نقاش:الإمام المهدي عند أهل السنة
التمهيد
باب الإخبار بالمستقبل باب عظيم من أعلام نبوة محمد (ص)، وإذا أخبر الرسول (ص) بشيء من الأخبار، فلا مجال للشك في وقوعها كما أخبر، قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾[١]، وقد كان للنبي الخاتم من أخبار المستقبل الحظ الوافر الذي أيد الله به رسالته.
عن عمرو بن أخطب الأنصاري قال: صلى رسول الله يوماً الفجر وصعد على المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل، فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل، فصلى، ثم صعد المنبر حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان، وبما هو كائن إلى يوم القيامة قال: "فأعلمنا أحفظنا "[٢]
وعن حذيفة قال: قام فينا رسول (ص) مقاما، فما ترك شيئاً يكون من مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدثه حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته، فأراه، فأذكر كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رأه عرفه[٣]
ومن هذه الأمور التي أخبر رسول الله أنها ستقع ما ورد عن ظهور رجل صالح في آخر الزمان يؤيد الدين ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، وقد ورد في بعض هذه الأحاديث تلقيبه بالمهدي.
والمهدى لغة اسم مفعول من "هُدِى" والهدى هو الرشاد، والدلالة كما ورد في الصحاح[٤].
وفي لسان العرب: " الهدى: ضد الضلال، وهو الرشاد، وفي الحديث: سنة الخلفاء الراشدين المهديين، المهدي: الذي قد هداه الله إلى الحق قد استعمل في الأسماء حتى صار كالأسماء الغالبة "[٥].
وقد استعملت كلمة المهدي بمعنى من هداه الله في عهده (ص)، ثم انتقلت بعد ذلك إلى معنى آخر يفيد عدة أمور تتنازعها الآراء والفرق المختلفة.
وقد وردت عدة أحاديث فيها التصريح بلقب المهدي وصفاته منها:
حديث أبي سعيد الخدرى قال: قال رسول الله: «يَخْرُجُ فِي آخِرِ أُمَّتِي الْمَهْدِيُّ يَسْقِيهِ اللَّهُ الْغَيْثَ، وَتُخْرِجُ الْأَرْضُ نَبَاتَهَا، وَيُعْطِي الْمَالَ صِحَاحًا، وَتَكْثُرُ الْمَاشِيَةُ وَتَعْظُمُ الْأُمَّةُ، يَعِيشُ سَبْعًا أَوْ ثَمَانِيًا»[٦]
ومنها: ما رواه الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا عوف عن أبى الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري: قال رسول الله: «لا تَقومُ السّاعةُ حتّى تَمْتَلئَ الأرضُ ظُلماً وعُدْواناً ، ثُمّ يخرُجُ رجُلٌ مِن عِترتي فيَملَؤُها قِسْطاً وعَدلاً كما مُلِئتْ ظُلماً وعُدْواناً»[٧].
ومنها: عن أبي سعيد الخدري له قال رسول الله: «المهدي مني، أجلى الجبهة يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً، ويملك سبع سنين»[٨].
وجاء عند مسلم تنبيه على المهدي من قوله: " لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، فينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة ".
وقد ذكر أهل العلم أن هذا الرجل الذي يتقدم ويصلي بعيسى هو المهدي، ثم بعد ذلك يتولى عيسى ابن مريم (ع) زمام الأمور .
وفي رواية ذكر ابن القيم أن إسنادها جيد "فيقول أميرهم المهدي"، ولذلك قال الإمام الشوكاني عن هذه الأحاديث: " الأحاديث في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثاً فيها الصحيح، والحسن، والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك وشبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما دونها في جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول، وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي فهي كثيرة أيضاً، لها حكم الرفع ؛ إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك"
أما المجمل العام لصفات المهدي كما جاءت في الأحاديث الصحيحة:
أنه سيظهر في آخر الزمان، وأن اسمه محمد بن عبد الله، وأنه من أهل بيت النبي، من ولد فاطمة الله أقنى الأنف، يصلحه الله في ليلة، تملأ الأرض قبل خلافته ظلماً وجوراً، فيملؤها بعد خلافته قسطاً وعدلاً، وذلك في آخر الزمان .
