نقاش:الإمام الباقر عليه السلام
التمهيد
الإمام محمد الباقر(ع) يشكل تقريباً بداية المرحلة الثانية من مراحل عمل الأئمة(ع). وذلك حسب التقسيم المرحلي الذي اتبعناه في البحث.
فبعد أن أنجز أئمة المرحلة الأولى مهمة تحصين الإسلام من خطر صدمة الإنحراف، والإحتفاظ بالإسلام كتشريع... بدأت جهود أئمة المرحلة الثانية، بنشاط الإمام الباقر(ع) فتميزت جهوده وتمحورت حول إعطاء الكتلة الشيعية، إطارها التفصيلي الخاص بها بوصفها الكتلة المؤمنة والمحافظة على الخط الحقيقي للإسلام.
والفرق بين الدورين، هو أن أئمة المرحلة الأولى أظهروا معنى التشيع بالنطاق الضيق والخاص، لأنهم انشغلوا بمعالجة هدفهم الرئيسي ألا وهو تحصين الإسلام من صدمة الإنحراف. بينما جاء أئمة المرحلة الثانية والإمام الباقر(ع) بالذات كي يمنح الكتلة الشيعية وعلى المستوى العام إطارها التفصيلي الشامل.
ولا يعني هذا أن أئمة المرحلة الأولى لم يعملوا لإبراز الكتلة الشيعية، بل إن نشاطهم في هذا المجال كان ثانوياً وعلى مستوى خاص، وقد سبق للإمام علي(ع) هذا النشاط وعلى المستوى الخاص جداً من كتلته من أمثال سلمان الفارسي و أبي ذر الغفاري و عمار بن ياسر و مالك الأشتر وغيرهم.
نظرة الإمة للإمام الباقر(ع)
كان مجيء الإمام الباقر(ع) إيذاناً بمباشرة مهامه التغييرية حيث كانت الأمة تتطلع إليه بوصفه واحدا من أبناء أولئك الذين ضحوا بأرواحهم ودمائهم لكي يوقفوا موجة الإنحراف التي كادت أن تطمس معالم الإسلام، فهم وقفوا وضحوا من أجل أن يفهم المسلمون أن حكامهم الذين يحكمون باسم الإسلام، بعيدون كل البعد عن تطبيقه حتى أصبحت مفاهيم الكتاب والسنة في واد والحكام المنحرفون في واد آخر.
إن مهمة كشف الحكام وواقعهم المنحرف وبعدهم عن الإسلام كانت من مهمة أئمة المرحلة الأولى، وقد انجزت وتمت بنجاح من خلال جهودهم وتضحياتهم(ع).
وهنا جاء الإمام الباقر(ع) ليستثمر تلك المعاني والجهود ويوضح للمسلمين أن تلك الإنجازات الكبيرة والتضحيات العظيمة لم تكن في وقت من الأوقات، مجرد أعمال شخصية وعفوية قام بها أشخاص لنصرة الإسلام، تدفعهم لذلك دوافع الغيرة على الإسلام فحسب بل إنها وجه واحد من وجوه النشاط الذي اتجه لبناء تكتل واع يؤمن بالإسلام إيماناً صحيحاً واعياً، وأن لهذا التكتل معالم وإطاراً وشروطاً خاصة، ونظرة متميزة يحملها في مختلف شؤون الحياة الإسلامية.
ومن هنا يمكن اعتبار جهود الإمام الباقر(ع) استمراراً وتصعيداً لبناء بدأه آباؤه السابقون، مستفيداً من المكاسب التي حققوها في هذا المضمار.
فالخط التاريخي المتمثل بتضحيات وجهود أئمة المرحلة الأولى أكسب الإمام الباقر(ع) المكانة الرائدة عند الأمة الإسلامية، هذه المكانة عرفناها من خلال نصوص تاريخية كثيرة، ففي سؤال لهشام حين يقول من هذا؟ مشيراً إلى الإمام، فيقال له هذا من افتتن به أهل العراق، هذا إمام أهل العراق.
وفي رواية حبابة الوالبية قالت: رأيت رجلاً بمكة بين الباب والحجر على صعدة من الأرض.. انثال عليه الناس يستفتونه عن المعضلات ويستفتحونه أبواب المشكلات، فلم يرم حتى أفتاهم في ألف مسألة ثم نهض يريد رحله ومناد ينادي بصوت مهل: ألا إن هذا النور الأبلج... وآخرون يقولون من هذا؟ فقيل: محمد ابن علي الباقر على العلم والناطق عن الفهم الإمام محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(ع).
