نقاش:برهان الحركة في علم الكلام

محتويات الصفحة غير مدعومة بلغات أخرى.
من إمامةبيديا

كتاب تبيين براهين إثبات الله (تبسيط)

حدود برهاني الحركة والحدوث ومقدّماتهما

عندما لا نتعرّف على العناصر الأساسية والمفاهيم المهمّة في برهان، فإنّنا نخلط بينه وبين براهين أخرى. فمثلاً، برهان الحركة وبرهان الحدوث تمّ استخدامهما في كتابات الفلاسفة والمتكلمين المسلمين للاستدلال على وجود الله.

في برهان الحركة، يقال إنّ الحركة هي خروج الشيء تدريجيّاً من القوّة إلى الفعل، وهذا يحتاج إلى علّة فاعلة. فإذا كانت علّة الحركة متحرّكة أيضاً، فهي تحتاج إلى محرّك آخر، وهكذا. ولكن لا يمكن أن يستمرّ هذا التسلسل إلى ما لا نهاية، فلابدّ من وجود محرّك ثابت في نهاية السلسلة.

أمّا في برهان الحدوث، فيقال إنّ كلّ شيء حادث (أي له بداية) يجب أن يكون له علّة توجده. وبما أنّ سلسلة العلل لا يمكن أن تستمرّ إلى ما لا نهاية، فلابدّ من وجود موجود قديم غير حادث في نهاية السلسلة.

والنقطة المحوريّة في برهان الحدوث هي أنّ الحدوث يستلزم الحاجة إلى علّة. بل إنّ المتكلمين المسلمين يذهبون إلى أبعد من ذلك، فيقولون إنّ كلّ معلول لابدّ أن يكون حادثاً، ولا يمكن أن يكون معلول قديماً غير حادث[١].

نقد برهان العلّية

بعض علماء اللاهوت الغربيّين، مثل توما الأكويني، يستخدمون برهان العلّية إلى جانب البراهين الأخرى للاستدلال على وجود الله. وهذا البرهان يعتمد على استحالة استمرار سلسلة العلل إلى ما لا نهاية.

في الحقيقة، مبدأ العلّية هو أساس لجميع البراهين التي تستدلّ على وجود الله، بل هو أساس لفكرة البرهان نفسها. فالبرهان يقوم على وجود علاقة علّية بين المقدّمات والنتائج.

لذلك، العلّية ليست برهاناً مستقلّاً بذاته، بل هي فكرة تستخدم في جميع البراهين. فكلّ استدلال يحتاج إلى قبول قانون العلية، أو على الأقلّ الاعتراف بوجود علاقة علّية بين المقدّمات والنتائج.

ولكن لإكمال هذه البراهين، نحتاج أيضاً إلى أحد الأحكام السلبية لقانون العلّية، وهو بطلان الدور والتسلسل (أي استحالة أن تكون العلّة معلولة لمعلولها، أو استمرار سلسلة العلل إلى ما لا نهاية).

وفي بعض الأحيان، تتجاوز الفلسفة الإسلامية فكرة العلّية المباشرة، وذلك باعتبار التلازم بين الإمكان - بالمعنى الفلسفي - وبين كون الشيء معلولاً، أو باعتبار أنّ العلّة الحقيقية للأشياء غنيّة بذاتها عن معلولاتها. وهذا الاستدلال يرجع إلى برهان الإمكان وما يشبهه، وسنتحدّث عنه لاحقاً[٢].

ميدان برهان الحدوث والحركة

البراهين الثلاثة المشهورة لإثبات وجود الله تعالى هي: برهان الحدوث، وبرهان الحركة، وبرهان الإمكان والوجوب. ولكن برهاني الحدوث والحركة لا يتمتّعان بنفس القوّة والشمولية كبرهان الإمكان والوجوب، وذلك لسببين:

  1. يعتمد برهانا الحدوث والحركة على استحالة الدور والتسلسل، بخلاف برهان الإمكان والوجوب الذي لا يتوقّف عليهما.
  2. يحتاج برهانا الحدوث والحركة إلى برهان الإمكان والوجوب لإثبات ذات الله الواجب الوجود.

