جندب بن عبد الله الأزدي

نبذة

جندب بن عبد الله الأزدي من تلامذة الإمام الذين أرتووا من رصيد فكري هائل، وضمت جوانحهم على أسرار الحياة، وقيم الآخرة.

كان يسعى أبداً إلى محاضرات الإمام يأخذ منها ما يكشف معها حقائق الحياة، وحقائق ماوراء الطبيعة، وتزوده في مسيرة الدنيا بزاد صالح، وهو قبل هذا قد صحب رسول الله(ص)، وانتهل من مدرسة الإسلام.

وليس ابن عبد الله من كبار العلماء والفقهاء فحسب بل هو من إبطال الحروب والمعارك، حضر مع الإمام في رؤية واضحة مضيئة المعارك الثلاثة التي خاضها الإمام ضد الناكثين والقاسطين والمارقين، وتزود ابن عبد الله من هذه المعارك بتجارب كانت له في دروب حياته الطويلة النور الذي يستضئ به، ويفتح أمامه الأجواء تلو الأجواء.

خاض ابن عبد الله غمار معركة الجمل هو وثلة من بني عمومته الذين ساروا في ضوء الإمام، وأدركوا حقيقة الإيمان.

كانت الشمس في الأصيل، والحرب على قدم وساق، وكان رجل من أنصار الجمل ممن نفخ الشيطان فيه النخوة قد أخذ بخطام الجمل ينافح عنه في حمية وهياج، فلا يتقدم نحو الجمل مقاتل الا وارداه مضرجا بدمه، وقد أثارت فيه هذه الظاهرة شجاعة، فحسب أنه لا يضارعه أحد في استماتته، ولكن كان هناك في معسكر الإمام كمي من الأزد يقال له: الحارث بن زهير الأزدي يرى صنيع الرجل الجملي بأصحابه وأودائه الأمر الذي سارع ولبس سلاحه، وتقدم في رزانة وتؤدة، تقدم حتى بلغ إلى الرجل وهو في حومة الحماس، وغمرة الغضب، وهنا أخذ الحارث الأزدي ينشد في صوت تسمعه صاحبة الهودج، وسمعه الجنود الذين كانوا يحذرون التقدم نحو الجمل ذعرا من سيف الرجل الجملي، وكانوا يترقبون من يتحداه في سطوته ونخوته، تقدم الحارث الأزدي وهو ينشد في صدق، وقد سرت فيه بوادر غضبة عارمة، وهو يرى الام يقتل حولها الأبناء، ولا ترفع راية السلام:

يا أمنا أعق أم نعلموالأم تغذو ولدها وترحم
اما ترين كم شجاع يكلموتختلى هامته والمعصم


ثم اندفع نحو الرجل الجملي، وهو يسطو بسيفه، فأختلف هو والجملي ضربتين، فكلاهما أثخن صاحبه.

كان صاحب الترجمة ابن عبد الله الأزدي في زحام الجنود يرمق ابن عمه الحارث الأزدي البطل المغوار في إعجاب، قد أعجبه إنشاده الشعر الذي كان له ذات أثر كبير في نفس صاحبة الهودج، واعجبه مغامرته في القضاء على الرجل الجملي، وإن استشهد هو نفسه أيضا فداء لمبادئ الإمام.

أسرع ابن عبد الله نحو ابن عمه الشهيد ينظر إليه عن كثب، فوقف عليه وعلى غريمه الصريع، وهما يفحصان بأرجلهما إلى أن فاضت روحهما: روح فاضت في سبيل مبادئ الإمام، ونفس فاضت في سبيل أحفاد الجمل.

ثم مضت على معركة الجمل السنين والأعوام، وتغيرت الأجواء في عالم السياسة والعلم، وشاهدت صاحبة الهودج مسيرة الحياة العرجاء بعد استشهاد الإمام.

في ثنايا هذه الأعوام سافر ابن عبد الله الأزدي حاجا من بلده الكوفة، وهناك وفي المدينة زار ضريح رسول الله(ص)، وناجاه طويلا، واستعرض شريط الحياة السياسية والاجتماعية، وطلب المعونة الغيبية لتصحيح الأوضاع.

