سورة الطور
التمهيد[١]
«سورة الطور» سورة مكية وآياتها ٤٩ آية، نزلت بعد «سورة السجدة».
القسم في صدر السورة
﴿وَالطُّورِ﴾[٢]: الجبل فيه شجر، والأرجح أنّ المقصود به هو الطور المعروف في القرآن، وهو الجبل الذي تلقّى موسى (ع) عنده كلام الله جلّ جلاله. قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾[٣].
﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾[٤]: الأقرب أن يكون كتاب موسى (ع) الذي كتب له في الألواح المناسبة بينه وبين الطور.
وقيل هو اللوح المحفوظ تمشيا مع ما بعده، البيت المعمور والسقف المرفوع، ولا يمتنع أن يكون هذا هو المقصود.
﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾[٥]: قد يكون هو الكعبة فهي عامرة بالطواف حولها في جميع الأوقات.
وقيل هو بيت في السماء حيال الكعبة يدخله كلّ يوم سبعون ألفا لا يعودون إليه بل يدخل غيرهم في اليوم التالي.
وذلك يرمز إلى كثرة الملائكة وهم خلق مكرّمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾[٦]: هو السماء.
وقد نسب ذلك إلى سفيان الثوري عن الإمام علي، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾[٧].
﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾[٨]: المملوء، وهو أنسب شيء يذكر مع السماء، في انفساحه وامتلائه وامتداده.
وقد يكون معنى المسجور: المتّقد، كما في قوله تعالى في سورة أخرى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾[٩] أي توقّدت نيرانا عند نهاية الحياة، وذلك يمهّد لجواب القسم، وهو: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾[١٠].
وقد سمع عمر هذه الآية ذات ليلة فتأثّر بها واشتدّ خوفه وعاد إلى بيته مريضا، ومكث شهرا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه.
وعمر سمع السورة قبل ذلك وقرأها وصلى بها، فقد كان رسول الله(ص) يصلي بها المغرب، ولكنها في تلك الليلة صادفت من عمر قلبا مكشوفا، وحسّا مفتوحا، فنفذت إليه.
﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾[١١].
ومشهد السماء الثابتة المبنية بقوّة وهي تضطرب وتتقلّب كما يضطرب الموج في البحر من هنا إلى هناك بلا قوام، ومشهد الجبال الراسية الصلبة تسير خفيفة رقيقة لا ثبات لها ولا استقرار أمر مذهل مزلزل، من شأنه أن يذهل الإنسان.
وفي آيات أخرى ذكر القرآن أن السماء تنشقّ على غلظها وتتعلق الملائكة بأطرافها، كما ذكر اضطراب الكون وسائر الموجودات يوم القيامة.
إن قلوب أهل مكة التي جحدت الآخرة، وأنكرت البعث والجزاء، تحتاج إلى حملة عنيفة يقسم الله، جلّت قدرته، فيها بمقدّسات في الأرض والسماء بعضها مكشوف ومعلوم، وبعضها مغيّب مجهول، على وقوع العذاب يوم القيامة وسط مشهد هائل ترتج له الأرض والسماء: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾[١٢].
وفي وسط هذا المشهد المفزع نرى ونسمع ما يزلزل ويرعب من ويل وهول وتقريع وتفزيع.
إن المجرمين يساقون سوقا إلى جهنّم ويدفعون في ظهورهم دفعا، حتّى إذ أوصل بهم الدفع إلى حافة النار قيل لهم هذه هي النار، فهل هي سحر كما زعمتم أن القرآن سحر وأن محمّدا ساحر، أم أنها الحق الهائل الرهيب؟
أم أنتم لا تبصرون النار كما كنتم لا تبصرون الحقّ في القرآن؟.
نعيم الجنة
من شأن القرآن أن يقابل بين عذاب الكافرين ونعيم المتّقين، وفي الآيات [١٧- ٢٨] نجد حديثا عن ألوان التكريم التي يتمتع بها المتقون. فهم في الجنات يتمتّعون بألوان اللذائذ الحسية والمعنوية، وقد ألحق الله الذرية بالإباء إذا اشتركوا معهم في الإيمان وقصروا عنهم في العبادة والطاعة.
أدلة القدرة
في الجزء الأخير من السورة، نجد أن الآيات لها وقع خاص. ورنين يأخذ على النفس البشرية كلّ أنحائها، ويجبه المنكرين بالعديد من الحجج، ويستفهم منهم بطريقة لاذعة ساخرة لا يملك أيّ منصف معها غير التسليم.
والآيات تبدأ بتوجيه الخطاب إلى رسول الله أن يبلغ الدعوة، فهو أمين على وحي السماء، بعيد عن الاتهام بالكذب والجنون. وتسرد الآيات اتّهام الكفّار له بأنّه شاعر أو متقوّل ادّعى القرآن من عند نفسه، ونسبه إلى الله، فتطلب منهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن إن كانوا صادقين في دعواهم.
وأمامهم أدلّة القدرة، فهل خلقوا من غير خالق؟ أم خلقوا أنفسهم؟ وإذا انتفى لم يبق الا احتمال ثالث وهو أنهم خلق الله.
ويتوالى هذا الاستفهام الإنكاري يقرّعهم بالحجة بعد الحجة، وبالدليل تلو الدليل.
فهذه السماء العالية من خلقها؟ هل هم خلقوها؟
وهل تطلب منهم يا محمد أجرا على تبليغ الرسالة؟
وهل يملكون أمر الغيب؟ وأمر
الغيب لا يطلع عليه إلّا الله سبحانه وتعالى.
