سورة البروج

من إمامةبيديا

التمهيد[١]

سورة البروج سورة مكّيّة، آياتها ٢٢ آية، نزلت بعد سورة الشمس.

هذه السورة القصيرة تعرض حقائق العقيدة، وقواعد التصور الإيماني، وتمجّد الثبات على الحقّ، وتبشّر المؤمن بنصر الدنيا ونعيم الآخرة، وتهدّد الجبّارين المعتدين بنقمة الله ولعنته في الدنيا والآخرة.

أصحاب الأخدود

الأخدود: الشق في الأرض يحفر مستطيلا، وجمعه أخاديد، وأصحاب الأخدود قوم كافرون ذوو بأس وقوة، رأوا قوما من المؤمنين فغاظهم إيمانهم، فحملوهم على الكفر فأبوا، فشقّوا لهم شقّا في الأرض وحشوه بالنار، وألقوهم فيه، وكان هؤلاء الغلاظ الأكباد على جوانب الشّقّ يشهدون الإحراق.

فقرات السورة

  1. تبدأ الفقرة الأولى بالقسم، وتربط بين السماء ويوم القيامة، وبين حادث الأخدود، ونقمة الله على أصحابه في الآيات [١- ٤].
  2. ثم تعرض الفقرة الثانية المشهد المفجع في لمحات خاطفة تظهر بشاعة الحادث، بدون تفصيل ولا تطويل، مع التلميح إلى عظمة العقيدة التي تعالت على فتنة الناس مع شدّتها، وانتصرت على النار وعلى الحياة ذاتها في الآيات [٥- ١٠].
  3. ثم يجيء التعقيب بعد ذلك بفوز المؤمنين، وبشدّة بطش الله بالمجرمين، وبقدرته وهيمنته على الكون، ثمّ اشارة سريعة إلى سوابق من أخذ من الطغاة كفرعون وثمود في الآيات [١١- ٢٢].

مع آيات السورة

[الآيات ١- ٣]: يقسم الله سبحانه بالسماء ذات الكواكب، والنجوم الكثيرة، التي تنتشر في أرجائها، ويقسم بيوم القيامة، ويقسم بالشاهد والمشهود، والشاهد هو الملائكة تشهد على الناس يوم القيامة، والمشهود عليه هو الخلائق أو الأنبياء تشهد على أممهم يوم القيامة، أو بجميع ما خلق الله في هذا الكون مما يشهده الناس، ويرونه رأي العين.

وخلاصة ذلك أنه سبحانه أقسم بالعوالم كلها، ليلفت الناظرين إلى ما فيها من العظم والفخامة.

[الآية ٤]: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ[٢] أي أخذوا بذنوبهم، ونزل بهم نكال الدنيا وعذاب الآخرة.

ومن حديث ذلك أنه قد وقع إلى نجران من أرض اليمن، رجل ممّن كانوا على دين عيسى بن مريم(ع)، فدعا أهلها إلى دينه، وكانوا على اليهودية، وأعلمهم أنّ الله بعث عيسى(ع) بشريعة ناسخة لشريعتهم، فآمن به قوم منهم، وبلغ ذلك ذا نواس ملكهم، وكان يتمسك باليهودية، فسار إليهم بجنود من حمير، فلمّا أخذهم، خيّرهم بين اليهودية والإحراق بالنار، وحفر لهم حفيرة ثم أضرم فيها النار، وصار يؤتى بالرجل منهم فيخيّره: فمن جزع من النار، وخاف العذاب، ورجع عن دينه، ورضي اليهودية، تركه ومن استمسك بدينه، ولم يبال بالعذاب الدنيوي، لثقته بأن الله يجزيه أحسن الجزاء، ألقاه في النار. ثم بيّن من أصحاب الأخدود فقال:

[الآية ٥]: ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ[٣] أي أن أصحاب الأخدود هم أصحاب النار، التي لها من الحطب الكثير ما يشتدّ به لهيبها، وجرم يكون حريقها عظيما.

