سورة الزخرف
التمهيد[١]
سورة الزخرف سورة مكيّة نزلت بعد «سورة الشورى». وقد نزلت في الفترة الأخيرة من حياة المسلمين في مكّة بعد الإسراء وقبيل الهجرة، وقد سمّيت بسورة «الزخرف»، لقوله تعالى فيها: ﴿وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾[٢].
أفكار السورة
تعرض هذه السورة جانباً ممّا كانت الدعوة الإسلامية تلاقيه من مصاعب وعقبات، ومن جدال واعتراضات، وتعرض معها كيف كان القرآن الكريم يعالجها في النفوس، وكيف يقرّر في ثنايا علاجها حقائقه وقيمه في مواجهة الخرافات والوثنيات والقيم الجاهلة الزائفة، التي كانت قائمة في النفوس إذ ذاك، ولا يزال جانب منها قائما في النفوس في كلّ زمان ومكان.
وقال الفيروزآبادي: معظم مقصود سورة «الشورى» هو: «بيان إثبات القرآن في اللوح المحفوظ، وإثبات الحجّة والبرهان على وجود الصانع، والردّ على عبّاد الأصنام الذين قالوا: الملائكة بنات الله سبحانه، والمنّة على الخليل إبراهيم(ع) بإبقاء كلمة التوحيد في عقبه، وبيان قسمة الأرزاق، والإخبار عن حسرة الكفار وندامتهم يوم القيامة، ومناظرة فرعون وموسى، ومجادلة عبد الله بن الزبعري للمؤمنين بحديث عيسى(ع)، وادعاؤه أن الملائكة أحق بالعبادة من عيسى، ثم بيان شرف الموحّدين في القيامة، وعجز الكفار في جهنّم، وإثبات ألوهية الحق سبحانه في السماء والأرض، وأمر الرسول(ص) بالإعراض عن مكافأة الكفار» [٣]«١»
في قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾[٤].
فصول السورة
إذا تأملنا سورة الزخرف، وجدنا أنّه يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:
شبهات الكافرين
يشمل الفصل الأول الآيات [١- ٢٥]. ويبدأ بالتنويه بشأن القرآن والوحي، وبيان أنّ من سنّة الله، جلّ جلاله، إرسال الرسل لهداية الناس وإرشادهم، ولكنّ البشرية قابلت الرسل بالاستهزاء والسخرية، فأهلك الله المكذّبين.
والعجيب أن كفّار مكة كانوا يعترفون بوجود الله، ثم لا يرتّبون على هذا الاعتراف نتائجه الطبيعية، من توحيد الله وإخلاص التوجّه إليه، فكانوا يجعلون له شركاء يخصّونهم ببعض ما خلق من الأنعام.
وفي هذه السورة تصحيح لهذه الانحرافات الاعتقادية، وردّ النفوس إلى الفطرة، وإلى الحقائق الأولى فالأنعام من خلق الله، وهي طرف من آية الحياة، مرتبط بخلق السماوات والأرض جميعا، وقد خلقها الله وسخّرها للبشر ليذكروا نعمة ربهم عليهم ويشكروها، لا ليجعلوا له شركاء، ويشرعوا لأنفسهم في الأنعام ما لم يأمر به الله، بينما هم يعترفون بأن الله، جل جلاله، هو الخالق المبدع، ثم هم ينحرفون عن هذه الحقيقة، ويتّبعون الخرافات والأساطير: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾[٥].
وكانت الوثنية الجاهلية تقول: إنّ الملائكة بنات الله. ومع أنهم يكرهون مولد البنات لأنفسهم، فإنّهم كانوا يختارون لله البنات ويعبدونهنّ من دونه، ويقولون إنّنا نعبدهنّ بمشيئة الله ولو شاء ما عبدناهنّ. وكانت مجرد أسطورة ناشئة عن انحراف في العقيدة.
