شروط الإمامة في نهج البلاغة
تمهيد
قالَ تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ المَالِ قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِی العِلْمِ وَالجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِی مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾[١].
البحث الآتي هو بيان بعض مؤهلات أمیر المؤمنین (ع) لمنصب الإمامة، وإن كانت تصلح في مجملها كمؤهلات لإمامة سائر الأئمة من ذريته عليه وعليهم الصلاة والسلام.
إن واقع الإمامة مقرون بواقع الأمة في هذا الدين الجديد على الناس والذي بذل الرسول (ص) ثلاثاً وعشرين سنة من عمره الشريف يبلِّغه للناس حتى دخلوا فيه أفواجاً، وأخذاً بهذه الحقيقة نلاحظ أمرين استوجبا أن تكون الإمامة امتداداً لائقاً بالنبوة ومواصلاً لمهمتها في التبليغ، وهذان الأمرانِ هما:
- أنه وبطبيعة الحال لم تتوغل أفكار الإسلام وأهدافه في نفوس كل المسلمين الداخلین في هذا الدين، فقد كان منهم حديثو العهد بالإسلام، ومنهم الطلقاء الذين دخلوا في الدين خوفاً عند فتح مكة، ومنهم المشككون ومنهم المنافقون الذين مردوا على النفاق.
- يضاف إلى ذلك أن هذا الدين القادم شكل خطراً بحيث كاد أن يقضي تماماً على سائر الأديان الأخرى في حينها، وكان لهذا أن يتم لو شاء الله تعالى لنبيه أن يعيش فترة أطول أو لم يحصل الارتداد بعد وفاته، فكان أعداء الإسلام يبثون الشكوك في الإسلام ويتحينون الفرص للقضاء عليه، ولم تكن فرصة مواتية لهم كالفترة التي سیرتحل فيها النبي (ص) إلى جوار ربه، فكانوا يهيِّئون لإبراز أحقادهم وشن غاراتهم على الإسلام والمسلمين.
إذن فبملاحظة أتباع الإسلام أو أعدائه كان ارتحال النبي يشكل فترة عصيبة وخطرة، ولهذا كان لا بد لهذا الموقف من شخص يملؤ هذا الفراغ الذي خلَّفَهُ النبي فيصعد المنبر ليرشد الناس ويتولى القضاء ويرعى شؤون الأمة بالحكمة التي كانت لرسول الله وبعلمه وهديه وشجاعته وصموده درعاً وحصناً للإسلام والمسلمين، فيجب إذن أن يكون من يخلف النبي يليق بشأنه الرفيع ومقامه الجليل، ويليق كذلك بالمهمة الكبیرة بعد ارتحال النبي.
ومن غر المعقول أن يكون من يخلف النبي بعيداً في مؤهلاته عنه، فيؤول الأمر من تلك القمة الشامخة إلى الحضيض، فهي إذن وجهة عقلية تستلزمها تلك الفترة العصيبة بما حملت من محنٍ شتى، فلا بد إذن من شخص تتوفر فيه مؤهلات وكمالات تهيؤه لخلافة النبي في مهمته العظيمة، ومن أهم تلك المؤهلات ما يلي: [٢]
أولاً: العلم
وغنيٌّ عن البيان الحاجة والأهمية البالغة للعلم في شخص الإمام، وتركيزنا هنا على العلم بالشريعة دون العلوم الأخرى، فإنها وإن كانت من الكمالات التي يتفاضل بها العظماء إلا أنها ليست بأهمية العلم بالشريعة بالنسبة للإمام، فمن غیر اللائق أن يكون إمام المسلمين الذي يخلف النبي (ص) يُسأَلُ عن مسألةٍ تتعلق بالدين في معتقده أو عباداته أو أخلاقه فيقول: لا أدري، جاهلاً محتاجاً إلى أن يتعلم،خاصة إذا كان من يسأل من غیر المسلمين فيجد أن إمام المسلمين جاهلٌ ولو بشيء من مسائل الإسلام.
وقد حاز أمیر المؤمنین (ع) هذا المؤهِّل وهذه الميزة وفاقها أيضاً، فقد أحاط بعلم الشريعة بكل تفاصيله، بل فاقه حتى بلغ العلم بالملإ الأعلى، وحتى شمل بعلمه علوم الطبيعة وأسرار الكون، ولم يشاركه في كل ذلك أحد، والإمام يجعل هذه الناحية من ركائز إمامته المهمة، وهو القائل: «إِنَّ هَاهُنَا عِلْماً جَمّاً لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً»[٣].
