نقاش:الإمام الحسن العسكري عليه السلام
التمهيد
عانى الإمام العسكري(ع) مع أبيه الهادي، وقضى القسط الأهم من حياته في العاصمة العباسية وراكب جميع الظروف والملابسات والمواقف التي واجهت أباه، وتسلم مركز الإمامة بعد أبيه وعمره آنذاك إثنتين وعشرين عاما.
وجاءت مواقفه امتدادا لمواقف أبيه(ع) بوصفه المرجع الفكري والروحي لأصحابه وقواعده وراعياً لمصالحهم العقائدية والإجتماعية، بالإضافة إلى تخطيطه وتمهيده، لغيبة ولده الحجة بن الحسن المهدي(ع).
وفي عصر الإمام(ع) جدّت ظروف وملابسات، ضعفت معها السلطة العباسية إلى درجة سيطرة الموالي والأتراك على مقاليد الحكم.
وكان من المتوقع وفي هذا الجو من ضعف السلطة، أن يخف الضغط والإرهاب على الإمام وأصحابه، لكن شيئاً من هذا لم يحدث، بل ازدادت موجة الإرهاب والضغط وبلغت أوجها على يد الخليفة المعتمد، لأن الخوف والتوجس من نشاط الإمام وتحركاته لم يكن ليقتصر على الخليفة وحده، بل إن هذه تمثلت في خط اجتماعي عام، لم يكن الخليفة إلا أحد أفراده.
فكان هذا الخط الإجتماعي العام، يقف دوماً ضد خط الإمام وأطروحته الفكرية والسياسية، والمتميزة والمتناقضة مع أطروحة الحاكم المتمثل في هذا الخط الإجتماعي العام والطبقة المستأثرة المنحرفة.
ومن هنا كان الصراع الدائم بين الخطين المتناقضين، ومحاولات الحاكم لعزل أطروحة الإمام وقيادته عن المسرح الإجتماعي والسياسي، ومحاسبته على كل بادرة نشاط أو تحرك حتى ولو كانت وشاية تافهة أو خبر صغير عن نشاط الإمام «وقد حبسه المتوكل ولم يذكر سبب ذلك، ولا شك أن سببه العداوة والحسد وقبول وشاية الواشين كما جرى لآبائه مع المتوكل وآبائه من التشريد والحبس والقتل وأنواع الأذى، وروي أنه(ع) قتل مسموما على يد المعتمد»[١].
ومن هنا لا ينبغي توقع خفة الضغط، وموجته المرعبة بتوالي الأعوام، بل يحدثنا التاريخ عن شدتها وترسخها.
وهذا التصاعد الحاقد في محاربة الإمام(ع) كان السبب والدافع الرئيسي والمهم، لحدوث الغيبة.
خطة الإمام(ع) في مواجهته للأحداث
ويمكن تقسيم مواقف الإمام(ع) وخططه تجاه الأحداث بما يلي من المواقف:
الموقف الأول: موقفه من الحكم والحكام
كانت سياسة العباسيين تجاه الأئمة(ع) واضحة من أيام الإمام الرضا(ع) وتلخصت بالحرص على دمج إمام أهل البيت وصهره في الجهاز الحاكم، وضمان مراقبتهم الدائمة له، ومن ثم عزله عن قواعده ومواليه.
هذه السياسة المخادعة كانت نافذة تجاه الإمام الحسن العسكري كذلك لمزاياها الكثيرة بالنسبة للحكم، فكان العسكري(ع) كوالده مجبراً على الإقامة في سامراء، مكرها على الذهاب والحضور إلى بلاط الخليفة كل يوم اثنين وخميس»[٢].
ولكن الإمام(ع) كآبائه في موقفه من الحكام، وقف موقفاً حذراً ومحترساً في علاقته بالحكم، دون أن يثير أي اهتمام أو أن يلقي بنفسه في أضواء الحكم وجهازه، بل كانت علاقته بالحكم روتينية رتيبة، تمسكاً بخط آبائه تجاه السلطة العباسية.
