التمهيد

أم البنين؛ فاطمة بنت حزام بن خالد الكلابية المعروفة بـ «أم البنين»، زوجة الإمام علي (ع)، أديبة وشاعرة فصيحة، ولها مكانة خاصّة لدى المسلمين. اختارها علي (ع) لزواجه لأهداف سامية ظهرت آثارها في كربلاء، وأثمر هذا الزواج أربعة أبناء كان أكبرهم العباس بن علي بن أبي طالب. وبعد واقعة عاشوراء، يروى أنّ زينب زارت أم البنين بعد وصولها إلى المدينة لتعزّيها باستشهاد أبنائها. وهذا يدلّ على المكانة الخاصّة لأم البنين لدى زينب، وكانت بعد الواقعة تذهب كلّ يوم إلى البقيع لتبكي وتنظم المراثي لأبنائها.

نسبها وأصلها

فاطمة بنت حزام بن خالد بن ربيعة، أو أم البنين، من قبيلة كلاب[١]، وهي من نساء صدر الإسلام، أديبة وشاعرة فصيحة، وأخت الشاعر المشهور في الجاهلية صاحب إحدى المعلقات السبع، وأمّها، شمامة بنت سهيل بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب. وجدّها لأمّها الذي عاصر النبي (ص) هو أبو براء عامر بن مالك الكلابي، الذي لم يكن له نظير في الشجاعة[٢]. وكان أجدادها وأسلافها جميعهم من أبطال العرب المشهورين في الجاهلية بملاحمهم الخالدة، حتّى اشتهروا بالشجاعة والكرم. يكفي في وصفهم قول عقيل بن أبي طالب: «لا يمكن العثور على أحد بين العرب أشجع وأشهم من أسلاف أم البنين». ولها مكانة خاصّة عند المسلمين[٣]. ينحدر نسبها من أسرة عريقة وشجاعة.

ولادتها وتسميتها ونشأتها

رؤيا والدها فيها

قصة ولادة أم البنين؛ يروى أن حزام بن خالد بن ربيعة كان مسافراً عندما أنجبت زوجته فاطمة «أم البنين». رأى في إحدى الليالي كأنه جالس على أرض خصبة بعيداً عن أصدقائه ورفاقه، وبيده لؤلؤة يقلبها مرة تلو الأخرى معجباً بجمالها الشديد. فجأة أقبل عليه رجل راكب من ناحية الصحراء، فلما وصل إليه سلم عليه فرد السلام. فقال الرجل الراكب: بكم تبيع هذه اللؤلؤة التي بيدك؟ فأجاب: لا أعرف ثمنها، فكم تشتريها أنت؟ فقال الرجل: ولا أنا أعلم قيمتها، لكني أريد أن أهديها لأحد الأمراء. وأضمن لك في المقابل شيئاً أثمن من الدراهم والدنانير. فتساءل حزام: وما ذلك الذي هو أغلى من الدراهم والدنانير؟

فأجابه: أضمن لك أن تنال عنده القرب والمقام والجاه والسؤدد الدائم. فقال حزام: أتضمن لي حقاً هذه المنزلة؟ قال: نعم. فسأله: وتكون وسيطي في ذلك أيضاً؟ فأجاب: نعم، سأكون وسيطك، فأعطني إياها. فأعطاه حزام اللؤلؤة. فلما استيقظ من نومه، روى رؤياه لأصحابه وطلب منهم تأويلها، فقال أحدهم: إذا كانت رؤياك صادقة، فإن الله يرزقك بنتاً يخطبها أحد العظماء، فتشرف وتسود بمصاهرته.

تسميتها وتاريخ ولادتها

فلما عاد حزام بن خالد والد أم البنين من سفره، وجد أن زوجته ثمامة بنت سهيل قد وضعت مولودة، ففرح وابتهج وقال: كانت تلك رؤيا صادقة! فسألوه: ما تسميها؟ فقال: سموها فاطمة وكنوها بأم البنين.

للأسف لا يُعرف التاريخ الدقيق لولادة هذه السيدة الجليلة. يرى البعض أن عمر أم البنين وقت واقعة عاشوراء كان حوالي ٥٥ سنة. وبناءً على ذلك، يمكن القول إن العباس (ع) ولد عام ٢٦ هـ. وعليه يبدو أنها كانت أصغر من الإمام الحسين (ع) بسنة واحدة، وكان عمره (ع) وقت ولادة العباس بين ١٨ و٢٢ سنة. لذا يمكن تقدير سنة ولادتها بين عامي ٥ و٩ هجرية.

