان وسمل العيون وقطع الأصابع والأرجل والمذاكير، نكاية بالمسلمين وإطفاءً للحقد الدفين. وقد بقرت هند صدر حمزة وأخرجت كبده ولاكته بين أسنانها، دون أن تستطيع أكله فعُرفت بآكلة الأكباد، كما عرف أبناؤها فيما بعد ببني آكلة الأكباد.

وقال الرسول(ص) عندما شاهد عمّه حمزة: «مَا وَقَفْتُ مَوْقِفاً قَطُّ أَغْيَظَ عَلَيَّ مِنْ هَذَا».

وهكذا غادر كفّار قريش أرض المعركة إلى مكة، أمّا المسلمون، فبعد أن صلّى بهم النبي (ص) الظهر والعصر، دفنوا الشهداء واحداً واحداً أو اثنين اثنين، عند جبل أُحد.[٥]

أمّا الشهداء فكانوا ما بين ٧٠ أو ٨١ مسلماً على روايات مختلفة، ولم يتجاوز عدد قتلى قريش ٢٢ فرداً، وأمّا النبي (ص) فقد عالجته السيدة فاطمة(ع) والإمام علي (ع) حينما رجع إلى المدينة[٦].

النتائج السلبية لمعركة أُحد

بالرغم من إظهار المسلمين قوتهم، ومطاردتهم للعدو ومنعهم من مهاجمة المدينة، فإنّ المنافقين واليهود والمشركين أعدّوا المؤامرات ضدّ الإسلام والمسلمين، وجهزوا العدة لمحاربتهم، مثل قبيلة بني أسد التي أرادت الهجوم على المدينة لنهبها، فأرسل الرسول (ص) ١٥٠ فرداً بقيادة أبي مسلمة الذي تمكن من القضاء عليهم والتخلّص منهم.

ومن المعروف أنّ النبي (ص) كان يرسل الدعاة والمبلغين من قرّاء القرآن الكريم، والمسلمين بالأحكام الإسلامية والتعاليم النبوية، لينقلوا تلك التعاليم والأحكام إلى الناس في المناطق البعيدة والأماكن النائية، كما كان يبعث من جانب آخر، السرايا والمجموعات العسكرية للقضاء على محاولات التمرد والمؤامرات، ليتسنّى لهؤلاء المبلغين والدعاة في ضوء الامن والحرية والأمان، الدعوة إلى الإسلام وإرساء دعائم الحكومة الإسلامية في القلوب، وتنوير الأفكار وإيقاظ العقول. إلاّ أنّه كان يحدث أنّ بعض القبائل المتوحشة والمتخلفة فكرياً وأخلاقياً كانت تعتدي على هؤلاء المبلغين وتقتلهم بصورة مفجعة مأساوية.[٧] مثلما قامت به جماعة من قبيلة «عضل والقارة» الذين طلبوا القراء من الرسول (ص) وغدروا بهم أثناء الطريق إلى مكان سكنهم. ومن قبلهم طلب أبو براء العامري في شهر صفر من هذه السنة، من الرسول (ص) أن يبعث رجالاً إلى نجد يدعوهم للإسلام مع أنّه لم يسلم، فقال الرسول (ص): «إِنِّي أَخْشَى عَلَيْهِمْ أَهْلُ نَجِدُ». ولكن أبا براء أعلن عن استعداده لإجارتهم وضمان أمنهم فقال: أنا لهم جار. فبعث النبي (ص) أربعين رجلاً من أصحابه الخيار من حفظة القرآن وأحكام الإسلام بقيادة المنذر بن عمرو ومعه كتاب إلى عامر بن الطفيل أحد زعماء نجد، الذي قرر الغدر بهم، فقتل رسول المنذر، وطلب من بني عامر قتل المبلغين، إلاّ أنّهم رفضوا على أساس أنّ لهم عقداً وجواراً مع أبي براء. فاستصرخ عليهم قبائل بني سليم الذين أجابوه، فأحاطوا بالدعاة وقاتلوهم حتى قتلوهم عن آخرهم بعد أن قاوموا بقوّة وبسالة عظيمة. وتسمّى هذه الحادثة بجريمة بئر معونة، التي لم ينسها الرسول (ص) فكان يذكر شهداءها فترة من الزمان[٨] كما أنّ تلك الحادثتان: الرجيع وبئر معونة، تركتا آثاراً سيئة، وخلفتا موجة من الحزن والأسى في نفوس المسلمين.[٩]