فموقف الإمام السلبي هذا أكسبه أمام الحكام احتراماً ومنزلة رفيعة، وهذا ما نلاحظه من خلال علاقته بوزراء عصره وكيف أن الإمام(ع) كان يفرض شخصيته وجلالها حتى على أشد الناس حقداً وانحرافاً عن - أهل البيت - وهو الوزير عبيد الله بن يحيى بن خاقان الذي يقول في الإمام(ع): «ما رأيت ولا عرفت بسر من رأى رجلاً من العلوية مثل الحسن بن علي بن محمد بن علي الرضا في هديه وسكونه وعفافه ونبله وكبرته عند أهل بيته وبني هاشم كافة وتقديمهم على ذوي السن منهم والخطر»[٣].
والملاحظ من كلام هذا الوزير مدى احترامه وتقديسه للإمام(ع)، وقد زاره الإمام مرة وقابله في مجلس قصير[٤] لكي يفهمهم أن وقوفه(ع) إلى جنب الوزير في انتقاده للظلم والإنحراف الذي يمارسه الجهاز الحاكم، إنما يقفه لتأييد كل حق أينما وجد، لأن المسألة عنده مسألة أمة ورسالة وهي تسمو على العداوات الشخصية والإختلافات، وربما أراد كذلك أن يوهمهم بعدم الخروج على سياستهم أو الاحتجاج ضدهم وربما كانت سببا تدفع الحاكم للتخفيف عن أصحابه من الضغط والمطاردة التي يلقونها من الدولة.
وقد أراد الإمام(ع) أن يلتقي بالوزير في محل عام «وفي أثناء جلوس الوزير يخبره حاجبه بأن أبا محمد بن الرضا بالباب فيأخذ هذا الخبر اهتماماً في نفس الوزير، قال ولده أحمد: فتعجبت مما سمعت منهم ومن جسارتهم أن يكنوا بحضرة أبي، ولم يكن يكنى عنده إلا خليفة أو ولي عهد.
يقول: فدخل رجل حسن القامة، جميل الوجه، جيد البدن حديث السن، له جلالة وهيئة حسنة.
قال أحمد: فلما نظر إليه أبي، قام فمشى إليه خطى فعانقه وقبّل وجهه وصدره وأجلسه على مصلاه وجلس إلى جنبه مقبلا عليه بوجهه، وجعل يكلمه ويفديه بنفسه!..
وقد بقي أحمد بن عبيد الله متحيراً في أمر أبيه وأمر الإمام حتى إستأذن مرة أباه بالسؤال وقال: يا أبه من الرجل الذي رأيتك بالغداة فعلت به ما فعلت من الإجلال والكرامة والتبجيل. فقال يا بني ذاك إمام الرافضة الحسن بن علي، ثم سكت وأنا ساكت، ثم قال: يا بني لو زالت الإمامة عن خلفائنا بني العباس ما استحقها أحد من بني هاشم غيره لفضله وعفافه وصيانته وزهده وعبادته وجميل أخلاقه وصلاحه»[٥].
وهذا يدل على ما للإمام(ع) من حب وتعظيم وإدراك لعدالة قضيته وأجدريته بالحكم.
و الإمام العسكري(ع) كان يقف من بعض الأحداث موقف الساكت دون تصريح إيجابي أو سلبي تجاهها، كما فعل مع صاحب - ثورة الزنج - الذي زعم الإنتساب إلى الإمام علي(ع) ولم تكن ثورته تجسيدا لأطروحة - أهل البيت - لما ارتكبته ثورته من قتل الكثير من الناس، وسلبه الأموال وإحراقه المدن وسبيه النساء، كل ذلك بالجملة وبلا حساب أو رادع من دين.
فموقف الإمام إزاء سلوكية الثورة كان قطعاً موقف الرافض والمستنكر لما ارتكبته من أعمال تتنافى وأحكام الإسلام ولكن الإمام(ع) آثر السكوت والصمت ولم ينتقد تصرفاتها ولم يتعرض لتفاصيلها، ولو فعل ذلك لكان عمله هذا يعتبر تأييداً ضمنياً للدولة، لأن ثورة الزنج بالرغم من سلبياتها الكثيرة فهي بالتالي تتفق وأهداف الإمام(ع) من إضعاف حكم العباسيين وكسر شوكتهم، وهو أمر ينبغي على الإمام(ع) أن يستفيد منه لصالح حركته ونشاطه، لأن المعارضين مهما اختلفوا، فهم بالتالي يشتركون في مناوأة عدو واحد وهو الوضع الحاكم.