وهل لهم إله يتولاهم غير الله؟ تنزه الله عن شركهم.
وعند ما وصل جحودهم وعنادهم إلى هذا الحد من الغلوّ في الباطل، أمر الله، جلّ وعلا، رسوله(ص) أن يعرض عنهم ويتركهم حتّى يلاقوا مصيرهم، وفي هذا اليوم لا ينفعهم كيدهم ولا تنجيهم مؤامراتهم.
ترابط الآيات في السورة[١٣]
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت «سورة الطور» بعد «سورة السجدة»، ونزلت «سورة السجدة» بعد «الإسراء» وقبيل الهجرة، فيكون نزول «سورة الطور» في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم لقوله تعالى في أولها: ﴿وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾[١٤] وتبلغ آياتها تسعا وأربعين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة الإنذار بعذاب الدنيا والآخرة، وبهذا تشارك السورتين السابقتين في الغرض المقصود منهما، وهذا هو وجه ذكرها بعدهما.
إثبات الإنذار بالعذاب الآيات [١- ٤٩]
قال الله تعالى: ﴿وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾[١٥]، فأقسم بهذا على وقوع ذلك العذاب، وذكر أنه يوم تمور السماء وتسير الجبال، وحينئذ يكون الهلاك للمكذّبين به، ويصلون النار بما كانوا يعملون ثم ذكر ما أعد فيه للمتقين من جنات ونعيم، ليجمع بهذا بين طريق الترهيب وطريق الترغيب، قد أطال في هذا الطريق، إلى أن ذكر مما يقوله المتقون في سبب نعيمهم: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾[١٦].
ثم انتقل السياق من هذا إلى أمر النبي(ص) بأن يستمر على تذكيره بما أنزل عليه من ذلك الإنذار، لأنه حق ليس بقول كاهن ولا مجنون ولا شاعر كما يزعمون، ولأنهم لا ينكرون عن عقل، وإنما هم قوم طاغون ثم أمرهم، جلّ وعلا، على سبيل الإلزام، أن يأتوا بمثله إن كانوا صادقين في ما يفترونه عليه، ليظهر عجزهم ويبطل ما زعموه من أنه كاهن أو مجنون أو شاعر. ثم سلك طريقا آخر في إلزامهم فذكر أنهم لم يخلقوا من غير شيء، بلى لا بد لهم من خالق، وأنهم لا يملكون شيئا من أمر هذا الخلق حتّى يقطعوا بنفي الحساب والعقاب، وأنهم لم ينزل عليهم بذلك نبأ من السماء، فألزمهم بأنّ لهم خالقا هو الذي يتصرف في أمورهم، ولا يملكون أن يمنعوا ما يريده من حسابهم على أعمالهم وذكر سبحانه أنه لا شريك له في ذلك من الملائكة الذين يزعمون أنهم بناته ثم انتقل السياق إلى إلزامهم بطريق آخر فذكر تعالى أن النبي(ص) لا يسألهم على إنذاره أجرا حتى يتهم فيه أو يثقلهم به، وأنهم لا علم عندهم بالغيب حتى يقطعوا بأنه لا حساب عليهم، وأنه لم يبق بعد هذا إلّا أن يريدوا الكيد والعذاب لأنفسهم لقيام هذه الإلزامات عليهم، أو يكون لهم إله غير الله يدفع العذاب عنهم ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾[١٧].
ثم ختمت السورة ببيان فرط طغيانهم وعنادهم في تكذيب ما أنذروا به، فذكر عزّ وجلّ أنهم لو نزّل عليهم كسف من السماء لعذابهم لقالوا: هذا سحاب تراكم بعضه على بعض ليمطرنا، وأمر النبي(ص) أن يتركهم في هذا الطغيان والعناد حتّى يلاقوا ما ينكرون. ثم ذكر أن لهم عذابا دون عذاب الآخرة بتسليط المسلمين عليهم. وأمر النبي(ص) بالصبر إلى أن يفي بهذا الوعد، فقال ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾[١٨].[١٩]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ انتقي هذا الفصل من كتاب «أهداف كلّ سورة ومقاصدها»، لعبد الله محمود شحاته، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، ١٩٧٩- ١٩٨٤.
- ↑ سورة الطور، الآية ١.
- ↑ سورة مريم، الآية ٥١-٥٢.
- ↑ سورة الطور، الآية ٢.
- ↑ سورة الطور، الآية ٤.
- ↑ سورة الطور، الآية ٥.
- ↑ سورة الأنبياء، الآية ٣٢.
- ↑ سورة الطور، الآية ٦.
- ↑ سورة التكوير، الآية ٦.
- ↑ سورة الطور، الآية ٧-٨.
- ↑ سورة الطور، الآية ٩-١٠.
- ↑ سورة إبراهيم، الآية ٤٨.
- ↑ انتقي هذا المبحث من كتاب «النظم الفني في القرآن»، للشيخ عبد المتعال الصعيدي، مكتبة الآداب بالجمايز- المطبعة النموذجية بالحكمية الجديدة، القاهرة، غير مؤرّخ.
- ↑ سورة الطور، الآية ١-٢.
- ↑ سورة الطور، الآية ١-٧.
- ↑ سورة الطور، الآية ٢٨.
- ↑ سورة الطور، الآية ٤٣.
- ↑ سورة الطور، الآية ٤٨-٤٩.
- ↑ السيد جعفر شرف الدين، الموسوعة القرآنية، ٩: ٢٧ - ٣٤.