ثم ان ابن عبد الله ارتاد منزل صاحبة الهودج وهو قريب المزار، فجرى بينه وبينها هذا الحوار المشحون بالذكريات والحقائق، فتتساءل: من أنت؟ ابن عبد الله في حياء العذراء يجيب: رجل من أهل الكوفة! قالت وقد أثارت اسم البلد شجونها، وذكرياتها: هل شهدتنا يوم البصرة؟ ابن عبد الله في تؤدة يهتف: نعم. قالت: مع أي الفريقين؟ ابن عبد الله مزهوا، وقد انسابت في ذاكرته الذكريات: مع علي(ع).

فما إن سمعت فريق ابن عبد الله حتى تذكرت نشيد ذلك الرجل الذي صدمها بالحقيقة، وهذه الحقيقة أخذت تتكشف لها على مر الأيام والأعوام، ومن خلال معاناة الحياة السياسية والاجتماعية.

قالت في لهفة: هل سمعت مقالة الذي قال: يا أمنا أعق أم نعلم.

ابن عبد الله تراءى له صورة ابن عمه المنشد والمستشهد الأمر الذي قال في نبرة معبرة عن لواعج أشجانه: نعم وأعرفه. قالت: ومن هو؟ ابن عبد الله: ابن عم لي. اذن المنشد الشهيد هو من اقرباء ابن عبد الله تربطه به وشائج النسب مما راحت تتزيده عن ذلك الرجل الشهيد الذي غاب عنها مصرعه: وما فعل؟ ابن عبد الله: قتل عند الجمل، وقتل قاتله.

وهنا لم تعد تستطيع كبح معاناتها النفسية من ذكرياتها تلك التي أشاع في نفسها الأسى والألم، فاطلقت لشجونها إن تستهل بدموع حارة ناشجة، بكت ما شاء لها إن تبكي، وعبد الله يسمع صوت البكاء الذي لا يكاد يهدء.

قال ابن عبد الله: فبكت حتى ظننت والله إنها لا تسكت، إنها بكت أسى ولوعة. إن مقتل المؤمن ليس بالشيء الهين، فكيف لو كان العشرات بل المئات، هذه الأرواح الطاهرة تتماثل أبدا في ذهنها في يقظتها، وفي منامها، في صحوها، وفي غمرتها، وحتى في لحظات العمل البيتي المطبخي أو لحظات الطعام، وخاصة لحظات الصلاة، فإن وخز الضمير يدوي كدوي الطبول المعلنة لحرب شعواء. إنه الدم الذي لا يكاد يسكت حتى يثأر، وإنه الضمير الذي لا يني يخز مهما كانت مكانة الإنسان الاجتماعية، وقد عبرت عن هذه المداليل بقولها وهي تمسح شجونها ودموعها: لوددت والله أنني كنت مت قبل ذلك بعشرين سنة.

صفين: ثم ان ابن عبد الله شهد بعد معركة الجمل معركة صفين، وخاض عبابها[١].

النهروان: ثم ان ابن عبد الله لهيامه بالإمام وقد عرفه فذا في شخصيته، معلماً مخلصاً لرعيته وتلامذته سواء كان يقضي حياة الدعة والسلام أم يسير إلى معركة ضارية، ويخوضها في معمعانها، انه لا يترك التعليم في لحظة من لحظات حياته، وكلما سنحت له الفرصة فإنه يهدي الكلمة القيمة المضيئة. سار ابن عبد الله في ركب الإمام إلى معركة النهروان، ولما ان اقترب الإمام في جحفله إلى معسكر أصحاب النهروان وإذا بابن عبد الله راعه تهجد الخوارج، وانكبابهم على القرآن يتلونه حتى اصبح معسكرهم خلية كخلايا النحل له دوي كدويه، ولمح جباه الخوارج فإذا جباه الكثير منهم عليها طابع السجود المستمر، ورأى ملابسهم «البرانس».

