غزوة أحد

من إمامةبيديا
(بالتحويل من معركة أحد)

تمهيد

السنة الثالثة الهجرية هي سنة الدفاع عن الحرية والكرامة، وقد وقعت فيها معركة أُحد التي تعدّمن أعظم المعارك في الإسلام.

فقد قرر كفّار قريش إعلان الحرب على النبي (ص) على أن تتكفّل قريش نفقاتها، فأعدّت ٤ آلاف مقاتل، إضافة إلى النساء اللائي هدفوا من اشتراكهن: تحريض الرجال على القتال، والصمود وعدم الفرار، وإشعال الحماس في النفوس، وإنّ فرار الرجال يعني أسرهن، فتصبح الغيرة والحمية سبباً للمقاومة والصمود. كما اشترك في الجيش عدد من العبيد والرقيق طمعاً في العتق الذي وعدوا به متى ما نصروا أسيادهم، مثل وحشي الحبشي.[١]

إلاّ أنّ العباس بن عبد المطلب الذي عاش بين قريش كاتماً إيمانه، كتب تقريراً مفصلاً عن تلك الاستعدادات وأرسله مع رجل غفاري إلى النبي (ص) الذي أخبر أصحابه بالأمر. ثمّ عقد النبي (ص) في يوم الجمعة اجتماعاً عسكرياً للتشاور مع القادة وأهل الخبرة في وسائل مواجهة العدو، فأشار عبد الله بن أُبي بن سلول ـ من منافقي المدينة ـ بالقتال داخل المدينة، أي لا يخرج المسلمون منها بل يقاتلونهم حرب الشوارع. إلاّ أنّ فتيان المسلمين شجبوا هذا الرأي وأقروا الخروج من المدينة لملاقاة العدو، بعد أن أيّد الرأي السابق أكابر أصحاب الرسول (ص) من المهاجرين والأنصار. وكان حمزة و سعد بن عبادة على رأس القائلين بلقاء العدو خارج المدينة، فأيّد النبي رأي الأكثرية بالخروج للحرب، إذ أنّ محاصرة العدو للمدينة وسيطرته على مداخلها وطرقاتها وسكوت جنود الإسلام على ذلك، من شأنه أن يقتل الروح القتالية والفروسية في أبناء الإسلام المجاهدين.

وكان جيش الكفّار قد وصل أطراف المدينة، حتى استقر قرب جبل أُحد، يوم الخميس، الخامس من شهر شوال، فاستعد النبي (ص) بأن لبس لامته والدرع وتقلّد السيف واعتمّ، فخرج من بيته، ممّا آثار المسلمين وهزّهم بشدّة حتّى تصوّر بعضهم أنّهم قد أجبروه (ص) على الخروج، فطلبوا منه المعذرة وإجراء أيّ فعل يقصده، فقال (ص): «مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَامَتُهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلُ»[٢]. ثمّ صلّى الناس الجمعة، وخرج على رأس ألف مقاتل قاصداً أُحد.

وكان (ص) قد رفض اشتراك جماعة من اليهود الذين تحالفوا مع عبد الله بن أبي بن سلول معهم، فانعزل عن الجيش وعاد بثلث الناس كلّهم من الأوس المتحالفين معه، إلى المدينة، بحجّة أنّ الرسول (ص) أخذ برأي الفتية والشباب. ولذا لم يشترك اليهود والمنافقون في هذه الحرب.

وفي يوم السبت ٧ من شهر شوال، اصطف الجيش الإسلامي أمام قوى الشرك المعتدية، فجعل ظهره إلى جبل أُحد كمانع طبيعي يحفظ الخلف، ووضع جماعة من الرماة عند ثغرة في الجبل، عليهم عبد الله بن جبير وطلب منهم الالتزام بالموقع: «إلزموا مكانكم لا تبرحوا منه إن كانت لنا أو علينا فلا تفارقوا مكانكم».

إلاّ أنّ المسلمين انهزموا بعد انتصارهم في بداية المعركة نتيجة تجاهل هؤلاء الرماة لأوامر النبي (ص) حين أخلوا هذا الموقع الاستراتيجي.