وفي هذه السورة يناقشهم القرآن بمنطقهم هم، ويحاجّهم كذلك بمنطق الفطرة الواضح حول هذه الأسطورة التي لا تستند إلى شيء على الإطلاق: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ أَوَ مَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾[٦].
ثم يكشف القرآن الكريم عن سندهم الوحيد في اعتقاد هذه الأسطورة، وهو المحاكاة والتقليد، وهي صورة زريّة، تشبه صورة القطيع يمضي حيث هو، منساقا بدون تفكير.
ثم يبيّن القرآن، أن طبيعة المعرضين عن الهدى واحدة، وحجّتهم مكرورة بدون تدبّر لما يلقى إليهم، ولو كان أهدى وأجدى، ومن ثمّ لا تكون عاقبتهم إلّا التدمير والتنكيل، انتقاما منهم وعقابا لهم: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾[٧].
مناقشة ومحاجة
تشتمل الآيات [٢٦- ٥٦] على القسم الثاني من السورة، وهو استمرار لمناقشة قريش في دعاويها. فقد كانت قريش تقول: إنها من ذريّة إبراهيم(ع) - وهذا حق- وإنها على ملّة إبراهيم(ع) - وهذا ادّعاء باطل- فقد أعلن إبراهيم(ع) كلمة التوحيد قوية واضحة، لا لبس فيها ولا غموض، ومن أجلها هجر أباه وقومه، بعد أن تعرّض للقتل والتحريق، وعلى التوحيد قامت شريعة إبراهيم(ع)، ثم أوصى بها ذريّته وعقبه، فلم يكن للشرك فيها أي خيط رفيع.
وفي هذا القسم من السورة يردّهم إلى هذه الحقيقة التاريخية، ليعرضوا عليها دعواهم التي يدّعون. ثم يحكي اعتراضهم على رسالة النبي(ص) وقولهم كما ورد في التنزيل ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾[٨]، ويناقش قولتهم هذه، وما تنطوي عليه من خطأ في تقدير القيم الأصلية التي أقام الله عليها الحياة، والقيم الزائفة التي تتراءى لهم، وتصدّهم عن الحقّ والهدى. وعقب تقرير الحقيقة في هذه القضيّة، يطلعهم على عاقبة المعرضين عن ذكر الله، بعد أن يطلعهم على علّة هذا العمى، وهو من وسوسة الشيطان.
ويلتفت السياق في نهاية هذا الدرس إلى الرسول(ص) فيذكر تسلية الله تعالى له ومواساته إيّاه عن إعراضهم وعماهم، بأن الرسول(ص) ليس بهادي العمي أو مسمع الصّمّ، وسيلقون جزاءهم، سواء أشهد انتقام الله منهم، أم أخّره الله عنهم، ويوجّهه تعالى إلى الاستمساك بما أوحى إليه فإنّه الحق الذي جاء به الرسل أجمعون فكلّهم جاءوا بكلمة التوحيد ثم يعرض، من قصة موسى(ع)، حلقة تمثّل واقع العرب هذا مع رسولهم، وكأنّما هي نسخة مكررة تحوي الاعتراضات ذاتها التي يبدونها، وتحكي اعتزاز فرعون وملته بالقيم ذاتها، التي يعتز بها المشركون: المال، الملك، الجاه، السلطان، مظاهر البذخ. وقد بيّن القرآن الكريم، فيما سبق، أنّها لا تزن عند الله جناح بعوضة، ولو شاء الله لأعطى هذه الأموال للكافر في الدنيا لهوانها على الله من جهة، ولأنّ هذا الكافر لا حظّ له في نعيم الآخرة، من جهة أخرى ولكنّ الله سبحانه لم يفعل ذلك خشية أن يفتن الناس، وهو العليم بضعفهم، ولولا خوف الفتنة لجعل للكافر بيوتا سقفها من فضة، وسلالمها من ذهب، بيوتا ذات أبواب كثيرة، وقصورا فيها سرر للاتكاء، وفيها زخرف للزينة...