[الآية ٦]: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ[٤] أي قتلوا ولعنوا حينما أحرقوا المؤمنين بالنار، وهم قاعدون حولها يشرفون عليهم، وهم يعذّبون ويحرقون فيها.

[الآية ٧]: ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ[٥] وهو تعبير يصوّر قسوة قلوبهم، وتمكّن الكفر منهم.

فإنّ التعذيب كان يجري بأمرهم، وكانوا يقعدون على مقربة من النار، ويشاهدون أطوار التعذيب وفعل النار في الأجسام بلذّة وسعار، كأنما يثبتون في حسهم هذا المشهد البشع الشنيع.

[الآيتان ٨ و٩]: وما أنكر أصحاب الأخدود على هؤلاء الذين أحرقوهم بالنار إلا أنهم آمنوا بربهم، الموصوف بالغلبة والقهر، المحمود على نعمه وأفضاله، الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما، وهو رقيب على الجميع شاهد على أعمالهم وأحوالهم.

[الآية ١٠]: إنّ هناك جزاء عادلا في الآخرة. وهؤلاء الذين عذّبوا المؤمنين وأحرقوهم في الدنيا، ولم يندموا على ما فعلوا، سيلقون عقابهم في جهنم، وفي حريق شديد، لقد أحرقوا المؤمنين بنار الدنيا، وهي جزء يسير من نار الآخرة، إذ نارها شديدة ومعها غضب الله على العصاة.

[الآية ١١]: وهؤلاء المؤمنون الصادقون، يلقون جزاءهم في جنّات تجري من تحتها الأنهار، مع رضوان الله، وذلك هو الفوز الكبير. وبهذا يتمّ الأمر، وينال كل طرف جزاءه العادل، فالظالمون الطّغاة يلقون عذاب الحريق، والمؤمنون الصادقون يلقون الجنة ورضوانا من الله وذلك هو الفوز الكبير.

[الآيات ١٢- ١٦]: ان انتقام الله من الظالمين لشديد، فهو يمهلهم حتّى إذا أخذهم لم يفلتهم، وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده يوم القيامة.

ثم ذكر سبحانه خمسة أوصاف من صفات الرحمة والجلال فقال:

  1. ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ[٦] لمن يرجع اليه بالتوبة.
  2. ﴿الْوَدُودُ[٧] كثير الود والعطاء والمحبة لمن أخلصوا له.
  3. ﴿ذُو الْعَرْشِ[٨] ذو السلطان الكبير والقدرة الكاملة.
  4. ﴿الْمَجِيدُ[٩] العظيم الكرم والفضل.
  5. ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ[١٠] سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويختار.

وهو صاحب الإرادة الطليقة والقدرة المطلقة وراء الأحداث، ووراء الحياة، ووراء كل شيء في الوجود.

[الآيتان ١٧ و١٨]: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ[١١] الجنود تطلق تارة على العسكر، وتطلق تارة أخرى على الأعوان والمراد بهم هنا الجماعات الذين تجنّدوا على أنبياء الله واجتمعوا على أذاهم، هل أتاك حديثهم؟ وكيف فعل ربك بهم ما يريد.

﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ[١٢] لقد أهلك الله فرعون وجنده، ونجا موسى ومن آمن معه وقصّة ثمود مع صالح معروفة، فقد عقرت ثمود الناقة التي جعلها الله لهم آية، وقد أهلكهم الله عن بكرة أبيهم، ونجّى صالحا ومن معه من المؤمنين.

وخلاصة ذلك: أنّ الكفّار في كلّ عصر متشابهون، وأنّ حالهم مع أنبيائهم لا تتغيّر ولا تتبدّل، فهم في عنادهم سواء، ولكنّ العاقبة دائما للمتّقين، وبطش الله شديد بالطغاة الظالمين.

[الآيات ١٩- ٢٢]: وفي الختام تقرّر السورة أنّ الكفّار في كل عصر يكذّبون الرسالات، وهم غافلون عما يحيط بهم من قهر الله وقدرته، وهو سبحانه محيط بهم وعالم بجميع أحوالهم، وسوف يؤاخذهم على عملهم، وهذا الذي كذّب به قومك كتاب شريف، متفرّد في النظم والمعنى، محفوظ من التحريف، مصون من التغيير والتبديل.