نشأتها ومكانتها

نمت فاطمة المعروفة بـ«أم البنين» في أسرة أصيلة وشريفة، كانت هذه الأسرة تعد من أرفع الأسر وأكرمها وأنبلها، ويفتخر بها كبار العرب. كانت هذه الأسرة الشريفة مظهراً للكرم والشجاعة والفصاحة والمروءة وعلو الهمة ومكارم الأخلاق والعفة والطهارة والأصالة والنزاهة.

نشأت أم البنين في بيئة مليئة بالإيمان والزهد والتقوى، لذلك كانت امرأة تقية ورعة ذات عفة وأخلاق حميدة. يقول الشهيد الأول عن فاطمة «أم البنين»: «يجب أن تعد أم البنين من النساء الفاضلات العارفات بحق أهل البيت، وكانت مخلصة في اتباعهم وولايتهم ومحبتهم. وفي المقابل، أكرم أهل البيت (ع) أم البنين أيضاً وأعلوا من شأنها، حتى أن السيدة زينب زارتها بعد عودتها إلى المدينة وعزّتها باستشهاد أبنائها الأربعة في كربلاء وكأنها تهنئها بالعيد!»

وعلى أي حال، فإن اختيارها زوجة لعلي بن أبي طالب (ع)، وتفقد السيدة زينب لها، وذكر اسمها الطيب في كتب كبار العلماء والفقهاء، كل ذلك يدل على مكانتها الرفيعة ومنزلتها العالية عند أهل بيت النبوة والطهارة.

زواجها من الإمام علي (ع)

سبب اختيار الإمام لها

اختارها الإمام علي (ع) لزواجه لأهداف سامية ظهرت ثمارها في كربلاء. وقد روي أنّ أمير المؤمنين عليّاً (ع) قال لأخيه عقيل ـ وكان نسابة عالماً بأنساب العرب وأخبارهم: انظر إلى امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب لأتزوّجها فتلد لي غلاماً فارساً. فقاله: تزوّج أمّ البنين الكلابية، فإنّه ليس في العرب أشجع من آبائها[٤]. فتزوّجها الإمام وأنجبا أربعة أبناء، هم: العباس بن علي بن أبي طالب، و عبد الله بن علي بن أبي طالب، و جعفر بن علي بن أبي طالب، و عثمان بن علي بن أبي طالب[٥]. وذكر بعضهم أنّ عددهم خمسة، وأضافوا أبا بكر[٦]. كانت امرأة شريفة من أسرة عريقة، وكانت حنوناً جدّاً على أبناء فاطمة الزهراء.

ترتيبها بين زوجات الإمام

تزوج الإمام علي (ع) من أم البنين بعد استشهاد السيدة فاطمة الزهراء(ع)، لكن من غير الواضح أنها كانت زوجته الثانية بعد الصديقة الكبرى، حيث توجد قرائن تشير إلى أن أمير المؤمنين تزوج من خولة بنت جعفر بن قيس الحنفية «أم محمد الحنفية». اختلف المؤرخون في هذا الأمر، لكن الأقرب للواقع أن الإمام علي (ع) تزوج بعد وفاة فاطمة الزهراء(ع) من أمامة بنت أبي العاص، ثم من فاطمة المعروفة بـ «أم البنين»، ثم من خولة كزوجة رابعة. وأثمر هذا الزواج أربعة أبناء كان أكبرهم العباس بن علي بن أبي طالب، وقد ولد سنة ٢٤ هـ.

علاقتها بأهل البيت (ع)

تعاملها مع أبناء فاطمة الزهراء (س)

تعد أم البنين من أكثر زوجات أمير المؤمنين وفاءً بعد فاطمة الزهراء(ع). بعد استشهاد ابنة رسول الله، طلب الإمام علي (ع) من أخيه عقيل، وهو نسّاب معروف في المدينة، أن يختار له زوجة من قبيلة شريفة ترزقه أبناءً صالحين. عرّفه عقيل على فاطمة من قبيلة بني كلاب، وهي امرأة متزينة بالتقوى. عندما وصلت إلى باب بيت أمير المؤمنين، قبّلت العتبة، ولدى دخولها قبّلت يدي الحسن و الحسين و زينب و أم كلثوم، وأعلنت أنها جاءت لتكون جاريةً لهم لا لتحل محل أمهم فاطمة الزهراء(ع). كانت في غاية الأدب والتواضع مع أبناء الإمام علي. وبما أن اسم فاطمة يذكّر بفاطمة الزهراء ويستدعي مصائبها وآلامها، أعلنت رسمياً ألا يناديها أحد بفاطمة بعد الآن، وأن يطلقوا عليها اسم «أم البنين» أي أم الأبناء. كانت أم البنين ملاذاً عاطفياً لأبناء فاطمة الزهراء في بيت الإمام علي، وكانت تواسيهم في المحن والصعاب، ولم تكن مجرد أمٍ لهم بل كانت خادمة مخلصة ووفية. كان بيت أمير المؤمنين بعد استشهاد فاطمة الزهراء يحتاج إلى سيدة مؤدّبة ومتواضعة مُجرِّبة للألم لتكون سنداً لأبناء فاطمة.