إن ابن عبد الله رأى كل هذا فشعر في نفسه شعوراً غامضاً، كيف يستطيع إن يقاتل قارئ القرآن وأصحاب البرانس، ولكن ابن عبد الله كان فقيها يسبر أغوار النفس قبل أن يلمح مظاهر الجباه، مظاهر الألسن التي تقرأ آي القرآن الحكيم، مظاهر الأزياء، إنه وثق بالإمام وأمامته، وثق بالماء فلم يعطش، ولم تزلقه هذه المظاهر المغرية بالصلاح الأمر الذي سرعان ما لبس عدة الحرب، وأخذ الرمح بيده، ووثب على فرسه، وسار مع الإمام لخوض معركة تكاد أن تقع بين ساعة وأخرى، سار مع الإمام في موكبه حتى إذا لمح الإمام رابية هتف بابن عبد الله، وهو يرمقه: ترى تلك الرابية فقال ابن عبد الله، وشعر أن الإمام يحاول أن يفصح عن أحد أسرار المعركة ضد القراء، وأصحاب البرانس. قال: نعم يا أمير المؤمنين. فقال: فإن رسول الله(ص) أخبرني انهم يقتلون عندها[٢].[٣]

من روايات جندب بن عبد الله الأزدي

  1. قال أبو مخنف: حدثني إسماعيل بن يزيد، عن حميد بن مسلم، عن جندب بن عبد الله إن علياً قال للناس يوم صفين: قالب:متن حديث.
  2. عن جندب بن عبد الله الازدي: إن علياً استنفرهم أياما فلم ينفروا، فقام في الناس فقال: «أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنِّي قَدِ اِسْتَنْفَرْتُكُمْ فَلَمْ تَنْفِرُوا وَ نَصَحْتُ لَكُمْ فَلَمْ تَقْبَلُوا - فَأَنْتُمْ شُهُودٌ كَأَغْيَابٍ [كَغُيَّابٍ]وَ صُمٌّ ذَوُو أَسْمَاعٍ أَتْلُو عَلَيْكُمُ اَلْحِكْمَةَ وَ أَعِظُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ اَلْحَسَنَةِ وَ أَحُثُّكُمْ عَلَى جِهَادِ عَدُوِّكُمُ اَلْبَاغِينَ فَمَا آتِي عَلَى آخِرِ مَنْطِقِي حَتَّى أَرَاكُمْ مُتَفَرِّقِينَ أَيَادِيَ سَبَا فَإِذَا أَنَا كَفَفْتُ عَنْكُمْ عُدْتُمْ إِلَى مَجَالِسِكُمْ حَلَقاً عِزِينَ تَضْرِبُونَ اَلْأَمْثَالَ وَ تَتَنَاشَدُونَ اَلْأَشْعَارَ وَ تَسْأَلُونَ عَنِ اَلْأَخْبَارِ قَدْ نَسِيتُمُ اَلاِسْتِعْدَادَ لِلْحَرْبِ وَ شَغَلْتُمْ قُلُوبَكُمْ بِالْأَبَاطِيلِ تَرِبَتْ أَيْدِيكُمْ اُغْزُوا اَلْقَوْمَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَغْزُوكُمْ فَوَ اَللَّهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دِيَارِهِمْ إِلاَّ ذَلُّوا - وَ اَيْمُ اَللَّهِ مَا أَرَاكُمْ تَفْعَلُونَ حَتَّى يَفْعَلُوا وَ لَوَدِدْتُ أَنِّي لَقِيتُهُمْ عَلَى نِيَّتِي وَ بَصِيرَتِي فَاسْتَرَحْتُ مِنْ مُقَاسَاتِكُمْ فَمَا أَنْتُمْ إِلاَّ كَإِبِلٍ جَمَّةٍ ضَلَّتْ رَاعِيَهَا فَكُلَّمَا ضُمَّتْ مِنْ جَانِبٍ اِنْتَشَرَتْ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ وَ اَللَّهِ لَكَأَنِّي بِكُمْ لَوْ حَمِسَ اَلْوَغَى - وَ أَحَمَّ اَلْبَأْسُ قَدِ اِنْفَرَجْتُمْ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ اِنْفِرَاجَ اَلرَّأْسِ وَ اِنْفِرَاجَ اَلْمَرْأَةِ عَنْ قُبُلِهَا- فَقَامَ إِلَيْهِ اَلْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ اَلْكِنْدِيُّ فَقَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ فَهَلاَّ فَعَلْتَ كَمَا فَعَلَ اِبْنُ عَفَّانَ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لَهُ يَا عُرْفَ اَلنَّارِ وَيْلَكَ إِنَّ فِعْلَ اِبْنِ عَفَّانَ لَمَخْزَاةٌ عَلَى مَنْ لاَ دِينَ لَهُ وَ لاَ حُجَّةَ مَعَهُ فَكَيْفَ وَ أَنَا عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ اَلْحَقُّ فِي يَدِي وَ اَللَّهِ إِنَّ اِمْرَأً يُمَكِّنُ عَدُوَّهُ مِنْ نَفْسِهِ يَخْذَعُ لَحْمَهُ وَ يَهْشِمُ عَظْمَهُ وَ يَفْرِي جِلْدَهُ وَ يَسْفِكُ دَمَهُ لَضَعِيفٌ مَا ضُمَّتْ عَلَيْهِ جَوَانِحُ صَدْرِهِ أَنْتَ فَكُنْ كَذَلِكَ إِنْ أَحْبَبْتَ فَأَمَّا أَنَا فَدُونَ أَنْ أُعْطِيَ ذَلِكَ ضَرْبٌ بِالْمَشْرَفِيِّ يَطِيرُ مِنْهُ فَرَاشُ اَلْهَامِ وَ تَطِيحُ مِنْهُ اَلْأَكُفُّ وَ اَلْمَعَاصِمُ- وَ يَفْعَلُ اَللّٰهُ بَعْدُ مٰا يَشٰاءُ»[٤].
  3. قال جندب بن عبد الله الأزدي (وفي بعض الروايات: الوائلي) كان علي(ع) يقول: «أَمَا إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ثَلاَثاً: ذُلاًّ شَامِلاً، وَ سَيْفاً قَاتِلاً، وَ أَثَرَةً يَتَّخِذُهَا اَلظَّالِمُونَ عَلَيْكُمْ سُنَّةً، فَسَتَذْكُرُونِي عِنْدَ تِلْكَ اَلْحَالاَتِ فَتَمَنَّوْنَ لَوْ رَأَيْتُمُونِي وَ نَصَرْتُمُونِي وَ أَهْرَقْتُمْ دِمَاءَكُمْ دُونَ دَمِي فَلاَ يُبَعِّدُ اَللَّهُ إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ. وَ كَانَ جُنْدَبٌ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا رَأَى شَيْئاً مِمَّا يَكْرَهُهُ قَالَ: لاَ يُبَعِّدُ اَللَّهُ إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ». وكان جندب بعد ذلك إذا رأى شيئا يكرهه قال: لا يبعد الله الا من ظلم[٥].
  4. قال الطوسي: وروى أبو مخنف، عن عبد الرحمن بن جندب، عن أبيه: إنّ عليّاً خطب يوم الأضحى فكبر وقال: ...[٦].