فالإمام يستفيد من نتائج حركة الزنج، لأن الدولة سوف تضعف، ولا يمكنها من أن تحارب على جبهتين أو أن تعطي لكل جبهة ثقلها المطلوب، ولربما أدى ذلك - إلى حد ما - إلى تخفيف الضغط على جبهة الإمام(ع)، ولو أن الدولة كانت ترى أن نشاط الإمام(ع) أشد خطراً وأبعد أثراً على المدى البعيد من حركة الزنج التي لا يعدو كونها تحركا آنيا سرعان ما يزول.
الموقف الثاني: موقفه من الحركة العلمية والتثقيف العقائدي
وتمثلت مواقفه العلمية بردوده المفحمة للشبهات الإلحادية وإظهاره للحق بأسلوب الحوار والجدل الموضوعي والمناقشات العلمية، وكان يردف هذا النشاط بنشاط آخر بإصداره البيانات العلمية وتأليفه الكتب ونحو ذلك.
وهو بهذا الجهد «يمون الأمة العقائدية شخصيتها الرسالية والفكرية من ناحية ومقاومة التيارات الفكرية التي تشكل خطرا على الرسالة، وضربها في بدايات تكونها من ناحية أخرى، وللإمام من علمه المحيط المستوعب ما يجعله قادراً على الإحساس بهذه البدايات وتقدير أهميتها ومضاعفاتها والتخطيط للقضاء عليها.
ومن هنا جاء موقف الإمام العسكري واهتمامه وهو في المدينة بمشروع كتاب يضعه الكندي «أبو يوسف يعقوب بن إسحاق» فيلسوف العراق في زمانه، حول متناقضات القرآن إذ إتصل به عن طريق بعض المنتسبين إلى مدرسته وأحبط المحاولة وأقنع مدرسة الكندي بأنها على خطأ[٦] وجعله يتوب ويحرق أوراقه[٧].
وله(ع) بيانات علمية لأبي هاشم الجعفري في مسألة خلق القرآن[٨] وكذلك في تفسير القرآن[٩].
الموقف الثالث
موقفه في مجال الإشراف على قواعده الشعبية وحماية وجودها وتنمية وعيها ومدها بكل أساليب الصمود والإرتفاع إلى مستوى الطليعة المؤمنة.
وكثيراً ما كان ينبههم(ع) من الوقوع في الشرك العباسي ويعينهم على نوائب الدهر اقتصادياً واجتماعياً من جراء ما يلاقونه من معاملة قاسية من الحكام.
وقد كتب الإمام محذراً محمد بن علي السمري وهو خاصة أصحابه ورابع نواب ولده الحجة المهدي(ع) في غيبته الصغرى قائلاً له «فتنة تضلكم.. فكونوا على أهبة»[١٠].
وكان يأمر أصحابه بالصمت والكف عن النشاط ريثما تعود الأمور إلى مجاريها وتستتب الحوادث.
وكان(ع) يحذر أصحابه حتى وهم رهن الإعتقال، وقد اعتقل مرة جماعة من أصحابه ووضعوا تحت إشراف صالح بن وصيف وهم: أبو هاشم الجعفري، و داوود بن القاسم، و الحسن بن محمد العقيقي، و محمد بن إبراهيم العمري وغيرهم. فأخبرهم الإمام(ع) أن يحذروا واحداً في الحبس يدعى أنه علوي وهو ليس منهم، وفي ثيابه قصة قد كتبها إلى السلطان يخبره فيها بما يتحدثون عنه، فقام بعضهم ففتش ثيابه فوجد القصة كما أخبرهم الإمام(ع)[١١].
ومن مواقفه تجاه أصحابه مساعدته لهم بالمال لأجل مصالحهم المادية العامة.
