النصب الإلهي للإمام في القرآن

من إمامةبيديا

الإمامة لا تتم إلّا بالتعيين الإلهي‌

هنا نتناول النصّ على الإمامة في القرآن، أو نظرية النصّ في القرآن الكريم، وأن الإمامة منصب إلهي يختار الله له مَن يشاء، فالإمامة بتعيين الله سبحانه وتعالى، ولم تُترك لاختيار الناس. وسوف نجد أنّ القرآن الكريم يؤكّد وينصّ بوضوح على هذا المعنى وأنّ الإمامة شأن إلهي يختار الله لها مَن يشاء ولم يوكل الله سبحانه وتعالى أمر الإمامة إلى‌ الناس أنفسهم.

وقبل البدء نشير إلى‌ أنّ ما ذكرناه سابقاً يكفي بنفسه دليلًا على ضرورة كون الإمامة بالنصّ الإلهي، فقد ذكرنا أنّ الإمامة تعني قيادة الإنسان في كلّ شؤونه الاختيارية في‌ خط رضى الله سبحانه، والإمامة بهذا المفهوم لا يمكن أن يختار لها إلّا من قِبل الله سبحانه وتعالى، ولا يمكن للإنسان العادي أن يختار مَن يصلح للإمامة التي من شأنها قيادة الإنسان في كلّ شؤونه الاختيارية إلى‌ ما فيه رضى‌ الله سبحانه وإلى‌ الكمال المطلوب. فالإمامة بهذا المفهوم لا يمكن أن تكون إلّا بنصّ من الله سبحانه وتعالى.

إذن فنفس مفهوم الإمامة الذي يحدّده القرآن يلازم نظرية النصّ والتعيين الإلهي، ولكن بغض النظر عن هذه النكتة جاء القرآن الكريم يحدد أن الإمامة لابد أن تكون بالنصّ من الله.

وسوف يلي هذا البحث بحث آخر نوضّح فيه أن القرآن لم يكتف بالتصريح والتأكيد على أن الإمامة تكون بنصّ من الله، بل إنّ القرآن الكريم مارس عملية التعيين الإلهي بطريقة خاصة سوف نتناول الحديث عنها في موضعه.

والذي نريد البحث عنه هنا هو نظرية النصّ على الإمامة في القرآن الكريم، وسنقوم بمراجعة مجموعة من الآيات القرآنية التي تؤكد على أنّ الإمامة لا تكون إلّا بالنصّ وبتعيين من الله سبحانه وتعالى، والآيات في هذا المجال كثيرة نختار منها النماذج التالية: [١]

نماذج من الآيات الدالّة على نظرية التعيين الإلهي‌

1. آيات الأمر

وهي الآيات التي تدل على أنّ الأمر خاصّ بالله. يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا[٢]. ويقول سبحانه: ﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ[٣].

ومن الواضح أنّ هذه العبارة تدل على الحصر فإنّ تقديم ما حقّه التأخير كتقديم الجار والمجرور على العامل كما نجده هنا، أو تقديم المفعول على الفاعل كما في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[٤] يدلّ على الحصر.

إذن فقوله سبحانه: ﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ[٥]» يعني أن الخلق والأمر للَّه سبحانه وليس لغيره مطلقاً، فله الخلق والأمر ولا يشاركه في ذلك أحد.

ولننظر في الآية بكاملها كما وردت في القرآن الكريم إذ يقول سبحانه:

﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ[٦].

وحاصل معنى الآية أنّ كلّ شي‌ء في هذا الكون خاضع لأمره تعالى، فالخلق له والأمر له، فهو الذي يأمر وهو الذي ينهى‌ وليس لأحد أن يأمر أو ينهى‌ غيره.

والمقصود بكون الأمر له سبحانه وتعالى أنّ السلطة والحكم بيده لا بيد غيره، فإنّ الأمر معناه السلطة والحكم ولهذا يُقال للسلطة والحكم: الإمارة ويُقال للقائد والحاكم: أمير، والآية واضحة في حصر ذلك في الله سبحانه وتعالى، وإذا كانت السلطة والإمارة بيد الله سبحانه لا بيد غيره، فهو الذي يحدّد مصير السلطة والحكم في المجتمع البشري وهو الذي يعيّن للحكم والإمارة أهلها وهو الذي يحقّ له دون غيره تعيين الحاكم والإمام والأمير.[٧]

2. آيات الحكم‌

وهي الآيات التي تدل على أنّ الحكم للَّه‌وليس لغيره فالحكم خاص به وهو الذي يحكم وليس لغيره ذلك. وهذا ما صرّح به قوله تعالى:

﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ[٨]، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ[٩]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا[١٠].