بل كان (ع) يتحدى بعلمه لإقامة الحجة على الناس بأحقيته بالإمامة، وكان مرموقاً بينهم جميعاً ولم تكن منزلته في العلم خافية عليهم فكانوا يفزعون إليه في المهمات، ولسنا بصدد استعراض حديث الرسول (ص) عن علم الإمام أو حديث الصحابة أو التأريخ، بل نحن وكما هو منهج الدرس، نأخذ كلمات الإمام كوثائق تحمل في طيها ادعاء الإمام للإمامة والمواصفات التي يجب أن تتوفر عند الإمام الذي يشغل مقام النبي (ص)[٤].[٥]
نصوص حول علم الإمام علي (ع)
فمن جملة هذه النصوص ما يلي:
- ١. قال (ع) عن مناهل علمه الشريف[٦]:
- «وَلَقَدْ قَرَنَ اَللَّهُ بِهِ مِنْ لَدُنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلاَئِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ سَبِيلَ اَلْمَكَارِمِ وَمَحَاسِنَ أَخْلاَقِ اَلْعَالَمِ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ وَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اِتِّبَاعَ اَلْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ يَرْفَعُ كُلَّ يَوْمٍ لِي عَلَماً مِنْ أَخْلاَقِهِ وَيَأْمُرُنِي بِالاِقْتِدَاءِ بِهِ.» والأخلاق هنا لا تعني فقط حسن المعاشرة أو جوانب الأخلاق كالصبروغیره بل هي عامة تشمل العلم بكل ما يتعلق بالشرع وبسائر المجالات التي يكون فيها كمال المتصف بها.
- ٢. وأضاف (ع)[٧]:
- «بَلِ اِنْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوْ بُحْتُ بِهِ لاَضْطَرَبْتُمْ اِضْطِرَابَ اَلْأَرْشِيَةِ فِي اَلطَّوِيِّ اَلْبَعِيدَةِ»: الأرشية: جمع «رشا» وهي الحبل تنزل في البئر لاستخراج الماء، والطوي: هي البئر، والبعيدة بمعنى العميقة، فيقول (ع) إنني اشتملت وضمت
جوانحي من العلوم ما لو أطلعتكم عليه لاضطربتم كالحبال تضطرب بسبب عمق البئر وتلك كناية عن علمه الغزير الذي لا ينال، وهذا الكلام قاله الإمام وجهر به أمام الملأ فكان بإمكان أي أحد أن يحاجه ويناقشه لو كان يستطيع لذلك سبيلاً.
- ٣. وتحدث (ع) وملؤه علم وثقة[٨]:
- «فَاسْأَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ تَسْأَلُونِّي عَنْ شَيْءٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ اَلسَّاعَةِ... إِلاَّ أَنْبَأْتُكُمْ...»: وهذه من الكلمات الخاصة بالإمام والتي سُجِّلَتْ حولها النوادر أيضاً في ذكر من قال: سلوني، ثم افتضح لأذل سائل وأقل مسألة[٩]، ويشاء الله تعالى أن ينطق التأريخ بفضل علي (ع)، وقوله (وبین الساعة) تحدٍّ عجيب لا يحتمله أحد غیره، ثم يتمم ذلك بتتميمٍ رائعٍ قائلاً:
- «وَلَوْ قَدْ فَقَدْتُمُونِي وَنَزَلَتْ بِكُمْ كَرَائِهُ اَلْأُمُورِ وَحَوَازِبُ اَلْخُطُوبِ لَأَطْرَقَ كَثِيرٌ مِنَ اَلسَّائِلِينَ وَفَشِلَ كَثِيرٌ مِنَ اَلْمَسْؤُولِينَ»: وذلك هو الفرق بین علي الذي لا يتحیر في مسألة وبین غیره ممن قبله وبعده.