فبرهان الحركة يثبت وجود محرّك غير متحرّك، وبرهان الحدوث يثبت وجود محدِث قديم، لكن لا يثبتان وجوب ذلك المحرّك أو المحدِث. فالمحرّك غير المتحرّك أو المحدِث القديم قد يكون جسماً أو صورة جسمية؛ لأنّ الحركة والحدوث في الفلسفة اليونانية والإسلامية ترتبط بصفات الأجسام وأعراضها فقط.

ولذلك فإنّ هذين البرهانين يثبتان المحرّك والمحدِث في حدود تلك الصفات والأعراض فقط، ولا ينتقلان إلى ذات الجسم نفسه. وللانتقال إلى ذات الجسم، لابدّ من الاستعانة بنظرية الحركة الجوهرية التي نقلت الحركة إلى جوهر عالم الطبيعة نفسه.

إلّا أنّ حتّى الحركة الجوهرية لا تكفي وحدها لإثبات وجوب المحرّك أو المحدِث، بل لابدّ بعدها من الاستعانة ببرهان الإمكان والوجوب لإثبات أنّ هناك واجب الوجود بذاته، مستغن عن غيره، وأنّ كلّ ما سواه ممكن الوجود ومحتاج إليه.

وهكذا يتبيّن أنّ برهاني الحدوث والحركة يحتاجان إلى برهان الإمكان والوجوب لإكمال مسيرتهما في إثبات وجود الله الواجب الوجود[٣].

دراسة الإشكالات على برهانَي الحركة والحدوث

هناك بعض الإشكالات المشتركة أو الخاصّة بأحد برهاني الحركة والحدوث. بعضها يعود إلى قصور في فهم المفاهيم المأخوذة فيهما، وبعضها وارد عليهما.

أحد هذه الإشكالات هو الخلط بين أنواع العلل المختلفة، ممّا أدّى إلى القول بأنّ الأثر يمكن أن يكون أقوى من المؤثّر.

إشكال آخر ناتج عن عدم فهم حقيقة الحركة والسكون، واعتبار الحركة وحدها تحتاج إلى محرّك وعلّة.

المتكلمون المسلمون يعتقدون أنّ قِدَم فيض الله يؤدّي إلى عدم اختياره وعدم حاجة الفيض إليه. لكن هذا الاعتقاد خاطئ بسبب قصورهم في فهم العلّة والاختيار.

الفاعل المختار عند المتكلمين يفصل الزمن بينه وبين فعله، بينما عند الفلاسفة هو الذي يفعل أو لا يفعل بإرادته.

قِدم الفيض لا يؤدّي إلى استغناء الفعل عن الفاعل، كما أنّ أبديّة المعاد لا تعني الاستغناء عن الله. والحدوث ليس سبب حاجة المعلول للعلّة.

علّة الحاجة إلى العلّة عند الفلاسفة هي الإمكان، وهو صفة ملازمة للمعلول تجعله محتاجاً للعلّة دائماً حتّى في قِدَمه وأبديّته.

لذلك فضّل الحكماء والفلاسفة برهان الإمكان والوجوب على برهاني الحركة والحدوث لقوّته وقصورهما[٤].

حدود برهاني الحركة والحدوث ومقدّماتهما

إنّ عدم التعرّف إلى العناصر المحورية في برهان الإمكان والوجوب والغفلة عن المفاهيم المأخوذة، صار سبباً للخلط بينه وبين براهين أخرى كبرهان الحركة أو الحدوث وعرضهما تحت عنوان ذلك البرهان. لقد ورد برهان الحركة في كتابات أفلاطون وأرسطو، واستفيد منه في كتب فلاسفة الإسلام وحكمائه، واستفيد من برهان الحدوث أيضاً للاستدلال على وجود اللّه في علم الكلام الإسلامي.

الحركة هي خروج الشيء تدريجاً من القوّة إلى الفعل، والخروج من القوّة إلى الفعل يتوقّف يحتاج إلى علة فاعلّيّة؛ وذلك لأنّ الفعلية هي كمالٌ وجوديٌ للمتحرِّك، وهذا الكمال ليس موجوداً فيه، وفاقدُ الكمال الوجودي لا يمكن أن يكتسبَه دون مبدأ فاعلي واجدٍ لذلك الكمال، وعليه كلّ متحرّك محتاج للدخول إلى مرحلة الفعلية إلى الغير، وهذا الغير يُسمّى العلّة الفاعليّة للحركة. وإذا كانت علّة الحركة أمراً متحرّكاً، احتاج المحرِّك الثاني إلى محرِّك وهكذا، وعلى ضوء استحالة تسلسل العلل الفاعليّة وبطلانه، يستنتج أنّ فاعل الحركة لابدّ من أن يكون ثابتاً.