رمزا لهوان هذه الفضة والذهب، والزخرف والمتاع، بحيث تبذل هكذا رخيصة لمن يكفر بالرحمن. وهذا المتاع الزائل لا يتجاوز حدود الدنيا، ولكن الله يدّخر نعيم الآخرة للمتقين.
من أساطير المشركين
تشتمل الآيات [٥٧- ٨٩] على الدرس الأخير من سورة الزخرف، وفيها يستطرد السياق إلى حكاية أساطير المشركين حول عبادة الملائكة، ويحكي حادثا من حوادث الجدل الذي كانوا يزاولونه، وهم يدافعون عن عقائدهم الواهية، لا بقصد الوصول إلى الحق، ولكن مراء ومحالا.
فلما قيل: إنكم وما تعبدون من دون الله حطب جهنم، وكان القصد هو أصنامهم التي جعلوها تماثيل للملائكة، ثم عبدوها بذاتها وقيل لهم إنّ كل عابد وما يعبد من دون الله في النار لما قيل لهم هذا، ضرب بعضهم المثل بعيسى بن مريم(ع)، وقد عبده المنحرفون من قومه، أهو في النار؟ وكان هذا مجرد جدل، ومجرد مراء.
ثم قالوا: إذا كان أهل الكتاب يعبدون عيسى(ع)، وهو بشر، فنحن أهدى منهم إذ نعبد الملائكة وهم بنات الله، وكان هذا باطلا يقوم على باطل.
وبهذه المناسبة، يذكر السياق طرفا من قصة عيسى بن مريم(ع)، يكشف حقيقته وحقيقة دعوته، واختلاف قومه من قبله ومن بعده.
ثم يهدّد المنحرفين عن سواء العقيدة جميعا بمجيء الساعة بغتة. وهنا يعرض مشهدا مطوّلا من مشاهد القيامة، يتضمّن صفحة من النعيم للمتّقين، وصفحة من العذاب الأليم للمجرمين، ثم يبيّن إحاطة الله سبحانه بجميع ما يصدر عنهم، وتسجيل ذلك عليهم.
﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾[٩].
ثم تلطّف القرآن الكريم في تنزيه الله تعالى عمّا يصفون، فأمر النبي(ص) أن يذكر لهم أنّه لو كان للرحمن ولد، لكان النبي(ص) أوّل العابدين له، ولكن الله جلّ جلاله منزّه عن اتّخاذ الولد، فهو سبحانه له الملكية المطلقة، للسماء والأرض، والدنيا والآخرة.
ثم يواجههم القرآن الكريم بمنطق فطرتهم، فهم يؤمنون بالله، فكيف يصرفون عن الحق الذي تشهد به فطرتهم، ويحيدون عن مقتضاه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾[١٠].
وفي ختام السورة يتبدّى اتجاه الرسول(ص) لربّه، يشكو إليه كفرهم، وعدم إيمانهم: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾[١١].
ويجيب عليه سبحانه في رعاية، فيدعوه إلى الصفح والإعراض، فسيلقون جزاءهم المحتوم: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾[١٢].
ترابط الآيات في السورة[١٣]
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة «الزخرف» بعد سورة «الشورى»، ونزلت سورة «الشورى» بعد الإسراء وقبيل الهجرة، فيكون نزول سورة «الزخرف»، في ذلك التاريخ أيضاً.
وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى منها: ﴿وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾[١٤] وتبلغ آياتها تسعا وثمانين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة تنزيه الله تعالى عن الأولاد، وقد ذكر في السورة السابقة اتفاق الرسل على شريعة التوحيد، ولكنّ بعض أتباعهم أدخل عقيدة الولد في شرائعهم، فذكرت هذه السورة بعدها لتنزيه الله سبحانه عنها، وتبرئة هذه الشرائع منها هذا إلى ما فيها من أخذهم بالترهيب والترغيب وغيرهما مما تشبه به السورة السابقة أيضاً.