وقال الصدوق: وكان علي(ع) يبدأ بالتكبير إذا صلى الظهر من يوم النحر، وكان يقطع التكبير آخر أيام التشريق عند الغداة، وكان يكبر في دبر كل صلاة فيقول: «اَللَّهُ أَكْبَرُ اَللَّهُ أَكْبَرُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ وَ اَللَّهُ أَكْبَرُ اَللَّهُ أَكْبَرُ وَ لِلَّهِ اَلْحَمْدُ»، فإذا انتهى إلى المصلى تقدم فصلى بالناس بغير أذان ولا إقامة، فإذا فرغ من الصلاة صعد المنبر ثم بدأ فقال: «اَللَّهُ أَكْبَرُ اَللَّهُ أَكْبَرُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ وَ اَللَّهُ أَكْبَرُ اَللَّهُ أَكْبَرُ وَ لِلَّهِ اَلْحَمْدُ فَإِذَا اِنْتَهَى إِلَى اَلْمُصَلَّى تَقَدَّمَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَ لاَ إِقَامَةٍ فَإِذَا فَرَغَ مِنَ اَلصَّلاَةِ صَعِدَ اَلْمِنْبَرَ ثُمَّ بَدَأَ فَقَالَ: اَللَّهُ أَكْبَرُ اَللَّهُ أَكْبَرُ اَللَّهُ أَكْبَرُ زِنَةَ عَرْشِهِ وَ رِضَا نَفْسِهِ وَ عَدَدَ قَطْرِ سَمَائِهِ وَ بِحَارِهِ ﴿لَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى[٧] وَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ حَتَّى يَرْضَى ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ[٨] اَللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيراً مُتَكَبِّراً وَ إِلَهاً مُتَعَزِّزاً وَ رَحِيماً مُتَحَنِّناً يَعْفُو بَعْدَ اَلْقُدْرَةِ وَ لاَ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴿إِلَّا الضَّالُّونَ[٩] اَللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيراً وَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ كَثِيراً وَ سُبْحَانَ اَللَّهِ حَنَّاناً قَدِيراً وَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَ نَسْتَعِينُهُ وَ نَسْتَغْفِرُهُ وَ نَسْتَهْدِيهِ وَ نَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ ﴿مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ[١٠] اِهْتَدَى وَ ﴿فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا[١١] وَ مَنْ يَعْصِ اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا[١٢] وَ ﴿خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا[١٣] أُوصِيكُمْ عِبَادَ اَللَّهِ بِتَقْوَى اَللَّهِ وَ كَثْرَةِ ذِكْرِ اَلْمَوْتِ وَ اَلزُّهْدِ فِي اَلدُّنْيَا اَلَّتِي لَمْ يَتَمَتَّعْ بِهَا مَنْ كَانَ فِيهَا قَبْلَكُمْ وَ لَنْ تَبْقَى لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِكُمْ وَ سَبِيلُكُمْ فِيهَا سَبِيلُ اَلْمَاضِينَ أَ لاَ تَرَوْنَ أَنَّهَا قَدْ تَصَرَّمَتْ وَ آذَنَتْ بِانْقِضَاءٍ وَ تَنَكَّرَ مَعْرُوفُهَا وَ أَدْبَرَتْ حَذَّاءَ فَهِيَ تُخْبِرُ بِالْفَنَاءِ وَ سَاكِنُهَا يُحْدَى بِالْمَوْتِ فَقَدْ أَمَرَّ مِنْهَا مَا كَانَ حُلْواً وَ كَدِرَ مِنْهَا مَا كَانَ صَفْواً فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلاَّ سَمَلَةٌ كَسَمَلَةِ اَلْإِدَاوَةِ وَ جُرْعَةٌ كَجُرْعَةِ اَلْإِنَاءِ يَتَمَزَّزُهَا اَلصَّدْيَانُ لَمْ تَنْفَعْ غُلَّتَهُ فَأَزْمِعُوا عِبَادَ اَللَّهِ بِالرَّحِيلِ مِنْ هَذِهِ اَلدَّارِ اَلْمَقْدُورِ عَلَى أَهْلِهَا اَلزَّوَالُ اَلْمَمْنُوعِ أَهْلُهَا مِنَ اَلْحَيَاةِ اَلْمُذَلَّلَةِ أَنْفُسُهُمْ بِالْمَوْتِ فَلاَ حَيٌّ يَطْمَعُ فِي اَلْبَقَاءِ وَ لاَ نَفْسٌ إِلاَّ مُذْعِنَةٌ بِالْمَنُونِ فَلاَ يَغْلِبَنَّكُمُ اَلْأَمَلُ وَ لاَ يَطُلْ عَلَيْكُمُ اَلْأَمَدُ وَ لاَ تَغْتَرُّوا