وعن الأبرشي الكلبي لهشام مشيرا إلى الباقر(ع) من هذا الذي احتوشته أهل العراق يسألونه؟ قال: هذا نبي الكوفة ويزعم أنه ابن رسول الله وباقر العلم ومفسر القرآن فاسأله مسألة لا يعرفها.
وفي موسم الحج كانت الآلاف من المسلمين، من العراق وخراسان وغيرهما تستفتيه وتسأله في جميع شؤون المعرفة الإسلامية، وهي دلائل ومؤشرات على شعبيته(ع) ومدى نفوذه الواسع في قلوب المسلمين، ومدى تعاطف الجماهير معه.
وقد جرت محاولات كثيرة من قبل كبار الفقهاء المنتمين إلى مدارس فكرية في تحدي الإمام(ع) وإثارة الأسئلة الصعبة أمامه، وطلب الإجابة عليها لإحراجه وتحديه أمام الناس. وقد كان يسافر الواحد منهم من بلد إلى بلد من أجل أن يلقي عليه السؤال.
كل هذه الدلائل تشير إلى دقة تخطيط الإمام ومدى تعاطفه ونفوذه الواسع مع الأمة، الذي أدى إلى ردود فعل مختلفة في كثير من البلدان.
ويبدو من بعض النصوص أنه(ع) كانت زعامته الشعبية فوق حدود العالم الإسلامي وانقسامات شعوبه، فلم يكن زعيم شعب دون شعب، بل إن كانت الشعوب الجديدة الداخلة في الإسلام أيضاً تعترف بزعامته وترتبط به روحياً، بالرغم من وجود ذلك التناقض والتناحر العنصري والقبلي إبان الخلافة الأموية بين المضريين والحميريين والعداء الشديد المستعر بينهما، وبالرغم من كل ذلك نرى أن أبناء كلا القبيلين هم في طليعة أصحاب الإمام(ع) حتى أصبح شعراء الشيعة الرسميين من هذين الطرفين، فالفرزدق التميمي المغيري والكميت الأسدي الحميري اتفقا على الولاء للإمام ولأهل البيت(ع).
هذا الرصيد من التعاطف الجماهيري، والنفوذ الواسع، ورثة الإمام الباقر(ع) من تلك الجهود والتضحيات التي تجسدت في أعمال أئمة المرحلة الأولى، ونفس هذه الجهود والتضحيات أتاحت لأئمة هذه المرحلة العمل على إبراز وإعطاء الإطار التفصيلي والواضح للتشيع.
الإمام(ع) يضع النقاط على الحروف
ذكرنا أن مهمة الإمام الرئيسية اتجهت في هذه المرحلة إلى توضيح الإطار التفصيلي للتشيع، وكشف ملامحه المتميزة، وإخراج العمل من أجله من مستوى أشخاص معدودين إلى مستوى أرحب بتنمية الكتلة كما ونوعا. وتمثيلها للإسلام الحقيقي ومعالجتها لشؤون الحياة كافة.
وكانت ممارسات الباقر(ع) في هذا المجال تتجه لتحقيق مهامهاً التاريخية عن طريقين:
الأول: طريق التثقيف الموسع من داخل مدرسته التي أسسها لهذا الغرض ولتزويد علمائها وطلابها بالعلوم الإسلامية وآدابها، فقد كان الإمام الباقر(ع) المرجع الوحيد للعالم الإسلامي في عصره لعلوم الشريعة، وكان علماء عصره يتصاغرون أمامه[١] اعترافاً منهم بسمو منزلته العلمية التي لا يدانيها أحد.
وكانت مدرسته مدعاة لتخريج المئات من العلماء والمحدثين. يقول جابر الجعفي: حدثني أبو جعفر سبعين ألف حديث». وقال محمد بن مسلم: «ما شجر في رأيي شيء إلا سألت عنه أبا جعفر(ع) حتى سألته عن ثلاثين ألف حديث».
وقد عد ابن شهر آشوب من الرواة عن الإمام من بقايا الصحابة ووجوه التابعين ورؤساء فقهاء المسلمين، فمن الصحابة جابر بن عبد الله الأنصاري ومن التابعين جابر بن يزيد الجعفي، و كيسان السختياني ومن الفقهاء ابن المبارك والزهري والأوزاعي و أبي حنيفة ومالك والشافعي و زياد بن المنذر ومن المصنفين: الطبري والبلاذري والسلامي والخطيب في تواريخهم.