التمهيد لتنزيه الله سبحانه عن الأولاد الآيات [١- ١٤]
قال الله تعالى: ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾[١٥] فمهّد لذلك بالتنويه بشأن ما يتلى عليهم فيه، وذكر سبحانه أنّه لا يصح أن يعرض عن إنذارهم لإسرافهم في شركهم، وأنه كم أرسل من نبي في الأولين، وأنهم كانوا أشدّ منهم بطشا، فلمّا استهزءوا بالرسل أهلكهم وجعلهم مثلا لمن بعدهم ثم انتقل السياق من ذلك إلى إثبات ما ذكره من إسرافهم وعنادهم، فذكر سبحانه أنهم لو سئلوا: من خلق السماوات والأرض لقالوا: خلقهنّ العزيز العليم وذكر بعد هذا بعض ما أنعم به عليهم، ليعرفوا فضله، وينزّهوه عمّا لا يليق به، ويعتقدوا أنهم لا بد من رجوعهم إليه ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾[١٦].
إبطال بنوة الملائكة الآيات [١٥- ٥٦]
ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾[١٧] فذكر، جلّ وعلا، أنهم، بدل شكره سبحانه، وتنزيهه عمّا لا يليق به، قالوا عن الملائكة إنهم بناته، مع أنهم لا يرضون البنات لأنفسهم، وإذا بشّر أحدهم بما يضربه لله مثلا من البنات ظلّ وجهه مسودا من الحزن والغم ثم ذكر أنهم لا دليل لهم على عبادتها إلّا قولهم: لو شاء الرحمن ما عبدناهم، وقولهم: إنّا وجدنا آباءنا يعبدونهم ونحن مقتدون بهم وردّ عليهم بأنّ من قبلهم من المشركين ذكر مثل هذا لرسلهم، فلم يفدهم شيئا وانتقم الله منهم فأهلكهم ثم أمر النبي(ص) أن يذكر لهم براءة إبراهيم(ع) ممّا يشركون، وهو الأب الأعلى لهم، والإمام الذي يجب أن يكون قدوتهم، وكان قومه يعبدون الكواكب وسكّانها من الملائكة، فتبرّأ من عبادتهم، وشرع دين التوحيد لذريّته، ليرجعوا إليه جيلا بعد جيل ثم ذكر تعالى أنه متّع العرب من ذرّيّته حين انصرفوا عن شرعه، إلى تلك العبادة الباطلة، فأمهلهم وأمدّ لهم، إلى أن أرسل إليهم رسولا منهم، وأنزل عليه القرآن ليدعوهم إلى عبادته، فاستخفّوا به لأنه لم يكن من ذوي الرياسة فيهم، وقالوا لولا نزّل هذا القرآن على رجل عظيم من مكة أو الطائف وردّ عليهم سبحانه بأن ذلك فضله ورحمته يقسمهما كما يريد، وهو الذي قسم بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا، واقتضت حكمته أن يكون فيهم الأغنياء والفقراء لتنتظم بهذا أمور حياتهم، ورحمته خير من تلك الأموال التي يجعلونها مقياس الفضل بينهم.
ولولا أن يكون الناس أمة واحدة على الكفر، لجعل لمن يكفر به بيوتا سقفها من فضة، إلى غير هذا من زخرف الدنيا وزينتها: ﴿وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾[١٨] ثم ذكر تعالى أن ذلك من إغواء الشيطان الذي اتخذوه قرينا لهم، وأنّهم سيندمون على استماعهم له، حين يرجعون إلى ربّهم، ويتمنّون أن لو كان بينهم وبينه بعد المشرقين ثم ذكر سبحانه للنبي(ص) استحكام الجهل فيهم، وأنهم لا ترجى هدايتهم، وأنه إن ذهب به قبلهم فإنه سينتقم منهم في آخرتهم، وإن أراه ما يوعدون من العذاب في دنياهم فهو مقتدر عليهم.