مقاصد السورة

  1. إظهار عظمة الله وجليل صفاته.
  2. قصة أصحاب الأخدود.
  3. عاقبة المتّقين الجنّة والرضوان، ونهاية المعتدين الهلاك والحريق.
  4. يبيد الله الأمم الطاغية في كلّ حين، ولا سيّما الذين يفتنون المؤمنين والمؤمنات.
  5. القرآن مجيد شريف، وكفى شرفا أنه كلام الله.

ترابط الآيات في السورة[١٣]

تاريخ نزولها ووجه تسميتها

نزلت سورة البروج بعد سورة الشمس، ونزلت سورة الشمس بعد سورة القدر، ونزلت سورة القدر بعد سورة عبس، وكان نزول سورة عبس فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء، فيكون نزول سورة البروج في ذلك التاريخ أيضا.

وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أولها: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ[١٤] وتبلغ آياتها اثنتين وعشرين آية.

الغرض منها وترتيبها

الغرض من هذه السورة تثبيت المؤمنين وتصبيرهم على تعذيب أهل مكّة لهم، وتذكيرهم بما جرى من التعذيب لمن آمن قبلهم وقد اقتضى هذا إنذار من يعذّبهم، فسارت به هذه السورة في سياق الإنذار كالسورة التي قبلها وهذا هو وجه المناسبة في ذكرها بعدها.

تثبيت المؤمنين على إيذاء المشركين الآيات [١- ٢٢]

قال الله تعالى: وَالسَّماءِ ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ[١٥] فأقسم بهذا على قتل أصحاب الأخدود من الأوّلين، وهم الذين حفروا أخاديد ووضعوا فيها نارا وألقوا فيها من آمن منهم ثمّ ذكر سبحانه أن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات من كفّار قريش، كما فتن هؤلاء من آمن منهم لهم عذاب جهنّم، وأن المؤمنين لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثم ذكّر جلّ وعلا أن بطشه شديد، إلى غير هذا مما ذكره من صفات نقمته ورحمته بعد ما ذكّر من عقابه وثوابه، ثم ذكّر النبي(ص) بما فعله بفرعون وثمود، وذكر أن هؤلاء المشركين مع هذا مستمرون في تكذيبهم، وهدّدهم بأنه محيط بهم، وذكّر أن ما أنذرهم به من ذلك إنّما هو قرآن مجيد: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ[١٦].[١٧]

المراجع والمصادر

  1. السيد جعفر شرف الدين، الموسوعة القرآنية

الهوامش

  1. انتقي هذا الفصل من كتاب «أهداف كلّ سورة ومقاصدها»، لعبد الله محمود شحاته، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، ١٩٧٩- ١٩٨٤. [.....]
  2. سورة البروج، الآية ٤.
  3. سورة البروج، الآية ٥.
  4. سورة البروج، الآية ٦.
  5. سورة البروج، الآية ٧.
  6. سورة البروج، الآية ١٤.
  7. سورة البروج، الآية ١٤.
  8. سورة البروج، الآية ١٥.
  9. سورة البروج، الآية ١٥.
  10. سورة البروج، الآية ١٦.
  11. سورة البروج، الآية ١٧.
  12. سورة البروج، الآية ١٨.
  13. انتقي هذا المبحث من كتاب «النظم الفنّي في القرآن»، للشيخ عبد المتعال الصعيدي، مكتبة الآداب بالجمايز- المطبعة النموذجية بالحكمية الجديدة، القاهرة، غير مؤرّخ.
  14. سورة البروج، الآية ١.
  15. سورة البروج، الآية ١-٤.
  16. سورة البروج، الآية ٢٢.
  17. السيد جعفر شرف الدين، الموسوعة القرآنية، ١١: ١٦٥ - ١٧١.