أي ليس هنالك بل ولا يمكن أن يكون هنالك شريك في حكمه. فالحكم ليس موزّعاً بين الله وغيره، أو بين الشعب وبين الله. بل الحكم للَّه‌وحده، فهو الذي يعيّن للحكم وينصب الحاكم ليس لغيره ذلك فإنّ ذلك من شؤونه تعالى الخاصة به ولا يشاركه فيه غيره.[١١]

3. آيات الملك‌

وهي التي تحصر الملك في الله وحده.

﴿قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ[١٢].

فالآية هنا صريحة في أنّ الملك للَّه‌وحده وهو الذي يؤتيه من يشاء وينزعه عمّن يشاء، ثم تقول الآية:

﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ[١٣].

وسنرجئ الحديث عن مفهومي العزّ والذلّ اللّذين وردا آخر الآية وهو بحث مهمّ له صلة قريبة جداً بمفهومي الإمامة والولاية.

وينبغي هنا أن نشير إلى‌ أنّ منظومة المفاهيم القرآنية هي نظام معرفي شامل واسع المعاني متكامل المضامين متناسق المفاهيم كلّ مفهوم منه يكمّل المفهوم الآخر ولكلّ مفهوم فيه صلة بالمفهوم الآخر وله في منظومة المفاهيم القرآنية موضعه الخاص به، وضمن هذا السياق نجد أنّ لمفهومي العزّ والذلّ صلة بالإمامة ولهما موقعهما الخاص في النظام المفهومي للقرآن الكريم، كما أن (الخير) في قوله تعالى: «بِيَدِكَ الْخَيْرُ» له موقعه الخاص في النظام المفهومي للقرآن، كما أنّ له صلته الخاصة بالإمامة، لأنّ الإمامة هي طريق الكمال الإنساني والكمال كلّه وهو الخير بيد الله سبحانه وتعالى‌، ولا يأتي الخير للإنسان إلّا من خلال نظام الإمامة، ولسنا الآن في صدد تفسير هذه الآية وتوضيح المفاهيم التي تضمنتها وإنّما يهمّنا الشاهد: ﴿قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ[١٤].

إذ يدلّ بالصراحة على أنّ السلطة بيد الله سبحانه وهو الذي‌ يؤتيها مَن يشاء وينزعها ممّن يشاء.

وقال تعالى أيضاً:

﴿وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ[١٥]. وفي هذه الآية نرى‌ إضافة الملك إلى‌ الله، وهو ما يؤكد اختصاص الملك بالله سبحانه وتعالى.

وفي هذه الآية والآيات التي في سياقها من القرائن الصريحة على نظرية النصّ في الإمامة الشي‌ء الكثير، فقد وردت الآية فى بني إسرائيل:

﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ[١٦].

فعبارة (ملك) صريحة في الدلالة على السلطة ولا مجال فيها للتأويل فالمراد بها هو صاحب السلطان والقائد السياسي، وقد صرّحت الآية بما لا مجال فيه لأي‌ترديد أن هذه السلطة أمرها بيد الله سبحانه يضعها حيث يشاء.

ونلاحظ في سياق الآية أنّ بني إسرائيل أرادوا أن يتدخّلوا في قضية الملك واعترضوا على الاختيار الإلهي قائلين: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ[١٧].

فجاءهم الردّ الإلهي على لسان نبيّهم، قائلًا:

﴿قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ[١٨].

فليس لأحدٍ غير الله أن يتدخّل في أمر السلطة والقيادة السياسيّة لأنّ السلطة والملك للَّه‌وحده فهو الذي يختار لهما من يشاء: ﴿وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ[١٩].

وينبغي أن يكون واضحاً هنا أنّ نظرية النصّ والتعيين الإلهي في الإمامة لا تعني إلغاء دور الأُمّة في السلطة، بل إن للأُمّة دورها الخاص بها.

فالقرآن ينصّ ويؤكد على أنّ للأُمّة دوراً سياسيّاً في السلطة وهو دور القوّة والقدرة، فإنّ السلطة السياسيّة إنما تكتسب قوّتها وقدرتها من اختيار الناس للقيادة واطاعتهم لها ونصرتهم إيّاها، فما لم تنتخب الأُمّة قيادتها وما لم ترضَ بالقائد السياسي، لا يمكن لهذا القائد السياسي أن يقود الجماهير، ولا يمكن له أن يقيم عدلًا، أو يزيل ظلماً ويناهض الظالمين، فلابدّ من إرادة شعبيه، تستند إليها القيادة الإلهية وتعتمد عليها، فنظرية النصّ الذي نقول بها هو ما ينصّ عليه القرآن الكريم، وهي النظرية التي ترى‌ الحكم خاصّاً بالله سبحانه فلا شرعيّة للحكم إطلاقاً بغير تنصيب من الله، لكنّ التنصيب الإلهي لا يوفّر للقيادة السياسيّة إلّا شرعيّتها وعدلانيتها وللشعب موقعه الخاصّ في نظام الحكم هذا وهو منح القوّة والقدرة للسلطة الإلهية لكي تستطيع القيام بدورها القيادي.