الثاني: عن طريق مجابهة الأمة بهذا الإطار ولأول مرة تقريباً في حياة الأئمة(ع) والتركيز بشكل واضح ومحدد لمفهوم التشيع باعتباره عقيدة كتلة واعية لها طريقتها الخاصة في تفسير الإسلام ولابد من إشاعتها في صفوف المجتمع الإسلامي كله.
وكان الإمام(ع) يصف شيعته بقوله: «إِنَّمَا شِيعَةُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ اَلْمُتَبَاذِلُونَ فِي وَلاَيَتِنَا اَلْمُتَحَابُّونَ فِي مَوَدَّتِنَا اَلْمُتَزَاوِرُونَ لِإِحْيَاءِ أَمْرِنَا إِنْ غَضِبُوا لَمْ يَظْلِمُوا وَ إِنْ رَضُوا لَمْ يُسْرِفُوا بَرَكَةٌ لِمَنْ جَاوَرُوا وَ سِلْمٌ لِمَنْ خَالَطُوا» وقال أيضاً: «إِنَّمَا شِيعَتُنَا مَنْ أَطَاعَ اَللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ».
وفي بعض المناسبات كانت تتحول مجابهة الإمام(ع) إلى درجة التحدي لذهنيات غالبية أبناء الأمة، الذين لم يكونوا مؤمنين بهذا الإطار الذي يعمل من أجله الإمام(ع).
ولهذا كان الإمام(ع) يطرح شعاراته بكل صراحة ووضوح على مستوى الأمة.. ففي رواية أن الإمام الباقر والإمام الصادق(ع) حجا بيت الله وقد اصطحب الإمام ابنه الصادق(ع) حتى إذا بلغ المسجد الحرام، والألوف من الناس محتشدين في المسجد، وبحضور هشام بن عبد الملك، وقف الصادق(ع) بمحضر أبيه يوضح لهم المفهوم الشيعي عن أهل البيت(ع) ويقول لهم بكل صراحة، بأنهم هم الذين يتمتعون بهذه الصفات والخصوصيات، وهم أصحاب الرعامة الروحية والاجتماعية في المجتمع وهم وارثوه الحقيقيون.
هذه المعالنة الصريحة وعلى هذا المستوى الجماهيري وبحضور هشام بن عبد الملك، لم تكن مجازفة أو مغامرة لم يحسب لها الإمام(ع) الحساب، بل جاءت وفق تخطيط لمتطلبات هذه المرحلة، والتي كانت تتطلب من الأئمة توضيحا يعيه المسلمون بأن المسألة ليست مسألة الإمام الحسين(ع) حارب مخلصاً للإسلام ثم استشهد أو أنها مسألة الإمام(ع) حارب وقتل.. بل إن المسألة أرفع وأسمى من هذا التصور الساذج البسيط، هي مسألة مبدأ وقيادة وتخطيط إلهي ذات معالم واضحة. هذه القيادة هي التي ظهرت عند الحسين(ع) وهي الآن تظهر مرة أخرى، وسوف تبقى لتبرز في مختلف العصور والأجيال.
هذه المسألة كان لا بد من تنبيه الأمة إليها، واستيعابها بشكل واضح وتفصيلي، والعمل على هز الأمة هزا عميقا يتغير معه الواقع المعاش.
وليس أدل على ذلك حين دخل الإمام الباقر(ع) على الخليفة الأموي وحاول الخليفة أن يسأله مستهزئاً بقوله: هل أنت ابن أبي تراب؟.. ثم شرع يحاول الاستخفاف بالإمام، ولكن الباقر(ع) لم يعر الأمر اهتمامه، بل وقف بعدها خطيبا في مجلس الخليفة، ليوضح زعامة أهل البيت ومشروعيتهم في الحكم.
والإمام(ع) بدعوته ومكاشفته هذه يمثل دوراً جديداً من خلال ذلك التخطيط الموسع والمجابهة الصريحة للأمة بأهدافه الواضحة.
عقبات في طريق تخطيط الإمام(ع)
وقتئذ كانت الحياة الإسلامية العامة تتمخض في إعطاء مبدأ آخر محدد المعالم ومعاكس لمبدأ الإمام(ع).