غزوة حمراء الأسد

«غزوة حمراء الأسد» هي حملة عسكرية قادها النبي الأعظم (ص) في اليوم التالي لغزوة أحد، وتحديداً في الثامن من شوال سنة ٣ هـ. هدفت هذه الغزوة إلى مطاردة جيش قريش لمنعهم من العودة للهجوم على المدينة، ولإظهار تماسك وقوة الجيش الإسلامي رغم الجراح التي أصابتهم في معركة أحد. إلا أنّ الوضع لم يستقر، بل استمرت الأحداث إلى يوم الجمعة حيث «غزوة حمراء الأسد».[١٠] ذلك أنّ اليهود والمنافقين أتباع عبد الله بن أُبي استغلوا الوضع الخطير الذي أصبح فيه المسلمون، وكانوا قد سرّوا لما أصابهم، ووجدوا البيوت حزينة يسمع منها أنين الجرحى والبكاء على الموتى والشهداء. ولما كان هناك خوف أن يوَدّي ذلك إلى ضعف الجبهة الداخلية، إذ أنّ انهيار الوحدة والانسحاب في هذه الجبهة أخطر بكثير من تعرض البلاد لهجوم خارجي. ولذا فقد أمر (ص) بملاحقة العدو في نفس هذه الليلة حتى يرهب العدو ويبلغه قوة المسلمين واتحادهم وأنّ ما أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم.[١١] فخرج الرسول (ص) بأصحابه إلى «حمراء الأسد» مخلفاً على المدينة: ابن أم مكتوم.

وقد استطاع معبد بن أبي معبد الخزاعي رئيس بني خزاعة، الذي ارتبط بعلاقات ودية طيبة مع الرسول والمسلمين بالرغم من كفره وشركه، من أن يخوّف أبا سفيان ويرعبه بما ذكره له عن قوّة المسلمين، وأعدادهم وملاحقتهم لقريش، ممّا دعاه إلى الانصراف عن مهاجمة المدينة مرّة أُخرى.

وفي هذه السنة (٣هـ)، أيضاً بعث الرسول (ص) أيضاً السرايا، واشتهرت منها: سرية محمد بن مسلمة، عندما انزعج كعب بن الأشرف لانتصار المسلمين في بدر، وحاول إثارة قريش عليهم، فبدأ بإيذاء نساء المسلمين، ممّا جعل الرسول (ص) يقرر التخلص منه، فأرسل إليه محمد بن مسلمة، الذي أعدّ خطة محكمة للقضاء عليه، فقتلوه بمساعدة أخيه بالرضاعة أبو نائلة. كما تخلّصوا من مفسد آخر هو: أبو رافع سلام بن أبي الحقيق اليهودي الذي قام بنفس دور كعب بن الأشرف في إيذاء الرسول والمسلمين.[١٢]

المراجع والمصادر

  1. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية

الهوامش

  1. بحار الاَنوار: ٢٠/ ٩٦.
  2. السيرة النبوية: ٢/ ٢٣؛ المغازي: ١/ ٢١٤؛ طبقات ابن سعد: ٢/ ٣٨.
  3. بحار الاَنوار: ٢٠/ ٨١.
  4. شرح نهج البلاغة، فصل في غريب كلامه، رقم ٩.
  5. السيرة النبوية: ٢|٩٨؛ بحار الاَنوار: ٢٠|١٣١.
  6. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ١٣٣-١٣٨.
  7. السيرة النبوية: ٢/ ١٦٩؛ طبقات ابن سعد: ٢/ ٥٥.
  8. السيرة النبوية: ٢/ ١٨٣؛ إمتاع الاسماع: ١/ ١٧٠.
  9. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ١٤٠-١٤١.
  10. تبعد عن المدينة ثمانية أميال.
  11. مجمع البيان: ٢/ ٢٣٥.
  12. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ١٣٨-١٣٩.