- ٤. وفي نص عُنْوِنَ بِ «علم الوصي» قال(ع)[١٠]:
- «أَيُّهَا اَلنَّاسُ سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي فَلَأَنَا بِطُرُقِ اَلسَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِ اَلْأَرْضِ قَبْلَ أَنْ تَشْغَرَ فِتْنَةٌ تَطَأُ فِي خِطَامِهَا وَتَذْهَبُ بِأَحْلاَمِ قَوْمِهَا»: والإمام هنا لا يقصد أنه لا يعلم بعلوم الأرض بشكل تام كعلمه بالسماء، ولكن حديثه هذا لعله باعتبار أن علوم السماء أكثر سعة من علوم الأرض، أو باعتبار أن سائر الناس تعلم بعلوم الأرض أكثر من علمها بالسماء فتكون له (ع) الميزة والأعلمية في هذا المجال، ويستخدم الإمام الكنايات لهذه الفتن القادمة التي تشغر برجلها أي ترفعها كناية عن كثرة مداخل الفساد وعدم العدة للنجاة من الفتن التي تطأ في خطامها أي تتعثر كناية عن الطيش وأنه لا قائد لها، فحينها تشتد الفتن وتكثر الخطوب ويحار الناس ويحتاجون إلى من يفزعون إليه فلا يجدون عليًّا وقد فقدوه، فعليهم إذن أن يبادروا بسؤاله الآن فهو المفزع والنجاة، ونؤكد أن الإمام كان يقول هذا أمام الملأ وفيهم خصومه وأعداؤه الذين يعدون عليه أنفاسه ولو كانوا يملكون حيلة لأفحموه وأحرجوه أمام الناس، ولكن يأبى الله إلا أن يظهر الحق على يد وليه.
- ٥. وسجّل (ع) هذه الحقيقة مضيفاً امتيازاً آخر[١١]:
- «وَلَيْسَ كُلُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ يَسْأَلُهُ وَيَسْتَفْهِمُهُ حَتَّى إِنْ كَانُوا لَيُحِبُّونَ أَنْ يَجِيءَ اَلْأَعْرَابِيُّ أَوِ اَلطَّارِي فَيَسْأَلَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ حَتَّى يَسْمَعُوا كَلاَمَهُ وَكَانَ لاَ يَمُرُّ بِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ إِلاَّ سَأَلْتُهُ عَنْهُ وَحَفِظْتُهُ»: فهي إذن ميزة كان يتصف بها الإمام (ع) ويفقدها غیره.[١٢]
ثانياً: العصمة
ولا نقصد بهذا العنوان الحديثَ عن جهات العصمة المتعددة فإن المقام وإن كان مهماًّ إلا أنه يطول بنا، فنتحدث فقط عن أهميتها ودورها في منصب الإمامة وما ينبغي أن يكون عليه من سيكون حاكماً في أموال الناس ودمائهم وأعراضهم، ومالكاً للأمر في قضايا الحرب والسلم وما يتعلق بمقدرات الأمة، فيجب أن يكون على نحو كبیر من الإيمان والتقوى والتعلق بالله تعالى بحيث لا تزيده كثرة الناس حوله عزة ولا تفرقهم عنه وحشة، ويجب أن يكون محيطاً بالشريعة وأوضاع الأمة إحاطة تعصمه من الخطأ مهما كان، وهذا ما لا يقوى عليه عامة البشر إلا من اختصهم الله تعالى واصطفاهم لذلك.
والعصمة جهة باطنية فإن أعماق الشخص لا تعرف ولا يطلع على سره إلا الله تعالى وهو وحده يعلم إن كان ذلك الشخص يذنب سرًّا أم لا، وهو وحده العالم بنفسيته ومؤهلاته ومدى استعداده، وهو إذن العالم بالإمام وجدارته لهذا المنصب وهو وحده من يملك حق الاصطفاء.
والملاحظ أن الإمام كان يذكر لأصحابه ولأعدائه في كتبه إليهم شواهد من حياته حينما تقتضي المناسبة فتتجلى فيها صورة فريدة من الانضباط والنزاهة والعصمة التي ما كان يقدر عليها سواه.
ومن جملة هذه النصوص ما يلي:
- ١. أشار إلى مستوى من العصمة فقال (ع)[١٣]:
- «مَا شَكَكْتُ فِي اَلْحَقِّ مُذْ أُرِيتُهُ»: وكلمة الحق تشمل كل حقٍّ، علماً كان أو عملاً وممارسة، فالإمام فيما يعتقد وفيما يفعل ويترك كان على الحق وهذا غاية الكمال وشاهد على العصمة لأن الخطأ هو باطل مجانب للحق.
- ٢. وقال (ع) حينما بويع بالخلافة[١٤]:
- «وَاَللَّهِ مَا كَتَمْتُ وَشْمَةً وَلاَ كَذَبْتُ كَذِبَةً»: والوشمة هي الكلمة، ومن ذا الذي يحتمل أن لا يكتم شيئًا من الحق ولا يكذب مطلقاً حتى ولو كان سهواً؟! فهذه منزلة ليست لكل أحد ورتبة سامية دعا الله عباده إليها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾[١٥].