وباختصار نقول: معنى كون الإمامة والملك للَّه‌وحده وليس لغيره، أنّ شرعية الملك وشرعية القيادة السياسيّة لا تأتي إلّا من الله سبحانه، فلابدّ من النصّ الإلهي على القائد لكي يحقّ للقائد أن يمسك بزمام السلطة بين الناس، فالقائد لا يكتسب شرعية القيادة ولا الحقّانية إلّا بالنصّ الإلهي، لكن هذا القائد الحقّ متى يمكنه أن يقيم حكم الله في الأرض ويقود الناس؟

إنّما يتمكّن من ذلك بإرادة من الشعب، فدور الشعب أو الأُمّة هو دور التمكين والنصرة، أما الإمامة فلا تكتسب شرعيتها إلّا من الله سبحانه.

ومن آيات الملك أيضاً قوله تعالى:

﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ[٢٠]. و ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ[٢١].

فكما لا يقبل شريكاً في‌ حكمه كما قال، ولا يُشرك في حكمه أحداً، كذلك لا يقبل الشريك في الملك وقال تعالى:

﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَ هُوَ عَلى‌ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ[٢٢]. وقال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ[٢٣].

فالملك الحقّ هو الله سبحانه دون سواه، وكلّ ملك لا يكون معيّناً من قِبَله لا يكون حقّاً، قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ* مَلِكِ النَّاسِ[٢٤].

فالله سبحانه هو الملك الذي بيده السلطة والحكم وهو الذي يؤتي ذلك من يشاء.[٢٥]

4. آيات الولاية

هي التي تدلّ على أنّ الولاية بيد الله وهي كثيرة منها قوله تعالى:

﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا[٢٦].

ومن الجدير أن نشير إلى‌ أنّ القرآن الكريم استعمل كلّ التعابير والمصطلحات التي يمكن أن تدل على اختصاص السلطة والحكم بالله سبحانه ممّا يشير إلى‌ الإهتمام البالغ الذي أولته العناية الإلهية لقضية الحكم‌ أوّلًا وباختصاصه بالله سبحانه وتعالى‌ ثانياً، وبضرورة التعيين الإلهي في ذلك‌ ثالثاً.

وقال تعالى:

﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ[٢٧]. فالولاية له خاصة على الناس أجمعين وهو الذي يعيّن للناس من يتولّى أُمورهم ومن هنا قال سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ‌ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ[٢٨].

وقال تعالى:

﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ[٢٩]. فالمولى أو الولي الحقّ هو الله وليس يشركه في ولايته غيره، والآيات بهذا المعنى‌ كثيرة.[٣٠]

5. آيات الطّاعة

وهي على قسمين:

  1. القسم الأوّل: وهي الآيات التي تأمر بطاعة الله والرسول طاعة مطلقة من غير استثناء، كقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ[٣١]، وقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ[٣٢]. وأمثال هذه الآيات التي تدل على أنّ طاعة الله وطاعة الرسول واجبة مطلقاً، وهناك آيات دلّت بنفس العبارة على وجوب طاعة أُولي الأمر أيضاً طاعة مطلقة كقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ[٣٣] فالآية تدلّ على أنّ وجوب الطاعة للرسول ولأُولي الأمر وجوب مطلق عام يشمل كلّ ما يأمرون به أو ينهون عنه، فهي طاعة مطلقة. وهذا يدلّ على أن الولي لابدّ أن يكون معصوماً لا يتخلّف عن أمر الله قيد أنملة حتى تجب طاعته طاعة تامّة من غير استثناء. فلابدّ أن يكون منصوباً من قبل الله سبحانه وتعالى، لأنّ الله هو الذي يعرف الإنسان المعصوم، والعصمة بيد الله وليست بيد غيره، قال تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ[٣٤]. وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ۚ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ[٣٥]. فالعصمة بيد الله والطاعة له، فإذا كان الأمر بطاعة أُولي الأمر مطلقاً والطاعة طاعة مطلقة دلّ ذلك على وجوب تعيين ولي الأمر، والدلالة عليه من قبل الله سبحانه تعالى لأنه وحده الذي يعلم السرائر والمكنونات، وهو الذي يعلم المعصوم الطاهر من غيره.
  2. القسم الثاني من الآياتوهي التي تدلّ على وجوب الردّ إلى أُولي الأمر، فكلّ أمر يختلف فيه يُردّ إلى‌ أُولي الأمر كما يُردّ إلى‌ الرسول (ص)، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ...[٣٦]. وفي آية أُخرى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ[٣٧]. إذن فلابدّ في كلّ أمر يتنازع فيه أن يُردّ إلى‌ الله والرسول، وكلّ فعل اختياري يقبل التنازع كما ذكرنا في بداية الحديث فإنّ‌ التنازع وارد في كلّ أمر اختياري. تدلّ هاتان الآيتان على أنّ الأمر كما يجب ردّه إلى‌ الله وإلى‌ الرسول كذلك يجب ردّه إلى‌ أُولي الأمر. إذن فمَن يكون من أُولي الأمر لا يُتنازع في أمره، ولا يكون كلامه إلّا حقّاً، لأنه هو المرجع عند التنازع، فلابد أن يكون هو المعيار الذي به يعيّن الحقّ عن غيره وهو الفيصل بين الحقّ والباطل فلابدّ أن يكون معصوماً منصوباً من قِبل الله سبحانه وتعالى: [٣٨]

6. آية الاختيار

قال تعالى:

﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَهُوَ اللهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَىٰ وَالْآخِرَةِ ۖ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ[٣٩] فهو يخلق وهو يختار.