هذه الحالة التي بدأ يعاصرها الباقر(ع) كانت بداية جديدة تجسد فيها الإنحراف السياسي ولكن بشكل مبدأ فكري وهذا المبدأ هو امتداد لذلك الإنحراف السياسي الذي تحدثنا عنه في المرحلة الأولى من عمل الأئمة(ع).
فالإنحراف السياسي الذي عاشه أئمة المرحلة الأولى أخذ يتحول ويتحدد خلال هذه الفترة وعلى امتداد ثمانين عاما في مبدإ فكري يعاكس المبدأ الفكري لأطروحة الإمام(ع) وكان ما يأتي:
- تمثل هذا المبدأ، بمرجعية الصحابة من المهاجرين والأنصار والتابعين، نفس هذه المرجعية كانت تعلم، أن الرسول(ص) إختار المرجعية السياسية والفكرية بأمر الله سبحانه وتعالى للإمام علي(ع) باعتباره ذلك الشخص الذي يرشحه عمق وجوده في كيان الدعوة. ومن ثم تكون لخلفائه من بعده، وكانوا يعلمون أن المرجعية السياسية انتزعت إثر اجتماع السقيفة من الإمام علي(ع) بعد وفاة الرسول(ص) مباشرة.
- أما المرجعية الفكرية كمرجعية رسمية فقد بقيت شاغرة ومعطلة، ولم يكن هناك تخطيط واضح لملء هذا الفراغ وذلك في عهد أبي بكر وعمر وعثمان، كان الخلفاء الثلاث «يحسون بضرورة الرجوع إلى الإمام(ع) واعتباره المفزع والمرجع لحل أي مشكلة يستعصي عليهم حلها، بالرغم من تحفظاتهم في هذا الموضوع»[٢].
وبعد انتهاء عصر الصحابة، بدأ عصر التابعين وذهب كثير منهم ليبدأ عصر جديد تابعي التابعين.. وفي هذا العصر، أخذت الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي يواجه مشكلة ملء هذا الفراغ الفكري والسياسي بصورة جدية وملحة، وسبب هذا الشعور يعود إلى العوامل الآتية:
- ابتعاد أبناء عصر (تابعي التابعين) عن مصادر الإسلام من كتاب وسنة، والمسافة الزمنية التي تفصلهم عن عصر النبي(ص) فقد ابتعدوا عن لغة وظروف ومناسبات الكتاب والسنة النبوية، ولهذا أصبح الكتاب (القرآن) لا يخلو من غموض بفعل المسافة الزمنية الفاصلة وبعدها.
- اعتقادهم أن النبي القائد لم يتبنّ ولم يمارس إعداداً رسالياً وتثقيفياً عقائدياً خاصاً لبعض الأشخاص بحيث يتهيأ ذلك الشخص أو الداعية للمرجعية الفكرية والسياسية. بل إن كل ما فعله الرسول(ص) - بنظرهم - أن جعل قيادة الدعوة متروكة للأمة والتي تضم مجموع المهاجرين والأنصار، لتقود الدعوة من بعده.
- بعد اتساع الحياة الإسلامية، وضمها لشعوب ودول بطريق الفتح العسكري، إستجدت أنواع كثيرة من أحداث وظروف وملابسات وتعقيدات لم تكن في الحسبان، حيث إنفتحت الدولة الإسلامية على مجالات رحبة متنوعة، لم تكن تعرف لها حلا لضآلة النصوص التشريعية التي نقلوها عن الرسول(ص) وهو الذي أدى بها بعد ذلك إلى الإحتياج إلى مصادر أخرى غير الكتاب والسنة كالاستحسان والقياس وغيرها من ألوان الإجتهاد التي يتمثل فيها العنصر الذاتي للمجتهد الأمر الذي أدى إلى تسرب شخصية الإنسان بذوقه وتصوراته الخاصة إلى التشريع»[٣].
هذه الأسباب الثلاثة هي التي أشعرت المسلمين بضرورة البحث عن مبدأ فكري يماشي ويستوعب هذه الظروف والملابسات الجديدة فيما لا نص فيه من المسائل الكثيرة. وفي ذلك يقول الشهرستاني: «إنا نعلم قطعاً أن الحوادث والوقائع في العبادات والتصرفات مما لا يقبل الحصر والعد، ونعلم قطعا أنه لم يرد في كل حادثة نص، ولا يتصور ذلك أيضاً، والنصوص إذا كانت متناهية وما يتناهى لا يضبط ما لا يتناهى علم قطعا أن الإجتهاد والقياس واجب الإعتبار حتى يكون بصدد كل حادثة إجتهاد»[٤].