فقد كانت تأتي الإمام(ع) أموال كثيرة من مختلف المناطق الإسلامية التي تتواجد فيها قواعده الشعبية، وذلك عن طريق وكلائه المنتشرين فيها.
وكان الإمام(ع) يحاول جاهداً وبأساليب مختلفة أن يخفي هذا الجانب إخفاء تاماً على السلطة، ويحيطه بالسرية التامة.
ونستطيع أن نلاحظ، كيف استطاع الإمام وهو المضطهد المراقب أن يستلم الأموال ويصرفها طبقاً للمصالح التي يراها دون أن تعرف الدولة شيئاً عن نشاطه هذا، بل تقف تجاهه عاجزة مكتوفة الأيدي عن كشفه، بالرغم من بذل أقصى وسعها في ذلك، وما انكشاف بعض هذه الأموال للدولة إلا نتيجة لتقصير بعض الأطراف في الأخذ بهذا المسلك[١٢].
ولقد وقفت الدولة العباسية موقفاً شديداً وصارماً من أصحاب الإمام(ع) وقواعده المساندة، وقد فعلت الكثير من أجل تمييع أطروحة الإمام(ع) وشرذمة أصحابه، وعمدت إلى شراء الضمائر بالمال الوفير والعيش الرغيد.
وكان الإمام(ع) يقف من هذه المحاولات موقف الناصح والمسدد لأصحابه قائلاً لهم: الفقير معنا خير من الغني مع غيرنا، والقتل معنا خير من الحياة مع عدونا، ونحن كهف لمن التجأ إلينا، ونور لمن استبصر بنا وعصمة لمن اعتصم بنا، من أحبنا كان معنا في السنام الأعلى ومن انحرف عنا فإلى النار»[١٣].
الموقف الرابع: موقفه(ع) من التمهيد للغيبة
إن الإمام العسكري(ع) «حين يعلم بكل وضوح تعلق الإرادة الإلهية بغيبة ولده من أجل إقامة دولة الله على الأرض وتطبيقها على الإنسانية أجمع، والأخذ بيد المستضعفين في الأرض ليبدل خوفهم أمنا.. يعبدون الله لا يشركون به شيئاً..
يعرف أن عليه مسؤولية التمهيد لغيبة ولده، وذلك لأن البشر اعتادوا الإدراك والمعرفة الحسية، ومن الصعب على هذا الإنسان المعتاد على المعرفة الحسية فقط أن يتجاوز إلى تفكير واسع.
ولم يكن مجتمع الإمام(ع) الذي عاصر بواقعه المنحرف وهبوط مستواه الفكري والروحي يسمو إلى عمق هذا الإيمان وسمو فكرته، خاصة وأن غيبة الإمام حادث لا مثيل له في تاريخ الأمة.
والإرهاصات المسبقة والنصوص الكثيرة المتوالية التي جاءت تبشر بالمهدي(ع) وإن كانت متواترة وصحيحة عن النبي(ص) وإن رواها مؤلفو الصحاح وهم معاصرون أو متقدمون على هذه الفترة بمن فيهم البخاري ومسلم و أحمد بن حنبل ... نقول وإن كان لكل هذه النصوص والتبليغات، أثرها الكبير والفاعل في ترسيخ فكرة انتظار المهدي(ع) في نفوس المسلمين بشكل عام، وكان ايمانهم بها يتناسب تناسباً طردياً مع عمق إيمان الفرد وسعة تفكيره واتجاه مذهبه في الإسلام، فإن هذه النصوص ليست أكثر من عون للإمام لكي يقنع الناس بالإيمان بالغيبة من ناحية ويبرهن للناس تجسيد الغيبة في ولده المهدي من ناحية أخرى.