ومجموع الصفات الواردة لا يزيد عن الإخبار بظهور رجل من المصلحين في آخر الزمان يرفع لواء الحق، ويعلى كلمة الله، ويمكن للإسلام ويكون طليعة للخير الذي يأتي بعده . يملك سبع سنين، أو ثمانية، يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، وتنعم في عهده نعمة لم تنعمها قط، يعطى المال صحاحاً، ويحثيه حثياً، لا يعده عدا .
ينزل عيسى ابن مريم فيصلي وراءه مما يستلزم أن يكون المهدي معاصراً خروج المسيح الدجال، لأن عيسى (ع) يقتله بعد نزوله من السماء.
عن الغلو في شأن المهدي حدِّث ولا حرج، عن انتظار المهدي وتعطيل الأحكام من أجل غيابه، حتى تعطل فرائض كثيرة، ومصالح كبيرة، هذا بالنسبة للشيعة .
أما أهل السنة فهم الآخرون ينتظرون، ويتطلعون ويتفرجون بل تبارى بعض من كتب عن المهدي فتحدث عن سنة خروجه بالتحديد، وحروبه المتتالية وتفاصيلها، ونتائجها، وكل هذا لم يرد في نص صحيح صريح .
وجو الانتظار هذا فرّخ أدعياء للمهدوية في كل زمان منهم مثلاً: مهدي المغرب (عبد الله بن تومرت)، ومهدي السودان (محمد أحمد)، ومحمد بن عبد الله القحطاني في السعودية، وغيرهم كثير المهدي في معتقد الشيعة الاثنى عشرية: وهو في اعتقادهم آخر الأئمة الاثنى عشر المنصوص عليه عندهم، واسمه محمد بن الحسن العسكري، ويلقب عندهم - بالمهدي المنتظر، وصاحب الزمان.
ويعتقد الشيعة الإمامية أن الإمامة منصب إلهي، وأنها ركن من أركان الدين، لا يصح إيمان عبد حتى يعتقد فيه على النحو الذي يقولون به، فهي تمام إيمانهم، وبناء إسلامهم، وركن أحكامهم .
ويعتقدون كذلك أن إمامة هؤلاء الأئمة منصوص عليها من النبي الخاتم فقد نص على الخليفة من بعده وهو علي بن أبي طالب في رأيهم . ثم على الخلفاء الاثنى عشر جميعاً بأسمائهم، وآخرهم - كما يرون - هو محمد بن الحسن العسكري الملقب بالمهدي المنتظر .
هذا ومن المعلوم عن أتباع هذه الفرقة أنهم يغلون في أئمتهم غلواً شديداً، فيعتقدون أنهم معصومون عن الخطأ والسهو والنسيان منذ ولادتهم حتى موتهم، بل إنهم يولدون متعلمين لا يحتاجون إلى تعليم المتعلمين ويعتقدون أن أمرهم أمر الله تعالى، ونهيهم نهيه، وطاعتهم طاعته ومعصيتهم معصيته، ووليهم وليه وعدوهم عدوه، ولا يجوز الرد عليهم والراد عليهم كالراد على رسول الله، فيجب التسليم لهم، والانقياد لأمرهم، والأخذ بقولهم[٩].
يقول الشيخ / إحسان إلهي ظهير: " وأما الثاني عشر الموهوم، فكفى فيه القول إنهم يصرحون في كتبهم أنفسهم أنه لم يولد، ولم يعثر عليه ولم ير له أثر مع كل التفتيش والتنقيب، ثم يحكون حكايات وينسجون الأساطير، ويختلقون القصص والأباطيل في ولادته وأوصافه. إما موجود ولد، وإما معدوم لم يولد غير مولود ومولود! ومعدوم وموجود"[١٠].