نلاحظ هنا المقارنة بين الاختيار والخلق، فكما هو إلهٌ في الخلق ولا يشركه في الخلق إلهٌ غيره، كذلك هو إله في الاختيار، يعني هو الأساس في الاختيار فلا يشركه في الاختيار غيره، أي‌إنّه سبحانه وتعالى هو الذي يختار للإنسان، ويعيّن له ماهو الخير وماهو الحقّ، فكلّ أمر اختياري يختاره الإنسان خيرته بيد الله، فالإنسان لابدّ أن يتّبع في كلّ أمر اختياري في حياته أمر الله ونهيه، وأن تكون الخيرة في حياة الإنسان بيد غير الله هو شرك بالله سبحانه وتعالى.

مجموع الآيات المتقدّمة تنصّ بوضوح على أنّ السلطة بيد الله وأنّ الخيرة في أمر الإنسان بيد الله ليس بيد غيره يقول تعالى: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ[٤٠]، وإذا لم تكن الخيرة لهم في ما يفعلون بل الخيرة للَّه‌سبحانه، فلا خيرة لهم في أمر الإمامة والقيادة وهي من أهمّ الأُمور التي يحتاج النّاس فيها إلى‌ خيرة الله سبحانه وتعالى.

وهنا يرد سؤال:

تُرى كيف نفهم آية الشورى‌؟ حيث يقول: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ[٤١]. لعلّ ما يتبادر إلى‌ الذهن أن آية «ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ»

تعارض آية الشورى‌ ولكنّنا بشي‌ء من التأمّل نستطيع أن نفهم عدم التعارض بين الآيتين، لأن آية الخيرة تدل بوضوح على أنّ مصدر القرار في المجتمع هو الله سبحانه ولا قرار بيد غيره، وهذا يشمل أمر الإمامة فيكون أمرها بيد الله سبحانه، فهو الذي يعيّن لها من يشاء، كما فعل بالنسبة إلى‌ رسول الله، فقد اختاره الله إماماً للناس كما اختار إبراهيم والصالحين من ذرّيته، أما آية الشورى‌ فإنّها تدل‌على أنّ صاحب القرار الشرعي ينبغي أن يستشير غيره في اتّخاذ القرار، فإذا نصب الله سبحانه إماماً على الناس كرسول الله (ص) فانّ عليه أن يشاور المؤمنين في ما يريد أن يتّخذ من قرار، ثم إن القرار النهائي بيده هو بعد المشورة فله أن يتّخذ القرار الذي يخالف رأي أصحاب المشورة، إذا رأى أن آراءهم لا توافق الحقّ والمصلحة وهذا هو معنى الشورى في اللغة، فليس معنى هذه الكلمة إلّا تبادل الرأي مع الآخرين تمهيداً لاتخاذ القرار من قبل مَن له شرعيّة القرار ولا دلالة في آية الشورى على أنّ الشورى هي صاحبة القرار، بل إنّ كلمة الشورى لا تنسجم مع هذا المعنى اطلاقاً، ولذلك نجد الآية الأُخرى‌ تأمر رسول الله بالشورى‌ فتقول: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ[٤٢].

فتأمر الرسول بالمشورة ثم تترك له حقّ القرار والعزم، فرسول الله هو صاحب القرار الذي تجب على المؤمنين اطاعته واتّباعه ولكن برغم ذلك فهو مأمور بالمشورة معهم قبل اتخاذ القرار.

فالشورى لا يمكن أن تكون مصدر قرار بل هي عبارة عن تبادل الآراء مع الآخرين واختبارها تمهيداً لاتخاذ القرار.

ولا تتحدث آية الشورى عمّن يتّخذ القرار فقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ[٤٣] تعني أن عليهم أن يتشاوروا في ما يعرض لهم من الأمر قبل اتخاذ القرار، لكنّها لا تتعرّض لمن يصلح أن يكون صاحب القرار.

وآية الخيرة تقول أن الخيرة بيد الله والقرار بيد الله، فلابدّ أن يكون القرار والتعيين من ربّنا، ثم الذي يعينه الله سبحانه- وهو الّذي يصفه القرآن بأنّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم أو (أُولي الأمر)- عليه أن يستشير الآخرين من المؤمنين في ما يريد أن يتّخذه من قرار.

فقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ[٤٤] أي‌لابدّ أن يستنيروا بآراء بعضهم حينما يريدون اتّخاذ القرار وهذا يشمل شؤون الإنسان في حياته الشخصيّة فعليه أن يستشير الآخرين وأن يستنير بآرائهم‌ ولكن القرار بيده نفسه ولييس بيد الشورى، فإنّ استشرت جهة ما فليس هذا يعني أنّ القرار بيد الجهة تلك التي تستشيرها، بل القرار بيدك أنت وأنت تستشير الجهة وتستنير برأيها.

فقوله تعالى‌ مخاطباً نبيّه (ص): ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ[٤٥].

تدل على أنّ القرار ليس بيد من استشيروا وإنّما هم أصحاب شورى‌، الأمر الذي بيدهم والموكول إليهم هو أن يشيروا إذا استشيروا، فالشورى تكون مع الناس لكنّ القرار بيد الله سبحانه وتعالى ومن ينصبه. فإذن لا تعارض بين آية الشورى وآية الاختيار.[٤٦]

7. آية التحكيم‌

قال تعالى:

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[٤٧].

وهذه الآية تدل على وجوب تحكيم الرسول في كلّ ما شجر بين المؤمنين وفي كلّ اختلاف بينهم فلا تختصّ بالحكم والقضاء، بل في كلّ أمر يختلف فيه، فهي مطلقة، وتدل على وجوب التحكيم‌إلى‌ الرسول في كلّ أمر وفي كلّ زمن وعلى‌كلّ المسلمين.

فليست هذه الآية خاصّة بالذين عاصروا الرسول (ص) وشاهدوه، بل إن التحكيم إلى‌ الله والرسول شرط الإيمان في كلّ زمان وعلى كلّ طائفة من المسلمين، وليس خاصّاً بزمن الرسول (ص) فكلّ مؤمن وفي كلّ عصر لا يؤمن حتى يُحكّم الرسول في كلّ أمر يختلف فيه.

وكيف يتمّ تحكيم الرسول في ما بعد وفاته (ص)؟

فلو كنّا نعيش مع الرسول (ص) في عصره وكنّا نعيش في اليمن مثلًا كيف كنّا نحكّم الرسول (ص) حيث لا تصل أيدينا إليه؟، كنّا بالطبع نحكّم من يعينه الرسول حاكماً عليناً.

وقد كان أهل اليمن يحكمون الرسول (ص) آنذاك وكان يبعث إليهم أميرالمؤمنين (ع) أو معاذ بن جبل مثلًا وكانوا بتحكيمهم لأميرالمؤمنين (ع) أو معاذ قد حكّموا الرسول (ص) وعملوا بهذه الآية المباركة.

هذا في ظرف البُعد المكاني، وكذلك‌في ظرف البُعد الزماني فلابدّ من تحكيم من عيّنه الرسول ونصبه إماماً للناس ومرجعاً يرجعون إليه بعده (ص)، فعلينا ونحن نبتعد عن رسول الله (ص) بزمن كثير أن نحكِّم رسول الله في كلّ ما يعرض لنا من أمر، وذلك بأن نرجع إلى‌ من أمرنا الرسول (ص) بالرجوع إليه ونصبه وليّاً علينا وإماماً بين المسلمين، ويكون رجوعنا إليه وتحكيمنا له رجوعاً إلى‌ رسول الله وتحكيماً له (ص).[٤٨]

8. آيات الإيتاء

وهي الآيات التي وردت بصيغة الإيتاء، مثل قوله تعالى:

﴿وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ[٤٩].

وأمثال هذه الآية كثيرة كقوله تعالى:

﴿قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ[٥٠].

وقوله تعالى:

﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا[٥١].

وكلمة «الإيتاء» في اللغة لا تستعمل إلّا عندما يكون المؤتي‌ مالكاً للشي‌ء، وكلّ آيات الإيتاء تدلّ على اختصاص الملك بالله سبحانه وأنه هو الذي يؤتيه من يشاء وليس لغيره أن ينال من هذا المُلك إلّا بإيتاء الله سبحانه ذلك إيّاه، وهذا ما يدلّ عليه نفس التعبير بالإيتاء بعد حصر الملك في الله سبحانه وتعالى كما في قوله سبحانه: «قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ».

ثمّ إنّ الآيات التي تعرّضنا للبحث عنها إنّما هي بعض ما يدلّ على تعيين الإمام بالنصّ الإلهي وهناك آيات كثيرة أُخرى لم نتعرّض لها طلباً للاختصار.

ثمّ إنّ كثيراً من هذه الآيات كقوله: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ[٥٢].

وكذلك قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ[٥٣].