وكانت قريش قد أعدّت تسعة رجال شجعان من بني الدار لحمل الراية، قتلهم الإمام علي (ع) جميعاً، كما قتل غلامهم حين برز أيضاً[٣]. وبذا فإنّ النتيجة الأولية كانت هزيمة الكفّار مخلِّفين وراءهم غنائم وأموالاً كثيرة، فانتصر المسلمون على عدوّهم القوي عدداً وعدّة، لأسباب منها: أنّهم قاتلوا في مرضاة الله، ونشر عقيدة التوحيد، دون أن يهدفوا إلى مصلحة مادية.

ولكنّهم انهزموا بعد انتصارهم الساحق لأسباب كان أهمها: تغيّر أهدافهم، فقد اتجهت أنظارهم إلى الغنائم في أرض المعركة، ونسوا أوامر النبي (ص) وتعاليمه بالتمسّك بها مهما حدث. وخاصة أُولئك الرماة الحامين ظهر المسلمين على جبل أُحد، حين تركوا مواقعهم ونزلوا إلى الساحة يريدون جمع الغنائم قائلين: «ولِمَ نقيم هنا من غير شيء وقد هزم الله العدو، فلنذهب ونغنم مع إخواننا». وهو الأمر الذي استغله خالد بن الوليد الذي كان آنذاك مع المشركين وكان يترصّد خلوّ الثغرة من الرماة، فقتل باقي الرماة وكانوا عشرة من خمسين، ثمّ هاجم المسلمين الغافلين عن الوضع السيئ والذين انشغلوا بجمع الغنائم، فتفرقت جموعهم، واجتمع جنود قريش الهاربون فقاتلوا المسلمين قتالاً ضارياً، حتى قُتِلَ منهم سبعون رجلاً. وعندما قتل أحد أبطال المشركين من قريش، حامل لواء الإسلام: مصعب بن عمير ظنّ أنّه الرسول (ص) فصاح: قتلت محمداً. فانتشر الخبر بين المسلمين وقريش الذين سرّوا بذلك فصاحوا: ألا قد قتل محمد. فاضطر المسلمون ـ بعد انفراط القيادة، وإشاعة الفوضى والهرج والمرج في الجيش ـ إلى أن يهرب معظمهم إلى الجبل تاركين أرض المعركة، إلاّ عدداً قليلاً منهم.

وكان خمسة من صناديد قريش قد تعاهدوا على أن يضعوا نهاية لحياة النبي (ص) مهما كلّفهم الأمر، وهم:

  1. عبد الله بن شهاب، الذي جرح جبهة النبي (ص) .
  2. عتبة بن أبي وقاص، الذي رمى النبي (ص) بأحجار فكسر رباعيته.
  3. ابن قميئة الليثي، الذي رمى وجنتي الرسول وجرحهما.
  4. عبد الله بن حميد، الذي حمل على النبي (ص) فقتله أبو دجانة بطل الإسلام.
  5. أُبي بن خلف، الذي قتله الرسول (ص) بيده عندما حمل عليه.

وقد دلّت مواقف الرسول الكريم (ص) في هذه المعركة وغيرها على شجاعته وقوّته، وقد أكدها الإمام علي (ع) قائلاً: «كُنَّا إِذَا اِحْمَرَّ اَلْبَأْسُ اِتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَّا أَقْرَبَ إِلَى اَلْعَدُوِّ مِنْهُ»[٤].

ومن هنا فإنّ سلامة النبي الأكرم (ص) في هذه الحرب بل وفي عامة الحروب تعود في أكثر أسبابها إلى: حسن دفاعه عن دينه وعن نفسه، وإلى شجاعته وبأسه في المعارك، إضافة إلى تضحية تلك القلة من أصحابه الاوفياء الذين بذلوا غاية جهدهم للحفاظ على حياته وسلامته واشتهر من هؤلاء:

  1. الإمام علي (ع) الذي بلغ ٢٦ عاماً من عمره، حيث قتل ١٢ من رجال قريش، والباقي وهم عشرة قتلهم باقي المسلمين. وهنا سمع هتاف بين السماء والأرض يقول: «لاَ فَتَى إِلاَّ عَلِيٌّ، وَ لاَ سَيْفَ إِلاَّ ذُو اَلْفَقَارِ».
  2. أبو دجانة، الذي جعل من نفسه ترساً يقي النبي (ص) من سيوف الكفّار.
  3. حمزة بن عبد المطلب، الذي دأب على حماية الرسول(ص) من أذى المشركين دائماً في الظروف القاسية، إلاّ أنّ وحشي العبد قتله في هذه المعركة.
  4. أم عمارة، نسيبة المازنية، وقد باشرت القتال وذبت عن الرسول (ص) بالسيف، ورمت بالقوس حتى جُرِحت. وقد أُعجب النبي (ص) بشجاعتها فأشاد بموقفها يوم أُحد: «لَمَقَامُ نُسَيْبَةَ بِنْتِ كَعْبٍ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْ مَقَامِ فُلانٍ وَفُلانٍ» فطلبت منه (ص) أن يدعو لها بالجنة فقال (ص): «بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ رَحِمَكُمُ اللَّهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُمْ رُفَقَائِي فِي الْجَنَّةِ».

وقد استغل أبو سفيان وقريش انتصارهم فاعتمدوا الإعلام المزيف في ذلك، بأنّ آلهتهم أعظم من إله المسلمين، قاصداً من ذلك التأثير النفسي، فقد رأى أنّ الحملة النفسية والحرب الباردة يمكنها أن تحطم إيمان المسلمين.

أمّا هند زوجة أبي سفيان، فقد مثلت مع بعض النساء بجثث المسلمين، من قطع الأنوف وجدع الآذان وسمل العيون وقطع الأصابع والأرجل والمذاكير، نكاية بالمسلمين وإطفاءً للحقد الدفين. وقد بقرت هند صدر حمزة وأخرجت كبده ولاكته بين أسنانها، دون أن تستطيع أكله فعُرفت بآكلة الأكباد، كما عرف أبناؤها فيما بعد ببني آكلة الأكباد.

وقال الرسول(ص) عندما شاهد عمّه حمزة: «مَا وَقَفْتُ مَوْقِفاً قَطُّ أَغْيَظَ عَلَيَّ مِنْ هَذَا».

وهكذا غادر كفّار قريش أرض المعركة إلى مكة، أمّا المسلمون، فبعد أن صلّى بهم النبي (ص) الظهر والعصر، دفنوا الشهداء واحداً واحداً أو اثنين اثنين، عند جبل أُحد.[٥]

أمّا الشهداء فكانوا ما بين ٧٠ أو ٨١ مسلماً على روايات مختلفة، ولم يتجاوز عدد قتلى قريش ٢٢ فرداً، وأمّا النبي (ص) فقد عالجته السيدة فاطمة(ع) والإمام علي (ع) حينما رجع إلى المدينة[٦].

من أحداث معركة أُحد

نفقات الحرب

تحمّل أسياد قريش نفقات المعركة، من اقتراح قدمه صفوان بن أُميّة و عكرمة بن أبي جهل إلى أبي سفيان بأن يدفع كلّ واحد منهم مبلغاً من المال قائلين: يا معشر قريش، إنّ محمّداً قد وَتَرَكم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، فلعلنا ندرك منه ثأرنا بمن أصاب منّا.

وقد أوضح القرآن الكريم موقفهم هذا بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ[٧]

مشاركة النساء في الحرب

فقد شاركت نساء مكّة الوثنيات مع الرجال في هذه المعركة على خلاف عادة العرب، وذلك حتى يحرّضن الرجال على القتال والصمود، ويمنعن المقاتلين من الفرار والهروب، لأنّ الفرار يعنى أسرهن، ويشعلن الحماس في النفوس بدق الدفوف، وإنشاد الأشعار المثيرة الداعية إلى الثار.

إثارتهم للنبي (ص)

حاول عدد من أفراد قريش، القيام بنبش قبر أُمّ محمّد (ص) آمنة بنت وهب، قائلاً: فإنّ النساء عورة، فإن يصب من نسائكم أحد قلتم هذه رمّة أُمّك، فإن كان براً بأُمّه كما يزعم فلعمري ليفادينكم برّمة أُمّه، وإن لم يظفر بأحد من نسائكم فلعمري فليفدين رمة أُمّه بمال كثير إن كان بها براً.