والأمر الأصعب الذي تحمل مسؤوليته الإمام العسكري(ع) بصفته والداً للمهدي(ع) هو إقناع الناس بفكرة حلول زمان الغيبة وتنفيذها في شخص ولده الإمام المهدي(ع) وهو أمر صعب بالنسبة للفرد العادي إذ أنه سوف يفاجأ ويصدم بإيمانه بفكرة الغيبة، فإن هناك فرقاً كبيراً في منطق إيمان الفرد العادي بشكل مؤجل لا يكاد يحس الفرد بأثره في الحياة وبين الإيمان بالغيب مع الإعتقاد بتنفيذه في زمان معاصر، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال الإفتراض التوضيحي التالي: - إذا أخبرنا شخص - لا نشك بصدقه - بقرب حدوث قيام الساعة أو قرب حدوث أجلنا، فإن مثل هذا الخبر سوف يولد لنا صدمة للإيمان بها، لأن الإيمان بحدوثها يحتاج إلى قوة مضاعفة من الإيمان والإرادة، وأن نحشد كل قوانا الإيمانية والروحية كي نتوصل معها للإيمان بهذا الأمر الغيبي.
هذه الحقيقة النفسية وملابساتها، كانت تلح على الإمام أن يبذل كل الجهد لتخفيف وقع الصدمة وتذليلها وتهيئة أذهان الناس لإستقبالها دون رفض أو إنكار، وتعويد أصحابه وقواعده على الإلتزام بها وخاصة وهو يريد تربية جيل واع يكون النواة الأساسية لتربية الأجيال الآتية والتي ستبني بجهدها تاريخ الغيبتين الصغرى والكبرى.
وإذا عطفنا على ذلك تلك الظروف والمعاناة الصعبة التي عاشها الإمام وأصحابه من قبل الدولة، وضرورة العمل والتبشير بفكرة المهدي الثورية، والتي كانت تعتبر في منطق الحكام أمراً مهدداً لكيانهم وخروجا على سلطانهم وتمرداً على دولتهم.
ومن هنا نحس بكل وضوح دقة التخطيط الملقاة على كاهل الإمام العسكري(ع) وحرج موقفه وهو يدعو لفكرة ولده المهدي(ع).
الامام(ع) يمهد لغيبة ولده المهدي(ع)
وقد اتجه نشاط الإمام العسكري وتخطيطه في تحقيق هذا الهدف إلى عملين ممهدين:
- حجب المهدي(ع) عن أعين الناس مع إظهاره لبعض خاصته فقط.
- شن حملة توعية لفكرة الغيبة، وإفهام الناس بضرورة تحملهم لمسؤولياتهم الإسلامية تجاهها وتعويدهم على متطلباتها. فعلى المستوى الثاني رأينا الإمام العسكري يصدر بياناته وتعليماته عن المهدي(ع) كحلقة متسلسلة من تلك النصوص والتعليمات التي بشر بها النبي(ص) والأئمة من بعده مع التأكيد والتخصيص على ولده المهدي(ع). واتخذت بيانات العسكري(ع) أشكالاً ثلاثة:
- بيان عام، كالتعرض إلى صفات المهدي(ع) بعد ظهوره وقيامه في دولته العالمية، كجوابه(ع) عن سؤال بعض أصحابه عن قيام المهدي قائلا#: «فإذا قام قضى بين الناس بعلمه كقضاء داوود لا يسأل البينة»[١٤].
- توجيه نقد سياسي للأوضاع القائمة، يقرنها بفكرة المهدي وضرورة تغييرها لها، فمن ذلك قوله: «إذا خرج القائم أمر بهدم المنابر والمقاصر في المساجد» وكانت تبنى هذه المقاصر لغرض الأمن من الاعتداء على الخليفة وزيادة الهيبة في نفوس الآخرين»[١٥].
- توجيه عام لقواعده وأصحابه، يوضح لهم أبعاد فكرة الغيبة، وضرورة التكيف لها من الناحية النفسية والإجتماعية تمهيداً لما يعانونه من غيبة الإمام وانقطاعه عنهم. فمن ذلك كتب الإمام(ع) لابن بابويه رسالة يقول فيها: «عَلَيْكَ بِالصَّبْرِ وَ اِنْتِظَارِ اَلْفَرَجِ قَالَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أَفْضَلُ أَعْمَالِ أُمَّتِي اِنْتِظَارُ اَلْفَرَجِ وَ لاَ يَزَالُ شِيعَتُنَا فِي حُزْنٍ حَتَّى يَظْهَرَ وَلَدِي اَلَّذِي بَشَّرَ بِهِ اَلنَّبِيُّ يَمْلَأُ اَلْأَرْضَ قِسْطاً وَ عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَ ظُلْماً فَاصْبِرْ يَا شَيْخِي يَا أَبَا اَلْحَسَنِ عَلِيَّ وَ أْمُرْ جَمِيعَ شِيعَتِي بِالصَّبْرِ فَ ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾[١٦]»[١٧].