وقد حكى الإمام ابن حزم اضطرابهم الشديد في شأن ذلك المولود الذي لم يخلق قط، ثم قال: وكل هذا هوس، ولم يعقب الحسن المذكور لا ذكراً ولا أنثى فهذا أول نُوَكَ (حمق) الشيعة، ومفتاح عظيماتهم[١١]
وقال الإمام ابن القيم في شأن ذلك الإمام الموجود في خيالاتهم: " إنه الحاضر في الأمصار الغائب عن الأبصار، الذي ورث العصا، ويختم الفضا، دخل سرداب سامرا طفلاً صغيراً، من أكثر من خمسمائة سنة، فلم تره بعد ذلك عين ولم يحس فيه بخبر، ولا أمر، وهم ينتظرونه كل يوم يقفون بالخيل على باب السرداب، ويصيحون به أن يخرج إليهم: " اخرج يا مولانا " ثم يرجعون بالخيبة والحرمان، فهذا دأبهم ودأبه[١٢].
إن حكاية المهدي في معتقد الشيعة الاثنى عشرية حكاية غريبة نسج الخيال خيوطها، وصاغ أحداثها وأحوالها، وتحولت بعد ذلك إلى أسطورة من أساطير الزمان، يمجها العقل السليم، والفطرة الصحيحة . فقد بدأت قصة المهدى - عندهم - بدعوى ولد للحسن العسكري اختفى، ثم تطورت إلى دعوى أخرى وهي أن هذا الولد إمام، ثم تطورت فجاءت دعوى النيابة عن هذا الإمام ثم ادعاء أن هذا المختفي هو المهدي المنتظر .
إن غيبته عن الأنظار، وعدم خروجه، وقيادته للأمة، سياسياً، ودينياً، يشكل تحدياً كبيراً للقائلين بوجوده، ويمثل تناقضاً صارخاً مع القول بضرورة وجوده. فكيف يمكننا أن نقول إن وجوده ضرورة لا بد منها، ثم نقول في الوقت نفسه إنه غائب، ولا بد له أن يغيب.
يقول أحد علمائهم: " لا يخفى علينا أنه (ع)، وإن كان مخفياً عن الأنام ومحجوباً عنهم، ولا يصل إليه أحد، ولا يعرف مكانه، إلا أن ذلك لا ينافي ظهوره عند المضطر المستغيث به الملتجئ إليه، الذي انقطعت عنه الأسباب، وأغلقت دونه الأبواب، فإنه إغاثة الملهوف، وإجابة المضطر في تلك الأحوال، وإصدار الكرامات الباهرة، والمعجزات الظاهرة، هي من مناصبه الخاصة، فعند الشدة وانقطاع الأسباب من المخلوقين، وعدم إمكان الصبر على البلايا دنيوية أو أخروية، أو الخلاص من شر أعداء الإنس والجن، يستغيثون به، ويلتجئون إليه [١٣].
وما ينبغي أن نؤكد عليه أن عقيدة أهل السنة في المهدي في واد، وعقيدة الشيعة في مهديهم في واد آخر، ولا يجوز أن ندع حقا لباطل، فكون الرافضة كذبوا في ادعاء المهدية لإمامهم الوهمي لا يسوغ لنا عقلاً ولا نقلاً أن نرفض الأدلة الصحيحة من سنته تؤكد أن المهدى حقيقة.
وقد كانت قضية " المهدي والمهدية ولا تزال قضية مثيرة للجدل ولعل مصدر رسوخها في الوجدان الإسلامي، واستقرارها في العقول وتكرارها في دورة التاريخ، يرجع بعد النصوص الواردة عن رسول الله فيها إلى كونها تمثل الأمل والطموح والاستبشار، والتطلع إلى عهد جديد تُملأ الأرض فيه عدلاً ورخاء بعد أن ملئت ظلماً وجوراً، ومن ثم أضافوا إلى لقب " المهدي" وصف . "المنتظر".