- ٣. ومما قاله (ع) للخوارج[١٦]:
- «وَوَاَللَّهِ إِنْ جِئْتُهَا إِنِّي لَلْمُحِقُّ اَلَّذِي يُتَّبَعُ وَإِنَّ اَلْكِتَابَ لَمَعِي مَا فَارَقْتُهُ مُذْ صَحِبْتُهُ»: فهو يصرح وبنفس واثقة بأنه أحق أن يُتَّبع، وأن الكتاب الذي ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾[١٧] معه يشهد له بأنه على الحق، هذا وهو عِدْلُ الكتاب، بل هو كتاب الله الناطق.
- ٤. وقال (ع)[١٨]:
- «وَلَقَدْ عَلِمَ اَلْمُسْتَحْفَظُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ أَنِّي لَمْ أَرُدَّ عَلَى اَللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ سَاعَةً قَطُّ»: ونلاحظ هنا براعة الاستهلال لهذا النص الشريف، وهو يستشهد بما يعلمه الصحابة الذين استحفظوا (على الحديث) ولم يكن في قلوبهم زيغ ولا خصومة وبغض للحق، فهم يعلمون علماً يقيناً بمدى نصرة الإمام وطاعته لله ولرسوله وأنه لم يرد على الله ولا على رسوله أبداً وهذا نهاية التسليم.
- «وَلَقَدْ وَاسَيْتُهُ بِنَفْسِي فِي اَلْمَوَاطِنِ اَلَّتِي تَنْكُصُ فِيهَا اَلْأَبْطَالُ وَتَتَأَخَّرُ عَنْهَا اَلْأَقْدَامُ نَجْدَةً أَكْرَمَنِيَ اَللَّهُ بِهَا»: وإن الاستدلال بهذا على العصمة واضح فهي الالتزام الاعتقادي والعملي.[١٩]
ثالثاً: الشجاعة
فإن قائد الأمة ينبغي له من القوة والشجاعة ما يكون به سنداً ووجوداً يرهبه الأعداء، ولا يعني هذا أن يكون ظالماً يبطش بالعباد أو تنزع منه الرحمة، بل هي القوة والشجاعة في الحق ونصرته، فالحق لا يُحفَظُ إلا بقوةٍ تتكفل بإقامته والدفاع عنه وإلا ألَّمتْ به الفتن وشمله البلاء، وإن من نافلة الحديث أن نقول:
عليٌّ شجاع، وكفى بالتأريخ دليلاً بما ضمه من مواقف خالدة وبطولات عجيبة ونماذج من شجاعة أمیر المؤمنین (ع).
وإذا أردنا أن نستشهد بكلماته هو والتي صرح فيها بشجاعته إبرازاً لصفة من صفات الإمام وأنه أولى بالإمامة من غیره.
فمن ذلك ما يلي:
- ١. مما قاله(ع)[٢٠]:
- «وَ اَللَّهِ لاَبْنُ أَبِي طَالِبٍ آنَسُ بِالْمَوْتِ مِنَ اَلطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّهِ»: وأي شجاعة كالأنس بالموت وعدم الاكتراث به، ولِلعلمِ فإن مظهر الشجاعة ليس في الحرب فقط بل هي أيضاً القوة القلبية في تحمل الشدائد والصبر على البلاء.
- ٢. وقال (ع) مؤرخاً لذلك السجل الحافل[٢١]:
- «حَتَّى قَالَتْ قُرَيْشٌ إِنَّ اِبْنَ أَبِي طَالِبٍ لَرَجُلٌ شُجَاعٌ وَلَكِنْ لاَ عِلْمَ لَهُ بِالْحَرْبِ فَمَنْ أَعْلَمُ بِالْحَرْبِ مِنِّي - لَقَدْ نَهَضْتُ فِيهَا وَمَا بَلَغْتُ اَلْعِشْرِينَ وَأَنَا اَلْآنَ قَدْ عَاقَبْتُ اَلسِّتِّينَ وَلَكِنْ لاَ رَأْيَ لِمَنْ لاَ يُطَاعُ»: فلو اقتصرنا على مظهر الشجاعة في الحرب لوجدنا أنها تربو على أربعن سنة خاض الإمام فيها الحرب بطلاً للإسلام ومدافعاً عن الحق، لم يمنعه صغر السن ولم تقعده الستون، ومن العجب أن القوم أبوا عليه الخلافة لصغر سِنِّهِ كما صرَّحوا بذلك، فلماذا إذن لم يستصغروا سنّه فيخرجوا بدله حین خرج يواجه الأبطال في بدر وأحد والخندق وخير وكثیر غيرها، ولماذا كان الكبار كباراً للخلافة وصغاراً في حروب الإسلام؟!