في مثل هذه الظروف، لم يكن من الممكن أن تقرر هذه المرجعية الفكرية وتسند لأهل البيت(ع) على اعتبار أن المرجعية الفكرية تقود للمرجعية السياسية، ولو أنهم منحوا المرجعية الفكرية لأهل البيت لأعطوهم أقوى سلاح يمكنهم من الوصول وبسهولة إلى المرجعية السياسية.
لذلك نجد في هذا العصر بدايات نشاط ونمو للمدارس التي اعتمدت الرأي تارة والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة والعرف أخرى.
وكانت تيارات معادية بطبيعة نشأتها لخط المرجعية لأهل البيت(ع) وكانت تدل بوضوح على استفحال هذه الظاهرة وتغلغلها في المجتمع الإسلامي. وقد تولى أهل البيت(ع) تفنيد مزاعمها والرد عليها والتأكيد على خصائص مذهبهم الأركز والأقوى وذلك بمناسبة الرد على هذه المدارس.
يقول ابن جميع: «دَخَلْتُ أَنَا وَ اَلنُّعْمَانُ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ، إِلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ قَالَ يَا نُعْمَانُ إِيَّاكَ وَ اَلْقِيَاسَ فَإِنَّ أَبِي حَدَّثَنِي عَنْ آبَائِهِ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَالَ مَنْ قَاسَ شَيْئاً مِنَ اَلدِّينِ بِرَأْيِهِ قَرَنَهُ اَللَّهُ مَعَ إِبْلِيسَ فِي اَلنَّارِ، فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ قَاسَ إِبْلِيسُ، حِينَ قَالَ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ فَدَعِ اَلرَّأْيَ وَ اَلْقِيَاسَ وَ مَا قَالَ قَوْمٌ لَيْسَ لَهُ فِي دِينِ اَللَّهِ بُرْهَانٌ فَإِنَّ دِينَ اَللَّهَ لَمْ يُوضَعْ بِالْآرَاءِ وَ اَلْمَقَايِيسِ»
ثم قال له جعفر، كما في رواية ابن شبرمة: «أَيُّهُمَا أَعْظَمُ قَتْلُ اَلنَّفْسِ أَوِ اَلزِّنَا قَالَ قَتْلُ اَلنَّفْسِ قَالَ فَإِنَّ اَللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَدْ قَبِلَ فِي قَتْلِ اَلنَّفْسِ شَاهِدَيْنِ وَ لَمْ يَقْبَلْ فِي اَلزِّنَا إِلاَّ أَرْبَعَةً ثُمَّ أَيُّهُمَا أَعْظَمُ اَلصَّلاَةُ أَمِ اَلصَّوْمُ قَالَ اَلصَّلاَةُ قَالَ فَمَا بَالُ اَلْحَائِضِ تَقْضِي اَلصِّيَامَ وَ لاَ تَقْضِي اَلصَّلاَةَ فَكَيْفَ يَقُومُ لَكَ اَلْقِيَاسُ فَاتَّقِ اَللَّهَ وَ لاَ تَقِسْ»[٥].
وقد أفادت المعركة التي خاضها أهل البيت(ع) إلى التخفيف من حدة سير مدرسة الرأي، كما أنها مهدت لظهور مدارس معارضة لها في الإتجاه كمدرسة الحديث والتي تعصبت لحفظ الأحاديث والسنة والآثار وفتاوى الصحابة والتابعين، وأخذوا يدعون إليها، في الوقت الذي يشجبون فيه مدرسة الرأي، وقد قامت كرد فعل لما حصل لهذه المدرسة من تطرف في الأخذ بالرأي والإعراض عن الحديث[٦].
وقد وقف أهل البيت(ع) ضد مدرسة الرأي بشعارهم المعروف (إن دين الله لا يصاب بالعقول) إذ كانت هذه المدرسة تتجه بالتشريع الإسلامي إلى التمييع وتفقده بالتالي خاصيته وصلابته وأصالته الإسلامية التي هي من خصائص التشريع الإسلامي، بينما اتجهت مدرسة الحديث إلى تجميد الشريعة والأخذ بظاهر النصوص، حيث تفقده خاصيته المرونة والقابلية لمسايرة الظروف الاجتماعية المختلفة[٧].[٨]
خلاصة الصفحة الرئيسية
«الإمام الباقر عليه السلام» هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع). أُمّه فاطمة بنت الحسن (ع)، فهو هاشميّ من هاشميّين، وعلويّ من علويّين.