كذلك أثرت فكرة الشيعة عن المهدي في بعض طوائف أهل السنة كما يقول د/ علي سامى النشار: " إن فكرة الشيعة عن المهدية قد أثرت بلا شك في فكرة مهدي أهل السنة والجماعة، والذين يبدوا أنهم اختلفوا في حقيقة المهدي ورجعته، وأنكره البعض كما أنكره المعتزلة جميعاً [١٤]
وكلما ساءت الأحوال في جهة من جهات العالم الإسلامي، أو تعرضت لغزو خارجى قامت حركة إسلامية تسعى إلى الإصلاح والمقاومة، لكن إزاء الشعور بالعجز والانبهار بقوة الأعداء كانت بعض هذه الحركات تتطور أو تتحور إلى حركة ثورية يتقمص زعيمها دور "المهدي"، وكم من مدع للمهدية ضمن له ادعاؤه التفاف الأتباع وازدحامهم من حوله كيف لا؟ والمهدي عندهم منصور غالب قاهر، مؤيد بالخوارق والكرامات، ولذا فهو " المنقذ" الذي يستطيع أن يصمد أمام الأعداء وينجز مهام المهدية في نشر العدل والرخاء.
وكأن الغلاة في أمر المهدي لم يقرأوا قول الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾[١٥]ز
فللتغيير سننه، وإذا كان المهدي سيأتي - ونحن نؤمن بذلك - فسيكون قائداً للتغيير وفق سنن الله - تعالى - في خلقه، ومؤيداً بنصر الله هو وعصبته المؤمنون، وهذا التأييد ليس خارجاً عن سنن الله تعالى، فالله ينصر من ينصره، ويتبع سنة النبي الخاتم، الذي عاش حياته كلها في جهاد متواصل، وملأ الأرض نوراً وعدلاً، كل ذلك أخذا بأسباب الله في خلقه، وما حادثة الهجرة عنا ببعيدة، وقد كانت الحرب بين خاتم النبيين والمشركين سجالاً، وكان المؤمنون ينفرون معه خفافاً وثقالاً، فهل يكون المهدي أهدى منه أعمالاً؟ وأحسن حالاً ومالاً فيعيد للمسلمين مجدهم وعدل شرعهم بالخوارق والكرامات .
فخلاصة معتقد أهل السنة في المهدى أن الله سبحانه وتعالى سيبعث في آخر الزمان إنساناً مصلحاً يقضي على الظلم، ويقيم راية العدل دون أن يتطلب ذلك تخليداً لحي أو عودة لغائب، أو رجعة لميت، أو خرقاً لسنن الله ونواميسه في الكون.[١٦]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة الجن، الآية ٢٦-٢٧.
- ↑ أخرجه مسلم في الفتن . باب إخبار النبي فيما يكون إلى قيام الساعة.
- ↑ رواه البخارى (٦٦٠٤) فتح الباري ج ١١ ص ٤٩٤.
- ↑ الصحاح: الجوهري - ج ١ ص ٢٥٣٣.
- ↑ لسان العرب: ج ١٥ ص ٣٥٣، ٣٥٤ .
- ↑ أخرجه الحاكم في المستدرك ج ١ ص ٥٥٨، ٥٥٧، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد.
- ↑ رواه الإمام أحمد ج ٣ ص ٣٦ مسند أبي سعيد الخدري.
- ↑ رواه أبو داوود . ج ٤ ص ١٠٧ .
- ↑ عقائد الإمامية: محمد رضا المظفر ص ٧٠.
- ↑ الشيعة وأهل البيت: ص ٢٩٤، ٢٩٥.
- ↑ الفصل في الملل والنحل: ج ا ص ١٨١.
- ↑ المنار المنيف: ص ١٥٢، ١٥٣.
- ↑ الإمام المهدى وظهوره: ص ٣٢٥.
- ↑ نشأة الفكر الفلسفى: د٫ على سامى النشار: ج ٢ ص ٣٠٣.
- ↑ سورة الرعد، الآية ١١.
- ↑ محمود محمد حسين علي، مقالة «المهدي»، موسوعة العقيدة الإسلامية، ص ١٠٦٨-١٠٧١.