قصة أم كلثوم معها

وكمثال على حنان أم البنين مع أولاد فاطمة الزهراء(ع)، لاحظت أم البنين يوماً أن أم كلثوم، البنت الصغيرة اليتيمة لفاطمة الزهراء، تجلس في زاوية من البيت شاردة الذهن. فسألتها: ما بك يا ابنتي؟ فيمَ تفكرين؟ نظرت إليها أم كلثوم وتنهدت وقالت بصوت بريء: يا خالتي، كانت أمي الزهراء تجلس في هذه الزاوية وتمشط شعري وتقبلني وتقرأ لي القرآن بصوتها الحزين العذب، وتحدث أختي زينب عن كلام جدي النبي، وترشدنا إلى الإيمان والتقوى، وتبعث في قلوبنا روح الأمل بالخير والصلاح. يا خالتي، لماذا توفيت أمي وهي ليست مسنة؟ عندها لم تتمالك أم البنين نفسها وانهمرت دموعها وتعثرت الكلمات في حلقها، وحاولت التحدث مع هذه الطفلة اليتيمة لكنها لم تستطع، وألقت بنفسها في حضن أم كلثوم. لكن الطفلة اليتيمة سألت مجدداً: يا خالتي، لا داعي أن تقولي شيئًا، أنا أعرف كل شيء. لقد ضربوا أمي وضغطوا على جنبها بين الباب والجدار، ونحن كنا خائفين مما رأيناه، وصرخت أمي والنار والدخان يتصاعدان: «يا أسماء ويا فضة أنقذاني، قتلوا جنيني». راحت أم كلثوم تسرد مأساة أمها ورثاءها، وأم البنين تنتحب بشدة لسماع تلك الأحداث. آه يا خالتي، لم تكوني لترَي ما حدث لنا وما عانيناه من حادثة مؤلمة بعد وفاة جدنا، وكيف أُلقيت أمنا في فراش المرض واستشهدت راضية عن الله بعد ٩٠ يوماً مظلومة وحزينة وساخطة على الظالمين.

قالت أم البنين وقد ارتفع صراخها وعويلها: يا بنيتي، يتمزق قلبي من سماع هذه المظالم التي حلت بأمك. صدقيني يا ابنتي، ستكون أمك فاطمة رمزاً خالداً للصبر والتقوى والشجاعة للنساء، بل وقدوة للرجال. لقد جعلها الله بلا شك إنسانة كاملة وسيدة نساء العالمين. التفتت أم كلثوم إلى أم البنين وقالت: يا خالتي! تذكرني كلماتك بكلام أمي، عندما كنا جالسين هناك، كانت أمي تقول مراراً إننا سنسمي المولود الجديد محسناً، لكنه مات. يا خالتي... المظلوم هو من قُتل قبل أن يولد. «بكت أم كلثوم في هذه اللحظة العصيبة ولم تقل شيئًا». لكن الدموع لم تمهل أم البنين، ولم تستطع أن تقول شيئًا من شدة الحزن والأسى، بل نظرت إلى أم كلثوم بألم وحزن وبكت، وفي تلك اللحظة، داعبت الفتاة الصغيرة واحتضنتها.

قالت أم البنين وهي تغمر يدي زينب بالقبلات: فداكم أبي وأمي وروحي ومالي يا آل الرسول، ويا من هم أطهر من كل قبح... أفتخر بأنني أسعى لخدمتكم، وأعتز بأن أكون بجانبكم طوال حياتي أيها السادة الأطهار، وتأكدوا أنني سأضحي بكل كياني بإخلاص من أجلكم أيها الأحباء. هكذا وقفت أم البنين نفسها على آل البيت.