تدلّ على أنّ الإمامة بعد رسول الله كانت قد تعيّنت في زمن الرسول نفسه، وأن المؤمنين كُلِّفوا وأُمِروا بطاعة هذا الإمام الذي عيّنه الرسول (ص)، وكان واجباً فعليّاً حتى في زمن الرسول نفسه أن يرجع المؤمنون إلى‌ هذا الإمام عند غياب رسول الله (ص) وأن‌ رجوعهم إلى‌ الإمام المنصوب المعيّن من قِبل الله ورسوله كان رجوعاً إلى‌ الله ورسوله، وهذا هو التشيّع فليس معنى التشّيع إلّا الرجوع إلى‌ الله ورسوله ثم الأئمة الذين عيّنهم الله ورسوله مرجعاً للأُمّة بعد رسول الله، وهذا هو الذي أمر به الله ورسوله، فالتشيّع في واقعه هو الطاعة الكاملة للقيادة الربّانية المتمثلة في رسول الله وخلفائه المعصومين، وهذا هو الإسلام بعينه، فليس التشيّع شيئاً غير الإسلام المحض والاتّباع الكامل لرسول الله (ص)، كما أنّ التشيّع لم يكن أمراً استحدث بعد رسول الله بل التشيّع عبارة عن الإسلام والإيمان الكامل، الذي كان عليه خيار صحابة رسول الله (ص) في زمن الرسول وبعد رحيله إلى‌ الرفيق الأعلى.

وما ذكرناه من أنّ التشيّع كان حقيقة قائمة في زمن رسول الله متمثلًا في‌خيار صحابة الرسول (ص) نجده واضحاً في كثير من آيات الكتاب العزيز كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ[٥٤].

وهذه الآية تدل على واقع في زمن الرسول (ص). إذ تدل على أنه كان في زمان الرسول (ص) مؤمن أو مؤمنون قد أمر الله بالرجوع‌ إليهم بعد رسول الله (ص) وأنّ أُناساً من المؤمنين كانوا فعلًا يرجعون بعد رسول الله إلى‌ هؤلاء الذين أمر الله بالرجوع إليهم وقد كان هؤلاء الذين عبّر الله عنهم ب «أُولِي الْأَمْرِ» مرجعاً للمسلمين بعد رسول الله في عصر الرسول نفسه، وهذا مانجده بوضوح في الآية التي ذكرناها: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ[٥٥].

إذن فأُولوا الأمر كانوا أشخاصاً معينين معلومين في عصر الرسول أمر الله عباده المؤمنين بردّ الأمر إليهم ووصفهم بأنهم يعلمون ذاك الأمر وهذا ما أكّدته آيات أُخرى‌ من الكتاب العزيز كقوله تعالى:

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ[٥٦].

والخطاب في الآية موجّه لعامّة المؤمنين، ولا تخاطب الآية المنافقين والكافرين أو المشركين، فالآيه تقول لا تُتركون أنتم‌ المؤمنون، فانتم تفتنون وتُختبرون حتى يُعرف الذي هو في خطّ الله وفي خطّ الرسول وخطّ المؤمنين، وهم الذين أمر الله سائر المؤمنين باتّباعهم والسير على نهجهم، فليس المُبتلى‌ والمُبتلى‌ به شي‌ء واحد، فالمُبتلى‌ هم عامّة المؤمنون والمُبتلى‌ به أو الباب الذي بسلوكه يُختبر المؤمنون هو شي‌ء خاصّ وأُناس مخصوصون من بين المؤمنين، والوليجة هي المدخل والطريق الذي يُسلك، والآية تقول نمتحنكم ونفتنكم ونختبركم حتى يُعرف مَن الذي يبقى في خطّ الله وخطّ الرسول (ص) وفي خطّ المؤمنين، وهؤلاء المؤمنون المقصودون هنا هم نفس المؤمنين الذين قال تعالى عنهم في الآية:

﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ* وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ[٥٧].

ويبدو أنّ هناك إصراراً من القرآن الكريم على أن لا يُذكر الاسم، بل ينصّ نصّاً يدلّ على الإمام بعد الرسول بالكناية والإشارة، وحكمة ذلك معلومة واضحة ويدلّ عليه الواقع الذي مرّت به الأُمّة الإسلامية بعد عصر الرسول (ص)، وخاصّة في زمن‌ الحكم الأُموي والعبّاسي، فلو كان القرآن قد صرّح باسم عليّ (ع) وأسماء الأئمة من بعده لمُزّق القرآن تمزيقاً في‌حياة الرسول نفسه، كما أنّ العترة التي أوصى بها مزقت تمزيقاً بعد حياته، أليس الحسين (ع) من ذريّة الرسول (ص) الذين أوصى‌ بهم القرآن الكريم:

﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَ[٥٨]؟

أليس التاريخ القطعي وخاصّة في القرنين الأوّل والثاني بعد الرسول يحدّثنا عن القتل الذريع لذريّة النبيّ؟ أليس هؤلاء هم القربى‌ الذين مُزِّقوا وقُطِعوا إرباً؟