- ٣. وفي كتاب وجَّههُ إلى معاوية قال (ع)[٢٢]:
- «وَقَدْ دَعَوْتَ إِلَى اَلْحَرْبِ فَدَعِ اَلنَّاسَ جَانِباً وَاُخْرُجْ إِلَيَّ وَأَعْفِ اَلْفَرِيقَيْنِ عَنِ اَلْقِتَالِ لِتَعْلَمَ أَيُّنَا اَلْمَرِينُ عَلَى قَلْبِهِ وَاَلْمُغَطَّى عَلَى بَصَرِهِ فَأَنَا أَبُو اَلْحَسَنِ قَاتِلُ جَدِّكَ وَخَالِكَ وَأَخِيكَ شَدْخاً يَوْمَ بَدْرٍ وَذَلِكَ اَلسَّيْفُ مَعِي وَبِذَلِكَ اَلْقَلْبِ أَلْقَى عَدُوِّي مَا اِسْتَبْدَلْتُ دِيناً وَلاَ اِسْتَحْدَثْتُ نَبِيّاً وَإِنِّي لَعَلَى اَلْمِنْهَاجِ اَلَّذِي تَرَكْتُمُوهُ طَائِعِينَ وَدَخَلْتُمْ فِيهِ مُكْرَهِينَ»: أمیر المؤمنین (ع) إمام البلاغة ومَشرْعُ الفصاحة، وأسلوبه هنا من الأساليب التي ترهب أعداء الله وتدخل الخوف على قلوبهم فلا يهنؤون بحياة، وكلماته (ع) كسيفه، وفي أسلوبه أيضاً الفخر الذي هو في محله لإحقاق الحق واستثارة أعداء الحق.
- ٤. وفي كتاب بعثه إلى أهل مصر مع مالك الأشتر (رضی الله عنه) لما ولاه عليها قال (ع)[٢٣]:
- «إِنِّي وَاَللَّهِ لَوْ لَقِيتُهُمْ وَاحِداً وَهُمْ طِلاَعُ اَلْأَرْضِ كُلِّهَا مَا بَالَيْتُ وَلاَ اِسْتَوْحَشْتُ»: فعليٌّ يتحدَّى الدنيا بأسرها بشجاعته، وهو الكفؤ الذي كان حامية الإسلام والمسلمين والبطلَ المدافِعَ حین اشتداد الخطوب، والقائد إذا كان عليًّا فإن جيش الإسلام به منتصر كما كان كذلك، وإن الجند إنا يثبتون بثبات قائدهم فیربي منهم الأبطال أمثال مالك والمرقال وقيس بن سعد، وأما إذا كان القائد جباناً فإن الجيش ينهزم بانهزامه ويفرُّ معه.
إذن فالعلم والعصمة والشجاعة مؤهلات لمن يكون جديراً ومستحقًّا لأن يشغل هذا المنصب الجليل (الإمامة) ويكون خلفاً لرسول الله في القيام بأمر الإسلام وقيادة الأمة، والله تعالى هو الذي اطلع وعلم من يصلح لهذا المقام فاصطفاه و﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾[٢٤]، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾[٢٥].[٢٦]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٤٧.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٩١-٢٩٢.
- ↑ الحكمة رقم ١٤٧، ص ٤٩٦ .
- ↑ وقد عرضتُ في كتاب (ثلاث مقالات) في المقالة الخاصة بعلم الإمام توسعاً في هذا المجال يمكن مراجعته للفائدة.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٩٢-٢٩٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٥.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٩٣.
- ↑ يمكن مراجعة كتاب «الغدير» ٦/ ١٩٥ - ١٩٦.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٨٩، ص ٢٨٠.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢١٠.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٩٤-٢٩٦.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٤.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٦.
- ↑ سورة التوبة، الآية ١١٩.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٢٢.
- ↑ سورة الإسراء، الآية ٩.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٧.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٩٦-٢٩٨.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٥.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢.
- ↑ الكتاب رقم ١٠، ص ٣٧٠.
- ↑ الكتاب رقم ٦٢، ص ٤٥٢.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١٢٤.
- ↑ سورة الملك، الآية ١٤.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٩٩-٣٠١.