موقفها يوم خروج الحسين

في ٢٧ رجب سنة ٦٠ هـ، عندما قرر سيد الشهداء الهجرة من المدينة إلى مكة، وكان موكب سيد الشهداء مع أهل البيت مستعدين للرحيل، ركب مجموعة من الرجال والنساء والأطفال الهوادج، وكان كل هودج يتسع لأربعة أشخاص بالغين أو ستة أطفال، وقد ركب معظم الأفراد، لكن سيد الشهداء و العباس بن علي لم يركبا، وفجأة لاحظا أن أم البنين كانت قادمة من بعيد، وعندما وصلت، أمسكت بيد ابنها العباس ومشت معه، فتساءل الحاضرون: هل تريد منعه من مرافقتهم مع الحسين؟ كانوا ينتظرون ماذا ستفعل، فرأوها تسأل أين علي الأكبر؟ كان علي قد ركب للتو هودجه، فقفز من الهودج احتراماً لأمه! وضعت أم البنين يد العباس في يد علي الأكبر وقالت: يا علي، تقبل عباسي في خدمتك، أخشى ألا يكون أهلاً لخدمة مقام الإمامة «سيد الشهداء»، لذا وضعت يده في يدك. كان سيد الشهداء يشهد المشهد، فاضطرب قلبه من هذا الوفاء والكرم، فجاء واحتضن أخاه وقال: يا أمي العزيزة، العباس هو قوة قلبي، لا تحرجينا. ورث العباس الأدب من أمه والشجاعة والوفاء من أمير المؤمنين.

شعرها ومراثيها

كتب السيد محسن الأمين صاحب كتاب «أعيان الشيعة» عنها: «كانت شاعرة بليغة وينتمي أصلها إلى بيت عربي أصيل وشجاع».

مراثي أم البنين لأبنائها

كانت أم البنين تذهب كلّ يوم برفقة حفيدها عبيد الله بن العباس إلى البقيع لتبكي وتنظم المراثي على أبنائها. وكان أهل المدينة، خاصّة النساء، يجتمعون حولها ويشاركونها في البكاء[٧]. كان بكاؤها ومراثيها مؤثرة للغاية بحيث كانت تبكي الصديق والعدوّ [٨].

تعتبر أم البنين أوّل من نظّم المراثي على العباس وبقية أبنائها. عندما كانت النساء يعزّينها ويقلن لها: «يا أم البنين، أعطاك الله الصبر والتحمّل»، كانت تردّ عليهن بالشعر التالي:

لا تَدْعُوِنِّي وَيْكِ أُمَّ الْبَنِينَ تُذَكِّرِينِي بِلِيُوثِ الْعَرِينِ‏
كَانَتْ بَنُونَ لِي أُدْعَى بِهِمْ وَالْيَوْمَ أَصْبَحْتُ وَلا مِنْ بَنِينَ‏
أَرْبَعَةٌ مِثْلُ نُسُورِ الرُّبَى قَدْ وَاصَلُوا الْمَوْتَ بِقَطْعِ الْوَتِينِ[٩]


مكان دفنها

الخلاف حول مكان قبرها في البقيع

من المشهور أن قبر أم البنين يقع في البقيع بجوار قبور عمّات رسول الله (ص). لكن بعض المؤرخين يرون أن وجود قبرها هناك لا أساس له ولا دليل عليه، ويعتقدون أنه لا يوجد أي شاهد تاريخي يؤيد ذلك، ولم يرد ذكره في المصادر الموثوقة ولا حتى في كتب الرحلات التي كُتبت باللغة الفارسية وغيرها في القرنين الأخيرين، وربما لا يتجاوز ظهوره ربع قرن، لكنه انتشر بسرعة مثل قبر عاتكة وبيت الأحزان خارج البقيع، ووصل حتى إلى بعض الكتب، والدليل الوحيد عليه هو رثاء المداحين والباكين بجوار قبر صفية. لكن أين يقع قبر أم البنين إذاً؟ الجواب: أينما وُجدت قبور زوجات أمير المؤمنين الأخريات وقبور أبنائه وبناته في أي مكان من البقيع، فقبر أم البنين يكون بجوارها، لأن قبور الكثير من أقارب وصحابة رسول الله (ص) وأبناء وزوجات الأئمة (ع) والشخصيات الإسلامية البارزة الذين دفنوا في البقيع عبر التاريخ، غير معروفة إلا القليل منها، وقبر أم البنين واحد منها. تزوج أمير المؤمنين (ع) في حياته وبعد السيدة الزهراء(ع) من تسع نساء، ومن المؤكد أن معظمهن توفين في المدينة ودفن في البقيع، فأينما كانت قبورهن في البقيع، يكون قبر أم البنين بجوارها.

المراجع والمصادر

  1.   السيد محسن الأمين، أعيان الشيعة
  2.   عباس القمي، منتهی الآمال

الهوامش

عُد إلى صفحة "أم البنين".