ثم أمره أن يستمسك بما أوحي إليه من الإسلام والتوحيد وذكر أنه هو الدين الذي أرسل به الرسل قبله ثم خصّ موسى(ع) بالذكر من بينهم، لبقاء ظهور التوحيد في شريعته، أعظم من ظهوره في سواها فذكر ما كان من إرساله إلى فرعون وقومه، وذكر ما كان من اغترار فرعون بملكه، واستهزائه بموسى(ع) لأنه لا يبلغ ما بلغه من المجد والسلطان في الحياة الدنيا، وأنه استخفّ قومه فأطاعوه فأغرقهم أجمعين: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾[١٩].
إبطال بنوة عيسى الآيات [٥٧- ٨٩]
ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾[٢٠] فذكر أنهم اعتمدوا على النصرانية في عبادتهم الملائكة، فقالوا إن النصارى عبدوا عيسى(ع) واتخذوه ولدا لله، والملائكة خير منه بزعمهم الباطل وردّ عليهم سبحانه بأن عيسى ما هو إلا عبد مثلهم، وأنه لو يشاء سبحانه لجعلهم خلفا في الأرض منهم، ولم يسكنهم السماوات التي جعلتهم يبالغون في أمرهم ثم ذكر أن عيسى(ع) إنما ولد من غير أب، ليكون علامة على الساعة، ونهاهم عن الشكّ فيها، وأمرهم أن يتّبعوه ولا يسمعوا للشيطان فيما يزيّن لهم من عبادة غيره ثم ذكر أن عيسى(ع) جاء بما جاء به غيره من الرسل، فأمر بتقوى الله وعبادته، ولكنّ أتباعه اختلفوا بعده إلى أحزاب في شريعته، وزعموا أنه ابن له، ثم هدّدهم على هذا بعذاب يوم القيامة، وبيّن أنها توشك أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون، ويومئذ يعادي الأخلاء بعضهم بعضا إلا المتّقين ثم ذكر ما يحصل للمتّقين في ذلك اليوم، وذكر بعده ما يحصل للمجرمين فيه، إلى أن ذكر في بيان استحقاقهم لما يحصل لهم: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾[٢١].
ثم ختمت السورة بالتلطّف في إبطال اتّخاذ الأولاد له تعالى، فأمر الله نبيّه أن يذكر أنه لو كان لله سبحانه ولد، كما يزعمون باطلا، لكان أوّل العابدين ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾[٢٢]. وأمره أن يتركهم في لهوهم ولعبهم حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ثم ذكر سبحانه أنه هو الذي ثبتت ألوهيته في السماء والأرض، وله ملك السماوات والأرض وما بينهما، ولا يملك الذين يدعون، من الملائكة ونحوهم، الشفاعة لأحد، إلّا من شهد بالحق، فلا يصحّ أن يكونوا مع هذا العجز أولادا له ثم استبعد منهم أن يذهبوا إلى عبادتهم، مع علمهم بأنه جل جلاله، هو الذي خلقهم ثم ذكر أن مثل هؤلاء قوم لا يؤمنون: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾[٢٣].[٢٤]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ انتقي هذا الفصل من كتاب «أهداف كلّ سورة ومقاصدها»، لعبد الله محمود شحاته، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، ١٩٧٩- ١٩٨٤.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٣٥.
- ↑ بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ١/ ٤٢١، مع تعديل يسير.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٨٩.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٩.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ١٥ - ١٩.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٢٣-٢٥.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٣١.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٨٠.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٨٧.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٨٨.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٨٩.
- ↑ انتقي هذا المبحث من كتاب «النظم الفنّي في القرآن»، للشيخ عبد المتعال الصعيدي، مكتبة الآداب بالجمايز- المطبعة النموذجية بالحكمية الجديدة، القاهرة، غير مؤرّخ.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٣٥.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ١-٣.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ١٤.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ١٥.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٣٥.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٥٦.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٥٧.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٨٠.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٨٢.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٨٩.
- ↑ السيد جعفر شرف الدين، الموسوعة القرآنية، ٨: ٧٧ - ٨٨.