وفي برهان الحدوث، يُعدُّ الحدوث سبباً للحاجة إلى العلّة، بهذا البيان: كلّ حادث وكلّ ما له بداية يجب أن تتوفّر له علّة لإحداثه وإيجاده، ولمّا كان تسلسل العلل محالاً؛ فلابدّ من انتهاء سلسلة العلل الفاعلة إلى موجودٍ قديمٍ وغيرِ حادثٍ.

العنصر المحوري في برهان الحدوث هو سببيّة الحدوث للمعلولية والاحتياج إلى علّة؛ أي إنّ برهان الحدوث لا يكتفي بالحكم بأنّ كلّ حادثٍ وذي بداية معلولٌ؛ وذلك لأنّ هذه النقطة محلُّ اتفاق بين الجميع. غير أنّ الحدوث الذي عرضه المتكلّمون المسلمون في كتبهم واستندوا إليه، يبتني على دعوى أنّ كلّ معلولٍ حادثٌ، ولا معلولَ يمكن أن يكون غيرَ حادثٍ[٥].

نقد برهان العلّية

بعض اللاهوتيّين الغربيّين من أمثال توما الأكويني في كتابه الخلاصة اللاهوتيّة، يجعل برهان العلّية إلى جانب سائر البراهين، ويستند في برهانه هذا إلى استحالة تسلسل العلل[٦] وقد تقدّم أنّ مبدأ العلّيّة تحتاج إليه جميعُ البراهين، ولا يخلو من الحاجة إليه برهانٌ من البراهين التي يُستدلُّ بها على وجود اللّه؛ بل إنّ فكرة البرهان، كما تقدّم، تقوم على مبدأ الربط العلّي بين المقدّمات والنتائج.

إذن العلّية ليست برهاناً مستقلّاً عن البراهين التي يُستفاد فيها من فكرة العلّيّة؛ لأنّ كلّ استدلال يتوقّف على قبول قانون العلّيّة، ولا أقلّ من الاعتراف بعلاقة العلّيّة بين المقدّمات والنتائج؛ لكنّ تتميم الأدلّة المعروفة، يتوقّف على أحد الأحكام السلبية لقانون العلّيّة العامّ وهو بطلان الدور والتسلسل. وإذا كانت الفلسفة الإسلامية في بعض الحالات تطوي مسار العلّيّة وتجوز على صراطه، فذلك بلحاظ المساوقة بين الإمكان الفقري، لا الماهوي، وبين المعلول، أو بلحاظ الغنى الذاتي أو الإطلاقي الثابت للعلّة الحقيقية للأشياء والموجودات. وهذا استدلال يرجع إلى برهان الإمكان الفقري وأشباهه، وسوف نعرض لهذا البرهان لاحقاً[٧].

ميدان برهان الحدوث والحركة

لا تتوفّر في برهاني الحدوث والحركة - اللذين يذكران أحياناً تحت عنوان الإمكان والوجوب - ما يتوفّر في برهان الإمكان؛ وذلك للسببين الآتيين:

أوّلاً: لأّنهما يعتمدان على استحالة الدور والتسلسل بخلاف برهان الإمكان الذي أشرنا إلى عدم توقّفه على الاستحالة المشار إليها.
ثانياً: يحتاج هذان البرهانان إلى برهان الإمكان والوجوب لإثبات ذات الواجب تعالى.

فبرهانُ الحركة إثر نفي التسلسل في العلل الفاعلة للحركة يثبت وجود المحِّرك غير المتحرِّك، وبرهان الحدوث يقودنا إلى محدثٍ قديم؛ لكنّ أيّاً من هذين البرهانين لا يثبت وجوب المحرِّك غير المتحرِّك، أو وجوب القديم.