فِيهَا بِالْآمَالِ وَ تَعْبُدُوا اَللَّهَ أَيَّامَ اَلْحَيَاةِ فَوَ اَللَّهِ لَوْ حَنَنْتُمْ حَنِينَ اَلْوَالِهِ اَلْعَجْلاَنِ وَ دَعَوْتُمْ بِمِثْلِ دُعَاءِ اَلْأَنَامِ وَ جَأَرْتُمْ جُؤَارَ مُتَبَتِّلِ اَلرُّهْبَانِ وَ خَرَجْتُمْ إِلَى اَللَّهِ مِنَ اَلْأَمْوَالِ وَ اَلْأَوْلاَدِ اِلْتِمَاسَ اَلْقُرْبَةِ إِلَيْهِ فِي اِرْتِفَاعِ دَرَجَةٍ عِنْدَهُ أَوْ غُفْرَانِ سَيِّئَةٍ أَحْصَتْهَا كَتَبَتُهُ وَ حَفِظَتْهَا رُسُلُهُ لَكَانَ قَلِيلاً فِيمَا أَرْجُو لَكُمْ مِنْ ثَوَابِهِ وَ أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ مِنْ أَلِيمِ عِقَابِهِ وَ بِاللَّهِ لَوِ اِنْمَاثَتْ قُلُوبُكُمُ اِنْمِيَاثاً وَ سَالَتْ عُيُونُكُمْ مِنْ رَغْبَةٍ إِلَيْهِ وَ رَهْبَةٍ مِنْهُ دَماً ثُمَّ عُمِّرْتُمْ فِي اَلدُّنْيَا مَا كَانَتِ اَلدُّنْيَا بَاقِيَةً مَا جَزَتْ أَعْمَالُكُمْ وَ لَوْ لَمْ تُبْقُوا شَيْئاً مِنْ جُهْدِكُمْ لِنِعَمِهِ اَلْعِظَامِ عَلَيْكُمْ وَ هُدَاهُ إِيَّاكُمْ إِلَى اَلْإِيمَانِ مَا كُنْتُمْ لِتَسْتَحِقُّوا أَبَدَ اَلدَّهْرِ مَا اَلدَّهْرُ قَائِمٌ بِأَعْمَالِكُمْ جَنَّتَهُ وَ لاَ رَحْمَتَهُ وَ لَكِنْ بِرَحْمَتِهِ تُرْحَمُونَ وَ بِهُدَاهُ تَهْتَدُونَ وَ بِهِمَا إِلَى جَنَّتِهِ تَصِيرُونَ جَعَلَنَا اَللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ مِنَ اَلتَّائِبِينَ اَلْعَابِدِينَ وَ إِنَّ هَذَا يَوْمٌ حُرْمَتُهُ عَظِيمَةٌ وَ بَرَكَتُهُ مَأْمُولَةٌ وَ اَلْمَغْفِرَةُ فِيهِ مَرْجُوَّةٌ فَأَكْثِرُوا ذِكْرَ اَللَّهِ تَعَالَى وَ اِسْتَغْفِرُوهُ وَ تُوبُوا إِلَيْهِ ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ[١٤] وَ مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ بِجَذَعٍ مِنَ اَلْمَعْزِ فَإِنَّهُ لاَ يُجْزِي عَنْهُ وَ اَلْجَذَعُ مِنَ اَلضَّأْنِ يُجْزِي وَ مِنْ تَمَامِ اَلْأُضْحِيَّةِ اِسْتِشْرَافُ عَيْنِهَا وَ أُذُنِهَا وَ إِذَا سَلِمَتِ اَلْعَيْنُ وَ اَلْأُذُنُ تَمَّتِ اَلْأُضْحِيَّةُ وَ إِنْ كَانَتْ عَضْبَاءَ اَلْقَرْنِ أَوْ تَجُرُّ بِرِجْلَيْهَا إِلَى اَلْمَنْسِكِ فَلاَ تُجْزِي وَ إِذَا ضَحَّيْتُمْ فَكُلُوا وَ أَطْعِمُوا وَ أَهْدُوا وَ اِحْمَدُوا اَللَّهَ عَلَى مَا رَزَقَكُمْ مِنْ بَهِيمَةِ اَلْأَنْعَامِ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ[١٥] وَ أَحْسِنُوا اَلْعِبَادَةَ وَ أَقِيمُوا اَلشَّهَادَةَ وَ اِرْغَبُوا فِيمَا كَتَبَ عَلَيْكُمْ وَ فَرَضَ مِنَ اَلْجِهَادِ وَ اَلْحَجِّ وَ اَلصِّيَامِ فَإِنَّ ثَوَابَ ذَلِكَ عَظِيمٌ لاَ يَنْفَدُ وَ تَرْكَهُ وَبَالٌ لاَ يَبِيدُ وَ أْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ اِنْهَوْا عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ أَخِيفُوا اَلظَّالِمَ وَ اُنْصُرُوا اَلْمَظْلُومَ وَ خُذُوا عَلَى يَدِ اَلْمُرِيبِ وَ أَحْسِنُوا إِلَى اَلنِّسَاءِ وَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَ اُصْدُقُوا اَلْحَدِيثَ وَ أَدُّوا اَلْأَمَانَةَ وَ كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْحَقِّ وَ لاَ تَغُرَّنَّكُمُ ﴿الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ[١٦] إِنَّ أَحْسَنَ اَلْحَدِيثَ ذِكْرُ اَللَّهِ وَ أَبْلَغَ مَوْعِظَةِ اَلْمُتَّقِينَ كِتَابُ اَللَّهِ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ اَلشَّيْطَانِ اَلرَّجِيمِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ[١٧]»