كنيته: أبو جعفر لا غير. وأشهر ألقابه الباقر، لقّب به لكثرة علمه وتبقّره فيه. والمعروف أنّ هذا اللقب انتزع ممّا ورد في حقّه عن رسول الله (ص)، وقد استفاض عن جابر أنّه قال له رسول الله (ص): « يَا جَابِرُ يُوشِكُ أَنْ تَبْقَى حَتَّى تَلْقَى وَلَداً لِي مِنَ اَلْحُسَيْنِ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدٌ يَبْقُرُ عِلْمَ اَلنَّبِيِّينَ بَقْراً فَإِذَا لَقِيتَهُ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي اَلسَّلاَمَ»
وُلد (ع) بالمدينة في غرّة رجب سنة سبع وخمسين، وقيل: في الثالث من صفر.
كان له من العمر سبع وخمسون سنة، عاش أربع سنين مع جدّه الحسين (ع)، وتسعاً وثلاثين سنة مع أبيه، وثماني عشرة سنة بعده.
بلغت إمامته ثماني عشرة سنة، وهي المدّة التي عاشها بعد أبيه (ع).
عاصره من حكّام بني امية: الوليد بن عبد الملك، و يزيد بن عبد الملك، و هشام بن عبد الملك، وتوفّي (ع) في أيامه.
كانت للإمام الباقر(ع) كأبيه وأجداده فضائل كثيرة، فكان المشار إليه في العلم والعبادة والتقوى والتواضع والحلم، وغير ذلك من الصفات الحميدة، ونقتصر فيما يأتي على إشارة إجمالية إلى الجانب العلمي ؛ لأنّ الحركة العلميّة اشتدّت في زمانه، وكان له الدوّر الكبير والفعّال فيها.
كانت للإمام الباقر (ع) احتجاجات كثيرة على حملة الأفكار والعقائد المختلفة:
- احتجاجه على عبد الله بن نافع بن الأزرق؛
- احتجاجه على قتادة؛
- احتجاجه على عمرو بن عبيد؛
- احتجاجه على عبد الله بن معمر الليثي؛
- احتجاجه على محمد بن المنكدر؛
أمّا الذين رووا عنه فهم كثيرون يعدّ أغلبهم علماء بارزين من السنّة و الشيعة، وقد ذكرت أسماؤهم في كتب الرجال:
فمّمن روى عنه من أهل السنّة: عمرو بن دينار، و عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، و عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي، و قرة بن خالد السدوسي البصري، و محمد بن المنكدر، و يحيى بن كثير الطائي، و الزهري، و ربيعة الرأي، و سليمان بن مهران الأسدي الأعمش، و عبد الله بن أبي بكر بن عمر بن حزم الأنصاري، و موسى بن سالم، و موسى الحناط، و القاسم بن الفضل، و القاسم بن محمد بن أبي بكر التميمي - أحد الفقهاء السبعة - و محمد بن سوقة، و حجاج بن أرطاة، و معروف بن خربوذ الكوفي، و أبو حنيفة، و أسلم المنقري، و محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي صاحب المغازي، و عبد الله بن عطاء المدني، وغيرهم.
أمّا من روى عنه من الشيعة، فقد عدّ الشيخ الطوسي من رجاله وأصحابه ما يقارب الخمسمئة، من أبرزهم: أبان بن تغلب، و بريد العجلي، و أبو حمزة الثمالي، و جابر الجعفي، و محمد بن مسلم، و زرارة بن أعين.
تُوفّي سنة مئة وأربع عشرة من الهجرة. وقيل: كانت وفاته في السابع من ذي الحجّة. ودُفن عند أبيه علي بن الحسين (ع) في البقيع. وروي: أنّه عليه السلام مات بالسمّ.
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ مرآة الجنان ج١ ص٢٤٨.
- ↑ بحث في الولاية.
- ↑ بحث في الولاية.
- ↑ سلم الوصول ص٢٩٥.
- ↑ الأصول العامة للفقه المقارن ص٣٢٩ نقلا عن حلية الأوليآء ج٣ ص١٩٧.
- ↑ الإجتهاد والتقليد من مقدمة محمد مهدي الآصفي ص١٧-١٨.
- ↑ الإجتهاد والتقليد من مقدمة محمد مهدي الآصفي ص١٧-١٨.
- ↑ عادل الأديب، الأئمة الاثنا عشر، ص 155-163.