المحرِّك غير المتحرِّك كما تفهمه المدرسة المشّائيّة، أو المحدِث القديم كما تصوّره كتب علم الكلام الإسلامي، يمكن أن يكون الجسمَ أو الصورة الجسمية؛ وذلك لأنّ الحركة في الحكمة المشّائية تقع في أوصاف الجسم وعوارضه. والحدوث عند المتكلّمين له صلة ومرتبط بعوارض الأجرام المادّيّة وأوصافها. وعلى ضوء هذا، فإنّ برهان الحركة أو الحدوث يثبتان المحرِّك والمحدِث في حدود هذه الأوصاف والعوارض. والحدوث يقع وتتّصف به الموجودات في دائرة التغيير. وإذا كانت دائرة التغيير مقصورةً على بعض عوارض الجسم، فإنّ الحاجة إلى المحدِث تكون مقصورة على هذه الدائرة فحسب. ومن هنا، نلاحظ أنّ برهان المتكلِّمين يُنَظَّم على النحو الآتي: العالم متغيِّرٌ، وكلُّ متغيرٍ حادثٌ؛ فالعالمُ حادثٌ.

وبالتدقيق في هذه الصورة للدليل يمكن تصويره وصياغته بالآتي: «العالم في عوارضه وصفاته متغيّر، وكلّ ما هو متغيّر في عوارضه وصفاته؛ هو حادث في عوارضه وأوصافه».

وعلى هذا، فإنّ القياس الثاني لأهل الكلام «العالمُ حادثٌ، وكلُّ حادثٍ يحتاج إلى محدِثٍ؛ إذن العالم محتاجٌ إلى محدِث»، يمكن تحويله إلى «العالم في عوارضه وأوصافه حادث، وكلّ ما هو حادث في عوارضه وأوصافه يحتاج إلى محدِث في أوصافه وعوارضه؛ إذن العالم يحتاج إلى محدِث في عوارضه وأوصافه». وعلى ضوء هذا البيان إنّ جوهر عالم الطبيعة وذاته جسمانيٌ، وكما هو مصونٌ من التغيير والحدوث، فكذلك هو مستغنٍ عن المحرِّك والمحدِث.

وهكذا يظهر عجز القائلين ببرهان الحركة والحدوث عن دفع شبهة أزليّة المادّة أو أزليّة الصورة الجسميّة؛ وذلك لأنّ الجسم المركّب من المادّة والصورة، متغيّرٌ وحادثٌ في محلٍّ آخر خارج عن ذاته؛ أي في محور الصور النوعيّة التي تعرض على الجسم.

والصور النوعيّة يمكن على أساس الكون والفساد، أن تتغيّر إلى صور غير متناهية تتعاقب على الجسم، والأعراض التي تقع فيها الحركة حسب تصوّر المتكلّمين، يمكن أن تتحرّك بالتسلسل التعاقبي. وفي الحالين يقع الحدوث والحركة خارج دائرة ذات الجسم وجوهره وبالتالي تكون حاجته إلى المحرّك والمحدث في هذا النطاق فحسب.

ويستند المتكلّمون لإثبات انتقال الحركة من العوارض والصور النوعيّة إلى ذات الجسم إلى أنّ كلّ ما لا يخلو من الحوادث هو حادثٌ؛ لكنّهم يغفلون عن أنّ الأمرَ الخالي من الحوادث هو حادثٌ في حدود تلك الحوادث فقط. وإذا أُسنِد الحدوث المنصبّ على الحوادث، إلى محلّ الحوادث؛ فإنّ ذلك من باب الوصف بحال المتعلّق. والحاجة إلى محدِث ومحرِّك تنتقل إلى المادّة أو الصورة الجسميّة في حالةٍ واحدةٍ، وهي حالة الاستعانة بالحركة الجوهريّة، في هذه الحالة فحسب، تنتقل الحركة إلى ذات الجوهر الجسماني.

واستشكل ابن سينا رحمه الله على أهل الكلام الذين يستندون إلى المقولة المذكورة أعلاه لإثبات حدوث الطبيعة، ويقول لهم إذا كان كلّما لا يخلو من الحوادث حادثاً؛ فإنّ ذلك سوف يفضي، معاذ اللّه، إلى الاعتقاد بحدوث اللّه سبحانه؛ وذلك لأنّه حسب قولهم العالم حادثٌ، وهذا يعني أنّ اللّه كان ولم يكن شيء، وبعد ذلك أراد وبدأ خلق العالم، والإرادة عندهم هي صفةُ فعلٍ، وبالتالي هي حادثة كما العالم حادث، وعليه يكون اللّه محلّاً للحوادث؛ لأنّه لم يكن قبل خلق العالم مريداً خلقَه، وبعد ذلك أراد، والإرادة حادثة، وعلى الرغم من عدم كونها صفة ذات، ولكنّها قائمةٌ بالذات، والذات محلُّها حسب رؤيتهم واعتقادهم، والذات التي هي محلٌّ للحوادث حادثة، وفق المقولة الآنفة الذكر.