قال الصدوق: ويقرأ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ[١٨] إلى آخرها أو ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ[١٩] إلى آخرها أو والعصر، وكان(ع) مما يدوم عليه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ[٢٠]، فكان إذا قرأ إحدى هذه السور جلس كجلسة العجلان ثم ينهض، وهو(ع) كان أول من حفظ عليه الجلسة بين الخطبتين ثم يخطب بالخطبة التي كتبناها بعد الجمعة[٢١].

وعاش ابن عبد الله الأزدي طويلا حتى كانت سنة ٦٠، وكان يومئذ شيخا كبيرا تقعده الشيخوخة عن الرحلة أو الحرب، ولكنه كان رفيع الصيت شهيرا في المجتمع، وكان الولاة يعرفون عنه ولائه للامام، ولكنهم كانوا يتغاضون عنه طالما لم يمسهم منه أذى، وفي عهد ولاية ابن زياد على الكوفة وبعد استشهاد الإمام الحسين(ع) حاول الوالي الطاغي أن يجري محاولة قمعية وتصفوية للذين يوالون الإمام ومبادئه المضيئة، ومن هذا المنطلق دعا ابن زياد صاحب الترجمة ابن عبد الله الأزدي، ولما امتثل الشيخ الكهل لديه قال في صوت قاصف كأنه يحاول اثارة الفزع في صدر الشيخ: يا عدو الله ألست صاحب أبي تراب، فرمقه الشيخ في استهانة، وقال في صوت هادئ النبرات متحديا: «بلى لا اعتذر منه».