ولو كان القرآن قد ذكر اسم عليّ (ع) صراحة لمُزِّق القرآن ولم يبقَ منه أثر أبداً، فحكمة الحفظ كما قال سبحانه:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[٥٩]. دعت إلى‌ أن يدلّ القرآن على الحقّ وعلى الإمام بالطريقة التي تحول دون تحريف القرآن والمسّ بكرامته، فمَن أراد الحقّ في الإمامة ورجع إلى‌ القرآن لوجد الحقّ واضحاً لا لَبس فيه بين آيات القرآن والسنّة الثابتة عن رسول الله فيتّبعه، ولم يدع الله‌ سبحانه ذريعة بيد الانتهازيين والمعاندين والمغرضين لينالوا من كرامة القرآن، فحافظ الله على سلامة القرآن من جهة، ودلّ على الحقيقة من جهة أُخرى‌، وهذا هو السبب في ما نجده في القرآن من استعمال أُسلوب الكناية في التدليل على الإمام من بعد رسول الله (ص).

ومن الآيات التي تدلّ على تعيين الإمام الذي يلي أمر المسلمين بعد الرسول في زمن الرسول نفسه قوله تعالى:

﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ[٦٠].

فقد أجمع المسلمون على نزول هذه الآية في الإمام أميرالمؤمنين عليّ بن أبي‌طالب (صلوات الله عليه) عندما تصدّق بخاتمه على مسكين وهو راكع في الصلاة[٦١]. وهي تدلّ على أن أميرالمؤمنين (ع) كان إماماً واجب الطاعة في زمن الرسول (ص) فإنّ قوله تعالى: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ» يدلّ على أنّ هذه الولاية ثابتة لهؤلاء في‌عصر نزول الآية، وبهذا تكون الآية دالّة على تعيين أميرالمؤمنين للإمامة في عصر الرسول (ص)، كما أنها تفسّر سائر الآيات التي أشرنا إليها سابقاً والتي تدلّ على وجود مرجع للمسلمين بعد رسول الله، أمر الله المؤمنين بالرجوع إليه، وجعل اتّباعه واجباً على عامّة المسلمين وجعل ذلك ميزاناً يختبر به إيمان المؤمنين.

ومن الآيات الدالّة على وجوب الرجوع إلى‌ الإمام عليّ (ع) في زمن الرسول (ص) قوله تعالى:

﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ[٦٢].

تدلّ هذه الآية على وجوب طاعة أُولي الأمر إلى‌ جانب طاعة الله والرسول ثم أنّ التعبير ب «مِنْكُمْ» تصريح بأنّ أُولي الأمر متمثّل في شخصيّة حيّة قائمة بالفعل تجب طاعته.

وهذه الآية تنفي نظرية الاختيار بصراحة لأنها تدل على وجوب طاعة وليّ الأمر في زمن الرسول (ص). ممّا يعني أن وجود وليّ الأمر وتعيينه كان قد فرغ منه آنذاك، ولم يترك شاغراً ليصل الدور إلى‌ اختيار الناس. ثمّ إنّ التأكيد القرآني على الرجوع إلى‌ أُولي الأمر عند التنازع يدلّ بنفسه على أنّ الله لم يهمل أمراً يمكن‌ أن يتنازع فيه المسلمون من دون أن يعيّن لهم مرجعاً فاصلًا يرجعون إليه فيه، فلا يعقل ترك أمر الإمامة- وهو من أهم ما يُتنازع فيه، وقد حصل التنازع فيه بين المسلمين فعلًا بأشد أنواعه- من دون أن يُفصل فيه، ولا يتصوّر أن يُترك باب النزاع بين المسلمين في أمر الإمامة مفتوحاً على مصراعيه.

ثم إنّ هناك آيات تدل على أنّ الإمام المنصوب من قبل الله سبحانه ليس إلّا معصوماً من الذنوب كقوله تعالى:

﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ[٦٣].

والظلم هو المعصية والخروج عن طاعة الله كما قال سبحانه:

﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ[٦٤].

فالآية تدلّ على أنّ الظالم الذي يعصي لا يستحقّ الإمامة فالظالم الواقعي وإن كان لا يعرف الناس ظلمه لا يكون إماماً «قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» أي‌لا ينال عهدي من يكون ظالماً في واقع الأمر حتى وإنْ كان الناس لا يعرفون ظلمه بأن استطاع أن يخفي ظلمه عن الناس كالمنافق الذي لا يعرف ظلمه وهذا ما لم‌ يمكن معرفته إلّا بدلالة من الله سبحانه وتعالى.

ومن الآيات التي تدل على أن الإمام لابدّ أن يكون معصوماً قوله تعالى:

﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ[٦٥].