فإذا أنكر أهل الكلام الملازمة بين حدوث الإرادات وحدوث الذات القائمة تلك الإرادات بها، فسوف يختلّ استدلالهم على حدوث الجسم، وإذا اختلّ أصل حدوث الجسم ينسدّ باب إثبات المحدِث من هذا الطريق. وعليه، لا يمكن إثبات التغيّر في أصل الجسم بالاستناد إلى قاعدة «ما لا يخلو من الحوادث حادث».

والباب الوحيد لإثبات الحدوث للجسم والمادّة هو باب الحركة الجوهرية؛ لأنّ الحركة الجوهرية وحدها هي التي تنقل الحركة من الأعراض إلى الجسم والجوهر الجسماني.

وقد نقل صدر المتألّهين، بقوله بالحركة الجوهرية، الحركةَ إلى جوهر عالم الطبيعة، بل إلى متن الوجود والواقع. وبالقول بالحركة الجوهرية، يثبت التغيّر والحركةَ الشاملة والرائجة في عالم الطبيعة ويتّسع نطاق برهانَيْ الحدوثِ والحركة من دائرة الأوصاف والأعراض إلى الجوهر نفسه، وتثبت حاجته في ذاته إلى المحدِث والمحرِّك الذي هو من غير عالم الطبيعة وخارجه.

ومع أهميّة هذه الخدمة التي تسديها الحركة الجوهرية لبرهانيَ الحدوث والحركة من جهةِ توسعة نطاقهما من الأعراض إلى الجوهر، إلّا أنّها لا تكفي لجبر قصورهما عن إثبات ذات الواجب.

فقد حرّرت الحركة الجوهرية البرهانين من أسر عالم الطبيعة، وارتقت بهما إلى أوج عالم المجرّدات وحقائق ماوراء الطبيعة؛ لكنّ ذلك المبدأ المجرّد وغير المادّي الذي هو محرِّك الأشياء الطبيعية ومحدثها، يمكن أن يكون موجوداً مجرّداً أو قديماً، وفي الوقت نفسه ممكناً ومحتاجاً؛ ولأجل هذا ما لم يُستعن ببرهان الإمكان والوجوب ويُستنَد إليه، لا ينتهي الاستدلال ولا يختم بواقع وحقيقة هي واجبة في ذاتها ومستغنية.

وهكذا يتبيّن أنّ برهاني الحدوث والحركة مضافاً إلى حاجتهما الزائدة إلى نفي التسلسل في العلل الفاعلّية، مبتليان بنقصين آخرين، وعلى الرغم من انجبار أحد هذين القصورين بإثبات الحركة الجوهرية، فإنّ النقص والقصور الأساس الآخر لا يرتفع إلّا بالاستناد إلى برهان الإمكان والوجوب[٨].

دراسة الإشكالات على برهانَي الحركة والحدوث

توجّه إلى برهانَي الحركة والحدوث إشكالاتٌ مشتركة أو مختصّة بأحدهما، وعلى الرغم من أنّ بعض هذه الإشكالات مردّها إلى قصور في إدراك المفاهيم المأخوذة فيهما، فإنّ بعض هذه الإشكالات واردة عليهما.

أحد هذه الإشكالات المشتركة هو الإشكال على استحالة تسلسل العلل. وهذا الإشكال ناشئ من الخلط بين العلل القابلة والإعدادية والعلل الفاعلّية، وقد أفضى الخلط بين العلل الفاعلّية وبين العلل الإعدادية أو المُعِدَّة في بعض الكتابات إلى القول بإيجاد الفعل الأقوى والأعلى من الفاعل الضعيف والنازل، بحيث جاز أن يكون الأثر أقوى من المؤثّر!

وثمّة إشكال آخرُ مردّه إلى عدم الالتفات إلى حقيقة الحركة والسكون، والغفلة عن كون الحركة وجوداً والسكون عدماً. وحاصل الإشكال على ما ورد في آثار أفلاطون أنّه لم يجعل الحركة والسكون في صفّ وخانةٍ واحدةٍ، بل اعتبر أنّ الحركة وحدها تحتاج إلى محرِّكٍ وعلّة[٩].