ولماذا يتهرب من هذه الصحبة التي أفاضت عليه السكينة، واضحت مصدر خير وبركة في نفسه وأسرته وعشيرته، وفي دنياه وأخراه.

نعم إنه صاحب الإمام أبي تراب(ع)، وانه لا يعتذر من هذه الصحية، فكأنه يريد أن يقول للطاغية في نبرته تلك: أنا صاحب الإمام فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا، وتقضي معها عروضها ومناصبها ومفاخرها ومظالمها.

فقال الطاغية وقد أثاره هذا التحدي ما أراني إلا متقربا إلى الله بدمك.

ألا ترى إلى منطق الطاغية، إنه يتقرب بمصرع الشيخ الموالي للحق، ولأهل بيت رسول الله(ص)، يتقرب إلى الله تعالى.

غريب وأيم الله أن يتقرب بدم مؤمن بالله جل جلاله إلى الله تعالى.

غريب، ولكن في منطق الطاغية والطواغيت على مدار الرسالات لا غرابة اطلاقا، وهنا لم تهن عزيمة الشيخ الفاني في تحدي هذا الطاغية الذي ضمخ قبل قليل أرض كربلاء بدم أهل بيت رسول الله، فقال: إذن لا يقربك الله بل يباعدك.

وبهذا المنطق سد على الطاغية مسالك الطرق، فقال ساخرا، شيخ قد ذهب عقله، ثم خلى سبيله [٢٢].[٢٣]

المراجع والمصادر

  1.   السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب ج٢

الهوامش

  1. يراجع: العبر للذهبي ١: ٤١.
  2. تاريخ بغداد ٧: ٢٤٩.
  3. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج٢، ص ١٨٥-١٩٠.
  4. الغارات ٢: ٤٩٣ - ٤٩٦، البحار ٨: ٦٧٤.
  5. الغارات ٢: ٤٩٢، آمالي الطوسي: ١١٣، البحار ٨: ٦٩٦.
  6. مصباح المتهجد: ٦٠٦.
  7. سورة الأعراف، الآية ١٨٠.
  8. سورة الملك، الآية ٢.
  9. سورة الحجر، الآية ٥٦.
  10. سورة الأحزاب، الآية ٧١.
  11. سورة الأحزاب، الآية ٧١.
  12. سورة النساء، الآية ١١٦.
  13. سورة النساء، الآية ١١٩.
  14. سورة البقرة، الآية ٣٧.
  15. سورة البقرة، الآية ٤٣.
  16. سورة لقمان، الآية ٣٣.
  17. سورة الإخلاص، الآية ١-٤.
  18. سورة الكافرون، الآية ١.
  19. سورة التكاثر، الآية ١.
  20. سورة الإخلاص، الآية ١.
  21. من لا يحضره الفقيه ١: ٥١٨ – ١٤٨٤، طبعة المدرسين.
  22. أعيان الشيعة ١٧: ١٣، المقتل لابن نما.
  23. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج٢، ص ١٩٠-١٩٨.