إلاّ أنّ أهل الرأي منهم رفض الاقتراح وقالوا: لو فَعَلنا ذلك، نبشت بنو بكر وخزاعة ـ وهم أعداء قريش ـ موتانا.

إطلاق الشعارات

تصبح مسألة بث الدعاية السيئة وزرعها في النفوس واستثمارها، سهلة ومؤثرة في الإنسان عند الهزائم وإصابة النكبات، فتصبح أكثر تقبلاً وأيسر تأثيراً.

ولذا فإنّ أبا سفيان أمر برفع الأصنام والمناداة بأعلى الأصوات، بعد معركة أُحد: أُعلُ هبل، أُعل هبل. فأدرك النبي (ص) عمق الخطورة من هذا الأسلوب المؤثر في النفوس، فأمر المسلمين بالإجابة على ذلك بشعار مضاد قوي، فقال: «قولوا: الله أعلى وأجل، الله أعلى وأجل». فاستمر أبو سفيان في إطلاق شعاراته المزيفة: نحن لنا العزى ولا عُزى لكم. فردّ النبي (ص) عليهم: «الله مولانا ولا مولى لكم». فنادى المشركون: يومٌ بيوم بدر. فأجاب المسلمون: لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار.

عن أُميّة النبي (ص)

روى العلامة المجلسي عن الإمام الصادق (ع) أنّه قال: كان ممّا منّ الله عزّوجلّ على رسوله (ص) أنّه كان لا يقرأ ولا يكتب، إلاّ انّه عندما توجه أبو سفيان إلى أُحد، كتب العباس بن عبد المطلب إلى النبي (ص) يخبره بذلك، فوصله الكتاب وهو في بعض حيطان المدينة، فقرأه ولم يخبر أصحابه، وأمرهم أن يدخلوا المدينة فأخبرهم عندئذ.[٨]

التضحية والفداء في سبيل الله

وخير من مثلها في معركة أُحد:

  1. عمرو بن الجموح: كان شيخاً أعرجاً أصيب في رجله، وله من الأولاد أربعة يشهدون المشاهد مع النبي (ص) فأراد الاشتراك في أُحد، ولكنّهم منعوه، فأتى الرسول (ص) وقال له: إنّ بنيّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه، فوالله إنّي لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة. فقال النبي (ص): «أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ عَذَرَكَ اَللَّهُ وَلا جِهادَ عَلَيكَ». ثمّ توجّه إلى أبنائه وقومه: «لاَ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تَمْنَعُوهُ لَعَلَّ اَللَّهَ يَرْزُقُهُ اَلشَّهَادَةَ». فخرج وهو يقول: اللهم ارزقني الشهادة ولا تردّني إلى أهلي. وقد حمل على الأعداء وهو يقول: أنا والله مشتاق إلى الجنة. فاستشهد في المعركة.
  2. الشاب حنظلة بن أبي عامر: كان له من العمر ٢٤ عاماً، واشترك أبوه في أُحد إلى جانب قريش، حيث كان عدواً للنبي (ص) يحرّض على قتاله، ومعاداة الإسلام، فهو السبب لما حدث في مسجد ضرار. فكان على الباطل، إلاّ أنّ ابنه حنظلة اتّخذ جانب الحق مع النبي (ص) . وفي يوم المعركة، كان قد أعدّ للزواج بابنة عبد الله بن أبي سلول ويقيم مراسيم الزفاف والعرس في ليلة الخروج إلى أُحد، ولكنّه سمع نداء الجهاد فاستأذن الرسول (ص) ليتوقف في المدينة ليلة واحدة حتى يجري مراسيم العرس ويقيم عند عروسته، ثمّ يلتحق بالمعسكر الإسلامي في الصباح. وقد نزل في ذلك قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ[٩]. وخلال المعارك، استشهد وهو يطارد أبا سفيان، فقال النبي(ص): «رَأَيْتُ اَلْمَلاَئِكَةَ تَغْسِلُ حَنْظَلَةَ بَيْنَ اَلسَّمَاءِ وَ اَلْأَرْضِ بِمَاءِ اَلْمُزْنِ فِي صَحَائِفَ مِنْ ذَهَبٍ فَكَانَ يُسَمَّى غَسِيلَ اَلْمَلاَئِكَةِ» فكان يسمّى غسيل الملائكة أو حنظلة الغسيل، ذلك أنّه خرج إلى الحرب وهو جنب. وكانت الأوس تعتبره من مفاخرها فتقول: ومنّا حنظلة غسيل الملائكة. أمّا أبو سفيان فقال: حنظلة بحنظلة. ويقصد حنظلة الغسيل بحنظلة ابنه الذي قُتل يوم بدر. والأمر الغريب هنا، إنّ العروسين كانا مؤمنين متفانيين في سبيل الحق، في مقابل والدين من أعداء الرسول(ص)، فـ عبد الله بن أبي سلول والد العروس كان على رأس المنافقين، وأبو عامر الفاسق والد العريس، سمّي في الجاهلية بالراهب لعدائه الشديد للنبي (ص) والتحق بالمشركين في مكّة، وحرض هرقل على ضرب الحكومة الإسلامية، وقتل الكثير من المسلمين في أُحد. إلاّ أنّه عندما التقى المعسكران نادى أبو عامر: يا معشر الأوس أنا أبو عامر، فقد تخيل أنّهم سيتركون نصرة النبي (ص) إذا شاهدوه، ولكنّهم ردّوا عليه: فلا أنعم الله بك عيناً يا فاسق. فتركهم واعتزل الحرب بعد حين.
  3. أم عمارة: تحدّثت النساء إلى الرسول الكريم (ص) بشأن اشتراكهن في الجهاد: يا رسول الله نحن نقوم بكلّ ما يحتاج إليه الرجال في حياتهم ليجاهدوا ببال فارغ، فلم حُرِمنا نحن من هذه الفضيلة؟ فأجاب (ص): «إِنَّ حُسْنُ التَّبَعُّلِ يَعْدِلُ ذَلِكَ كُلِّهِ». مشيراً إلى الأسباب الطبيعية والعضوية للمرأة. إلاّ أنّ بعضهن خرجن من المدينة لمساعدة جنود الإسلام، في السقي وغسل ثيابهم وتضميد الجرحى. واشتهرت منهن في أُحد: أُمّ عمارة نسيبة المازنية: التي قاتلت دفاعاً عن الرسول (ص) فجرحت، وقالت تشرح موقفها: أقبل ابن قميئة وقد ولّى الناس عن الرسول (ص) يصيح: دلّوني على محمّد لانجوت إن نجا. فاعترض له مصعب بن عمير وآخرون، وكنت فيهم فضربني هذه الضربة. ولقد ضربته على ذلك عدّة ضربات، ولكنّه احتمى بدرعين كانا عليه. وكان النبي (ص) ينظر إليّ، فرأى جرحاً على عاتقي، فصاح بأحد أولادي: «أُمُّكَ أُمُّكَ إِعْصَبٌ جُرْحَهَا»، فعاونني عليه.

وعندما رأت ابنها وقد جرح أقبلت إليه ومعها عصائب أعدّتها للجراح فربطت جرحه، والنبي (ص) ينظر، فقالت لولدها: انهض يا بني فضارب القوم. ممّا أعجب رسول الله (ص) باستقامتها وثباتها وإيمانها فقال: «وَمَن يُطيقُ ما تُطيقينَ يا أَمُّ عُمَارَةَ».

وفي هذه الأثناء أقبل الرجل الذي ضرب ولدها فقال النبي (ص) هذا ضارب ابنك. فحملت عليه كالأسد وضربت ساقه فبرك. ممّا ازداد من إعجاب النبي (ص) بشجاعتها وبسالتها فتبسم وقال: «اِسْتَقَدْتِ يَا أُمَّ عُمَارَةَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي ظَفَّرَكَ وأقَرَّ عَينَكَ».