و مبرِّرُ تمسُّك المتكلّمين المسلمين ببرهان الحدوث هو اعتقادهم بأنّه لو كان فيضُ الله قديماً، يترتّب إشكالان:

أحدهما: أنّ الله لا يكون مختاراً في فيضه.
والثاني: أنّ الفيض الإلهي لا يكون محتاجاً إلى مبدأ.

ولكنّ هذا الاعتقاد باطلٌ، وهو ناشئٌ من قصور في فهمهم لعلّة الحاجة إلى العلّة من جهة، ومن جهة أخرى يرجع إلى قصورهم عن فهم معنى القدرة والاختيار والفاعل المختار.

الفاعل المختار عند المتكلّمين هو الفاعل الذي يفصلُ زمانٌ بينَه وبينَ فعلِه، والفاعل الموجب لا يفصل الزمان بينَه وبين فعله، مثل الإحراق والنار. والفاعل المختار عندهم هو الفاعل الذي يكون فعله مسبوقاً بالعدم، وبعد أن يدرس أبعاد الأمور يقرِّر ترجيح جانب الوجود على العدم.

بينما يرى الفلاسفة والمتكلّمون ذوي المشرب الفلسفي أنّ الفاعل المختار، هو الفاعل الذي «إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل». وعلى هذا، إذا أراد الفاعل الحكيم منذ الأزل أن يفعل أو قرّر أن يفعل إلى الأبد، فهذه الإرادة لا تتنافى مع اختياره. و قِدَم الفيض لا يؤدّي إلى استغناء الفعل عن الفاعل كما يعتقد المتكلّمون؛ وذلك لأنّ الأبديّة في المعاد لا تؤدّي إلى الاستغناء عن الفاعل؛ مع أنّ أبدية المعاد محلّ اتفاق بين الجميع. والحدوث ليس هو سبب حاجة المعلول إلى العلّة.

وذلك لأنّ الحدوث من صفات الوجود، وهو متأخّر رتبة بالتحليل العقلي عن الوجود، كما أنّ الوجود لاحقٌ للإيجاد بحسب التحليل العقلي أيضاً، والإيجاب متأخِّر عن الإيجاب، والإيجاب بعد الحاجة. وعلى هذا إذا كان الحدوث هو سبب الحاجة، يجب أن يتقدّم الشيء على وجوده بمراتب عدّة، وهذا دور مضمر لا فرق بينه وبين الدور المصرّح في البطلان؛ بل فسادُه أوضحُ وأكبرُ. فضلاً عن أنّه إذا كان الحدوث علّة الحاجة، فإنّه لمّا كان البقاء لا حدوث فيه، يجب أن تكون علّة الحاجة منتفية، وعليه ما حدث تنتفي حاجته إلى العلّة في البقاء.

و علّة الحاجة ومناطها عند المشّائين والإشراقيِّين هي الإمكان. والإمكانُ لمّا كان صفةً ملازمةً لذات المعلول ولا تنفكّ عنه، فإنّ حاجته إلى العلّة تبقى ملازمةً له في قدمه ودوامه وأبديّته؛ بل القِدَم يزيد حاجة الممكن إلى العلّة ويوسّع مداها. و لا يكتفي حكماء وفلاسفة المدرستين المشّائية والإشراقيّة، ببرهانَيْ الحركة والحدوث، بالنظر إلى قصورهما وفتورهما، وعدلا عنهما إلى برهان الإمكان والوجوب لما فيه من قوّة ومتانة لا تتوفّر في ذانك البرهانين[١٠].

المراجع والمصادر

  1. عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله

الهوامش

  1. انظر: عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله: 139 و 140.
  2. انظر: عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله: 140.
  3. انظر: عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله: ١٤٠ ـ ١٤٣.
  4. انظر: عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله: 143 - 145.
  5. عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله: 139 و 140.
  6. انظر: ادواردز، براهين إثبات وجود الله في فلسفة الغرب: بحث مستلّ من دايرة المعارف الفلسفية التابعة لـ بل ادواردز: ۵۴.
  7. عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله: 140.
  8. عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله: 140 - 143.
  9. انظر: ادواردز، براهين إثبات وجود الله في فلسفة الغرب: بحث مستلّ من دايرة المعارف الفلسفية التابعة لـ بل ادواردز: ص ۵6 – ۵7.
  10. عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله: 143 - 145.