فکلّ من يحتاج إلى‌ هداية غيره فلا يحقّ للناس أن يتّبعوه، بل الحقيق بالاتّباع هو الذي يهدي ولا يحتاج إلى‌ أن يهتدي بغيره ولاشك أنّ غير المعصوم يحتاج لكي يهتدي بغيره فلا يكون جديراً بالاتّباع والإقتداء.

وإذا ثبت وجوب أن يكون الإمام معصوماً، يثبت وجوب أن يعينه الله سبحانه وتعالى‌ لأنّه هو الذي يعرف سرائر الناس ويعرف الظالم عن غيره، ومن هو مهتدٍ في جميع أحواله ولا يحتاج إلى‌ هداية غيره عمّن لا يهتدي إلّا أن يُهدى.[٦٦]

المراجع والمصادر

  1. محسن الأراکي، نظرية النص على الإمامة في القرآن الكريم

الهوامش

  1. محسن الأراکي، نظرية النص على الإمامة في القرآن الكريم، ص59-60.
  2. سورة الرعد، الآية 31.
  3. سورة الأعراف، الآية 54.
  4. سورة الفاتحة، الآية 5.
  5. سورة الأعراف، الآية 54.
  6. سورة الأعراف، الآية 54.
  7. محسن الأراکي، نظرية النص على الإمامة في القرآن الكريم، ص61-62.
  8. سورة الأنعام، الآية 62.
  9. سورة الأنعام، الآية 57.
  10. سورة الكهف، الآية 26.
  11. محسن الأراکي، نظرية النص على الإمامة في القرآن الكريم (كتاب)|نظرية النص على الإمامة في القرآن الكريم، ص62-63.
  12. سورة آل عمران، الآية 26.
  13. سورة آل عمران، الآية 26.
  14. سورة آل عمران، الآية 26.
  15. سورة البقرة، الآية 247.
  16. سورة البقرة، الآية 247.
  17. سورة البقرة، الآية 247.
  18. سورة البقرة، الآية 247.
  19. سورة البقرة، الآية 247.
  20. سورة البقرة، الآية 107.
  21. سورة الإسراء، الآية 111.
  22. سورة الملك، الآية 1.
  23. سورة طه، الآية 114.
  24. سورة الناس، الآية 1-2.
  25. محسن الأراکي، نظرية النص على الإمامة في القرآن الكريم، ص63-68.
  26. سورة الكهف، الآية 26.
  27. سورة الشورى، الآية 9.
  28. سورة المائدة، الآية 55-56.
  29. سورة الأنعام، الآية 62.
  30. محسن الأراکي، نظرية النص على الإمامة في القرآن الكريم (كتاب)|نظرية النص على الإمامة في القرآن الكريم، ص68-69.
  31. سورة النساء، الآية 59.
  32. سورة النساء، الآية 80.
  33. سورة النساء، الآية 59.
  34. سورة النجم، الآية 32.
  35. سورة النساء، الآية 49.
  36. سورة النساء، الآية 83.
  37. سورة النساء، الآية 59.
  38. محسن الأراکي، نظرية النص على الإمامة في القرآن الكريم، ص70-72.
  39. سورة القصص، الآية 68-70.
  40. سورة القصص، الآية 68-70.
  41. سورة الشورى، الآية 38.
  42. سورة آل عمران، الآية 159.
  43. سورة الشورى، الآية 38.
  44. سورة الشورى، الآية 38.
  45. سورة آل عمران، الآية 159.
  46. محسن الأراکي، نظرية النص على الإمامة في القرآن الكريم، ص73-77.
  47. سورة النساء، الآية 65.
  48. محسن الأراکي، نظرية النص على الإمامة في القرآن الكريم، ص77-79.
  49. سورة البقرة، الآية 247.
  50. سورة آل عمران، الآية 26.
  51. سورة النساء، الآية 54.
  52. سورة النساء، الآية 83.
  53. سورة النساء، الآية 59.
  54. سورة النساء، الآية 83.
  55. سورة النساء، الآية 83.
  56. سورة التوبة، الآية 16.
  57. سورة المائدة، الآية 55-56.
  58. سورة الشورى، الآية 23.
  59. سورة الحجر، الآية 9.
  60. سورة المائدة، الآية 55.
  61. - راجع كتب التفسير من العامّة والخاصّة، تجد أنّ الروايات متواترة في نزولها في‌عليّ (ع)، راجع على سبيل المثال: تفسير الطبري: 6/ 186، وأسباب النزول للواحدي: 123- 134، وشواهد التنزيل: 1/ 161- 164، والسيوطي في تفسيره: 2/ 293، ولباب العقول في أسباب النزول: 90.
  62. سورة النساء، الآية 59.
  63. سورة البقرة، الآية 124.
  64. سورة الطلاق، الآية 1.
  65. سورة يونس، الآية 35.
  66. محسن الأراکي، نظرية النص على الإمامة في القرآن الكريم، ص79-88.