وبعد المعركة طلبت الانضمام إلى جيش المسلمين الذي سار إلى حمراء الأسد، ولكن جراحها منعتها من تأدية الغرض، وبعد رجوع النبي (ص) سأل عنها فسرّ لسلامتها.[١٠]

النتائج السلبية لمعركة أُحد

بالرغم من إظهار المسلمين قوتهم، ومطاردتهم للعدو ومنعهم من مهاجمة المدينة، فإنّ المنافقين واليهود والمشركين أعدّوا المؤامرات ضدّ الإسلام والمسلمين، وجهزوا العدة لمحاربتهم، مثل قبيلة بني أسد التي أرادت الهجوم على المدينة لنهبها، فأرسل الرسول (ص) ١٥٠ فرداً بقيادة أبي مسلمة الذي تمكن من القضاء عليهم والتخلّص منهم.

ومن المعروف أنّ النبي (ص) كان يرسل الدعاة والمبلغين من قرّاء القرآن الكريم، والمسلمين بالأحكام الإسلامية والتعاليم النبوية، لينقلوا تلك التعاليم والأحكام إلى الناس في المناطق البعيدة والأماكن النائية، كما كان يبعث من جانب آخر، السرايا والمجموعات العسكرية للقضاء على محاولات التمرد والمؤامرات، ليتسنّى لهؤلاء المبلغين والدعاة في ضوء الامن والحرية والأمان، الدعوة إلى الإسلام وإرساء دعائم الحكومة الإسلامية في القلوب، وتنوير الأفكار وإيقاظ العقول. إلاّ أنّه كان يحدث أنّ بعض القبائل المتوحشة والمتخلفة فكرياً وأخلاقياً كانت تعتدي على هؤلاء المبلغين وتقتلهم بصورة مفجعة مأساوية.[١١] مثلما قامت به جماعة من قبيلة «عضل والقارة» الذين طلبوا القراء من الرسول (ص) وغدروا بهم أثناء الطريق إلى مكان سكنهم. ومن قبلهم طلب أبو براء العامري في شهر صفر من هذه السنة، من الرسول (ص) أن يبعث رجالاً إلى نجد يدعوهم للإسلام مع أنّه لم يسلم، فقال الرسول (ص): «إِنِّي أَخْشَى عَلَيْهِمْ أَهْلُ نَجِدُ». ولكن أبا براء أعلن عن استعداده لإجارتهم وضمان أمنهم فقال: أنا لهم جار. فبعث النبي (ص) أربعين رجلاً من أصحابه الخيار من حفظة القرآن وأحكام الإسلام بقيادة المنذر بن عمرو ومعه كتاب إلى عامر بن الطفيل أحد زعماء نجد، الذي قرر الغدر بهم، فقتل رسول المنذر، وطلب من بني عامر قتل المبلغين، إلاّ أنّهم رفضوا على أساس أنّ لهم عقداً وجواراً مع أبي براء. فاستصرخ عليهم قبائل بني سليم الذين أجابوه، فأحاطوا بالدعاة وقاتلوهم حتى قتلوهم عن آخرهم بعد أن قاوموا بقوّة وبسالة عظيمة. وتسمّى هذه الحادثة بجريمة بئر معونة، التي لم ينسها الرسول (ص) فكان يذكر شهداءها فترة من الزمان[١٢] كما أنّ تلك الحادثتان: الرجيع وبئر معونة، تركتا آثاراً سيئة، وخلفتا موجة من الحزن والأسى في نفوس المسلمين.[١٣]

المراجع والمصادر

  1. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية

الهوامش

  1. بحار الاَنوار: ٢٠/ ٩٦.
  2. السيرة النبوية: ٢/ ٢٣؛ المغازي: ١/ ٢١٤؛ طبقات ابن سعد: ٢/ ٣٨.
  3. بحار الاَنوار: ٢٠/ ٨١.
  4. شرح نهج البلاغة، فصل في غريب كلامه، رقم ٩.
  5. السيرة النبوية: ٢/ ٩٨؛ بحار الاَنوار: ٢٠/ ١٣١.
  6. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ١٣٣-١٣٨.
  7. سورة الأنفال، الآية ٣٦.
  8. بحار الانوار: ٢٠/ ١١١.
  9. سورة النور، الآية ٦٢.
  10. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٢٦٥-٢٧٠.
  11. السيرة النبوية: ٢/ ١٦٩؛ طبقات ابن سعد: ٢/ ٥٥.
  12. السيرة النبوية: ٢/ ١٨٣؛ إمتاع الاسماع: ١/ ١٧٠.
  13. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ١٤٠-١٤١.