- وقد اتخذ الإمام العسكري(ع) موقفاً آخر يمهد فيه للغيبة عندما احتجب بنفسه عن الناس، إلا عن خاصة أصحابه وأوكل مهمة تبليغ تعليماته وأحكامه بواسطة عدد من خاصته وذلك بأسلوب المكاتبات والتوقيعات، ممهداً بذلك إلى نفس الأسلوب الذي سوف يسير عليه ابنه المهدي(ع) في غيبته الصغرى وهو في احتجابه وإيصاله للتعليمات.
وقد يبدو الأمر غريباً مفاجئاً للناس لو حدث هذا بدون مسبقات وممهدات كهذه. ومن هنا كان أسلوب الإمام العسكري، منهجاً خاصاً في تهيئة ذهنيات الأمة وتوعيتها لكي تتقبل هذا الأسلوب وتستسيغه من دون استغراب ومضاعفات غير محمودة.
وكان قد بدأ التحضير والتخطيط لهذه الفكرة - بشكل بسيط - أيام الإمام الهادي(ع) عندما احتجب عن كثير من مواليه وأخذ يراسلهم عن طريق الكتب والتوقيعات[١٨] ليعود شيعته على هذا المسلك بشكل متدرج بطيء موافقا بذلك الفهم العام لدى الناس.
وفعلاً اعتاد أصحابه ومواليه الإتصال به والسؤال منه بطريق المراسلة والكتابة»[١٩].
وكذلك نظام الوكلاء الذي اتبعه الإمام العسكري(ع) مع قواعده الشعبية كان أسلوباً آخر من أساليب التمهيد لفكرة الغيبة.
وكان الشيعة إذا حملوا الأموال من الحقوق الواجبة عليهم إلى الإمام(ع) نفذوا إلى - عثمان بن سعيد العمري السمان - الذي كان يتجر بالسمن تغطية لنشاطه في مصلحة الإمام(ع) فكان يجعل الأموال التي يتسلمها في جراب السمن وزقاقه ويحمله إلى الإمام(ع) بعيداً عن أنظار الحاكمين، لأنهم إذا عرفوا أمره صادروه[٢٠].[٢١]
المراجع والمصادر
- ↑ الموسوعة ص٩٤.
- ↑ المناقب جزء ٣ ص٥٣٣.
- ↑ الإرشاد ص٣١٨ وأعلام الورى ٣٥٧.
- ↑ المناقب ج٣ ص٥٢٦.
- ↑ الإرشاد ٣١٨.
- ↑ دور الأئمة للصدر.
- ↑ المناقب ج٣ ص٥٢٦.
- ↑ المناقب ج٣ ص٥٣٥.
- ↑ الإحتجاج ج٢ ص٢٥٠.
- ↑ كشف الغمة ج٣ ص٤٠٧.
- ↑ كشف الغمة ج٣ ص٢٢٢ وأعلام الورى ٣٥٤.
- ↑ راجع للتوسع تاريخ الغيبة للصدر ص٢٠٦.
- ↑ كشف الغمة ج٣ ص٢١١.
- ↑ الإرشاد ص٣٢٣.
- ↑ المناقب ج٣ ص٥٣٦.
- ↑ سورة الأعراف، الآية 128.
- ↑ المناقب ج٣ ص٥٢٧.
- ↑ إثبات الوصية ص٢٦٢.
- ↑ الإرشاد ٣٢٣ وكشف الغمة ج٣ ص٢٠٧.
- ↑ غيبة الشيخ الطوسي ص٢١٥-٢١٩.
- ↑ عادل الأديب، الأئمة الاثنا عشر، ص 235-247.